ترمب يفرض بصمته على القضاء قبل الانتخابات النصفية

البيت الأبيض يسرّع تعيينات القضاة تحسباً لخسارة مجلس الشيوخ

المحكمة العليا الأميركية دائماً أمام سؤال: إلى أي مدى يكون القضاء خاضعاً للسياسة؟ (أ.ف.ب)
المحكمة العليا الأميركية دائماً أمام سؤال: إلى أي مدى يكون القضاء خاضعاً للسياسة؟ (أ.ف.ب)
TT

ترمب يفرض بصمته على القضاء قبل الانتخابات النصفية

المحكمة العليا الأميركية دائماً أمام سؤال: إلى أي مدى يكون القضاء خاضعاً للسياسة؟ (أ.ف.ب)
المحكمة العليا الأميركية دائماً أمام سؤال: إلى أي مدى يكون القضاء خاضعاً للسياسة؟ (أ.ف.ب)

قبل أقل من سبعة أسابيع على انتخابات التجديد النصفي، سعى الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، لوضع بصمته القوية على القضاء، بالإسراع في تعيين مجموعة من القضاة الفيدراليين، والحصول على موافقة مجلس الشيوخ على تعيينهم، قبل أن تحدد صناديق الانتخابات في نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل ما إذا كان الجمهوريون سيحتفظون بالمجلس أم لا.

وبحسب وكالة «رويترز» اليوم (الأربعاء) فإن ترمب أعلن خلال تسعة أيام فقط في أغسطس (آب) ترشيح 13 قاضياً جديداً، في وقت كان فيه مجلس الشيوخ في عطلته الصيفية. ويمثل ستة من المرشحين أمام اللجنة القضائية اليوم، بينما ينتظر الآخرون تصويت المجلس بكامل هيئته. ويحتاج تثبيت القضاة إلى أغلبية بسيطة في مجلس الشيوخ، الذي يسيطر عليه الجمهوريون حالياً بـ53 مقعداً مقابل 47 للديمقراطيين.

وتكشف السرعة، التي يحاول بها البيت الأبيض تعيين هؤلاء القضاة، عن مخاوف حقيقية من انتقال السيطرة على مجلس الشيوخ إلى الديمقراطيين في انتخابات 3 نوفمبر، ما يجعل قدرة ترمب على تعيين قضاة جدد محدودة للغاية ابتداءً من يناير (كانون الثاني) المقبل.

متظاهرون يحملون لافتات خلال مسيرة «ارفعوا أيديكم عن انتخاباتنا» خارج مبنى الكابيتول يوم الثلاثاء الماضي (د.ب.أ)

وقال روبرت لوثر، أستاذ القانون في جامعة جورج ميسون، والذي عمل على الترشيحات القضائية في البيت الأبيض خلال ولاية ترمب الأولى، لوكالة «رويترز» إن الإدارات تدخل مثل هذه المرحلة وهي تضع دائماً في حساباتها الخوف من خسارة مجلس الشيوخ.

ولا يعني ذلك أن البيت الأبيض يعتبر خسارة المجلس أمراً محسوماً، لكن القلق أصبح أكثر واقعية بعدما خرجت نتائج عدة استطلاعات رأي تشير إلى تحسن فرص الديمقراطيين في عدد من الولايات، وسط تراجع شعبية ترمب، واستياء الناخبين من الاقتصاد، ما أدى إلى ارتفاع التوقعات بـ«موجة زرقاء» تجتاح مجلس الشيوخ، بعد أن كان الجمهوريون أكثر ثقة في احتفاظهم بالأغلبية في المجلس قبل عدة أشهر.

السيطرة على القضاء

ومنذ عودته إلى السلطة في يناير العام الماضي، نجح ترمب في تثبيت تعيين 54 قاضياً. وخلال ولايته الأولى عين 234 قاضياً. وأشارت وكالة «رويترز» إلى أن القضاة الذين اختارهم ترمب أصبحوا يمثلون ما يقارب ثلث عدد القضاة الفيدراليين، حيث يتم تعيين القاضي الفيدرالي مدى الحياة وفقاً للقانون.

الرئيس دونالد ترمب خلال إلقاء كلمته في المؤتمر الوطني لـ«الحزب الجمهوري» الخاص بانتخابات التجديد النصفي في دالاس (أرشيفية - رويترز)

وقد صادق مجلس الشيوخ يوم الثلاثاء بأغلبية 52 مقابل 45 على تعيين القاضي المحافظ ماثيو بيرن في المحكمة الفيدرالية للمنطقة الجنوبية من ولاية أوهايو. وكان بيرن قد اتخذ مواقف محافظة بارزة بشأن الإجهاض، وقضايا المثليين، بينما يقول مؤيدوه إنه صاحب خبرة قضائية واسعة، وإن سجله يظهر التزامه بالسوابق القضائية الملزمة.

وأرسل البيت الأبيض هذا الأسبوع دفعة أخرى من الترشيحات إلى مجلس الشيوخ، تضم قضاة لمحاكم في 8 ولايات، هي: تينيسي، ونورث داكوتا، وكنتاكي، وتكساس، ولويزيانا، وفلوريدا، وأوكلاهوما، وألاسكا، إضافة إلى ترشيح القاضي لي رودوفسكي للترقية إلى محكمة الاستئناف للدائرة الثامنة.

وتقول «رويترز» إن القاضي رودوفسكي يمثل حالة ذات أهمية خاصة. فإذا وافق مجلس الشيوخ على ترقيته، فسيصبح قضاة ترمب أغلبية في محكمة الاستئناف للدائرة الثامنة، وهي التي تغطي سبع ولايات في وسط البلاد، لتكون أول محكمة من محاكم الاستئناف الفيدرالية الـ13 تطغى عليها تعيينات ترمب.

