لليوم الثاني... احتجاجات على رفع أسعار المحروقات في سوريا

خبير: الحل بمخزون استراتيجي وإعادة تأهيل حقول النفط وتوسيع المصافي

متظاهرون يحرقون الإطارات ويغلقون الطريق السريع بين حلب وتركيا سوريا احتجاجاً على ارتفاع أسعار الوقود الأحد (رويترز)
متظاهرون يحرقون الإطارات ويغلقون الطريق السريع بين حلب وتركيا سوريا احتجاجاً على ارتفاع أسعار الوقود الأحد (رويترز)
TT

لليوم الثاني... احتجاجات على رفع أسعار المحروقات في سوريا

متظاهرون يحرقون الإطارات ويغلقون الطريق السريع بين حلب وتركيا سوريا احتجاجاً على ارتفاع أسعار الوقود الأحد (رويترز)
متظاهرون يحرقون الإطارات ويغلقون الطريق السريع بين حلب وتركيا سوريا احتجاجاً على ارتفاع أسعار الوقود الأحد (رويترز)

لليوم الثاني على التوالي، تجددت الاحتجاجات الرافضة لقرار رفع أسعار المحروقات في سوريا، وتجمع الأهالي في مناطق بمحافظة الحسكة شمال البلاد بينها مدينة الشدادي وبلدة تل براك، مشعلين الإطارات وقطعوا الطرقات، وسط مطالب بالتراجع عن القرار، فيما أغلق أهالي في مدينة تل تمر الطريق الدولي «إم 4»، مما أدى إلى توقف حركة مئات صهاريج نقل النفط. كما شهدت مناطق بإدلب ومعبر باب السلامة مع تركيا بمحافظة حلب، احتجاجات، حيث أغلق محتجون معبر باب السلامة الحدودي مع تركيا أمام شاحنات البضائع، ومنعوا حركة خروج السيارات بشكل كامل.

كما شهدت مدينة الشحيل بريف دير الزور شرقي البلاد تجدد الاحتجاجات وسط إشعال إطارات، تزامناً مع قطع محتجين الطريق الدولي بين العراق وسوريا في ريف البوكمال شرقي المحافظة، وكذلك طريق حقل العمر النفطي. وشمل تجدد الاحتجاجات أيضاً مدينة الرقة، إذ أقدم مدنيون على قطع الطريق أمام مقر صوامع الحبوب.

كانت الاحتجاجات قد اندلعت، الأحد، بعد ساعات من إعلان القرار في مدن وبلدات محافظات الحسكة ودير الزور والرقة، وتمددت إلى محافظتي إدلب وحلب (شمال غرب) وحماة (وسط) وصولاً إلى درعا جنوباً، واتسمت بزخم المشاركة ومظاهر الغضب، دلّ عليها قطع الطرق بإشعال الإطارات ومنع مرور صهاريج النفط الخام المتجهة إلى الداخل السوري.

وقفة احتجاجية لموظفين في مدينة إدلب الاثنين للمطالبة برفع الرواتب وتحسين ظروفهم المعيشية (مواقع تواصل)

ويعتقد مراقبون أن هذه الحالة ناجمة عن عدم حصول تحسن في الوضع المعيشي للسوريين وما كانوا يأملون أن يتحقق على يد السلطات الجديدة عقب إسقاط نظام الأسد.

لم تكن هذه الاحتجاجات أمراً عادياً، فأغلبية المشاركين هم من الحاضنة الاجتماعية للسلطات الجديدة، كما لم يكن القرار الذي قالت الحكومة إنه «مؤقت» تعديلاً روتينياً في نشرة أسعار، إذ وصلت نسبة رفع أسعار بعض المشتقات إلى 40 في المائة، ما من شأنه تعميق سوء الأوضاع المعيشية للأسر.

ويدرك السوريون من تجاربهم خلال سنوات الحرب أن أي رفع في أسعار المحروقات سيؤدي إلى رفع في عموم الأسعار، مما يزيد من الأعباء المادية على الأسر المنهكة أصلاً.

حرائق واحتجاجات في ريف إدلب بعد رفع أسعار وقود (مواقع تواصل)

في هذا السياق، رأى زامل عبد الله آل سبعي، أحد شيوخ قبيلة «السبعاويين» في الحسكة، أن «القرار هو إعدام بطيء للمواطن الفقير»، مؤكداً لـ«الشرق الأوسط» أن كثيراً من السوريين في المحافظة لا يستطيعون تأمين قوت يومهم. لافتاً إلى أن «الناس لا يحتملون مزيداً من الأعباء، والرحمة بهم هي مسؤولية الدولة»، معتبراً أن القرار «ليس تحسيناً للاقتصاد ولا معالجة لأزمة طارئة، بل هو عبث بحياة الناس»، مؤكداً أن الأهالي ليسوا ضد السلطات الجديدة، لكن «الأب عندما يعجز عن إطعام طفله لا تعود المشكلة في الاقتصاد وحده، بل في كرامة الإنسان».

