‎وزير الخارجية السوري: دمشق تطوي ملف عدم الامتثال النووي بعد 15 عاماً

‎‎تحدث عن توجه لتوظيف الطاقة النووية في الطب والبحث العلمي والزراعة والمياه والكهرباء

وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني يتحدَّث خلال مؤتمر صحافي مشترك مع رافاييل غروسي المدير العام لـ«الوكالة الدولية للطاقة الذرية» في «قصر تشرين» بدمشق يوم 18 أغسطس 2026 (إ.ب.أ)
وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني يتحدَّث خلال مؤتمر صحافي مشترك مع رافاييل غروسي المدير العام لـ«الوكالة الدولية للطاقة الذرية» في «قصر تشرين» بدمشق يوم 18 أغسطس 2026 (إ.ب.أ)
TT

‎وزير الخارجية السوري: دمشق تطوي ملف عدم الامتثال النووي بعد 15 عاماً

وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني يتحدَّث خلال مؤتمر صحافي مشترك مع رافاييل غروسي المدير العام لـ«الوكالة الدولية للطاقة الذرية» في «قصر تشرين» بدمشق يوم 18 أغسطس 2026 (إ.ب.أ)
وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني يتحدَّث خلال مؤتمر صحافي مشترك مع رافاييل غروسي المدير العام لـ«الوكالة الدولية للطاقة الذرية» في «قصر تشرين» بدمشق يوم 18 أغسطس 2026 (إ.ب.أ)

قال وزير الخارجية السوري، أسعد الشيباني، إن مجلس محافظي الوكالة الدولية للطاقة الذرية طوى في التاسع من سبتمبر (أيلول) الحالي، بند عدم الامتثال المفتوح بحق سوريا منذ عام 2011، ورفعه نهائياً عن جدول أعماله، معتبراً الخطوة بداية فصل جديد من التعاون بين دمشق والوكالة.

وأوضح الشيباني، خلال الدورة السبعين للمؤتمر العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية في فيينا، اليوم، أن سوريا اتخذت منذ يوليو (تموز) الماضي خطوات لفتح ملف التعاون مع الوكالة، شملت توجيه رسالة رسمية في 17 يوليو أفصحت فيها عن وجود مواد نووية في موقع غير معلن، قبل توقيع مذكرة تفاهم مع الوكالة في 29 يوليو، مقرونة بخارطة طريق للاستخدامات السلمية للطاقة النووية.

وأضاف أن سوريا فتحت موقع دير الزور أمام الوكالة ليكون مديرها العام أول من يطأ أرض الموقع في 16 أغسطس (آب)، بعد قرابة عقدين من الإغلاق، مشيراً إلى بدء العمل مع خبراء الوكالة على رفع بقايا المفاعل من تحت طبقات الخرسانة المسلحة. وقال إن سوريا قدمت المعلومات التصميمية وتقارير جرد المواد النووية التي كان مجلس المحافظين يطالب بها منذ عام 2011، مضيفاً أن 73 طناً من اليورانيوم الطبيعي أصبحت تحت إشراف وضمانات الوكالة وباتت آمنة في سوريا.

الدورة السنوية التاسعة والستون للمؤتمر العام (وكالة الطاقة الذرية)

دعم إقليمي ودولي

ووصف الشيباني إغلاق ملف عدم الامتثال بأنه «ثمرة عملنا المشترك»، موجهاً الشكر إلى مصر والسعودية والأردن والمغرب، التي قال إنها رعت وقدمت مشروع القرار، إضافة إلى الدول التي دعمت المسار السوري وأمانة الوكالة وفرق التفتيش العاملة في الميدان.

وأكد أن «الشفافية» تمثل بالنسبة إلى سوريا «نهجاً سيادياً راسخاً وقراراً استراتيجياً دائماً»، مشيراً إلى أن سوريا الجديدة تختلف جذرياً عن النظام السابق الذي تسبب في هذا الإرث.

وجدد الشيباني دعوة سوريا إلى إخلاء الشرق الأوسط من الأسلحة النووية وسائر أسلحة الدمار الشامل، وإخضاع جميع المنشآت النووية في المنطقة، دون استثناء، لنظام ضمانات الوكالة الشاملة، عملاً بقرار عام 1995.

