الصين تنفي خفض اليوان وتطالب بنفوذ دولي أكبر

بكين تتعهد بمزيد من شفافية الصرف وتوسع تمويل التنمية

صينيون أمام مركز تجاري بالعاصمة الصينية في آخر أيام إجازة اليوم الوطني التي امتدت أسبوعاً (أ.ف.ب)
صينيون أمام مركز تجاري بالعاصمة الصينية في آخر أيام إجازة اليوم الوطني التي امتدت أسبوعاً (أ.ف.ب)
TT

الصين تنفي خفض اليوان وتطالب بنفوذ دولي أكبر

صينيون أمام مركز تجاري بالعاصمة الصينية في آخر أيام إجازة اليوم الوطني التي امتدت أسبوعاً (أ.ف.ب)
صينيون أمام مركز تجاري بالعاصمة الصينية في آخر أيام إجازة اليوم الوطني التي امتدت أسبوعاً (أ.ف.ب)

أكدت الصين، الخميس، أنها لا تحتاج إلى إضعاف عملتها لتحقيق مكاسب تجارية، ولا تعتزم استخدام سعر صرف اليوان أداة لتعزيز قدرتها التنافسية، في وقت كشفت فيه دراسة جديدة عن ارتفاع حاد في مساهمات بكين لتمويل مؤسسات التنمية الدولية، دون أن يواكب ذلك توسع مماثل في نفوذها داخل النظام المالي العالمي.

ويعكس التطوران مسارين متوازيين في السياسة الاقتصادية الصينية؛ أولهما تأكيد الالتزام باستقرار سوق الصرف وتجنب اتهامات التلاعب بالعملة، والآخر السعي إلى تعزيز دور البلاد في المؤسسات متعددة الأطراف بما يتناسب مع وزنها الاقتصادي ومساهماتها المالية المتزايدة.

وقال «بنك الشعب» الصيني، في بيان، إن البلاد «لا تحتاج ولا تعتزم» استخدام انخفاض قيمة اليوان للحصول على ميزة تنافسية في التجارة الخارجية، مؤكداً أنها لم تنخرط قط في تخفيض تنافسي لقيمة العملة.

وأضاف البنك المركزي أن الصين تسمح للسوق بأداء دور حاسم في تحديد سعر الصرف، ولا تضع مستويات مستهدفة مسبقاً للعملة، كما لا تتدخل لتوجيه اتجاهاتها طويلة الأجل.

وأعلن أن بكين ستبدأ، ابتداءً من عام 2027، تقديم بيانات إضافية متعلقة بالنقد الأجنبي إلى صندوق النقد الدولي، في خطوة تستهدف توسيع نطاق الإفصاح عن تطورات سوق الصرف.

وتأتي هذه التصريحات في وقت أظهر فيه اليوان تماسكاً ملحوظاً أمام الدولار، رغم ارتفاع العملة الأميركية خلال عطلة العيد الوطني الصيني.

وجرى تداول اليوان المحلي، الخميس، قرب 6.7030 مقابل الدولار، بعد استئناف الأسواق نشاطها عقب عطلة استمرت أسبوعاً، في حين بلغت مكاسب العملة الصينية نحو 9 في المائة منذ أواخر عام 2024.

واستفاد اليوان من قوة الصادرات الصينية وتدفقات النقد الأجنبي المرتبطة بالفائض التجاري، وإن كانت هذه التدفقات تقابلها استثمارات صينية متزايدة في الأصول الخارجية.

ويشير موقف البنك المركزي إلى رغبة بكين في الفصل بين تنافسية صادراتها وسياسة سعر الصرف، خصوصاً مع استمرار التوترات التجارية مع الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي.

وفي موازاة ذلك، تسعى الصين إلى تعزيز حضورها في المؤسسات المالية والتنموية الدولية، لكن دراسة جديدة أظهرت أن مساهماتها المتزايدة لم تتحول بعد نفوذاً تصويتياً وإدارياً يعكس حجم اقتصادها.

• تمويل التنمية يرتفع 10 أضعاف

كشف تقرير صادر عن «مركز التنمية العالمية»، الخميس، عن أن الصين رفعت تمويلها لمؤسسات التنمية متعددة الأطراف بمقدار عشرة أضعاف منذ عام 2010، في تحول يعكس انتقالها التدريجي من مستفيد رئيسي من التمويل الدولي إلى مساهم متزايد في توفيره.