مؤيدو التصويت عبر البريد يتظاهرون خارج مبنى الكابيتول في واشنطن يوم الثلاثاء (إ.ب.أ)

استثمار يمتد لعقود

وما يفسر اهتمام البيت الأبيض بتعيينات القضاة، هو أن السياسات التنفيذية يمكن أن يلغيها رئيس لاحق، والقوانين يمكن تعديلها إذا تغيرت الأغلبية في الكونغرس، لكن القضاة الفيدراليين قد يبقون في مواقعهم مستقبلاً، وهو الإرث التي يحاول ترمب تثبيته لعقود آتية. وقد ظهرت قوة هذا الإرث بالفعل خلال رئاسة جو بايدن، عندما أصدر قضاة عينهم ترمب في ولايته الأولى أحكاماً عطلت سياسات ديمقراطية في ملفات الهجرة، وإعفاء ديون الطلاب، وحماية حقوق المثليين.

في المقابل، أثبت قضاة المحاكم أيضاً أنهم ليسوا امتداداً تلقائياً للبيت الأبيض؛ فقد أصدر قضاة عينهم ترمب أحكاماً ضد إدارته. كما هاجم الرئيس هذا الأسبوع بعض قضاة المحكمة العليا ممن عينهم بنفسه، بعد رفض المحكمة السماح بتطبيق قيود جديدة على التصويت بالبريد قبل انتخابات نوفمبر. كما صب جام غضبه على قضاة المحكمة العليا حينما عارضوا تقييد منح الجنسية بالولادة، وقرارات أخرى تتعلق بصلاحيته في فرض رسوم جمركية بشكل أحادي. لكن نموذج المحكمة العليا يوضح في الوقت نفسه الأثر طويل المدى للتعيينات. فقد عين ترمب ثلاثة من قضاتها خلال ولايته الأولى، وأسهمت الأغلبية المحافظة في أحكام غيرت القانون الأميركي بشأن الإجهاض، والتمييز الإيجابي، وحقوق حمل السلاح، وإعادة رسم الدوائر الانتخابية.

متظاهر يرفع لافتة خارج مبنى الكابيتول ضد قرار الرئيس دونالد ترمب تغيير طريق التصويت عبر البريد في واشنطن يوم الثلاثاء (أ.ف.ب)

معركة الولاء

ويقول البيت الأبيض إن معيار الاختيار هو الكفاءة القانونية. وأكدت المتحدثة لورين بيس في بيان أن ترمب يختار مرشحين ذوي مؤهلات عالية بعد عملية تدقيق صارمة، ويتمتعون باحترام الدستور، وسيادة القانون.

لكن الديمقراطيين يطرحون سؤالاً مختلفاً حول ما إذا كان الولاء للرئيس أصبح عاملاً أكثر حضوراً في اختيارات ولايته الثانية. ويشيرون بشكل خاص إلى أن مرشحين خلال جلسات مجلس الشيوخ تجنبوا الإجابة مباشرة عن سؤال عما إذا كان ترمب قد خسر انتخابات 2020، واكتفوا بالقول إن جو بايدن تم التصديق على فوزه. كما أن ثلاثة من مرشحي ترمب الـ13 لمحاكم الاستئناف في هذه الولاية سبق أن عملوا محامين شخصيين له، وقد تم تثبيتهم.

نافذة تضيق

ولا يعود استعجال البيت الأبيض فقط إلى احتمال تغير الأغلبية في مجلس الشيوخ. فعدد المقاعد القضائية الشاغرة والقضاة المتوقع تقاعدهم يتراجع، ما يعني أن فرص ترمب لإحداث تغييرات كبيرة جديدة قد تصبح أقل، حتى إذا احتفظ الجمهوريون بالمجلس.

وسباق التعيينات قبل انتخابات محتملة لتغيير الأغلبية ليس حكراً على الجمهوريين. فقد واجه بايدن والديمقراطيون ضغوطاً مماثلة قبل انتخابات 2022، وأنهى بايدن رئاسته بتثبيت 235 قاضياً، بزيادة قاضٍ واحد على حصيلة ترمب في ولايته الأولى. لكن الفارق الآن هو السياق السياسي، لأن ترشيحات ترمب القضائية تحمل رسالة تتجاوز أسماء المرشحين الثلاثة عشر، فالبيت الأبيض يحاول استثمار الأغلبية الجمهورية التي يملكها اليوم قبل أن تقرر صناديق نوفمبر ما إذا كانت ستظل موجودة غداً. وإذا كان ترمب لا يستطيع ضمان من سيسيطر على مجلس الشيوخ في يناير، فإنه يستطيع، قبل ذلك، محاولة تثبيت قضاة سيبقون في المحاكم بعد انتهاء انتخابات 2026، بل وبعد انتهاء رئاسته نفسها.


مقالات ذات صلة

ترمب: لا أستعجل ضرب إيران… ونشلّ اقتصادها

شؤون إقليمية  ترمب يغادر المنصة بعد إلقاء كلمة خلال تجمع انتخابي في مطار سالينا بولاية كانساس الأحد (أ.ب)
p-circle

ترمب: لا أستعجل ضرب إيران… ونشلّ اقتصادها

قال الرئيس الأميركي دونالد ترمب، الاثنين، إنه ليس في عجلة لاستئناف الحرب على إيران؛ لأن بلاده «تشل» اقتصادها. وأضاف أن طهران تريد اتفاقاً أكثر من أي وقت مضى.