اتهامات لإسرائيل بانتهاك السيادة السورية

وفي الشأن الإقليمي، اتهم الشيباني إسرائيل بمواصلة انتهاك السيادة السورية واستهداف الأراضي السورية، معتبراً ذلك خرقاً لاتفاقية فض الاشتباك لعام 1974 والقوانين الدولية، وطالب بضغط دبلوماسي ودولي «فاعل وحازم» لوقف ما وصفها بالاعتداءات الممنهجة.

وقال إن الاستقرار الإقليمي مرهون بإلزام إسرائيل بالعودة إلى اتفاقية عام 1974 والانسحاب الكامل إلى خطوط ما قبل الثامن من ديسمبر (كانون الأول) 2014، محذراً من أن التغاضي عن هذه الانتهاكات يهدد الأمن والسلم الدوليين.

الطاقة النووية في خدمة التنمية

وأشار الوزير إلى أن خريطة الطريق الموقعة مع الوكالة دخلت حيز التنفيذ الفعلي، موضحاً أن أولويات سوريا في الاستخدام السلمي للطاقة النووية تشمل إعادة تأهيل البنية التحتية للطب النووي، وتوظيف تقنيات النظائر في تقييم وإدارة موارد المياه الجوفية لمواجهة تداعيات الجفاف، ورفع كفاءة الرقابة الإشعاعية على الأغذية والمحاصيل.

وقال الشيباني إن سوريا تسعى إلى توظيف الطاقة النووية في التنمية، من خلال الطب النووي والبحث العلمي والزراعة والمياه والكهرباء، مختصراً ذلك بقوله إن سوريا تريد من الذرة «ما يشفي، وما يطعم، وما ينير».


مقالات ذات صلة

أميركا: رفضنا منح مسؤول إيراني إعفاء من العقوبات لحضور مؤتمر الوكالة الذرية

شؤون إقليمية إيرانيون يسيرون أمام لوحة إعلانية سياسية في وسط طهران (إ.ب.أ) p-circle

أميركا: رفضنا منح مسؤول إيراني إعفاء من العقوبات لحضور مؤتمر الوكالة الذرية

قال المتحدث ​باسم وزارة الخارجية الإيرانية اليوم (الاثنين) إن التقارير التي تتحدث عن ‌وجود أنشطة ‌في ​موقع بيكاكس ‌ماونتن ⁠لا ​أساس لها ⁠من الصحة.

«الشرق الأوسط» (طهران)
المشرق العربي شعار «الوكالة الدولية للطاقة الذرية» بمقر المنظمة في فيينا بالنمسا... 6 مارس 2023 (رويترز)

«الوكالة الذرية»: مفاعل دير الزور كان شبه مكتمل ويمكن استخدامه لإنتاج أسلحة

أفاد المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية رافائيل غروسي الاثنين بأن المفاعل النووي الذي اكتُشف في مدينة دير الزور السورية كان شبه مكتمل.

«الشرق الأوسط» (فيينا)
المشرق العربي صورة غير مؤرخة نشرتها الحكومة الأميركية تُظهر مبنى يُشتبه في أنه مفاعل نووي قيد الإنشاء في سوريا (رويترز - أرشيفية)

تقرير أممي: سوريا كانت تشيد مفاعلاً نووياً في دير الزور في عهد بشار الأسد

كشف تقرير للأمم المتحدة اطلعت عليه وكالة «أسوشييتد برس» أن سوريا كانت تشيد مفاعلاً نووياً في دير الزور في عهد الرئيس السابق بشار الأسد.

«الشرق الأوسط» (فيينا)
الاقتصاد حفارات نفط تعمل في حقل بميدلاند بولاية تكساس (رويترز)

وكالة الطاقة الدولية تخفض توقعاتها لإمدادات النفط في 2026 جراء الحرب

قالت وكالة الطاقة الدولية، إن إمدادات النفط العالمية ستنخفض 4.3 مليون برميل يومياً، أو بنحو 4 في المائة هذا العام.