من جانبه، وصف الباحث السياسي السوري بسام السليمان، الاحتجاجات، بأنها «أكبر ردة فعل شعبي على قرار حكومي منذ التحرير حتى الآن». وبيّن في منشور على منصة «إكس»، أن «هذا النمط الجديد من الفعل الشعبي، يمكن اعتباره رسالة شعبية تستوجب من الحكومة السورية الكثير من الدراسة والمراجعة الجادة لسياساتها وعلاقتها مع المجتمع».

وكانت الحكومة السورية قد أصدرت عدة مراسيم بزيادة رواتب الموظفين، لكن الفجوة بقيت كبيرة بين المداخيل الشهرية وتكاليف المعيشة، إذ يصل المرتب الشهري لمعظم موظفي الدرجة الأولى نحو 150 دولاراً، بينما تحتاج أصغر أسرة إلى 600 دولار.

تجدر الإشارة إلى أن ما يزيد من سوء الأوضاع المعيشية هو الارتفاع المستمر للأسعار الذي التهم الزيادات السابقة للرواتب، خصوصاً قرار زيادة تعريفة استهلاك الكهرباء أواخر أكتوبر (تشرين الأول) 2025، بنسبة تعادل 60 إلى 70 ضعفاً، مقارنةً بأسعارها السابقة التي كانت في حدود 10 ليرات للكيلوواط الساعي.

وتضمنت النشرة الجديدة، التي بدأ العمل بها يوم الأحد، رفع سعر لتر المازوت إلى 175 ليرة بدلاً من 125، والبنزين «أوكتان 90» إلى 185 ليرة بدلاً من 147، والبنزين «أوكتان 95» إلى 195 ليرة بدلاً من 152.

تبرير الوزارة

كانت وزارة الطاقة قد ذكرت في بيان أن رفع أسعار المشتقات النفطية جاء نتيجة ارتفاع استثنائي في تكلفة تأمينها عالمياً، بالتزامن مع «عمرة مصفاة بانياس»، مؤكدةً أن «التعديل مؤقت» ويهدف إلى ضمان استمرار الإمدادات وتوفر المادة في السوق المحلية.

وأوضحت أن أسواق المشتقات النفطية تواجه ضغوطاً متزايدة بسبب تضرر طاقات التكرير في روسيا والشرق الأوسط، واضطراب طرق الإمداد والملاحة في مضيقي هرمز وباب المندب والبحر الأحمر وخليج عدن، إضافةً إلى ارتفاع تكاليف الشحن والتأمين وشح المعروض والمخزونات وزيادة المنافسة على البنزين والمازوت.

مدير دائرة الإعلام في الوزارة عبد الحميد سلات، بيّن لـ«الشرق الأوسط» أن «المصفاة لم تجر لها أي صيانة في عهد النظام البائد، واليوم وصلت إلى مرحلة متهالكة جداً أجبرتنا على إجراء هذه الصيانة».

وقبل يوم من الاحتجاجات كشف وزير الطاقة عن أن سوريا تُنتج حالياً نحو 100 ألف برميل من النفط يومياً مقابل احتياجات تصل إلى نحو 350 ألف برميل. وأشار إلى حجم التحديات التي يواجهها قطاع الطاقة، موضحاً أن معالجة الملفات القائمة تتطلب سنوات من العمل واستثمارات كبيرة.

إحدى آبار النفط في حقل «العمر» النفطي بريف محافظة دير الزور بسوريا (إ.ب.أ)

صدمة سعرية

الخبير الاقتصادي الأكاديمي زياد عربش، أوضح أن القرار «لم يكن تعديلاً روتينياً، بل صدمة سعرية ستنتقل عبر سلسلة التوريد إلى كل سلعة وخدمة عبر تضخم مدفوع بالتكاليف».

وبيَّن عربش لـ«الشرق الأوسط»، أن أثر القرار سيصل إلى جيوب الأسر من خلال ارتفاع متوقع في أجور النقل والشحن بنسبة 20 - 35 في المائة؛ والتصنيع بـ15 - 25 في المائة، والإنتاج الزراعي بـ10 - 18 في المائة، والغذاء بـ12 - 20 في المائة، والخبز الحرّ بـ15 - 25 في المائة خلال أسبوعين، إضافةً إلى ارتفاع تكلفة الكيلوواط للمولدات الكهربائية الخاصة.

أما خيارات التخفيف والحلول العملية على المدى القصير برأي عربش، فتتمثل في الإسراع بتأهيل مصفاة بانياس، مع ضمان إمداد بديل في أثناء الصيانة، وتنويع مصادر التوريد وطرق النقل، وتفعيل الرقابة على الأسعار ومكافحة الاحتكار، وحماية الخبز المدعوم.

أما على المدى المتوسط، فإن الخيارات والحلول تتمثل في بناء مخزون استراتيجي بالشراء في فترات انخفاض الأسعار، وإعادة تأهيل الحقول، وتوسيع المصافي، وتحسين خطوط الأنابيب ومرافق التخزين، وجذب الاستثمار، وإصلاح الشبكة الكهربائية.