«الشرق الأوسط» (لندن)
الولايات المتحدة​ ناخبة تدلي بصوتها في محطّة اقتراع بفلوريدا يوم 27 أكتوبر (أ.ب)

54 مليون صوت مبكر تشعل رهانات الحزبين قبل الانتخابات

الديمقراطيون يرون مؤشرات على تعبئة تمنحهم فرصة انتزاع السيطرة على الكونغرس، فيما يراهن الجمهوريون على ناخبين ينتظرون يوم الانتخابات.

إيلي يوسف (واشنطن)
الولايات المتحدة​ أنصار المرشح الديمقراطي عبد الرحمن السيد خلال تجمع انتخابي في ديترويت يوم 1 نوفمبر (أ.ب)

العرب الأميركيون يعودون إلى الديمقراطيين بشروط وحسابات معقدة

بعد عامين من التقلبات في علاقتهم بالحزبين الرئيسيين، تشير الاستطلاعات إلى عودة العرب الأميركيين إلى الديمقراطيين، وسط انقسامات حزبية حادة في ميشيغان.

علي بردى (واشنطن)
تحليل إخباري المرشح الجمهوري في ميشيغان مايك روجرز والمرشحة الديمقراطية السابقة هايلي ستيفنز في ديترويت 1 نوفمبر 2026 (أ.ب)

تحليل إخباري فوز الديمقراطيين بالكونغرس يهدّد بتعميق انقساماتهم الداخلية

سلّطت أزمة ميشيغان الضوء على الانقسامات الداخلية التي قد يواجهها الحزب إذا فاز بمجلسي الكونغرس، والتي كانت قياداته تأمل تأجيل الخوض فيها.

رنا أبتر (واشنطن)
الولايات المتحدة​ متطوعون يستعدون للقيام بحملة ميدانية لصالح مرشحي الحزب الديمقراطي لعضوية الكونغرس بمن فيهم راندي فيليغاس المرشح عن ولاية كاليفورنيا (أ.ف.ب) p-circle

أميركا: ما الذي قد يكبح مكاسب الديمقراطيين في انتخابات التجديد النصفي؟

يستعرض التقرير عوامل عدة قد تعرقل الطريق أمام الديمقراطيين لتحويل الظروف السياسية المواتية فوزاً ساحقاً في انتخابات التجديد النصفي الأميركية.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

التصويت المبكر يحطّم الأرقام القياسية ولا يحسم سباق الكونغرس

ناخبة تدلي بصوتها في محطّة اقتراع بفلوريدا يوم 27 أكتوبر (أ.ب)
ناخبة تدلي بصوتها في محطّة اقتراع بفلوريدا يوم 27 أكتوبر (أ.ب)
TT

التصويت المبكر يحطّم الأرقام القياسية ولا يحسم سباق الكونغرس

ناخبة تدلي بصوتها في محطّة اقتراع بفلوريدا يوم 27 أكتوبر (أ.ب)
ناخبة تدلي بصوتها في محطّة اقتراع بفلوريدا يوم 27 أكتوبر (أ.ب)

قبل أن تفتح مراكز الاقتراع أبوابها الثلاثاء، الثالث من نوفمبر (تشرين الثاني)، كان الناخبون الأميركيون قد سجّلوا إقبالاً مبكراً قياسياً في ولايات عدة.

أكثر من 54 مليون ناخب أدلوا بأصواتهم على المستوى الوطني، وفق تحليل لوكالة «أسوشييتد برس» نُشر الأحد. لكن خلف مشهد المشاركة الكثيفة، تتقدم معركة تفسير الأرقام. فالديمقراطيون يرون مؤشرات على تعبئة تمنحهم فرصة انتزاع السيطرة على الكونغرس، فيما يراهن الجمهوريون على ناخبين ينتظرون يوم الانتخابات. وبين القراءتين، يكشف التصويت المبكر اتساع المشاركة وتغيّر توقيتها، لكنه لا يكشف مضمون الأوراق المودعة في الصناديق.

مشاركة قياسية

حسب بيانات مختبر الانتخابات بجامعة فلوريدا، تجاوز التصويت المبكر 54.8 مليون صوت ظهر الاثنين، مقابل نحو 45.9 مليون في مجمل التصويت المبكر لانتخابات 2022. وفي الولايات الـ27 التي توافرت عنها بيانات الانتماء الحزبي، شارك قرابة 11.2 مليون ديمقراطي و8.2 مليون جمهوري، إضافة إلى نحو 6.6 مليون غير منتسب إلى الحزبين الكبيرين. وهذه أعداد مشاركين وفق تسجيلهم الحزبي، وليست نتائج تصويت للمرشحين.

ويكتسب هذا التمييز أهمية خاصة؛ إذ لا يمكن تعميم النسب الحزبية على الولايات كلها، ولا اعتبار كل مسجّل ديمقراطي أو جمهوري صوتاً مضموناً لمرشح حزبه. والمشاركة القياسية المسجّلة في ولايات عدة تصف حجم إقبال الناخبين، ولا تتطلب أن يكون كل حزب قد حطّم رقمه الخاص. أما الأفضلية الديمقراطية فتظهر داخل مجموعة الولايات التي تنشر بيانات الانتماء الحزبي. ويؤكد مختبر جامعة فلوريدا أن إحصاء الانتماء الحزبي يختلف عن احتساب الأصوات الفعلية.