«الشرق الأوسط» (لندن)
يوميات الشرق عبد العزيز الكريديس يتوّج الطالب السعودي أمجد آل درويش بالمركز الأول في «أولمبياد العلوم النووية الدولي» (واس)

السعودية تتصدر «أولمبياد العلوم النووية»... وتنال لقب «سفير»

تصدرت السعودية نتائج النسخة الثالثة من أولمبياد العلوم النووية الدولي «إنسو 2026»، محققةً المركز الأول ولقب «سفير العلوم النووية»، إلى جانب 4 جوائز دولية.

«الشرق الأوسط» (جدة)

تعليق العفو العام يشعل غضب نزلاء سجن رومية في لبنان

سجن رومية
سجن رومية
TT

تعليق العفو العام يشعل غضب نزلاء سجن رومية في لبنان

سجن رومية
سجن رومية

بدأ السجناء الإسلاميون في سجن رومية إضراباً مفتوحاً عن الطعام والشراب، والامتناع التام عن تناول الأدوية داخل السجن، بما في ذلك أصحاب الأمراض المزمنة، قبل أن يلتحق بهم كافة نزلاء المبنى «ب»، وذلك احتجاجاً على قرار المجلس الدستوري القاضي بتعليق العمل بقانون العفو العام، إلى حين البت في الطعن الذي تقدَّم به «تكتل لبنان القوي» برئاسة النائب جبران باسيل، محمِّلين «الجهات السياسية المعرقلة لملف العفو العام المسؤولية الكاملة عن حياتهم».

ورقة مساومات سياسية

الإضراب عن الطعام أعاد ملفَّ السجون إلى الواجهة مجدداً، وألقى بمسؤولية إضافية على الدولة؛ لا سيما جهاز الأمن الداخلي المسؤول عن إدارة السجون، بما ينذر بعودة الاضطرابات وحالات التمرُّد إليها مجدداً.

وفور البدء في الإضراب عن الطعام ليل الأحد- الاثنين، أصدر السجناء بياناً موجَّهاً إلى الرأي العام اللبناني، اعتبروا فيه أن «هذه الخطوة التصعيدية تأتي احتجاجاً على سلبهم حريتهم، وحرمانهم من العودة إلى مجتمعهم وأُسَرهم، وتحويل ملفهم الإنساني إلى ورقة للمساومات والمكاسب السياسية وحسابات المحاصصة الحزبية». وتحدثوا عن «سنوات الاحتجاز الطويلة التي امتدت أعواماً طويلة، حُرموا خلالها من تربية أبنائهم ورعاية أُسَرهم، بينما قضى بعضهم نحبه داخل الأَسر».

عائلات السجناء الإسلاميين يرفعون صور الشيخ المتشدد أحمد الأسير ويطالبون بالعفو العام في مظاهرة سابقة أمام سجن رومية (أرشيفية- إ.ب.أ)

وإذ توجَّه السجناء بالشكر إلى كل المسؤولين والمعنيين الذين سعوا لمنحهم فرصة الخروج من الاعتقال، حَمَلوا بشدَّة على معرقلي صدور قانون العفو العام، مؤكدين رفضهم التام لأن يكونوا «مكسر عصا أو ذريعة لتنفيذ أجندات سياسية على حساب معاناتهم وحياة أبنائهم».

واختُتم البيان بالدعوة إلى تحركات شعبية حاشدة في بيروت وكلِّ المناطق اللبنانية، للخروج في مظاهرات غاضبة نصرةً لقضيتهم العادلة، كما وجَّهوا نداءً إلى الشعب السوري لمساندتهم ورفع الصوت معهم، مؤكدين أنهم ناصروا الشعب السوري في وجه الظلم، وأن قضيتهم واحدة.

