«من إيد لإيد»... الخيط الذي وَصَلَ ثلاث نساء

مسرحية نائلة الحارس تنبش سيرة عائلة عاشت العالم من دون صوته

ما تركته الجدّة وصل إلى الحفيدة من دون وصيّة (الشرق الأوسط)
ما تركته الجدّة وصل إلى الحفيدة من دون وصيّة (الشرق الأوسط)
TT

«من إيد لإيد»... الخيط الذي وَصَلَ ثلاث نساء

ما تركته الجدّة وصل إلى الحفيدة من دون وصيّة (الشرق الأوسط)
ما تركته الجدّة وصل إلى الحفيدة من دون وصيّة (الشرق الأوسط)

هناك قضايا تدخل المسرح مُحمَّلة سلفاً بقوتها الإنسانية، وهذه القوة قد تكون فخّاً للعمل بقدر ما هي رصيده. يكفي أحياناً سرد التجربة كي تُحرّك المُتلقّي، فيما يبدأ الامتحان المسرحي عند تحويلها إلى بناء له منطقه وجمالياته، يستطيع أن ينفصل عن جاذبية القضية التي حملته. في مسرحية «من إيد لإيد»، التي كتبتها نائلة الحارس وأخرجتها وأدّتها على «مسرح المدينة» في بيروت، وجدت حكاية عائلة من الصمّ مُعادِلَها الفنّي في اليد والجسد والخيط والضوء والظلّ والصوت. هكذا لا تبقى السيرة رهينة ما حدث، إذ يُعيد المسرح تركيبها بصرياً وحسّياً، ويمنح تجربة الصمم شكلاً يمكن رؤيته والإحساس بأثره على الخشبة.

نائلة الحارس بين لغة وُلدت فيها وأخرى وُلدت معها (الشرق الأوسط)

الحارس ابنةٌ تسمع في عائلة لا تسمع. وبين السمع والصمم، تشكَّلت علاقتها المُبكِرة بالعالم وبعائلتها. فالطفلة امتلكت ما يفتقده أبواها، ثم احتاجت إليهما كي تتعلَّم لغتهما، وصارت بدورها أداةَ عبورهما إلى عالم مبنيّ في جانب كبير منه على الصوت. اختلَّ بذلك التوزيع المألوف للأدوار. الابنة تتلقّى الحماية من والديها، وتحمل قدرةً يحتاجان إليها. تكبُر بين نظامَيْن للإدراك، من دون أن تكون تجربتها مُطابِقة لأيٍّ منهما.

تحمل اليد في العرض تاريخاً يتخطَّى حركتها ووظيفتها التواصلية. في عالم الخياطة الذي تستدعيه المسرحية، اليد تقيس وتقصّ وتصل قطعةً بأخرى. وفي عالم الصمّ، اليد تحمل اللغة. تبني سينوغرافيا إيلي مهنّا منطقها البصري بين هذين العالمَيْن. الخيط مادة الحكاية. ثلاثة أجيال من النساء يصل بعضها إلى بعض بما يُشبه الغرزة. شيءٌ من الجدّة يدخل في الأم، وشيءٌ من الأم يستقرّ في الابنة، فيما تبقى لكلّ واحدة هيئة مختلفة لقماش واحد. حتى الأحلام المؤجَّلة تبدو قابلة للتوارث، فالعائلة لا تُورِّث ما حقّقته فقط. تورِّث أيضاً ما عجزت عن بلوغه.

تدخل الظلال في هذا النسيج بذكاء. إضاءة محمد أسعد تمنح الجسد أكثر من صورته المادية، فيتحرَّك على الخشبة ومعه أثرٌ آخر، أكبر أحياناً وأقل وضوحاً دائماً. وهذا الأثر يُلامس طبيعة الحقيقة في السيرة الذاتية. الماضي الذي تستعيده الحارس مرَّ بالطفلة التي كانتها، وبالمرأة التي أصبحتها، ثم بالفنانة التي أعادت تركيبه. الظلُّ قريب من حقيقة الذاكرة، يحتفظ بالملامح ويُشوّش أطرافها. وما نُشاهده ليس الجدّة والأم كما كانتا. شاهدنا ما بقي منهما داخل الابنة.