من الناحية السياسية، يعد هذا الفارق جوهرياً؛ لأن نجاح حملة في دفع مؤيديها إلى الاقتراع مبكراً يضمن مشاركتهم، لكنه لا يعني بالضرورة أنها وسّعت قاعدتها. فقد يكون الناخب نفسه اعتاد التصويت يوم الثلاثاء، ثم اختار هذه المرة موعداً أكثر ملاءمة. لذلك يصبح السؤال الأهم، كم ناخباً إضافياً جرى استقطابه، وكم ناخباً غيّر توقيت مشاركته فقط؟

ولايات تحت المجهر

تتصدر تكساس مشهد الأرقام الكبيرة، حيث تجاوز عدد المقترعين مبكراً 7.7 مليون، بما يعادل 40.5 في المائة من المسجّلين، وفق بيانات أولية نقلتها «تكساس تريبيون»، الأحد. وبذلك، تجاوزت الولاية المستوى القياسي الحديث للمشاركة المبكرة في انتخابات نصفية، المسجّل عام 2018.

ناخبون ينتظرون دورهم للإدلاء بأصواتهم خارج مكتب اقتراع في كولومبوس بأوهايو يوم 1 نوفمبر (أ.ف.ب)

وتزامنت الزيادة مع منافسة قوية على مقعد مجلس الشيوخ بين الديمقراطي جيمس تالاريكو والجمهوري كين باكستون، إلى جانب سباق الحاكم.

أما نورث كارولاينا، فسجّلت نحو 2.8 مليون صوت مبكر، بزيادة تقارب 30 في المائة على 2022، وفق «أكسيوس».

وفي رصد منفصل أجرته وكالة «أسوشييتد برس» قبل الاقتراع بخمسة أيام، ارتفع التصويت المبكر مقارنة بالمرحلة نفسها من الانتخابات السابقة بنسبة 44 في المائة في مين، و34 في المائة في كانساس، و32 في المائة في ميشيغان، و83 في المائة في ساوث كارولاينا. وهذه مقارنات زمنية محددة، وليست معدلات الإقبال النهائي.

وتُقدّم جورجيا صورة أوضح لتركيبة المشاركة. فحسب «أتلانتا جورنال كونستيتيوشن»، اقترع أكثر من 2.8 مليون شخص مبكراً، بزيادة 13 في المائة على 2022. وارتفعت حصة الناخبين السود إلى 32.4 في المائة، مقابل 30.2 في المائة، فيما زادت حصة ذوي الأصول اللاتينية من 2 إلى 3.7 في المائة.

كذلك، شارك أكثر من 630 ألف شخص غابوا عن انتخابات 2022 النصفية، من دون أن يعني ذلك أنهم جميعاً ناخبون للمرة الأولى. كما أن الدلالة السياسية لا تتساوى مع كل زيادة، فارتفاع المشاركة داخل ولاية محسومة نسبياً قد يرفع الإجمالي الوطني من دون تغيير ميزان الكونغرس، فيما يمكن لزيادة أصغر داخل دائرة متأرجحة أن تحسم مقعداً. لذلك تتجه الأنظار إلى توزيع الأصوات بين المقاطعات والدوائر، وليس إلى ترتيب الولايات بأعداد المقترعين وحدها.

دوافع التعبئة

وتلتقي هذه المشاركة مع فجوة في الحماسة، حيث أظهر استطلاع لـ«إيه بي سي نيوز» و«واشنطن بوست» و«إبسوس»، أورده تحليل للشبكة في الشهر الماضي، أن 72 في المائة من الديمقراطيين يؤكدون عزمهم على التصويت، مقابل 65 في المائة من الجمهوريين. ووجد التحليل أن مؤشرات التصويت المبكر في بعض الولايات المهمة تنسجم مع تعبئة ديمقراطية أقوى.

عدد من الناخبين يتّجهون إلى مكتب اقتراع في سان بيترسبيرغ بولاية فلوريدا يوم 1 نوفمبر (أ.ب)

ووفق «رويترز»، تضع ضغوط تكاليف المعيشة والحرب مع إيران إدارة الرئيس دونالد ترمب في قلب المحاسبة الانتخابية. لكن تحويل الاستياء إلى أصوات يظل مشروطاً بالمشاركة الفعلية، خصوصاً لدى الشباب والناخبين السود ومن أصول لاتينية، الذين تشدد الوكالة على أن إقبالهم تاريخياً يتراجع في الانتخابات النصفية مقارنة بالرئاسية.

بيد أن اتساع التصويت المبكر يمكن تفسيره أيضاً بوظيفته التنظيمية. كل مؤيد يقترع يصبح اسماً تستطيع الحملة شطبه من قائمة المتابعة، لتخصص اتصالاتها وزياراتها لمن لم يصوّت بعد. كما يتيح تعدد أيام الاقتراع تجاوز صعوبات العمل والتنقل والالتزامات العائلية. وهذه عوامل تساعد على المشاركة وتفسّر جانباً من زخمها. ويبقى الرقم القياسي للتصويت المبكر مختلفاً عن الإقبال النهائي، الذي يتحدد بعد إضافة أصوات الثلاثاء.

وتوضح جورجيا هذا التداخل، حيث أفادت «أتلانتا جورنال كونستيتيوشن» بأن أكثر من 435 ألفاً ممن صوّتوا يوم الانتخابات في عام 2022 اقترعوا مبكراً هذه المرة. وبالتالي، تجمع الزيادة بين استقطاب مشاركين غابوا سابقاً وتقديم موعد تصويت آخرين، وهما مساران مختلفان في أثرهما على النتيجة.

أفضلية تنتظر الاختبار

يدخل الديمقراطيون اليوم الأخير بإشارات مشجعة، لكن الاختبار الجمهوري لم ينته بعد.