خطوة اعتراض سلمي

ويرفض السجناء استخدام قانون العفو مادة في الصراعات السياسية والمزايدات الانتخابية، واعتبر المتحدث باسم «سجناء لبنان» الشيخ عمر الأطرش، أن «الإضراب عن الطعام خطوة اعتراضية سلمية، نسعى بها لإيصال رسالة لجميع المسؤولين». وقال لـ«الشرق الأوسط»: «من غير المقبول أن يتحول ملف العفو العام من ملف إنساني يعالج أزمة الاكتظاظ في السجون وبطء المحاكمات، إلى قضية يتم استخدامها بطريقة شعبوية طائفية». وذكَّر بأن هذا القانون «نال إجماعاً سُنياً، وتوافقاً من مختلف القوى السياسية اللبنانية، وتوقيع الرؤساء الثلاثة، ومن غير المقبول أبداً أن يتم استخدام المجلس الدستوري للطعن في العفو»، ورأى في ذلك «طعناً في التوافق السياسي والإجماع السُّني قبل أي أمر آخر».

وتفيد المعلومات بأن الإضراب لا يقتصر على الموقوفين الإسلاميين؛ بل يشمل سجناء آخرين. وأوضح مصدر أمني لـ«الشرق الأوسط» أن «جميع نزلاء المبنى (ب) في سجن رومية دخلوا إضراباً عن الطعام مساء يوم الأحد». وأشار إلى أن «السبب الرئيس للإضراب هو قرار المجلس الدستوري بتعليق العمل بقانون العفو العام، بناء على الطعن المقدم من (التيار الوطني الحر) برئاسة جبران باسيل»؛ مشيراً إلى أن المبنى يضم ما يقارب 420 سجيناً، بينهم 156 من الموقوفين الإسلاميين».

لقطة عامة لسجن رومية المركزي شرق بيروت تعود إلى أكتوبر 2020 (أرشيفية- رويترز)

ولم ينسحب الإضراب إلى مبانٍ وأقسام أخرى في سجن رومية، ولم تشهد بقية السجون أي حركة مماثلة. وبرأي المصدر الأمني فإن «نزلاء المبنى (ب) هم أكثر المستفيدين من قانون العفو العام، فأغلبهم يواجه أحكام الإعدام والسجن المؤبد».

ويراقب المسؤولون عن أمن السجن أوضاع المضربين، ويواظبون على تقديم وجبات الطعام لهم، علَّ بعضهم يعدل عن قرار الإضراب. ولفت المصدر الأمني إلى أن مسؤولي السجن يراقبون أصحاب الأمراض المزمنة، ويشددون على تناول أدويتهم، والتعامل مع أي عارض صحي يصيب أي سجين ليتم نقله إلى المستشفى.


لليوم الثاني... احتجاجات على رفع أسعار المحروقات في سوريا

متظاهرون يحرقون الإطارات ويغلقون الطريق السريع بين حلب وتركيا سوريا احتجاجاً على ارتفاع أسعار الوقود الأحد (رويترز)
متظاهرون يحرقون الإطارات ويغلقون الطريق السريع بين حلب وتركيا سوريا احتجاجاً على ارتفاع أسعار الوقود الأحد (رويترز)
TT

لليوم الثاني... احتجاجات على رفع أسعار المحروقات في سوريا

متظاهرون يحرقون الإطارات ويغلقون الطريق السريع بين حلب وتركيا سوريا احتجاجاً على ارتفاع أسعار الوقود الأحد (رويترز)
متظاهرون يحرقون الإطارات ويغلقون الطريق السريع بين حلب وتركيا سوريا احتجاجاً على ارتفاع أسعار الوقود الأحد (رويترز)

لليوم الثاني على التوالي، تجددت الاحتجاجات الرافضة لقرار رفع أسعار المحروقات في سوريا، وتجمع الأهالي في مناطق بمحافظة الحسكة شمال البلاد بينها مدينة الشدادي وبلدة تل براك، مشعلين الإطارات وقطعوا الطرقات، وسط مطالب بالتراجع عن القرار، فيما أغلق أهالي في مدينة تل تمر الطريق الدولي «إم 4»، مما أدى إلى توقف حركة مئات صهاريج نقل النفط. كما شهدت مناطق بإدلب ومعبر باب السلامة مع تركيا بمحافظة حلب، احتجاجات، حيث أغلق محتجون معبر باب السلامة الحدودي مع تركيا أمام شاحنات البضائع، ومنعوا حركة خروج السيارات بشكل كامل.

