تحرك أميركي جديد تجاه التوترات بين إثيوبيا وإريتريا، مع تصاعد التحشيد على حدود كل منهما، منذ اندلاع المعارك مع «جبهة تحرير تيغراي» قبل نحو 3 أسابيع، واتهام أديس أبابا لأسمرة بدعم «الجبهة»، في أكبر تصعيد منذ الحرب السابقة بين البلدين في (1998 - 2000).
ودعا وزير الخارجية الأميركي، ماركو روبيو، إلى خفض التصعيد، خلال اتصال هاتفي مع رئيس الوزراء الإثيوبي، آبي أحمد، وهي خطوة يراها خبراء تحدثوا لـ«الشرق الأوسط مهمة لكبح التصعيد وتداعياته على القرن الأفريقي، تبعاً لامتلاك واشنطن أدوات تمكنها من الضغط على الطرفين.
تدخل أميركي
وشدد روبيو، خلال الاتصال مع آبي أحمد، على أن «كل دول القرن الأفريقي يجب أن تحترم سيادة جيرانها، وسلامة أراضيها، وأن تتجنب التوغلات عبر الحدود»، وفق بيان صادر عن وزارة الخارجية الأميركية، مساء الأربعاء.
كما أكد أن «المنطقة لا تحتمل مزيداً من النزاعات، وأن الحل المستدام الوحيد للتوترات الداخلية والخارجية يتحقق من خلال الحوار، والتواصل، وعلى النحو المتفق عليه في إطار السلام بين إثيوبيا وإريتريا لعام 2018».
ويرى الباحث الإثيوبي في الشؤون الأفريقية، موسى شيخو، أن «اتصال روبيو برئيس الوزراء آبي أحمد يعكس إدراك واشنطن لخطورة التصعيد، خاصة أن الولايات المتحدة تمتلك أدوات ضغط دبلوماسية واقتصادية، لكنها تواجه تحدياً يتمثل في محدودية نفوذها المباشر على أسمرة، وتعقيدات الصراع في تيغراي».
وأكد أن «نجاح واشنطن لن يُقاس بمجرد الاتصالات الدبلوماسية، بل بقدرتها على تحويلها إلى تفاهمات أمنية ملموسة تعالج المخاوف المتبادلة، وتمنع تحول أزمة تيغراي والخلاف حول البحر الأحمر إلى حرب جديدة تهدد استقرار القرن الأفريقي بأكمله».
وتتوقع الخبيرة الأميركية المختصة في الشؤون الأمنية والاستراتيجية، إيرينا تسوكرمان، في حديث لـ«الشرق الأوسط»، أن يستجيب آبي أحمد لطلب واشنطن بالتهدئة، «خاصة أنه لديه مصلحة في توسيع التعاون الاقتصادي والأمني مع الولايات المتحدة، لا سيما في ظل استمرار معاناة إثيوبيا من نقص النقد الأجنبي، وأعباء الديون، والتضخم، والتبعات المالية للصراعات الداخلية الممتدة».
وتعتقد تسوكرمان أن لدى الرئيس الإريتري، آسياس أفورقي «دوافع أقل بكثير للاستجابة للضغوط الاقتصادية الأميركية، مقارنة بآبي أحمد»، مؤكدة، أن إريتريا «تحملت عقوداً من العقوبات، وتظل فرص التأثير الأميركي عليها عبر الحوافز الاقتصادية التقليدية محدودة، لكن يمكن لروبيو استكشاف إمكانية تقديم ضمانات دبلوماسية بشأن سيادة إريتريا، والعمل على تحسين العلاقات الثنائية تدريجياً، مع إبقاء أي مناقشات تتعلق بالعقوبات ضمن الأطر القانونية القائمة».
ترقب على الحدود
ويأتي ذلك التحذير الأميركي وسط تقدم للقوات الفيدرالية الإثيوبية وحلفائها باتجاه بلدة قريبة من الحدود مع إريتريا، حسبما نقلت «وكالة الصحافة الفرنسية» الأربعاء عن مصدرين، لافتة إلى أن ذلك يعزز المخاوف من اندلاع حرب إقليمية.
وقال أحد أفراد القوات الموالية للحكومة للوكالة: «إن قوات الدفاع تسيطر على قرى قريبة من بلدة زالامبيسا القريبة من حدود البلدين»، مضيفاً: «لم تعبر أي قوات إثيوبية إلى إريتريا».
وأفاد أحد سكان زالامبيسا بأن «الجيش الإثيوبي وصل إلى مسافة تبعد نحو خمسة كيلومترات جنوبي البلدة، فيما يتمركز الجيش الإريتري عند أطرافها الشمالية»، مؤكداً أن «الوضع يثير قلقاً عميقاً بين السكان الذين يخشون أن تتحول البلدة إلى ساحة معركة».
وصرح وزير الإعلام الإريتري يماني قبر مسقل بأن الأنباء التي تحدثت عن عبور قوات إثيوبية للحدود «لا يمكن الوثوق بها».

وتتهم إثيوبيا إريتريا بدعم «جبهة تحرير شعب تيغراي» التي أطلقت هجوماً واسع النطاق على القوات الحكومية في 23 سبتمبر (أيلول)، قبل أن تنسحب من أكثر من منطقة، وسط ترقب ومخاوف من تجدد الحرب الأهلية التي أودت بحياة مئات الآلاف بين عامي 2020 و2022.
ونالت إريتريا استقلالها عن إثيوبيا عام 1993، وخاض البلدان حرباً حدودية بين عامَي 1998 و2000، وشهدت العلاقات بين البلدين تحسناً لفترة وجيزة بعد وصول آبي أحمد إلى السلطة، لكنها تدهورت مجدداً، وصولاً إلى قطع العلاقات بالكامل هذا الشهر بسبب النزاع في تيغراي.
فيما تتهم إريتريا إثيوبيا، وهي دولة غير ساحلية، بالتخطيط لاستغلال النزاع ذريعة لغزو أراضيها، والسيطرة على «ميناء عصب» الواقع على البحر الأحمر.
ووسط تلك التطورات، يعتقد موسى شيخو أن «الحشود العسكرية على الحدود الإثيوبية الإريترية تمثل انتقالاً للأزمة من التوتر السياسي إلى مرحلة الردع المتبادل، في ظل التحولات الميدانية الأخيرة في تيغراي. ويرتبط تعزيز الانتشار العسكري بتأمين الحدود، وحماية السيادة الوطنية، بينما تنظر أسمرة إلى هذه التحركات باعتبارها تهديداً محتملاً لأمنها».
وحذر من أن «الخطر الحقيقي لا يكمن في الحشود ذاتها، بل في احتمال سوء التقدير العسكري، الذي قد يحول احتكاكاً حدودياً محدوداً إلى مواجهة يصعب احتواؤها».
وتقف المنطقة بحسب شيخو «أمام ثلاثة احتمالات تتضمن تهدئة برعاية دولية، أو استمرار الردع العسكري المتبادل، أو الانزلاق إلى مواجهة إقليمية أوسع».