ناخبون يسجلون أسماءهم في أحد مراكز الاقتراع ضمن عمليات التصويت المبكر بولاية مينيسوتا (أ.ف.ب)

ويُذكّر تحليل «إيه بي سي نيوز» بأن ناخبي الحزب الجمهوري كانوا أكثر ميلاً إلى الاقتراع يوم الانتخابات في دورات سابقة. وعليه، قد يتوقف حجم الأفضلية الديمقراطية على قدرة الجمهوريين على تعبئة مؤيديهم الأقل انتظاماً، وليس على تعويض فارق عددي ظاهر في التصويت المبكر فحسب.

ومع ذلك، تجدر الإشارة هنا إلى أنه إذا كانت الزيادة تضم ناخبين إضافيين يميلون إلى الديمقراطيين، فيما بقيت تعبئة الجمهوريين ضعيفة، تتعزز فرص الحزب المعارض. أما إذا كان معظم التقدم نتيجة انتقال ناخبين معتادين إلى التصويت المبكر، ثم حضر الجمهوريون بقوة الثلاثاء، فقد تضيق الفجوة.

ويظل غير المنتسبين حزبياً والتصويت لمرشحين من حزبين مختلفين عاملين لا تحسمهما سجلات المشاركة. لذلك، يحمل التصويت المبكر رسالة ضغط أوضح من كونه إعلان فوز، وعلى الجمهوريين إثبات أن جمهورهم المؤجّل سيحضر، وعلى الديمقراطيين إثبات أن حماستهم تمتد إلى خارج قاعدتهم المنتظمة. وما سيحدد السيطرة على الكونغرس هو المكان الذي تتحول فيه هذه التعبئة إلى أغلبية أصوات ومقاعد، لا حجم الطوابير أمام مراكز الاقتراع وحده.


العرب الأميركيون يعودون إلى الديمقراطيين بشروط وحسابات معقدة

أنصار المرشح الديمقراطي عبد الرحمن السيد خلال تجمع انتخابي في ديترويت يوم 1 نوفمبر (أ.ب)
أنصار المرشح الديمقراطي عبد الرحمن السيد خلال تجمع انتخابي في ديترويت يوم 1 نوفمبر (أ.ب)
TT

العرب الأميركيون يعودون إلى الديمقراطيين بشروط وحسابات معقدة

أنصار المرشح الديمقراطي عبد الرحمن السيد خلال تجمع انتخابي في ديترويت يوم 1 نوفمبر (أ.ب)
أنصار المرشح الديمقراطي عبد الرحمن السيد خلال تجمع انتخابي في ديترويت يوم 1 نوفمبر (أ.ب)

استعد العرب الأميركيون، على غرار مواطنيهم من المشارب المختلفة في الولايات المتحدة، لإسماع أصواتهم في الانتخابات النصفية للكونغرس، الثلاثاء، مع حسابات أكثر تعقيداً من أي وقت مضى.

فبعد عامين من التقلبات في علاقتهم بالحزبين، تشير الاستطلاعات إلى عودتهم نحو الديمقراطيين، في وقت يعيش فيه الحزب نفسه انقسامات حادة بلغت ذروتها في الأيام الأخيرة من الحملة في ميشيغان، حيث يتركز الثقل الانتخابي الأكبر للجالية. وكان الغضب من سياسات الرئيس السابق جو بايدن حيال غزة قد أبعد فئات واسعة من العرب عن الديمقراطيين في عام 2024، غير أن الاستطلاعات تظهر عودتهم إلى الحزب من دون استعادة الولاء التقليدي، وسط خيبة من سياسات الرئيس دونالد ترمب.

المرشح الديمقراطي لمجلس الشيوخ عن ميشيغان عبد الرحمن السيد يحيي مؤيديه في تجمع «حسم التصويت» في ميشيغان يوم 1 نوفمبر (أ.ف.ب)

وأظهر أحدث استطلاع أجراه المعهد العربي الأميركي، بالتعاون مع شركة «جون زغبي ستراتيجيز»، بين 16 أكتوبر (تشرين الأول) الماضي و23 منه، أن 59 في المائة من الناخبين العرب الأميركيين المحتملين يعتزمون التصويت للمرشح الديمقراطي في دوائرهم، مقابل 26 في المائة للمرشح الجمهوري، بهامش خطأ يبلغ 4.5 نقطة مئوية.

وتتقاطع هذه النتائج مع استطلاع أجرته صحيفة «واشنطن بوست» وكلية «شار» في أغسطس (آب) وسبتمبر (أيلول)، أظهر أن 58 في المائة من الناخبين العرب المسجلين يؤيدون المرشحين الديمقراطيين، مقابل 34 في المائة للجمهوريين.

ويأتي ذلك بعد انتخابات 2024 التي توزعت فيها أصوات الجالية بشكل شبه متكافئ؛ إذ قال 41 في المائة من المشاركين إنهم صوتوا لنائبة الرئيس السابقة كامالا هاريس، مقابل 39 في المائة لترمب.

صعود المستقلين

لكن المؤشر الأهم على المدى البعيد يتمثل في اتساع قاعدة المستقلين. فوفق المعهد، يُعرّف 31 في المائة من الناخبين العرب أنفسهم بوصفهم مستقلين، وهو أعلى مستوى يسجله المعهد، مقابل 41 في المائة ديمقراطيين و27 في المائة جمهوريين. وكانت نسبة الانتماء الديمقراطي قد تراجعت إلى 23 في المائة عقب انتخابات 2024، قبل أن تتعافى إلى مستواها الحالي.