كما شهدت مدينة الشحيل بريف دير الزور شرقي البلاد تجدد الاحتجاجات وسط إشعال إطارات، تزامناً مع قطع محتجين الطريق الدولي بين العراق وسوريا في ريف البوكمال شرقي المحافظة، وكذلك طريق حقل العمر النفطي. وشمل تجدد الاحتجاجات أيضاً مدينة الرقة، إذ أقدم مدنيون على قطع الطريق أمام مقر صوامع الحبوب.

كانت الاحتجاجات قد اندلعت، الأحد، بعد ساعات من إعلان القرار في مدن وبلدات محافظات الحسكة ودير الزور والرقة، وتمددت إلى محافظتي إدلب وحلب (شمال غرب) وحماة (وسط) وصولاً إلى درعا جنوباً، واتسمت بزخم المشاركة ومظاهر الغضب، دلّ عليها قطع الطرق بإشعال الإطارات ومنع مرور صهاريج النفط الخام المتجهة إلى الداخل السوري.

وقفة احتجاجية لموظفين في مدينة إدلب الاثنين للمطالبة برفع الرواتب وتحسين ظروفهم المعيشية (مواقع تواصل)

ويعتقد مراقبون أن هذه الحالة ناجمة عن عدم حصول تحسن في الوضع المعيشي للسوريين وما كانوا يأملون أن يتحقق على يد السلطات الجديدة عقب إسقاط نظام الأسد.

لم تكن هذه الاحتجاجات أمراً عادياً، فأغلبية المشاركين هم من الحاضنة الاجتماعية للسلطات الجديدة، كما لم يكن القرار الذي قالت الحكومة إنه «مؤقت» تعديلاً روتينياً في نشرة أسعار، إذ وصلت نسبة رفع أسعار بعض المشتقات إلى 40 في المائة، ما من شأنه تعميق سوء الأوضاع المعيشية للأسر.

ويدرك السوريون من تجاربهم خلال سنوات الحرب أن أي رفع في أسعار المحروقات سيؤدي إلى رفع في عموم الأسعار، مما يزيد من الأعباء المادية على الأسر المنهكة أصلاً.

حرائق واحتجاجات في ريف إدلب بعد رفع أسعار وقود (مواقع تواصل)

في هذا السياق، رأى زامل عبد الله آل سبعي، أحد شيوخ قبيلة «السبعاويين» في الحسكة، أن «القرار هو إعدام بطيء للمواطن الفقير»، مؤكداً لـ«الشرق الأوسط» أن كثيراً من السوريين في المحافظة لا يستطيعون تأمين قوت يومهم. لافتاً إلى أن «الناس لا يحتملون مزيداً من الأعباء، والرحمة بهم هي مسؤولية الدولة»، معتبراً أن القرار «ليس تحسيناً للاقتصاد ولا معالجة لأزمة طارئة، بل هو عبث بحياة الناس»، مؤكداً أن الأهالي ليسوا ضد السلطات الجديدة، لكن «الأب عندما يعجز عن إطعام طفله لا تعود المشكلة في الاقتصاد وحده، بل في كرامة الإنسان».

من جانبه، وصف الباحث السياسي السوري بسام السليمان، الاحتجاجات، بأنها «أكبر ردة فعل شعبي على قرار حكومي منذ التحرير حتى الآن». وبيّن في منشور على منصة «إكس»، أن «هذا النمط الجديد من الفعل الشعبي، يمكن اعتباره رسالة شعبية تستوجب من الحكومة السورية الكثير من الدراسة والمراجعة الجادة لسياساتها وعلاقتها مع المجتمع».

وكانت الحكومة السورية قد أصدرت عدة مراسيم بزيادة رواتب الموظفين، لكن الفجوة بقيت كبيرة بين المداخيل الشهرية وتكاليف المعيشة، إذ يصل المرتب الشهري لمعظم موظفي الدرجة الأولى نحو 150 دولاراً، بينما تحتاج أصغر أسرة إلى 600 دولار.

