هناك قضايا تدخل المسرح مُحمَّلة سلفاً بقوتها الإنسانية، وهذه القوة قد تكون فخّاً للعمل بقدر ما هي رصيده. يكفي أحياناً سرد التجربة كي تُحرّك المُتلقّي، فيما يبدأ الامتحان المسرحي عند تحويلها إلى بناء له منطقه وجمالياته، يستطيع أن ينفصل عن جاذبية القضية التي حملته. في مسرحية «من إيد لإيد»، التي كتبتها نائلة الحارس وأخرجتها وأدّتها على «مسرح المدينة» في بيروت، وجدت حكاية عائلة من الصمّ مُعادِلَها الفنّي في اليد والجسد والخيط والضوء والظلّ والصوت. هكذا لا تبقى السيرة رهينة ما حدث، إذ يُعيد المسرح تركيبها بصرياً وحسّياً، ويمنح تجربة الصمم شكلاً يمكن رؤيته والإحساس بأثره على الخشبة.

الحارس ابنةٌ تسمع في عائلة لا تسمع. وبين السمع والصمم، تشكَّلت علاقتها المُبكِرة بالعالم وبعائلتها. فالطفلة امتلكت ما يفتقده أبواها، ثم احتاجت إليهما كي تتعلَّم لغتهما، وصارت بدورها أداةَ عبورهما إلى عالم مبنيّ في جانب كبير منه على الصوت. اختلَّ بذلك التوزيع المألوف للأدوار. الابنة تتلقّى الحماية من والديها، وتحمل قدرةً يحتاجان إليها. تكبُر بين نظامَيْن للإدراك، من دون أن تكون تجربتها مُطابِقة لأيٍّ منهما.
تحمل اليد في العرض تاريخاً يتخطَّى حركتها ووظيفتها التواصلية. في عالم الخياطة الذي تستدعيه المسرحية، اليد تقيس وتقصّ وتصل قطعةً بأخرى. وفي عالم الصمّ، اليد تحمل اللغة. تبني سينوغرافيا إيلي مهنّا منطقها البصري بين هذين العالمَيْن. الخيط مادة الحكاية. ثلاثة أجيال من النساء يصل بعضها إلى بعض بما يُشبه الغرزة. شيءٌ من الجدّة يدخل في الأم، وشيءٌ من الأم يستقرّ في الابنة، فيما تبقى لكلّ واحدة هيئة مختلفة لقماش واحد. حتى الأحلام المؤجَّلة تبدو قابلة للتوارث، فالعائلة لا تُورِّث ما حقّقته فقط. تورِّث أيضاً ما عجزت عن بلوغه.
تدخل الظلال في هذا النسيج بذكاء. إضاءة محمد أسعد تمنح الجسد أكثر من صورته المادية، فيتحرَّك على الخشبة ومعه أثرٌ آخر، أكبر أحياناً وأقل وضوحاً دائماً. وهذا الأثر يُلامس طبيعة الحقيقة في السيرة الذاتية. الماضي الذي تستعيده الحارس مرَّ بالطفلة التي كانتها، وبالمرأة التي أصبحتها، ثم بالفنانة التي أعادت تركيبه. الظلُّ قريب من حقيقة الذاكرة، يحتفظ بالملامح ويُشوّش أطرافها. وما نُشاهده ليس الجدّة والأم كما كانتا. شاهدنا ما بقي منهما داخل الابنة.

وللصوت بتصميم كارول أوهير وظيفة ماكرة. المتلقّي يسمع مسرحية عن أناس حُجِب عنهم هذا الجانب من العالم. لذلك تصبح الموسيقى التي تصل إلى أذنه معلومة أيضاً. العرض يجعلنا ننتبه إلى هذه الأصوات لأنّ هناك مَن يعيش من دون سماعها.
ثم تُزعزِع الأم سهولةَ التصوّرات والمفاهيم. ترفض جراحة لتحسين سمعها وتُعلن سعادتها بالصمم. بذلك تصبح كلمة «نقص» مَوْضِعَ مُراجعة. نحن الذين نسمع، نتخيَّل خسارتها انطلاقاً ممّا نملكه. نحزن نيابةً عنها على موسيقى لم تسمعها ومطر لم تعرف صوته وصراخ أطفال لم يصل إلى أذنها. لكنّ الحرمان يحتاج كي يكون حرماناً إلى وعي بما ينقص الحياة وإلى رغبة فيه. الأم بَنَت لغتها وعلاقاتها وأمومتها وإحساسها بذاتها داخل تكوين آخر. السَمَع الذي يبدو طبّياً استعادةً لوظيفة، قد يصبح وجودياً اقتراحاً بأنّ حياتها السابقة كانت تحتاج إلى تصحيح. رفضُها الجراحة دفاعٌ عن تعريفها الخاص للاكتمال، من دون أن يمحوَ ذلك الحدود العملية القاسية التي يفرضها الصمم.
هنا تمتلك «من إيد لإيد» مادتها الثرية، وهنا أيضاً يظهر ما كان ينقص النصّ. فالحكاية تحمل طبقات نفسية تفوق ما يمنحها السرد من زمن. تَعبُر الحارس أعواماً وتحوّلات بسرعة، فتصل الوقائع قبل أن تنضج آثارها على الخشبة. الاختزال يضغط الزمن أكثر ممّا يضغط المعنى، وتفلت من بين المحطّات حياة داخلية كان يمكن الحَفْر فيها طويلاً. نساء لم يسمعن أصوات أبنائهن ولا المطر ولا الموسيقى لا يحتجن إلى شحنة عاطفية إضافية. يحتجن إلى كتابة تَنْفذ أعمق في الكيفية التي أعاد بها ذلك تشكيل علاقتهن بأنفسهن والعالم.

ينطبق هذا التفاوُت على أداء الحارس. عندما تتكلّم، تميل أحياناً إلى رواية تجربة تعرف نهايتها مسبقاً، فيستوي الإيقاع وتخفت الطاقة الداخلية للمشهد. كأنَّ قربها الشديد من سيرتها منحها معرفة شاملة بها، وسلبها في بعض اللحظات دهشةَ اكتشافها أمامنا.
لهذا كانت لحظاتها الجسدية أكثر نفاذاً. في لغة الإشارة، وخصوصاً في الرقص، تتحرَّر اليد من ترجمة الكلام وتصبح لغةً. المسرحية التي جاءت لتحكي عن السمع وفقدانه تجد لغتها الأكثر اكتمالاً كلّما وثقت بالجسد، وتركت للأيدي أن تعرف أكثر ممّا تقوله الكلمات. وفي ذلك رجوعٌ إلى أبعد نقطة في الحكاية. إلى زمن سبق الصوت. فالإنسان عرف كيف يصل إلى الآخر قبل أن يعرف كيف يُسمّيه.