ابنة كبرت وفي أذنها عالم لا تعرفه أمّها (الشرق الأوسط)

وللصوت بتصميم كارول أوهير وظيفة ماكرة. المتلقّي يسمع مسرحية عن أناس حُجِب عنهم هذا الجانب من العالم. لذلك تصبح الموسيقى التي تصل إلى أذنه معلومة أيضاً. العرض يجعلنا ننتبه إلى هذه الأصوات لأنّ هناك مَن يعيش من دون سماعها.

ثم تُزعزِع الأم سهولةَ التصوّرات والمفاهيم. ترفض جراحة لتحسين سمعها وتُعلن سعادتها بالصمم. بذلك تصبح كلمة «نقص» مَوْضِعَ مُراجعة. نحن الذين نسمع، نتخيَّل خسارتها انطلاقاً ممّا نملكه. نحزن نيابةً عنها على موسيقى لم تسمعها ومطر لم تعرف صوته وصراخ أطفال لم يصل إلى أذنها. لكنّ الحرمان يحتاج كي يكون حرماناً إلى وعي بما ينقص الحياة وإلى رغبة فيه. الأم بَنَت لغتها وعلاقاتها وأمومتها وإحساسها بذاتها داخل تكوين آخر. السَمَع الذي يبدو طبّياً استعادةً لوظيفة، قد يصبح وجودياً اقتراحاً بأنّ حياتها السابقة كانت تحتاج إلى تصحيح. رفضُها الجراحة دفاعٌ عن تعريفها الخاص للاكتمال، من دون أن يمحوَ ذلك الحدود العملية القاسية التي يفرضها الصمم.

هنا تمتلك «من إيد لإيد» مادتها الثرية، وهنا أيضاً يظهر ما كان ينقص النصّ. فالحكاية تحمل طبقات نفسية تفوق ما يمنحها السرد من زمن. تَعبُر الحارس أعواماً وتحوّلات بسرعة، فتصل الوقائع قبل أن تنضج آثارها على الخشبة. الاختزال يضغط الزمن أكثر ممّا يضغط المعنى، وتفلت من بين المحطّات حياة داخلية كان يمكن الحَفْر فيها طويلاً. نساء لم يسمعن أصوات أبنائهن ولا المطر ولا الموسيقى لا يحتجن إلى شحنة عاطفية إضافية. يحتجن إلى كتابة تَنْفذ أعمق في الكيفية التي أعاد بها ذلك تشكيل علاقتهن بأنفسهن والعالم.

الصوت ليس دائماً صاحب الامتياز (الشرق الأوسط)

ينطبق هذا التفاوُت على أداء الحارس. عندما تتكلّم، تميل أحياناً إلى رواية تجربة تعرف نهايتها مسبقاً، فيستوي الإيقاع وتخفت الطاقة الداخلية للمشهد. كأنَّ قربها الشديد من سيرتها منحها معرفة شاملة بها، وسلبها في بعض اللحظات دهشةَ اكتشافها أمامنا.

لهذا كانت لحظاتها الجسدية أكثر نفاذاً. في لغة الإشارة، وخصوصاً في الرقص، تتحرَّر اليد من ترجمة الكلام وتصبح لغةً. المسرحية التي جاءت لتحكي عن السمع وفقدانه تجد لغتها الأكثر اكتمالاً كلّما وثقت بالجسد، وتركت للأيدي أن تعرف أكثر ممّا تقوله الكلمات. وفي ذلك رجوعٌ إلى أبعد نقطة في الحكاية. إلى زمن سبق الصوت. فالإنسان عرف كيف يصل إلى الآخر قبل أن يعرف كيف يُسمّيه.


مقالات ذات صلة

«أصوات عميقة» مسرحية فلسطينية تُذكّر بمعاناة النازحات في غزة

يوميات الشرق مسرحية «أصوات عميقة» تم عرضها ضمن فعاليات مهرجان «إيزيس» (الشركة المنتجة)

«أصوات عميقة» مسرحية فلسطينية تُذكّر بمعاناة النازحات في غزة

يضع العرض المسرحي «أصوات عميقة» ممثلته الفلسطينية - الأردنية تهاني سليم في مواجهة مهمة شاقة.