تجدر الإشارة إلى أن ما يزيد من سوء الأوضاع المعيشية هو الارتفاع المستمر للأسعار الذي التهم الزيادات السابقة للرواتب، خصوصاً قرار زيادة تعريفة استهلاك الكهرباء أواخر أكتوبر (تشرين الأول) 2025، بنسبة تعادل 60 إلى 70 ضعفاً، مقارنةً بأسعارها السابقة التي كانت في حدود 10 ليرات للكيلوواط الساعي.

وتضمنت النشرة الجديدة، التي بدأ العمل بها يوم الأحد، رفع سعر لتر المازوت إلى 175 ليرة بدلاً من 125، والبنزين «أوكتان 90» إلى 185 ليرة بدلاً من 147، والبنزين «أوكتان 95» إلى 195 ليرة بدلاً من 152.

تبرير الوزارة

كانت وزارة الطاقة قد ذكرت في بيان أن رفع أسعار المشتقات النفطية جاء نتيجة ارتفاع استثنائي في تكلفة تأمينها عالمياً، بالتزامن مع «عمرة مصفاة بانياس»، مؤكدةً أن «التعديل مؤقت» ويهدف إلى ضمان استمرار الإمدادات وتوفر المادة في السوق المحلية.

وأوضحت أن أسواق المشتقات النفطية تواجه ضغوطاً متزايدة بسبب تضرر طاقات التكرير في روسيا والشرق الأوسط، واضطراب طرق الإمداد والملاحة في مضيقي هرمز وباب المندب والبحر الأحمر وخليج عدن، إضافةً إلى ارتفاع تكاليف الشحن والتأمين وشح المعروض والمخزونات وزيادة المنافسة على البنزين والمازوت.

مدير دائرة الإعلام في الوزارة عبد الحميد سلات، بيّن لـ«الشرق الأوسط» أن «المصفاة لم تجر لها أي صيانة في عهد النظام البائد، واليوم وصلت إلى مرحلة متهالكة جداً أجبرتنا على إجراء هذه الصيانة».

وقبل يوم من الاحتجاجات كشف وزير الطاقة عن أن سوريا تُنتج حالياً نحو 100 ألف برميل من النفط يومياً مقابل احتياجات تصل إلى نحو 350 ألف برميل. وأشار إلى حجم التحديات التي يواجهها قطاع الطاقة، موضحاً أن معالجة الملفات القائمة تتطلب سنوات من العمل واستثمارات كبيرة.

إحدى آبار النفط في حقل «العمر» النفطي بريف محافظة دير الزور بسوريا (إ.ب.أ)

صدمة سعرية

الخبير الاقتصادي الأكاديمي زياد عربش، أوضح أن القرار «لم يكن تعديلاً روتينياً، بل صدمة سعرية ستنتقل عبر سلسلة التوريد إلى كل سلعة وخدمة عبر تضخم مدفوع بالتكاليف».

وبيَّن عربش لـ«الشرق الأوسط»، أن أثر القرار سيصل إلى جيوب الأسر من خلال ارتفاع متوقع في أجور النقل والشحن بنسبة 20 - 35 في المائة؛ والتصنيع بـ15 - 25 في المائة، والإنتاج الزراعي بـ10 - 18 في المائة، والغذاء بـ12 - 20 في المائة، والخبز الحرّ بـ15 - 25 في المائة خلال أسبوعين، إضافةً إلى ارتفاع تكلفة الكيلوواط للمولدات الكهربائية الخاصة.

أما خيارات التخفيف والحلول العملية على المدى القصير برأي عربش، فتتمثل في الإسراع بتأهيل مصفاة بانياس، مع ضمان إمداد بديل في أثناء الصيانة، وتنويع مصادر التوريد وطرق النقل، وتفعيل الرقابة على الأسعار ومكافحة الاحتكار، وحماية الخبز المدعوم.

أما على المدى المتوسط، فإن الخيارات والحلول تتمثل في بناء مخزون استراتيجي بالشراء في فترات انخفاض الأسعار، وإعادة تأهيل الحقول، وتوسيع المصافي، وتحسين خطوط الأنابيب ومرافق التخزين، وجذب الاستثمار، وإصلاح الشبكة الكهربائية.