وبلغت مساهمات بكين في بنوك التنمية متعددة الأطراف 3 مليارات دولار خلال عام 2024، في حين ارتفع تمويلها للهيئات التابعة للأمم المتحدة والمعنية بالتنمية بنسبة 47 في المائة.

كما زادت الصين مساهماتها في آليات تمويل المناخ متعددة الأطراف إلى 5.25 مليار دولار خلال عام 2025؛ ما يعكس تنامي اهتمامها بملفات الطاقة النظيفة والتكيف المناخي والتنمية المستدامة.

غير أن التوسع ظل انتقائياً؛ إذ خفضت بكين دعمها لصناديق دولية، من بينها «غافي»، الشراكة المعنية بشراء اللقاحات وتوزيعها في البلدان منخفضة الدخل، بنسبة 32 في المائة.

وقال إيان ميتشل، أحد معدّي التقرير، إن هذه الزيادة تمثل تحولاً كبيراً مقارنة بما كانت عليه مساهمات الصين قبل 15 عاماً، لكنها تظل ضئيلة قياساً إلى حجم اقتصادها.

وأوضح أن بكين لم توسع بصورة كبيرة تمويلها الطوعي للأمم المتحدة أو الصناديق الدولية المتخصصة، في حين واصلت برامج التعاون الثنائي على نطاق أصغر.

وتأتي الدراسة قبل الاجتماعات السنوية لصندوق النقد الدولي والبنك الدولي، المقررة في بانكوك الأسبوع المقبل، حيث يُنتظر أن يكون دور الصين في تمويل التنمية وإصلاح حوكمة المؤسسات الدولية من القضايا المطروحة للنقاش.

• مساهمات أكبر وحصة تصويتية محدودة

لطالما طالبت بكين بزيادة حصتها التصويتية في البنك الدولي وصندوق النقد الدولي، بما يعكس مكانتها بوصفها ثاني أكبر اقتصاد في العالم.

لكن الدراسة أظهرت أن حصة الصين في البنك الدولي تبلغ نحو 6 في المائة، أي أقل من نصف المستوى الذي تشير إليه المعادلة الاقتصادية المستخدمة لتحديد الوزن النسبي للدول.

وفي المقابل، تحتفظ الولايات المتحدة بحصة تبلغ نحو 16 في المائة، تمنحها القدرة على تعطيل القرارات التي تتطلب أغلبية خاصة.

وتعارض واشنطن وعدد من الدول الغربية إعادة توزيع الحصص بما يمنح الصين قوة تصويتية أكبر، مشيرة إلى غياب التوافق بشأن الإصلاحات ومثيرة تساؤلات حول الشفافية الصينية.

ويكشف هذا التباين عن إحدى المعضلات الرئيسية التي تواجه النظام المالي متعدد الأطراف؛ إذ تتزايد مساهمات الاقتصادات الناشئة، في حين لا تتغير هياكل الحوكمة والتصويت بالوتيرة نفسها.

وأصبحت الصين، خامس أكبر مانح للمؤسسة الدولية للتنمية، التابعة للبنك الدولي والمخصصة لدعم أفقر البلدان، بعد تعهدها بتقديم 1.5 مليار دولار خلال أحدث جولة لتجديد موارد المؤسسة.

كما رفعت مساهماتها في برامج الإقراض متعدد الأطراف التي تقدم قروضاً بفوائد منخفضة أو دون فوائد بنسبة 92 في المائة خلال السنوات الخمس الماضية.

• بكين لا تسد فجوة التمويل الغربي

يتزامن صعود المساهمات الصينية مع تقليص عدد من الدول الغربية إنفاقها التنموي وانسحاب الولايات المتحدة من بعض المؤسسات الدولية.

وقالت بياتا سيخوكا، المشاركة في إعداد الدراسة، إن الصين قدمت مساهمات كبيرة إلى منظمة الصحة العالمية في وقت انسحبت فيه واشنطن منها، لكنها لم تتحرك لسد جميع الفجوات التمويلية الناجمة عن تراجع الدعم الأميركي والغربي.

