لم يكن المنتخب الإماراتي في «خليجي 27» مجرد فريق نجح في الوصول إلى المباراة النهائية، بل أصبح أحد القصص الملهمة في المحفل الكروي، بعدما قدم مشواراً يعكس شخصية تنافسية واضحة، تحت قيادة المدرب الكرواتي زلاتكو داليتش، الذي يواصل كتابة فصل جديد في مسيرته التدريبية بعيداً عن المنتخب الكرواتي.
ربما كانت أبرز مفارقات رحلة الإمارات في البطولة أنها بدأت من دون مباريات ودية تحضيرية، ومن دون فرصة واسعة لتجربة اللاعبين قبل المنافسة، لكنها مع ذلك وصلت إلى النهائي بأداء جعلها أحد أبرز أطراف البطولة.
والفضل في ذلك يعود إلى جودة العناصر، وقدرة الجهاز الفني على الوصول سريعاً إلى التوليفة المناسبة، إضافة إلى شخصية داليتش وخبرته الطويلة في البطولات الكبرى.
الإمارات بدأت مشوارها بقوة، بعدما تجاوزت اليمن بأربعة أهداف دون مقابل، قبل أن تحقق انتصاراً بثلاثية نظيفة أمام البحرين، لتؤكد قدرتها الهجومية وتحسم صدارة مجموعتها برصيد 7 نقاط بعد التعادل مع قطر، في الوقت الذي أصبح فيه هجومها الأقوى في البطولة برصيد 9 أهداف.
لكن الأرقام وحدها لا تختصر ما قدمه المنتخب الإماراتي. فالفريق الذي وصل إلى النهائي لم يعتمد فقط على قدرته على التسجيل، وإنما أظهر خلال مبارياته قدرة واضحة على التحكم في إيقاع المواجهة؛ يعرف متى يرفع سرعة الأداء، ومتى يهدئ من إيقاع اللعب، ومتى يضغط على المنافس، ومتى يتراجع لتنظيم صفوفه، والأهم أنه أظهر نضجاً في التعامل مع مباريات خروج المغلوب.
ثم جاءت مواجهة عُمان في الدور نصف النهائي، لتضع شخصية المنتخب الإماراتي أمام اختبار مختلف، بعدما أصبح الخطأ أكثر تكلفة، وأصبحت المباراة لا تحتمل الحسابات نفسها التي كانت موجودة في دور المجموعات.

وهنا تظهر القيمة الحقيقية لداليتش، فالمدرب الكرواتي لا يُقاس فقط بما حققه من انتصارات أو بعدد البطولات التي حصل عليها، وإنما بقدرته على صناعة شخصية للفرق التي يقودها. وهذه تحديداً أحد أبرز السمات التي رافقت تجربته مع كرواتيا، قبل أن يبدأ الآن في بناء ملامح جديدة مع الإمارات.
داليتش يعرف جيداً سر البطولات القصيرة، ويعرف أن الوصول إلى المباراة النهائية لا يعتمد دائماً على امتلاك أفضل مجموعة من اللاعبين، وإنما على القدرة على تحويل المجموعة إلى فريق يعرف كيف يلعب، وكيف يتعامل مع الضغوط، وكيف يتصرف في اللحظات الحاسمة.
واللافت في قصة داليتش أن تجربته الإماراتية تأتي في توقيت يحمل مفارقة كروية كبيرة.
ففي الوقت الذي كان فيه المنتخب الكرواتي، الذي قاده داليتش إلى واحدة من أفضل فتراته التاريخية خلال السنوات الماضية، يتلقى خسارة ثقيلة أمام إنجلترا بنتيجة 7-0، كان المدرب نفسه يقود الإمارات إلى نهائي كأس الخليج.
مفارقة تختصر كثيراً من تفاصيل كرة القدم؛ فالمدرب الذي ارتبط اسمه بحقبة تاريخية مع كرواتيا، وأوصلها إلى نهائي كأس العالم 2018، ثم إلى المركز الثالث في مونديال قطر 2022، يخوض اليوم تحدياً مختلفاً تماماً، في بيئة جديدة، ولاعبين مختلفين، وطموحات جديدة.
وسيكون النهائي أمام المنتخب السعودي اختباراً مختلفاً للأبيض الإماراتي؛ فالمباراة ستكون أمام منافس يملك خبرة كبيرة في البطولة، ودعماً جماهيرياً ضخماً، ورغبة في تحقيق اللقب.
بالنسبة للإمارات، المباراة تمثل فرصة لكتابة نهاية مثالية لمشوار بدأ بانتصارات مدوية واستمر حتى الوصول إلى المباراة النهائية.
أما داليتش، فهي بمثابة فرصة أخرى لإثبات أن نجاح المدرب لا يرتبط فقط بجيل معين من اللاعبين أو بمنتخب واحد، وإنما بقدرته على بناء فريق يمتلك هوية وشخصية قادرة على المنافسة.
وفي حال نجحت الإمارات في تجاوز السعودية والتتويج باللقب، فإن الإنجاز سيحمل قيمة تاريخية إضافية، إذ سيكون اللقب الخليجي الأول للمنتخب الإماراتي منذ عام 2013، وسيمنح داليتش بداية استثنائية لمشروعه مع «الأبيض».