ولفت عربش إلى أن «الأسر السورية، بعد سنوات من الحرب والغلاء والنزوح، لم يعد لديها رفاهية انتظار (سنوات) أخرى... والخطر ليس اقتصادياً فقط، بل مجتمعي: غلاء المواصلات، ودخول ثابتة»، مشدداً على أن قرار «الصدمة» يجب أن يكون جزءاً من خطة إصلاح متكاملة ومعلنة، لا مجرد إجراء لتخفيف العجز على حساب القدرة الشرائية».


«مشروع المحو»... منظمة حقوقية إسرائيل توثِّق استهداف تل أبيب الوجود الفلسطيني

صبي فلسطيني يغادر المدرسة ويظهر خلف سياج أمني يحيط بساحة المدرسة في قرية المغير قرب رام الله بالضفة الغربية (إ.ب.أ)
صبي فلسطيني يغادر المدرسة ويظهر خلف سياج أمني يحيط بساحة المدرسة في قرية المغير قرب رام الله بالضفة الغربية (إ.ب.أ)
TT

«مشروع المحو»... منظمة حقوقية إسرائيل توثِّق استهداف تل أبيب الوجود الفلسطيني

صبي فلسطيني يغادر المدرسة ويظهر خلف سياج أمني يحيط بساحة المدرسة في قرية المغير قرب رام الله بالضفة الغربية (إ.ب.أ)
صبي فلسطيني يغادر المدرسة ويظهر خلف سياج أمني يحيط بساحة المدرسة في قرية المغير قرب رام الله بالضفة الغربية (إ.ب.أ)

اتهمت منظمة «بتسيلم» الحقوقية الإسرائيلية، الاثنين، الدولة العبرية بانتهاج مجموعة من السياسات المتزامنة في الضفة الغربية المحتلة، في سياق مشروع أوسع يهدف إلى محو الفلسطينيين كشعب.

وقالت المنظمة في تحقيق موسع تحت عنوان «مشروع المحو»، إن المشروع الذي يستهدف الوجود الفلسطيني في الضفة يتحقق بواسطة منظومة متكاملة من خمسة محاور عمل وهي: العنف وبث الرعب، وتقييد الحركة، والخنق الاقتصادي، والتدمير السياسي والاجتماعي، والتطهير العرقي والاستيلاء على الحيز.

وأكدت «بتسيلم» أن المحاور الخمسة تعمل بالتوازي ويعزز بعضها بعضاً، وتتمثل الآلية الأولى في العنف وبثّ الرعب، اللذين يعملان كآلية مركزية للسيطرة والطرد والتفكيك.

وقالت «بتسيلم» إن الرعب يُمارَس بواسطة أذرع مختلفة للدولة منها: الجيش، بمن فيه من جنود الاحتياط ووحدات الدفاع الإقليمي، والشرطة والشاباك، وكذلك مسؤولو الأمن في المستوطنات، وفرق التأهب وميليشيات المستوطنين، وحتى مواطنون إسرائيليون يعملون بدعم الدولة أو تحت رعايتها أو ضمن مساحة من الحصانة شبه الكاملة، لبث الرعب وفرض العنف والإكراه.

ومنذ حرب 7 أكتوبر (تشرين الأول) 2023، وحتى 31 أغسطس (آب) 2026، قتلت إسرائيل 1107 فلسطينيين في الضفة الغربية، بينهم 245 طفلاً.

أما الآلية الثانية فهي تقييد الحركة بواسطة الحواجز والبوابات وسد الطرق، والهدف منها خلق حيز فلسطيني مجزَّأ وغير متصل مقابل خلق تواصل إقليمي يهودي بواسطة الطرق والبنى التحتية والوصول إلى المستوطنات والفصل بين مسارات حركة اليهود والفلسطينيين.