وتظهر انتقائية التمويل الصيني في طبيعة مساهماتها للأمم المتحدة؛ إذ لم تتجاوز حصة التمويل الطوعي 11 في المائة من إجمالي مساهمات بكين للهيئات الأممية، مقارنة بأكثر من 70 في المائة من المساهمات الأميركية.

ويشير هذا الاختلاف إلى أن الصين تركز على مجالات محددة تتوافق مع أولوياتها الاقتصادية والاستراتيجية، بدلاً من السعي إلى تعويض جميع الموارد التي فقدتها المؤسسات الدولية نتيجة تراجع التمويل الغربي.

• من أكبر المقترضين إلى كبار المانحين

ورغم توسع دور الصين في التمويل، لا يزال تمثيلها الإداري محدوداً. ويشغل مواطنون صينيون خمسة مناصب قيادية عليا في البنك الدولي وبنوك التنمية متعددة الأطراف الأخرى، وهو عدد لم يتغير منذ عام 2021.

كما فقدت بكين منذ عام 2020 عدداً من المناصب القيادية في مؤسسات أممية، من بينها منظمة الصحة العالمية والاتحاد الدولي للاتصالات.

وفي المقابل، تراجع اعتماد الصين على الاقتراض من بنوك التنمية، مع اقترابها من التصنيف ضمن الاقتصادات مرتفعة الدخل.

وانخفض إجمالي اقتراضها من هذه المؤسسات إلى 4.7 مليار دولار في عام 2024، مقابل 8 مليارات دولار في عام 2021.

وبعدما كانت أكبر مقترض من البنك الدولي في عام 2017، تراجعت الصين إلى المرتبة الثامنة عشرة، في حين أعلن البنك أنه سيوقف جميع عمليات الإقراض لها بعد عام 2031.

ويعكس هذا التحول تغير موقع الصين داخل النظام المالي العالمي، من اقتصاد يعتمد بدرجة كبيرة على التمويل التنموي الخارجي إلى قوة اقتصادية تسهِم في توفير الموارد للدول الأخرى.

وتجمع التطورات الأخيرة بين مسعى صيني لتعزيز الثقة في سياسات سعر الصرف، عبر نفي استخدام اليوان أداة للمنافسة التجارية والتعهد بمزيد من الإفصاح لصندوق النقد الدولي، وبين مطالبة مستمرة بدور أكبر في إدارة المؤسسات المالية العالمية.

لكن الدراسة توضح أن ارتفاع المساهمات المالية لا يضمن تلقائياً زيادة النفوذ، خصوصاً في ظل الخلافات بشأن الحوكمة والشفافية وإعادة توزيع القوة التصويتية.

ومع اقتراب الاجتماعات السنوية لصندوق النقد والبنك الدوليين، ستواجه بكين اختباراً مزدوجاً: إظهار التزامها بقواعد النظام المالي الدولي، وفي الوقت نفسه الدفع نحو إصلاحات تمنحها تمثيلاً أكبر يتناسب مع وزنها الاقتصادي المتنامي.


مقالات ذات صلة

حكومة اليابان تتخلى عن خطاب التحفيز المفرط

الاقتصاد حكومة اليابان تتخلى عن خطاب التحفيز المفرط

حكومة اليابان تتخلى عن خطاب التحفيز المفرط

تسعى رئيسة الوزراء اليابانية ساناي تاكايتشي إلى تغيير الصورة التي رسختها الأسواق عن سياستها الاقتصادية القائمة على التوسع المالي والتحفيز النقدي.

«الشرق الأوسط» (طوكيو)
الاقتصاد مقر البنك المركزي بالعاصمة اليابانية طوكيو (رويترز)

بنك اليابان يحذر من اتساع ضغوط التضخم

حذّر بنك اليابان، الخميس، من اتساع الضغوط التضخمية في الاقتصاد، مع انتقال ارتفاع تكاليف المواد الخام والطاقة والأجور إلى أسعار السلع الاستهلاكية

«الشرق الأوسط» (طوكيو)
الاقتصاد الحي المالي في فرانكفورت (رويترز)

الحكومة الألمانية ترفع توقعات النمو لعامي 2026 و2027

أعلنت وزارة الاقتصاد الألمانية، يوم الخميس، أن الحكومة رفعت توقعاتها للنمو الاقتصادي للعام الحالي والعام المقبل.