أحمد عدلي (القاهرة )
يوميات الشرق اعتمد العرض على ممثلات غير محترفات (إدارة مهرجان إيزيس المسرحي)

«للسيدات فقط»... يحاول الوصول إلى ما بعد المحطة النهائية

يستلهم العرض المسرحي المصري «للسيدات فقط... حتى التاسعة مساءً» فكرته من قصص السيدات اللواتي يتنقلن عبر مترو أنفاق القاهرة يومياً.

أحمد عدلي (القاهرة )
يوميات الشرق جانب من عرض «شنب البنات» في حفل افتتاح المهرجان (إدارة المهرجان)

«إيزيس المسرحي» يستعيد مسيرة «زهرة الصبار» سناء جميل

استعاد مهرجان «إيزيس الدولي» لمسرح المرأة، خلال حفل افتتاح دورته الرابعة، مسيرة «زهرة الصبار» الفنانة الراحلة سناء جميل، التي تحمل الدورة اسمها.

أحمد عدلي (القاهرة)
يوميات الشرق شارك العرض السعودي ضمن فعاليات ملتقى أولادنا بالقاهرة (الشرق الأوسط)

«حين رآني الغياب»... مسرحية سعودية عن إعادة اكتشاف الذات

قدّم العرض المسرحي السعودي «حين رآني الغياب» تجربة إنسانية تتوقف أمام واحد من أكثر الأسئلة ارتباطاً بعلاقة الإنسان بذاته وبنظرة الآخرين إليه.

أحمد عدلي (القاهرة )
يوميات الشرق في الحبّ... لا يأتي أحدٌ وحده (الشرق الأوسط)

«يلّا Unmatch»... ضحكاتٌ على مسرح العاطفة وأوجاعها المؤجَّلة

تتناول المسرحية تعقيدات الارتباط الإنساني، حيث لا يدخل المرء علاقاته العاطفية منفصلاً عن تاريخه الشخصي.

فاطمة عبد الله (بيروت)

إلغاء حفليْ مغني الراب كانييه وست في روسيا

مغني الراب الأميركي كانييه وست (أرشيفية-رويترز)
مغني الراب الأميركي كانييه وست (أرشيفية-رويترز)
TT

إلغاء حفليْ مغني الراب كانييه وست في روسيا

مغني الراب الأميركي كانييه وست (أرشيفية-رويترز)
مغني الراب الأميركي كانييه وست (أرشيفية-رويترز)

أعلنت وكالة ساي، المنظِّمة للحفلات، إلغاء حفلين لمغنّي الراب الأميركي كانييه وست في روسيا، كان من المقرر إقامتهما الشهر الحالي.

وكان من المقرر أن يقيم وست حفلين في سان بطرسبرغ، لكن بعد أسبوع من الإعلان عنهما في منتصف أغسطس (آب) الماضي، أعلنت الجهة، التي من المفترض أنها ستستضيف الحدث، أنها لم توقِّع أي عقد مع المنظّمين، وهم من شركة أخرى تتخذ من موسكو مقراً لها.

ومنذ ذلك الحين، بقي مصير العرضين دون حسم، مع عدم صدور تأكيد واضح من المنظمين حول المُضي قدماً فيهما أو إلغائهما.

وكتبت وكالة ساي، على «تلغرام»، أمس الأربعاء، تقول: «أصدقائي، نأسف بصدق لإبلاغكم بأن حفليْ (كانييه) في سان بطرسبرغ لن يقاما... وسنصدر بياناً رسمياً بشأن حالة المشروع وخُططنا المقبلة في المستقبل القريب»، وفقاً لما ذكرته وكالة «رويترز» للأنباء.

وتعرَّض وست، هذا العام، لإلغاء حفلات وقيود على عروضه في عدد من الدول الأوروبية بسبب تصريحات سابقة مُعادية للسامية شملت الإشادة بأدولف هتلر واستخدام صور ورموز مرتبطة بالنازية.

وفي يناير (كانون الثاني) الماضي، اعتذر وست عن تلك التصريحات، التي عزاها إلى إصابة دماغية لم يجرِ تشخيصها واضطراب ثنائي القطب لم يجرِ علاجه.

