وجدت دراسة حديثة لباحثين من كلية الطب بجامعة فوجيتا الصحية Fujita Health University School of Medicine في اليابان، ونُشرت في مجلة «تقارير عن الخلايا الجذعية» Stem Cell Reports في مطلع شهر يوليو (تموز) من العام الحالي، أن الكميات الكبيرة من الفركتوز (سكر الفاكهة) التي وضعت في غذاء أمهات الفئران ساهمت في تراجع ذاكرة الفئران الأبناء البالغين بشكل واضح في اختبارات التعلم، والذاكرة.
الفركتوز في الأطعمة المحلّاة
رغم أن الدراسات السابقة أظهرت الارتباط الواضح بين تناول كميات كبيرة من الفركتوز عبر الأطعمة والمشروبات المحلاة من قبل النساء الحوامل، وزيادة احتمالية الإصابة بالأمراض المختلفة، مثل السكري، وأمراض القلب، والأوعية الدموية، فضلاً عن حدوث اضطرابات عصبية ومعرفية لدى الأبناء، فإنّ الآليات التي تجعل من زيادة التعرض للفركتوز في مراحل مبكرة من الحياة سبباً يؤدي إلى حدوث مثل هذه الآثار الصحية طويلة الأمد لا تزال غير مفهومة بشكل كامل حتى الآن.
قام الباحثون بعمل الدراسة على مجموعتين من الفئران البالغة، المجموعة الأولى شملت فئراناً تعرضت لمستويات كبيرة من سكر الفاكهة قبل الولادة من خلال تغذية أمهاتها بشراب الذرة عالي الفركتوز، والمجموعة الثانية لم تتعرض لهذه المستويات من الفركتوز، وتمت تربيتها بشكل طبيعي (مجموعة ضابطة)، حتى يمكن رصد أي اختلاف في السلوك.
قصور إدراكي وذاكرة أضعف
وجد الباحثون أن المجموعة الأولى التي تعرضت للمستويات العالية من سكر الفاكهة حدث لها قصور إدراكي كبير، وأظهرت أداء أضعف بكثير في اختبارات التعلم، والقدرة على استرجاع المعلومات البسيطة، والذاكرة المكانية مقارنة بمجموعة المراقبة، ما يثبت أن الضرر يستمر لفترة طويلة بعد الولادة.
ولاحظ الباحثون انخفاضاً في عملية تكوين الخلايا العصبية الجديدة في مناطق محددة من المخ مسؤولة عن التعلم والإدراك لدى تلك الفئران. كما اكتشف الفريق البحثي تغيرات مميزة في الخلايا الجذعية العصبية بعد التعرض لمستويات عالية من الفركتوز، شملت انخفاضاً في انقسام الخلايا، وضعفاً في توليد خلايا عصبية جديدة، وتغيراً في الشفرة الجينية.
تغيرات جينية للخلايا العصبية
ولتفسير الآلية التي تحدث بها هذه الآثار الصحية طويلة الأمد على الخلايا الجذعية العصبية بسبب التعرض لكميات كبيرة من الفركتوز قبل الولادة، قام الباحثون بتحليل الشفرات الجينية في الخلايا، ووجدوا أن التعرض للفركتوز قبل الولادة أدى إلى ظهور تغيرات جينية محددة في الخلايا الجذعية العصبية للأجنة، وقد استمرت هذه التغيرات حتى مرحلة البلوغ، وأدت إلى اختلال في نشاط الجينات المهمة لعملية تكوين الخلايا العصبية الجديدة.
ويوضح هذا البحث كيف يمكن للتعرض لبيئة غير مواتية في مراحل مبكرة من الحياة (مثل سوء التغذية لدى الأم أثناء فترة الحمل) أن يترك آثاراً طويلة الأمد على الجهاز العصبي، ويؤثر بالسلب على نمو المخ، وقدرته على القيام بوظائفه بشكل جيد، وذلك بسبب تغيير التنظيم الجيني في الخلايا العصبية، مما يؤدي إلى تغير خصائصها.
ومن الجدير بالذكر وجود ارتباطات مماثلة في الدراسات التي أجريت على البشر، لذلك يمكن الاستفادة من نتائج هذه الدراسة في المستقبل، وتقليل سكر الفاكهة أثناء فترة الحمل. كما توضح نتائج الدراسة أن الخلايا الجذعية العصبية قد تحتفظ بذاكرة لنظام تغذية الأم أثناء الحمل، مما يساعد في تفسير كيف يمكن لخلل غذائي عابر قبل الولادة أن يؤدي إلى تغيرات طويلة الأمد في نمو المخ، ووظائفه.