«الشرق الأوسط» (برلين)
الاقتصاد يعمل المتداولون في قاعة التداول ببورصة نيويورك (NYSE) - الولايات المتحدة (رويترز)

«ستيت ستريت»: شهية المؤسسات للمخاطرة تتراجع ومخصصات السندات ترتفع

تراجعت شهية المؤسسات العالمية للمخاطرة خلال سبتمبر (أيلول)، منهية سلسلة ارتفاع استمرت خمسة أشهر، وفق مؤشر «ستيت ستريت» لشهية المخاطرة.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
الاقتصاد منطقة ليفنت التجارية والمالية في إسطنبول (رويترز)

التضخم والفائدة وصدمات الطاقة تحت المجهر في منتدى إسطنبول الاقتصادي

يواجه صانعو السياسة الاقتصادية اختباراً متزايد الصعوبة في الموازنة بين كبح الأسعار والحفاظ على النمو.

«الشرق الأوسط» (إسطنبول)

تراجع «وول ستريت» مع ارتفاع النفط ومخاوف تجدد الحرب مع إيران

مدخل بورصة نيويورك (أ.ب)
مدخل بورصة نيويورك (أ.ب)
TT

تراجع «وول ستريت» مع ارتفاع النفط ومخاوف تجدد الحرب مع إيران

مدخل بورصة نيويورك (أ.ب)
مدخل بورصة نيويورك (أ.ب)

تراجعت أسهم «وول ستريت» في مستهل تعاملات الخميس، بعد ارتفاع حاد في أسعار النفط إثر تقارير أفادت بأن الولايات المتحدة قد تشن هجمات جديدة على إيران قبل انتخابات التجديد النصفي الحاسمة.

وانخفض مؤشر «داو جونز» الصناعي بنسبة 0.2 في المائة إلى 51,074.31 نقطة، في حين تراجع مؤشر «إس آند بي 500» الأوسع نطاقاً بنسبة 0.3 في المائة إلى 7,776.28 نقطة.

كما انخفض مؤشر «ناسداك» المركب، الذي تغلب عليه أسهم شركات التكنولوجيا، بنسبة 0.5 في المائة إلى 27,405.11 نقطة.

وأرجع بيتر كارديلو من شركة «سبارتان كابيتال سيكيوريتيز» هذه البداية السلبية إلى «عاملين يلقيان بظلالهما على السوق: الارتفاع الحاد في أسعار النفط، وعودة عوائد السندات إلى مستويات الذروة التي سجلتها بالأمس».

وقال كارديلو لـ«وكالة الصحافة الفرنسية» إن هذه العوامل ستشكل «مشكلة مستمرة للسوق على المدى القريب».

وأشار إلى أن أسعار النفط قفزت بعد تصريحات للرئيس الأميركي دونالد ترمب قال فيها إنه لا يرغب في التعامل مع إيران.

وحذَّر قائلاً: «يبدو الآن أن هناك تحولاً في الاستراتيجية، من الضغط الاقتصادي على الاقتصاد الإيراني إلى جولة جديدة من القصف المكثف».

وعقب تقارير أفادت باحتمال شن واشنطن هجمات جديدة على إيران، ارتفع سعر خام برنت القياسي العالمي إلى 105.46 دولار للبرميل.

كما ارتفع سعر خام غرب تكساس الوسيط، وهو العقد الرئيسي في الولايات المتحدة، إلى 92.82 دولار للبرميل قبل أن يتراجع قليلاً.

وفي الوقت نفسه، ارتفع العائد على سندات الخزانة الأميركية لأجل 10 سنوات إلى 5.3 في المائة، في حين بلغ العائد على السندات لأجل 30 عاماً 5.7 في المائة.


«مجلس الشؤون الاقتصادية» يؤكد مرونة السعودية في مواجهة المستجدات

اجتماع سابق للمجلس برئاسة ولي العهد رئيس مجلس الوزراء رئيس مجلس الشؤون الاقتصادية والتنمية الأمير محمد بن سلمان (واس)
اجتماع سابق للمجلس برئاسة ولي العهد رئيس مجلس الوزراء رئيس مجلس الشؤون الاقتصادية والتنمية الأمير محمد بن سلمان (واس)
TT