وأثارت خطط إقامة حفلين لوست في روسيا انتقادات من بعض المدوّنين الروس المؤيدين للجيش وللحرب، إذ شككوا في مدى ملاءمة استضافة فنان أميركي في وقت تُواصل فيه واشنطن تقديم الدعمين العسكري والمالي لأوكرانيا.

وانتقدت المتحدثة باسم وزارة الخارجية الروسية، ماريا زاخاروفا، إقامة أي حفل له في البلاد، ووصفت الأمر بأنه غير مقبول، واستندت في ذلك إلى ما وصفته «بتمجيد» وست لهتلر.


خلف عضلات «روكي» و«رامبو»... سيلفستر ستالون يروي معركته مع الشره المرضي

سيلفستر ستالون (رويترز)
سيلفستر ستالون (رويترز)
TT

خلف عضلات «روكي» و«رامبو»... سيلفستر ستالون يروي معركته مع الشره المرضي

سيلفستر ستالون (رويترز)
سيلفستر ستالون (رويترز)

خلف العضلات المفتولة، والصورة التي صنعت منه أحد أشهر أبطال أفلام الحركة، كان سيلفستر ستالون يخوض معركة مختلفة بعيداً عن الكاميرات. فالممثل الذي جسّد شخصيتي «روكي بالبوا» و«جون رامبو»، البطلين اللذين لا يهزمان، كشف عن جانب لم يره معظم المعجبين.

فهوس ستالون بالحفاظ على جسد مثالي، وبنيته العضلية، ونسبة منخفضة من الدهون من أجل هذه الأدوار البطولية، تجاوز حدود التدريب، والانضباط، ليتحول إلى علاقة مضطربة مع الطعام، وصورته عن جسده انتهت بالشره المرضي.

والشره المرضي (Bulimia) هو اضطراب في الأكل يتمثل عادةً في نوبات متكررة من تناول كميات كبيرة من الطعام مع الشعور بفقدان السيطرة، يعقبها سلوكيات للتخلص من السعرات، أو منع زيادة الوزن، مثل التقيؤ المتعمد، أو الإفراط في ممارسة الرياضة، أو الصيام، أو استخدام الملينات.

ستالون: هوسي بالحفاظ على لياقتي تحول إلى عبادة للجسد

وخلال حديثه مع «نيويورك تايمز»، وصف ستالون كيف تحول تركيزه على الحفاظ على جسم نحيف وعضلي إلى هوس.

وقال: «أصبحت مهووساً للغاية بالحفاظ على ذلك المستوى من اللياقة»، واصفاً ما مر به بأنه «نوع من عبادة الجسد المهووسة».

ومع مرور الوقت، أدى هذا الهوس إلى إصابته باضطراب في الأكل.

وأوضح ستالون: «وصل الأمر إلى مرحلة أصبحت فيها أعاني من الشره المرضي».

اضطرابات الأكل لا تصيب النساء والفتيات فقط

تكتسب صراحة ستالون أهمية خاصة، لأنها تتحدى افتراضاً شائعاً حول الأشخاص الذين يمكن أن يصابوا باضطرابات الأكل.

وغالباً ما يُنظر إلى اضطرابات الأكل على أنها حالات تؤثر في الفتيات والنساء بشكل أساسي. وقد أسهم هذا الافتراض في تشكيل عقود من الأبحاث، كما أدى إلى تمثيل الرجال بشكل أقل في الدراسات العلمية المتعلقة بهذه الاضطرابات.

لكن دراسات أحدث بدأت تقدم صورة أكثر شمولاً، وقد تكون أرقامها مفاجئة.

أكثر من رجل من كل 5

وجدت دراسة أجريت عام 2025 وشملت 1553 فتى ورجلاً في كندا والولايات المتحدة أن 21.3 في المائة منهم استوفوا معايير تشخيص محتمل لاضطراب في الأكل، أي أكثر من شخص واحد من كل خمسة مشاركين.

وكان الشره المرضي العصبي أكثر اضطرابات الأكل شيوعاً بين هذه المجموعة، إذ ظهر لدى نحو 5.8 في المائة من المشاركين.