ويبدو المزاج الانتخابي أقرب إلى محاسبة الحزبين منه إلى تجديد الانتماء. وقال رئيس المعهد جيمس زغبي إن الغضب المرتبط بغزة لا يزال قائماً، على رغم عودة الدعم للديمقراطيين.

الاقتصاد أولاً

ويتصدر الاقتصاد اهتمامات الناخبين العرب؛ إذ قال 82 في المائة من المشاركين في استطلاع المعهد إنهم يعانون صعوبات بسبب ارتفاع تكاليف المعيشة، ورأى 56 في المائة أن البلاد تسير في الاتجاه الخاطئ. وفي استطلاع «واشنطن بوست»، عبّر سبعة من كل عشرة عن عدم رضاهم عن إدارة ترمب للاقتصاد، بينهم نحو أربعة من كل عشرة ممن صوتوا له في 2024، في ظل ارتفاع أسعار الوقود والمواد الغذائية، وتأثير الرسوم الجمركية وحرب إيران.

المشاركون في تجمع «فوتو لاتينو» لدعم المرشحين الديمقراطيين جينا هينوجوسا لمنصب حاكم تكساس وجيمس تالاريكو لمجلس الشيوخ وبوبي بوليدو لمجلس النواب (أ.ب)

ويمتد الاستياء إلى السياسة الخارجية؛ إذ أبدى 80 في المائة عدم رضاهم عن تعامل ترمب مع ملف إسرائيل وغزة، و75 في المائة عن تعامله مع إيران، فيما يريد نحو ثمانية من كل عشرة خفض الدعم العسكري الأميركي لإسرائيل، بينهم ستة يريدون إنهاءه كلياً. ويضع ذلك الجمهوريين أمام تحدٍّ، بعدما أضعف استمرار الحرب وعود ترمب بإحلال السلام في الشرق الأوسط.

انقسامات الديمقراطيين

غير أن عودة العرب إلى الديمقراطيين تصطدم بانقسامات داخلية تتسع منذ أشهر بين المؤسسة التقليدية للحزب وجناحه التقدمي، وتشكل إسرائيل وغزة أبرز عناوينها.

صورة مركبة لكل من المرشح الديمقراطي لمجلس الشيوخ عن ميشيغان عبد الرحمن السيد والنائبة الديمقراطية هايلي ستيفنز والمرشح الجمهوري لمجلس الشيوخ عن ميشيغان مايك روجرز (أ.ف.ب)

فقد أطاح مرشحون تقدميون بنواب مخضرمين في الانتخابات التمهيدية في كولورادو، حيث خسرت النائبة ديانا ديغيت، المؤيدة لإسرائيل منذ 15 دورة، أمام منافستها التقدمية ميلات كيروس. وأظهر استطلاع لمركز «بيو» في مارس (آذار) أن 80 في المائة من الديمقراطيين والمستقلين الميالين إليهم ينظرون سلباً إلى إسرائيل، مقابل 53 في المائة عام 2022.

وانفجر هذا الانقسام علناً في ميشيغان خلال الأيام الأخيرة. فبعد فوز عبد الرحمن السيد في الانتخابات التمهيدية على المرشحة هايلي ستيفنز بفارق يقل عن نقطة مئوية واحدة، في سباق أنفقت فيه «إيباك» والجماعات المرتبطة بها عشرات الملايين لدعم ستيفنز، أيدته الأخيرة في البداية. لكن التوتر عاد بعدما بثت لجنة مؤيدة للسيد إعلاناً يربط الدعم الأميركي لإسرائيل بغلاء الغذاء، فطالبته ستيفنز بإدانته، لتطلب حملته منها عدم حضور تجمع في كنيسة بديترويت.

وفي تطور لافت قبل يومين من الاقتراع، ظهرت ستيفنز إلى جانب المرشح الجمهوري مايك روجرز وأعلنت تأييدها له، متهمة السيد بمعاداة السامية وبعدم إدانة الجماعات المتطرفة بما يكفي، وهي اتهامات ينفيها، مؤكداً أنه يتعرض لهجمات عنصرية ومعادية للإسلام من الجمهوريين. ووصف زعيم الأقلية الديمقراطية في مجلس الشيوخ تشاك شومر الخطوة بأنها «خيانة دنيئة»، فيما رحب بها ترمب، واعتبرها السيد إلهاء عن هموم سكان الولاية.

المرشح الجمهوري لمجلس الشيوخ عن ميشيغان مايك روجرز مع النائبة الديمقراطية عن الولاية هايلي ستيفنز في كنيسة بديترويت يوم 1 نوفمبر (أ.ب)

ويحمل هذا الانقسام تأثيراً مزدوجاً على الناخبين العرب. فتبني جناح داخل الحزب مواقف أكثر انتقاداً لإسرائيل قد يعزز ثقتهم بإمكان التغيير من الداخل ويدفعهم إلى المشاركة، لكن الصراع يذكرهم أيضاً بأن المؤسسة الحزبية لم تحسم موقفها، ما قد يفسر احتفاظ كثيرين بصفة «المستقل»، وتأكيد 41 في المائة من الديمقراطيين العرب أنهم لن يدعموا مرشحاً رئاسياً عام 2028 يرفض إنهاء الدعم غير المشروط لإسرائيل، فيما قال 90 في المائة إن غزة ستكون عاملاً مهماً في تحديد تصويتهم في تلك الانتخابات.

سيناتور مسلم؟

وتكتسب ميشيغان أهمية خاصة؛ إذ يعيش فيها أحد أكبر تجمعات العرب والمسلمين في البلاد، لا سيما في ديربورن وضواحي ديترويت.