«مجلس الشؤون الاقتصادية» يؤكد مرونة السعودية في مواجهة المستجدات

اجتماع سابق للمجلس برئاسة ولي العهد رئيس مجلس الوزراء رئيس مجلس الشؤون الاقتصادية والتنمية الأمير محمد بن سلمان (واس)
اجتماع سابق للمجلس برئاسة ولي العهد رئيس مجلس الوزراء رئيس مجلس الشؤون الاقتصادية والتنمية الأمير محمد بن سلمان (واس)

ناقش مجلس الشؤون الاقتصادية والتنمية السعودي التطورات الاقتصادية العالمية والإقليمية وتأثيراتها على الاقتصاد الوطني، في وقتٍ أظهر نشاط القطاع الخاص استمراراً في النمو، للشهر الخامس على التوالي، مع ارتفاع مؤشر مديري المشتريات إلى 53.8 نقطة في أغسطس (آب) 2026، من 53.1 نقطة في الشهر السابق.

واستعرض المجلس، في اجتماع عبر الاتصال المرئي، التقرير الشهري لوزارة الاقتصاد والتخطيط، الذي تناول أبرز التطورات في مشهد الاقتصاد العالمي، في ضوء المتغيرات الجيوسياسية المتسارعة وما نتج عنها من ارتفاع الضغوط التضخمية عالمياً وتشديد السياسات النقدية لدى البنوك المركزية الرئيسة، متناولاً انعكاس ذلك على الاقتصاد الوطني، والتحديات والفرص التي تتيحها هذه المتغيرات، حيث أكد التقرير متانة الاقتصاد الوطني ومرونته في مواجهة المستجدات الإقليمية والعالمية.

وقد حافظ معدل التضخم السنوي بالمملكة على استقراره عند 1.8 في المائة، للشهر الرابع على التوالي، خلال شهر أغسطس 2026، وبمعدل يُعدّ الأقل عالمياً.

كما سجل مؤشر ثقة الأعمال في المملكة 56.7 نقطة، مرتفعاً بمقدار 0.2 نقطة، مقارنةً بالشهر السابق، بما يعكس تحسناً في مستويات الثقة لدى قطاع الأعمال، مدعوماً بارتفاع الثقة في قطاعَي التصنيع والخدمات.

وأشار التقرير إلى استمرار النمو في نشاط القطاع الخاص، والمتمثل في ارتفاع مؤشر مديري المشتريات إلى 53.8 نقطة في أغسطس 2026، مقارنةً بـ53.1 نقطة في الشهر السابق، مواصلاً نموه، للشهر الخامس على التوالي، رغم التوترات الإقليمية، إلى جانب تسجيل مؤشر ثقة الأعمال 56.7 نقطة، بارتفاع قدره 0.2 نقطة عن الشهر السابق، بما يعكس ثقة قطاع الأعمال في آفاق الاقتصاد الوطني وقدرته على مواصلة النمو.

وناقش التقرير، المقدَّم من مكتب الإدارة الاستراتيجية بمجلس الشؤون الاقتصادية والتنمية حيال أداء برامج تحقيق «رؤية 2030» والاستراتيجيات الوطنية، للربع الثاني من عام 2026، الجهود التحولية خلال الأعوام العشرة الماضية وما أرسته من أسس متينة تنتقل بها الرؤية إلى مرحلة تعظيم الأثر، وترسيخ المكتسبات، واستدامة الإنجازات المتحققة في محاورها الثلاثة: مجتمع حيوي، واقتصاد مزدهر، ووطن طموح.

وأبرزَ التقرير التطورات النوعية التي تعكس مرونة الرؤية وقدرتها على التكيّف مع المتغيرات كافة.

وبات أثر التحول، الذي حققته «رؤية 2030»، ملموساً في تنوع القاعدة الاقتصادية وبلوغ مساهمة الأنشطة غير النفطية مستويات قياسية، إلى جانب اتساع دور القطاع الخاص والمواطن كشريكين فاعلين في التنمية.

وأشار إلى أن المرحلة المقبلة ستشهد مضاعفة الجهود وتوجيه التنفيذ نحو الأولويات، بما يضمن استدامة الأثر لِما بعد عام 2030.