وتكتسب هذه النتيجة أهمية خاصة في ضوء ما كشفه ستالون عن تجربته الشخصية.

وأشار الباحثون في الدراسة إلى مشكلة قديمة تتمثل في أن اضطرابات الأكل فُهمت تاريخياً على أنها «اضطرابات نسائية»، وهو ما أثر في الوعي العام، وفي مسار البحث العلمي حولها.

لكن إذا كانت اضطرابات الأكل تؤثر في هذه النسبة من الرجال، فلماذا نادراً ما نسمع عن معاناتهم معها؟

الوصمة والضغط الاجتماعي قد يدفعان الرجال إلى إخفاء معاناتهم

تكمن إحدى الإجابات الرئيسة في الوصمة الاجتماعية، والضغط المرتبط بضرورة الظهور بمظهر قوي.

وتناولت مراجعة بحثية نُشرت عام 2022 نتائج عدد من الدراسات النوعية التي بحثت في تجربة الرجال الذين يعيشون مع اضطرابات الأكل.

وظهر موضوع متكرر في هذه الدراسات، إذ شعر كثير من الرجال بأنهم يعانون مما ينظر إليه المجتمع على أنه «مرض نسائي». وجعل هذا التناقض تجربتهم أكثر صعوبة في فهمها، والتعبير عنها، وطلب المساعدة بشأنها.

ووصف الباحثون كيف دفعت مشاعر الخجل والخوف من الأحكام المسبقة بعض الرجال إلى إخفاء معاناتهم. كما وقفت المعايير المرتبطة بالصورة التقليدية للرجولة، مثل التوقع من الرجل أن «يتحمل»، وأن يبقى قوياً، في طريق سعيهم إلى العلاج، وفقاً للمراجعة.

وبحسب الدراسة، لم يكن بعض الرجال متأكدين أصلاً من إمكانية إصابة الرجل باضطراب في الأكل.

وأشار مؤلفو المراجعة إلى أنه عندما لا يُتوقع من الرجال أن يقلقوا بشأن الطعام، أو صورة أجسادهم، أو مشاعرهم، فقد ينتهي بهم الأمر إلى المعاناة في صمت، وأحياناً من دون إدراك ما يحدث لهم.

وعندما لا يتوقع الأشخاص المحيطون بهم، بمن في ذلك بعض المتخصصين في الرعاية الصحية، إصابة الرجال باضطرابات الأكل، فقد تمر الحالة من دون ملاحظة، أو يجري تشخيصها بشكل خاطئ.

اعتراف ستالون قد يساعد في كسر الصورة النمطية

وهنا يمكن لشخصية عامة مثل ستالون أن تؤدي دوراً مهماً.

فعندما يعترف شخص يُنظر إليه على نطاق واسع باعتباره نموذجاً للقوة الجسدية بأنه عانى من الشره المرضي، فإن ذلك قد يساهم في تقويض الفكرة القائلة إن اضطرابات الأكل تصيب أشخاصاً من فئات معينة فقط.

وتكتسب رؤية هذه التجارب علناً أهمية خاصة، إذ تشير الأبحاث إلى أن أحد أكبر العوائق التي يواجهها الرجال يتمثل ببساطة في عدم رؤيتهم لأنفسهم ضمن الحديث الدائر حول اضطرابات الأكل.

وقد تساعد القصص التي تكسر هذه الصورة النمطية شخصاً ما على التعرف على معاناته، والشعور بأنه ليس وحيداً فيها.

اضطرابات الأكل حالات خطيرة وقابلة للعلاج

لا يعني ذلك أن التعافي عملية بسيطة، كما أن مقابلة واحدة لن تمحو سنوات من الصمت المحيط باضطرابات الأكل، والصحة النفسية لدى الرجال، لكنها تمثل خطوة مهمة في كسر هذه الوصمة.

واضطرابات الأكل حالات خطيرة، لكنها قابلة للعلاج. ومن يعاني من اضطراب في الأكل، أو يعرف شخصاً يواجه هذه المشكلة، ينبغي أن يعرف أن المساعدة متاحة، وأن طلب الدعم لا يرتبط بجنس الشخص، أو بالصورة التي يعتقد أنه «يفترض» أن يكون عليها.