الرئيس الأميركي الأسبق باراك أوباما والمرشح الديمقراطي لمجلس الشيوخ عن ميشيغان عبد الرحمن السيد خلال تجمع انتخابي في الولاية يوم 24 أكتوبر (د.ب.أ)

ويبلغ عدد العرب الأميركيين نحو 3.5 مليون نسمة، أي قرابة واحد في المائة من السكان، ويمثلون نحو 2 في المائة من البالغين في ميشيغان. وقد يصبح السيد، ذو الأصول المصرية، أول مسلم يدخل مجلس الشيوخ في حال فوزه.

وتعرضت حملته لهجمات من ترمب ومسؤولين جمهوريين استهدفت خلفيته العربية والإسلامية، فيما أثار وزير الصحة روبرت كينيدي الابن جدلاً بادعائه أن العرب لا ينتجون العلوم أو الأدب.

في المقابل، ركز السيد، الملقب «عبدول»، على غلاء المعيشة، مؤكداً أن الناخبين يهتمون بتكاليف الحياة لا بالخلافات الحزبية.

التمييز والمشاركة

أفاد 65 في المائة من العرب الأميركيين بتعرضهم للتمييز بسبب أصولهم العرقية أو بلدانهم الأصلية، مقارنة بـ53 في المائة عام 2023، في رابع ارتفاع متتالٍ يسجله المعهد. لكن هذا المناخ دفع 53 في المائة إلى زيادة انخراطهم السياسي، وترتفع النسبة إلى 67 في المائة بين المستقلين. وقالت المديرة التنفيذية للمعهد، مايا بري، إن 43 في المائة من المستطلعين تواصلوا مع مسؤول منتخب في هذه الدورة، مقابل 27 في المائة عام 2024.

وبالنسبة إلى الجمهوريين، يتطلب الاحتفاظ بأصوات 2024 أكثر من استثمار الغضب من خصومهم. أما الديمقراطيون، فعودة العرب إليهم «ليست شيكاً على بياض»، وانقساماتهم العلنية قد تبدد مكاسبهم في اللحظة الأخيرة. وهكذا لا يعود العرب الأميركيون إلى خريطتهم السياسية القديمة، بل يعيدون رسمها وفق معادلة تجمع الاقتصاد والسياسة الخارجية والهوية والحقوق المدنية.


فوز الديمقراطيين بالكونغرس يهدّد بتعميق انقساماتهم الداخلية

المرشح الجمهوري في ميشيغان مايك روجرز والمرشحة الديمقراطية السابقة هايلي ستيفنز في ديترويت 1 نوفمبر 2026 (أ.ب)
المرشح الجمهوري في ميشيغان مايك روجرز والمرشحة الديمقراطية السابقة هايلي ستيفنز في ديترويت 1 نوفمبر 2026 (أ.ب)
TT

فوز الديمقراطيين بالكونغرس يهدّد بتعميق انقساماتهم الداخلية

المرشح الجمهوري في ميشيغان مايك روجرز والمرشحة الديمقراطية السابقة هايلي ستيفنز في ديترويت 1 نوفمبر 2026 (أ.ب)
المرشح الجمهوري في ميشيغان مايك روجرز والمرشحة الديمقراطية السابقة هايلي ستيفنز في ديترويت 1 نوفمبر 2026 (أ.ب)

سيطرة الديمقراطيين على الأغلبية في مجلسَي الكونغرس لا تعني بالضرورة أنهم سيتفقون على كيفية توظيفها في حال فوزهم. وخير دليل على ذلك الإحراج العلني الذي واجهه الحزب في ميشيغان، بعدما قررت المرشحة الديمقراطية هايلي ستيفنز تأييد الجمهوري مايك روجرز، بدلاً من مرشح حزبها الرسمي عبد الرحمن السيد.

فستيفنز، التي حظيت سابقاً بدعم قيادات الحزب، خسرت الانتخابات التمهيدية أمام السيد، الذي تحفظت هذه القيادات عن تأييده بسبب مواقف لا ينسجم بعضها مع أجندة الحزب التقليدية. وها هي اليوم تتمرد على قيادات حزبها، مهددةً فعلياً حظوظه في انتزاع الأغلبية بمجلس الشيوخ، في ولاية تُعدّ أساسية لتحقيق هذا الهدف.

وقد تعني خسارة ميشيغان أن على الديمقراطيين انتزاع خمسة مقاعد من الجمهوريين لضمان الأغلبية البسيطة في مجلس الشيوخ، ومن شأن عدم توحيد الصفوف الحزبية خلف السيد أن يزيد مهمة الحزب صعوبة، ويعقّد مساعيه لقلب موازين القوى في المجلس.

انقسامات حزبية داخلية

بصرف النظر عن نتائج الانتخابات، سلّط قرار ستيفنز الضوء مبكراً على الانقسامات الداخلية التي قد يواجهها الحزب الديمقراطي في حال سيطرته على مجلسَي الكونغرس، والتي كانت قياداته تأمل تأجيل الخوض فيها إلى ما بعد الانتخابات. وتجلّت هذه الانقسامات خلال الانتخابات التمهيدية، مع بروز مرشحين تقدميين واشتراكيين يتبنّون أجندات بعيدة كل البعد عن التوجهات التقليدية للحزب.