العاصمة السعودية الرياض (رويترز)

كما تتسم «رؤية 2030» بالمرونة، مستندة إلى ما راكمته من قدرات مؤسسية واقتصادية وتشغيلية، وما شهدته القطاعات الحيوية من تطوير، إلى جانب التوسع في البنية التحتية وتنويع الاقتصاد وتعزيز التكامل بين الجهات الحكومية والقطاع الخاص. وأسهم ذلك في رفع مستوى الجاهزية، وتوسيع خيارات الاستجابة، وتعزيز قدرة الاقتصاد على استيعاب المتغيرات والتعامل مع آثارها بكفاءة. ومِن شأن مواصلة الاستثمار في التنمية وبناء القدرات تعزيز صمود المملكة، ومنح مؤسساتها واقتصادها مرونة أكبر في مواجهة التحديات، ومواصلة التقدم نحو المستهدفات.

مركز برنامج جودة الحياة

من جهة أخرى، اطلع المجلس على التقرير السنوي لمركز برنامج جودة الحياة، الذي اشتمل على أبرز أعمال المركز في عام 2025 في تمكين برنامج جودة الحياة؛ أحد برامج تحقيق «رؤية 2030»، من تنفيذ أهدافه الاستراتيجية والتقدم المُحرَز في مبادراته، حيث أشار التقرير إلى عدد من المُنجزات التي حققها البرنامج خلال العام، ومِن بينها بلوغ مساهمة مبادراته في المحتوى المحلي 44 في المائة بنهاية عام 2025، متجاوزة المستهدَف البالغ 37 في المائة، وبلوغ مساهمتها في الناتج المحلي الإجمالي 78 مليار ريال (20.8 مليار دولار)، متجاوزة المستهدَف البالغ 77.1 مليار ريال (20.6 مليار دولار).

كما اطلع المجلس على التقرير السنوي المقدَّم من أمانة لجنة برنامج حساب المواطن، حيال التقرير السنوي للبرنامج لعام 2025.

واستعرض التقريرُ أبرز جهود البرنامج من خلال توجيه الدعم إلى الأُسر والأفراد المستحقين، ورحلة المستفيد من التسجيل والأهلية والاستحقاق، إضافة إلى الأثر التشغيلي والاقتصادي والمالي للبرنامج؛ حيث بلغ إجمالي الدعم المقدم عبر برنامج حساب المواطن، منذ انطلاقه، نحو 262 مليار ريال (69.9 مليار دولار)، وبلغ إجمالي عدد المستفيدين من الدعم نحو 2.4 مليون مستفيد، ما يعكس دور البرنامج في دعم الأُسر المستفيدة وتعزيز منظومة الحماية الاجتماعية.

المركز الوطني لقياس أداء الأجهزة العامة

وتناول المجلس العرض الربعي المقدَّم من المركز الوطني لقياس أداء الأجهزة العامة، للربع الثاني من عام 2026، وأداء مؤشرات ومبادرات الأجهزة الحكومية في «رؤية 2030»، والأعمال التي جرت في مجالات دعم وتمكين الأجهزة الحكومية لتحقيق مستهدَفاتها، ونتائج تقييم ممارسات إدارة هذه الأجهزة، مؤكداً استمرار أعمال المركز في تفعيل قياس الاستراتيجيات الوطنية ومراجعة الوثائق الاستراتيجية، وضمان تغطية المؤشرات والمبادرات لجميع الأهداف الاستراتيجية، مع مواصلة الجهود في دعم تلك الأجهزة، عبر عقد جلسات المراجعة، لمعالجة التحديات، ومتابعة الخطط، وإبراز الفرص التحسينية ومتابعة تطبيقها، بما يعزز تحسين الأداء الحكومي.

ونظر الاجتماع إلى عدد من المعاملات الإجرائية؛ ومنها: استراتيجية تطوير المرفق العدلي، ومشروع نظام الدراسات السريرية، كما أُحيطَ المجلس بنتائج الملخصين التنفيذيين الشهريين للرقم القياسي لأسعار المستهلك وأسعار الجملة، والتقرير الربعي لنتائج أعمال اللجنة الدائمة لمراقبة الأسعار، والملخص التنفيذي الشهري للتجارة الخارجية، والتقارير الأساسية التي بُنيت عليها تلك الملخصات.