ويمكن طلب الدعم من طبيب، أو معالج نفسي، أو شخص موثوق به. كما يمكن الاستعانة بالجهات المتخصصة في اضطرابات الأكل للوصول إلى مصادر المساعدة المناسبة.


ثروت والحجار ينسحبان... الأزمات تحاصر مهرجان الموسيقى العربية

جانب من المؤتمر (دار الأوبرا المصرية)
جانب من المؤتمر (دار الأوبرا المصرية)
TT

ثروت والحجار ينسحبان... الأزمات تحاصر مهرجان الموسيقى العربية

جانب من المؤتمر (دار الأوبرا المصرية)
جانب من المؤتمر (دار الأوبرا المصرية)

تحاصر أزمات وتحديات عدة الدورة الـ34 من مهرجان «الموسيقى العربية»، المقرر إقامة فعالياتها من 20 إلى 30 أكتوبر (تشرين الأول) المقبل، أبرزها «الاعتذارات والانتقادات»، وانسحاب الفنانين محمد ثروت وعلي الحجار، وإعلان رئيس دار الأوبرا المصرية، المنظمة للمهرجان، عدم الاستمرار في منصبه، وصعوبة مشاركة باحثين في «المؤتمر العلمي»، الذي يُقام بالتزامن مع الحفلات الغنائية، بسبب «ضعف الميزانية».

كان الدكتور رضا الوكيل، رئيس دار الأوبرا المصرية، قد أكد في المؤتمر الصحافي الذي عُقد يوم الأربعاء، أن «ضعف الميزانية» هو السبب في عدم التعاقد مع بعض الفنانين.

وأعلن الوكيل تفاصيل الحفلات الغنائية، بحضور عدد من المسؤولين، من بينهم المايسترو محمد الموجي، مدير المهرجان، لافتاً إلى أن المهرجان يضم 22 «ليلة غنائية»، بمشاركة 70 فناناً مصرياً وعربياً، بالإضافة إلى مناقشة 35 بحثاً في «المؤتمر العلمي».

وحسبما أعلن رئيس الأوبرا، كان من المقرر أن يُحيي الفنان محمد ثروت حفل الافتتاح، لكنه اعتذر عن عدم المشاركة بشكل مفاجئ، وكتب عبر حسابه على موقع «فيسبوك»: «لن أقبل ولن أشارك في إهانة الفن المصري أو الفنانين المصريين».

وتشهد ليالي المهرجان الـ11، المُهداة إلى روح الفنان الراحل هاني شاكر، مشاركة عدد من نجوم الغناء، من بينهم مروة ناجي، وأحمد جمال، وريهام عبد الحكيم، ومحمد محسن، وخالد سليم، والموسيقار عمر خيرت، فيما يُحيي حفل الختام الفنان مدحت صالح. كما تشهد الحفلات مشاركة فناني الأوبرا المصرية وفرق موسيقية.

وتتمثل المشاركات العربية في دورة هذا العام في الفنان اللبناني عاصي الحلاني، الذي تبرع بأجره لدار الأوبرا، وفق حديث رئيسها، والفنانة اللبنانية ولاء الجندي، ومن الأردن طارق الفقيه ونداء شرارة.

وخلال الساعات الماضية، واجه الدكتور رضا الوكيل انتقادات من بعض المتخصصين في المجال الموسيقي، تعليقاً على حديثه عن كواليس المشاركات الغنائية وضعف الميزانية، من بينهم المايسترو هاني فرحات، ووليد فايد، ومدحت خميس، الذين أكدوا «أن المهرجان يحتاج إلى مراجعة».

ويغيب عن المهرجان، لأول مرة منذ إطلاقه، الفنان علي الحجار. فبينما أكد رئيس الأوبرا أن الحجار حاضر في فعاليات الدار الفنية بشكل دائم، وأن غيابه يعود إلى إتاحة المشاركة لأسماء أخرى، أكد الحجار أن السبب يعود إلى اعتماد ميزانية ضعيفة ومهينة لأعضاء فرقته الموسيقية، وفق ما نشره عبر حسابه على موقع «فيسبوك».