نفق يوصل مدينة القدس بمستوطنات ومناطق جنوب الضفة الغربية (الشرق الأوسط)

والآلية الثالثة هي الخنق الاقتصادي، إذ تستخدم إسرائيل سيطرتها على فرص العمل والعائدات الضريبية الفلسطينية والجهاز المالي والبنى التحتية، بغية تعميق الأزمة الاقتصادية وتبعية الفلسطينيين لها، وترى «بتسيلم» أنه يهدف في النهاية للسيطرة وممارسة ضغط متواصل وزيادة اعتماد المجتمع الفلسطيني على الحكم الإسرائيلي.

والآلية الرابعة هي التدمير السياسي والاجتماعي الذي تعمل خلاله إسرائيل على ضرب البنى التي تتيح للمجتمع الفلسطيني الوجود كجسم اجتماعي وسياسي، وتقوض الشروط لوجود مؤسسات وقيادة وذاكرة ورواية مشتركة وثقافة وتعليم وصحافة ومساحات للتنظُّم وأفق سياسي.

وقالت «بتسيلم» إن إسرائيل هي التي تحدد شروط حياة الفلسطينيين الأساسية وحدود شرعية هويتهم القومية ونشاطهم السياسي.

والآلية الخامسة هي التطهير العرقي والاستيلاء على الحيز. وتقول «بتسيلم» إنها أكثر الأشكال وضوحاً لبُعدي المحو الاستعماري عبر تفكيك الشروط لوجود فلسطيني في الحيز، وفي الوقت نفسه إنشاء حيز يهودي متصل وممأسس.

وأضافت: «يتم ذلك بواسطة السلب والهدم ومنع التطوير والتهجير وإزاحة التجمعات الفلسطينية، إلى جانب بناء المستوطنات والبؤر والمزارع، وشق الطرق، وإقامة البنى التحتية، وتوسيع مناطق النفوذ، وترسيخ جهاز عسكري في خدمة الوجود اليهودي».

وتابعت: «السيطرة على الأرض ليست مجرد سيطرة على مساحة. فالأرض شرط للحياة». وقالت المديرة العامة لـ«بتسيلم»، يولي نوفاك: «ما يعيشه الفلسطينيون في الضفة الغربية ليس سلسلة من الأحداث المنفصلة، بل هو مشروع سياسي واحد يتغلغل في جميع مناحي الحياة».

وأضافت: «يجري تهجير التجمّعات، يُدفع الاقتصاد إلى حافة الانهيار ويعيش ملايين الأشخاص في حالة خوف دائم من عنف الجيش الإسرائيلي أو المستوطنين. تعمل هذه الآليات معاً لتفكيك الحياة الجماعية الفلسطينية، وفي الوقت نفسه لترسيخ نظام ثابت من الفوقية اليهودية في أنحاء الضفة الغربية. العالم يشاهد ما يحدث، لكن ردّه أبعد ما يكون عن مستوى الضرورة الذي تقتضيه خطورة الوضع».

فلسطينيون يحتجون ضد المستوطنات الإسرائيلية بالقرب من نابلس في الضفة الغربية المحتلة (رويترز)

وأكدت «بتسيلم» أن «مشروع المحو» ليس جديداً، بل يستند إلى آليات طوَّرتها إسرائيل واستخدمتها على مدى عقود، وقد تسارعت بشكل كبير منذ تشكيل الحكومة الإسرائيلية الحالية في نهاية عام 2022، وتصاعدت مع بدء الحرب الأخيرة على قطاع غزة في أكتوبر 2023.

ويستند المشروع الحالي إلى ما تسمى «خطة الحسم» التي وضعها الوزير المتطرف بتسلئيل سموتريتش، ونشرها عام 2017، وتنطلق من أن الحيز بين نهر الأردن والبحر لا يتسع إلا لمطالبة قومية شرعية واحدة، المطالبة الصهيونية بالسيادة اليهودية الكاملة، ولذلك تهدف الخطة إلى إلغاء وجود الفلسطينيين كطرف سياسي يحمل مطالبة قومية في الحيز.

وحسب «بتسيلم»؛ «تصوغ خطة الحسم هذه الغاية علناً وتمنح لغة سياسية صريحة لما تطبقه آليات المحو على الأرض: حسم أمر الفلسطينيين بواسطة البقاء تحت شروط التخلي والتبعية، أو الرحيل، أو القمع بالقوة».