حكومة اليابان تتخلى عن خطاب التحفيز المفرط

حكومة اليابان تتخلى عن خطاب التحفيز المفرط
TT

حكومة اليابان تتخلى عن خطاب التحفيز المفرط

حكومة اليابان تتخلى عن خطاب التحفيز المفرط

تسعى رئيسة الوزراء اليابانية ساناي تاكايتشي إلى تغيير الصورة التي رسختها الأسواق عن سياستها الاقتصادية القائمة على التوسع المالي والتحفيز النقدي، في محاولة لاحتواء ارتفاع عوائد السندات الحكومية وطمأنة المستثمرين بشأن استدامة الدين العام. لكن نجاح هذا التحول سيعتمد على قدرة حكومتها على ترجمة التصريحات الجديدة إلى إجراءات ملموسة في الموازنة المقبلة، ولا سيما ضبط الإنفاق وتحديد مصادر تمويل التخفيضات الضريبية. وتواجه الحكومة تحدياً كبيراً مع ارتفاع تكلفة الاقتراض، في ظل دين عام تبلغ قيمته نحو 7 تريليونات دولار، وهو الأكبر بين الاقتصادات المتقدمة، بينما تزداد حساسية أسواق السندات العالمية تجاه مخاطر التضخم والعجز المالي.

وتعهدت تاكايتشي بحصر إصدارات الدين الجديدة عند نحو 40 تريليون ين (253 مليار دولار)، رغم وصول طلبات الإنفاق للعام المالي المقبل إلى مستوى قياسي يبلغ 143 تريليون ين. كما أن خطتها لخفض ضريبة الاستهلاك لمدة عامين ستكلف الخزانة نحو 4 تريليونات ين سنوياً.

وتأمل الحكومة في سد الفجوة بالاستفادة من ارتفاع الإيرادات الضريبية والأموال المتاحة في الصناديق الحكومية، لكنّ محللين يحذرون من أن هذه الإجراءات قد لا توفر حلاً مستداماً، فضلاً عن احتمال زيادة السيولة والضغوط التضخمية في الاقتصاد.

وقال إيجي دوكي، كبير استراتيجيي السندات لدى «إس بي آي سيكيوريتيز»، إن «الأسواق تنظر إلى جوهر السياسات ولن تصدق الكلمات وحدها»، موضحاً أن المستثمرين يركزون على النتائج المالية الفعلية أكثر من الرسائل التي تحاول الحكومة إيصالها. وتعود جذور هذه المعضلة إلى تولي تاكايتشي رئاسة الوزراء في أكتوبر (تشرين الأول) من العام الماضي، عندما تعهدت بتوسيع الإنفاق لتحفيز النمو، وعينت عدداً من المؤيدين للسياسات التوسعية في اللجان الاستشارية الحكومية.

وكانت رؤيتها آنذاك تقوم على أن تعزيز النمو الاقتصادي يمثل الطريق إلى تحقيق الاستدامة المالية، وهو ما انعكس في دعم الوقود والتعهدات الضريبية وخطط الاستثمار الكبيرة.

غير أن ارتفاع عوائد السندات فرض قيوداً كبيرة على هذه التوجهات، ودفع الإدارة إلى إعادة صياغة خطابها الاقتصادي.

تحول في الخطاب الاقتصادي

قالت تاكايتشي أمام البرلمان، الاثنين، إن «الاستدامة المالية شرط أساسي» لتنفيذ سياستها المالية التي تصفها بأنها «مسؤولة واستباقية»، في تحول واضح عن خطابها السابق الذي كان يمنح النمو أولوية على الانضباط المالي. وتعهدت أيضاً بالسيطرة على إصدارات السندات وتعزيز التواصل مع الأسواق، في إشارة إلى إدراك الحكومة لحساسية المستثمرين تجاه ارتفاع العوائد إلى مستويات لم تُسجل منذ عقود.

وتسارعت جهود تغيير صورة الإدارة بعد دعوات وجهها وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت في أغسطس (آب) إلى اليابان للابتعاد عن سياسات «أبينوميكس»، التي اعتمدها رئيس الوزراء الراحل شينزو آبي، وجمعت بين التوسع المالي والتيسير النقدي لمكافحة الانكماش.

وقادت وزيرة المالية ساتسوكي كاتاياما جهود تعديل الخطاب الحكومي. وقالت في مقابلة إعلامية إن الحكومة قررت أواخر أغسطس إعادة ضبط رسائلها لطمأنة الأسواق بأن تاكايتشي لا تتبنى سياسات تستهدف تحفيز التضخم.