رضا الوكيل خلال المؤتمر الصحافي (دار الأوبرا المصرية)

ولم تتوقف الأمور عند اعتذار ثروت، وتوضيح الحجار، وانتقادات المتخصصين؛ فقد أعلن رضا الوكيل اعتذاره عن الاستمرار في منصب رئيس دار الأوبرا المصرية، الذي تولّاه قبل أشهر قليلة، وكتب عبر حسابه على موقع «فيسبوك»: «لن أقبل أن يتحكم أحد في اختياراتي، ولن أكون سبباً في مشكلات أو عداء»، مؤكداً بقاءه فناناً وصديقاً، وذلك عقب الجدل الذي أثاره حديثه عن ضعف الميزانية محلياً، مقارنةً بمشاركات فناني الأوبرا دولياً.

وبعيداً عن جدل الاعتذارات والانتقادات والتوضيحات، احتفى الفنان مدحت صالح بإحيائه حفلين في المهرجان، أحدهما حفل الختام، ونشر الملصق الترويجي للحفلين عبر حسابه على موقع «فيسبوك».

وبدوره، قال المايسترو الدكتور محمد الموجي، مدير المهرجان والمؤتمر، إن الدورة المقبلة من «الموسيقى العربية» يغلب عليها الطابع الكلاسيكي والاهتمام بأصوات الأوبرا.

وتعليقاً على الجدل بشأن غياب بعض الفنانين عن المشاركة في المهرجان، أكد محمد الموجي لـ«الشرق الأوسط» أن «إدارة المهرجان تواصلت مع أسماء عدة، لكنهم اعتذروا لأسباب تنوعت بين اختلاف المواعيد، وضعف الميزانية، ووضع شروط».

وأبدى الموجي عتبه على بعض الفنانين المصريين تحديداً، موضحاً أن «ضعف الميزانية وترشيد النفقات أمور خارجة عن الإرادة، وهي العقبة الوحيدة التي واجهت إدارة المهرجان»، لافتاً إلى أن «الموسيقى العربية» مهرجان مصري عريق، سبق أن غنّى كثيرون منهم على خشبات مسارحه، وأن دعمه ضروري.

وذكر الموجي أنه طالب بزيادة الميزانية، لكن لا دخل له في ترتيب هذه الأمور وتنسيقها مع الجهات المعنية.

وفي تقليد جديد، أطلق المهرجان على لياليه الغنائية أسماء بعض رواد الموسيقى في مصر، من بينهم سيد درويش، وبليغ حمدي، ومحمد الموجي، ومحمد عبد الوهاب. كما ستُقام جميع حفلات القاهرة على خشبة المسرح الكبير بدار الأوبرا، ولن يشهد مسرح النافورة أي حفلات، خلافاً لما كان عليه الحال في دورات سابقة.

وخلال المؤتمر، أكد الدكتور محمد شبانة، رئيس اللجنة العلمية، أن موضوع المؤتمر لهذا العام يحمل عنوان «الموسيقى العربية بين النقد الأكاديمي والتناول الإعلامي»، وستجري مناقشته من خلال 4 محاور. وأشار شبانة إلى أن عدد الأبحاث التي تلقتها اللجنة بلغ 54 بحثاً، اختير منها 35 بحثاً من بلدان عربية وأجنبية، من بينها مصر، والسعودية، والأردن، ولبنان، والعراق، والسويد، وأميركا، إضافة إلى مشاركة 4 باحثين يمثلون مجمع الموسيقى العربية. كما يشهد المؤتمر ندوة ثقافية عن مشوار الفنان هاني شاكر.

ويُكرِّم مهرجان «الموسيقى العربية»، في حفل الافتتاح، 9 شخصيات أسهمت في إثراء الحياة الفنية في مصر والعالم العربي. ويشمل التكريم أسماء هاني شاكر، والشاعر رضا أمين، والموسيقار مختار السيد، إلى جانب الفنانين طارق فؤاد ووليد حيدر، وعازف الكمان الدكتور سمير رشاد، والفنان محمد فودة، والمؤلف الموسيقي محمد هلال، والناقدة الموسيقية الدكتورة إيناس جلال الدين.