عبد الرحمن السيد في ميشيغان يوم 1 نوفمبر 2026 (أ.ف.ب)

واليوم، يجمع مرشحي الحزب هدف واحد: مواجهة الرئيس الأميركي دونالد ترمب وإلحاق الهزيمة بالجمهوريين في الانتخابات النصفية. لكن هذا الهدف المشترك قد لا يصمد أمام اختبار الفوز، حين ينتقل الديمقراطيون من موقع المعارضة إلى موقع الأغلبية التشريعية، وتطفو الخلافات بين أجنداتهم المختلفة إلى السطح. وحينها، ستجد قيادات الحزب نفسها أمام مهمة شاقة تتمثل في احتواء الانقسامات والتوفيق بين التيارات المتنافسة، خصوصاً إذا كانت الأغلبية التي يحققها الديمقراطيون ضئيلة في المجلسين، كما ترجّح التوقعات حتى الآن.

مجلس النواب بين الهجرة وإسرائيل

يواجه زعيم الديمقراطيين في مجلس النواب، حكيم جيفريز، مهمة شاقة في احتواء الخلافات الداخلية، بعدما أظهرت التجارب التي سبقت الانتخابات صعوبة ضبطه التمرد داخل صفوف حزبه، على خلاف سلفه نانسي بيلوسي، التي عُرفت بقبضتها الحديدية على الكتلة الديمقراطية.

رئيسة مجلس النواب السابقة نانسي بيلوسي في كاليفورنيا 23 أكتوبر 2026 (أ.ب)

وقد واجه جيفريز سلسلة من التحديات من الجناحين المعتدل والتقدمي في حزبه، بعدما صوّت ديمقراطيان معتدلان إلى جانب الجمهوريين لتسهيل تمرير أجندتهم، من دون إبلاغه أو التنسيق معه. ثم أثار غضب التقدميين برفضه خطتهم لتوفير الرعاية الصحية الحكومية للجميع، قبل أن يأتي لقاؤه مع صهر الرئيس، جاريد كوشنر، ليصب الزيت على نار الخلافات مع هذا الجناح.

وجميعها تطورات سبقت الانتخابات، فيما يُتوقع أن يزداد نفوذ التقدميين في الكونغرس الجديد، خصوصاً إذا كانت الأغلبية الديمقراطية ضئيلة. وحينها، سيسعون إلى الدفع بأجندتهم التي تتضمن بنوداً يعارضها جيفريز، أبرزها تقليص تمويل وكالة إنفاذ قوانين الهجرة والجمارك (أيس) وإلغاء بعض أنشطتها، فضلاً عن تقييد نقل الأسلحة الهجومية الأميركية إلى إسرائيل.

ولعلّ الملف الأخير يجسّد عمق الانقسامات داخل الحزب، بعدما حضر بقوة في الحملة الانتخابية، وشكّل محوراً أساسياً للخلاف بين المرشحين في ميشيغان: هايلي ستيفنز الداعمة لإسرائيل، وعبد الرحمن السيد المعارض للسياسة الأميركية تجاهها.

النائبة التقدمية ألكسندريا أوكاسيو كورتيز في حدث انتخابي بميشيغان 16 أكتوبر 2026 (أ.ف.ب)

غير أن الخلافات لم تقتصر على المواقف الانتخابية، بل امتدت إلى التصويت داخل مجلس النواب، حيث أيّد 103 ديمقراطيين، في 15 يوليو (تموز) 2026، وقف مساعدات أميركية لإسرائيل، في خطوة شكّلت إحراجاً لجيفريز الذي صوّت ضد المشروع، فيما أيدته كاثرين كلارك، ثاني أبرز قيادات الحزب في المجلس.

وكشف هذا التصويت أن الانقسام لم يعد مقتصراً على الجناحين التقدمي والتقليدي، بل امتدّ إلى صفوف القيادة الديمقراطية نفسها. وهو مثال على طبيعة التحديات التي قد يواجهها جيفريز في المرحلة المقبلة، عندما تتحول الخلافات التي برزت خلال الحملة الانتخابية إلى انقسامات تشريعية فعلية، قد تعرقل قدرة الحزب على توظيف أغلبيته لتمرير أجندته.

تحدي رئاسة المجلس

ليس رصّ الصفوف التحدي الوحيد أمام جيفريز؛ إذ يحتاج، قبل الوصول إلى تلك المرحلة، إلى ضمان الأصوات الكافية للفوز برئاسة مجلس النواب، وهو أمر يُعدّ عادةً إجراءً بروتوكولياً شبه محسوم عند فوز حزب المعارضة بالأغلبية.

زعيم الديمقراطيين في مجلس النواب حكيم جيفريز في حدث انتخابي في فيرجينيا 31 أكتوبر 2026 (أ.ف.ب)

لكن المعادلة هذه المرة تبدو مختلفة، بعدما أعرب عدد من التقدميين عن نيتهم استخدام أصواتهم ورقة ضغط لانتزاع تنازلات منه، ملوّحين بالتصويت ضد ترشحه لرئاسة المجلس. وإذا كانت الأغلبية الديمقراطية ضئيلة، فقد يجد جيفريز مصيره معلقاً بأيدي هؤلاء النواب الذين يميلون إلى يسار الحزب.

وسيكون هذا الاختبار الأول مؤشراً إلى قدرة جيفريز على إدارة الانقسامات الداخلية، وقد يرسم ملامح أسلوبه القيادي ومسار الأجندة الديمقراطية في مرحلة حساسة. فالحزب سيكون مطالباً بتحقيق توازن دقيق بين الوفاء بوعوده بمحاسبة ترمب وإدارته من جهة، وتنفيذ المشاريع التي تعهّد بها أمام الناخبين من جهة أخرى، حفاظاً على حظوظه في الانتخابات الرئاسية المقبلة.