وبدأ هذا التحول يظهر في تصريحات مستشاري الحكومة. فقد أعلن وزير الاقتصاد مينورو كيوتشي، في 25 سبتمبر (أيلول)، انتهاء مرحلة السياسات التحفيزية على غرار «أبينوميكس». كما قال نائب محافظ بنك اليابان السابق ماسازومي واكاتابي، الذي يعمل مستشاراً للحكومة، إن السياسات التحفيزية المفرطة «لم يعد لها مكان في اليابان الآن».

وامتد تغير اللهجة إلى السياسة النقدية، إذ أعلنت أيانو ساتو، عضو مجلس إدارة بنك اليابان المعروفة سابقاً بميلها إلى التيسير التي اختارتها تاكايتشي، دعمها لزيادات مستقبلية في أسعار الفائدة. وباتت الحكومة تؤكد أن خطط الإنفاق تستهدف توسيع الطاقة الإنتاجية للاقتصاد، بدلاً من مجرد تحفيز الطلب ورفع التضخم.

الموازنة المقبلة تحسم المصداقية

تتجه أنظار المستثمرين الآن إلى مشروع الموازنة المقبلة، بوصفه الاختبار الحقيقي لمدى التزام الحكومة بالانضباط المالي. ومن المتوقع أن تساعد أرباح الشركات القوية والتضخم في زيادة الإيرادات الضريبية الاسمية، التي يقدر بعض المحللين أنها قد تصل إلى 90 تريليون ين العام المقبل. وتعهدت كاتاياما بالبحث عن الإنفاق غير الضروري والاستفادة من الأموال غير المستخدمة في الصناديق الحكومية، ضمن مبادرة تستلهم جهود تحسين الكفاءة الحكومية في الولايات المتحدة. وتتركز الأنظار على نحو 7 تريليونات ين موزعة على قرابة 200 صندوق حكومي، يمكن إعادة النظر في استخداماتها للمساهمة في تمويل أولويات الإدارة. لكنّ محللين يرون أن الاعتماد على هذه الأموال لا يوفر مصدراً دائماً للتمويل، وقد يؤدي إلى زيادة الإنفاق والطلب في وقت يحاول فيه بنك اليابان احتواء التضخم عبر رفع أسعار الفائدة.

وتبرز هنا مفارقة أساسية: فبينما يسعى البنك المركزي إلى تقليص الدعم النقدي لمنع ارتفاع الأسعار، قد تؤدي السياسة المالية التوسعية إلى زيادة الطلب المحلي، بما يعقد مهمة السيطرة على التضخم. كما أن استمرار ارتفاع عوائد السندات قد يزيد تكلفة تمويل الشركات ويحد من الاستثمار الخاص، وهو ما يتعارض مع هدف الحكومة المعلن بتعزيز النمو طويل الأجل.

وقال أساهي نوغوتشي، العضو السابق في مجلس إدارة بنك اليابان والمعروف بتأييده السابق للسياسات التحفيزية، إن الوقت الحالي يتطلب تجنب زيادة الطلب بصورة تدفع عوائد السندات إلى الارتفاع وتزاحم استثمارات القطاع الخاص. وأضاف أن الإدارة ربما افتقرت في البداية إلى رؤية اقتصادية متماسكة، مع تمسك بعض أعضائها بإرث «أبينوميكس»، لكنه أشار إلى أن هذا الوضع يبدو أنه تغير. وشدد على أن الاختبار الأساسي يتمثل في خفض الإنفاق غير الضروري وإقناع الأسواق بأن اليابان جادة في إصلاح ماليتها العامة. وبين تعهدات ضبط الدين وضغوط تمويل التخفيضات الضريبية والاستثمارات الجديدة، تواجه تاكايتشي معادلة صعبة تتطلب التوفيق بين دعم النمو وكبح التضخم والحفاظ على ثقة المستثمرين. ولذلك، لن يكون تغيير الخطاب الحكومي وحده كافياً لتبديد مخاوف الأسواق. فالموازنة المقبلة، وما ستتضمنه من قرارات بشأن الإنفاق والضرائب وإصدارات السندات، ستحدد ما إذا كانت الإدارة قد انتقلت فعلاً من سياسات التحفيز المفرط إلى نهج مالي أكثر انضباطاً، أم أن التحول لا يزال مقتصراً على التصريحات.