ولفت عربش إلى أن «الأسر السورية، بعد سنوات من الحرب والغلاء والنزوح، لم يعد لديها رفاهية انتظار (سنوات) أخرى... والخطر ليس اقتصادياً فقط، بل مجتمعي: غلاء المواصلات، ودخول ثابتة»، مشدداً على أن قرار «الصدمة» يجب أن يكون جزءاً من خطة إصلاح متكاملة ومعلنة، لا مجرد إجراء لتخفيف العجز على حساب القدرة الشرائية».


مقالات ذات صلة

محافظ السويداء السورية يوجه دعوة جديدة إلى الحوار لحل أزمة المحافظة

المشرق العربي مواطنون سوريون من السويداء يراجعون المحافظة لتسهيل أمورهم اليومية (محافظة السويداء)

محافظ السويداء السورية يوجه دعوة جديدة إلى الحوار لحل أزمة المحافظة

«أصداء الدعوة لدى مشايخ العقل المناهضين للشيخ الهجري، وكذلك النخب الثقافية والأكاديمية، كانت إيجابية»...

موفق محمد (دمشق)
الخليج الأمير فيصل بن فرحان مستقبلاً الوزير أسعد الشيباني في الرياض الجمعة (الخارجية السعودية)

السعودية وسوريا تؤكدان أهمية مواصلة التنسيق لحفظ أمن المنطقة

أكد وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان ونظيره السوري أسعد الشيباني أهمية مواصلة التنسيق بين البلدين بما يسهم في الحفاظ على أمن واستقرار المنطقة.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
شمال افريقيا وزير الخارجية المصري يلتقي نظيره السوري على هامش اجتماع مجلس جامعة الدول العربية في يونيو الماضي (صفحة وزارة الخارجية المصرية على «فيسبوك»)

حراك سياسي واقتصادي مصري - سوري متصاعد يعيد تنشيط العلاقات

التقى وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي، الجمعة، وزير المالية السوري محمد يسر برنية، على هامش الاجتماعات السنوية لصندوق النقد الدولي.

هشام المياني (القاهرة )
المشرق العربي علي كيالي (معراج أورال) في صورة أرشيفية متداولة له على مواقع التواصل السورية

4 سوريين ولبناني شاركوا بالقبض على «جزّار بانياس» في لبنان

انشغلت الأجهزة القضائية والأمنية في لبنان بحادثة اعتقال الضابط في النظام السوري السابق علي كيالي، المعروف بـ«معراج أورال»، من منطقة المنصورية في جبل لبنان.

يوسف دياب (بيروت)
المشرق العربي أعضاء مجلس الشعب السوري خلال التصويت على النظام الداخلي يوليو الماضي (المجلس)

مجلس الشعب السوري... تحدي الانتقال من الإجراءات التنظيمية إلى الدور التشريعي

يترقب الشارع السوري الجلسة المقبلة لمجلس الشعب يوم الأحد، وسط تطلعات ببدء مسار العمل البرلماني وإقرار قوانين وتشريعات مؤجلة.

«الشرق الأوسط» (دمشق)

انفجار بمستودع لـ«الحشد الشعبي» في بغداد ولا إصابات 

دورية تابعة لـ«الحشد الشعبي» العراقي (أرشيفية - موقع الهيئة)
دورية تابعة لـ«الحشد الشعبي» العراقي (أرشيفية - موقع الهيئة)
TT

انفجار بمستودع لـ«الحشد الشعبي» في بغداد ولا إصابات 

دورية تابعة لـ«الحشد الشعبي» العراقي (أرشيفية - موقع الهيئة)
دورية تابعة لـ«الحشد الشعبي» العراقي (أرشيفية - موقع الهيئة)

أفادت المديرية العامة للإعلام التابعة لهيئة «الحشد الشعبي» العراقية اليوم السبت بأن انفجاراً وقع بمستودع «عتاد تالف داخل مقر للحشد الشعبي شرقي القناة في بغداد».

وأضافت، في بيان، أنه لم يتم «تسجيل أضرار بشرية حتى الآن»، وفق ما نقلته «رويترز».


غضب عراقي من «تعيينات فصائلية» في حكومة الزيدي

رئيس البرلمان العراقي هيبت الحلبوسي يقرأ اليمين الدستورية وإلى جانبه رئيس الحكومة علي الزيدي ومن خلفهما وزراء جدد يوم 15 أكتوبر 2026 (إعلام حكومي)
رئيس البرلمان العراقي هيبت الحلبوسي يقرأ اليمين الدستورية وإلى جانبه رئيس الحكومة علي الزيدي ومن خلفهما وزراء جدد يوم 15 أكتوبر 2026 (إعلام حكومي)
TT

غضب عراقي من «تعيينات فصائلية» في حكومة الزيدي

رئيس البرلمان العراقي هيبت الحلبوسي يقرأ اليمين الدستورية وإلى جانبه رئيس الحكومة علي الزيدي ومن خلفهما وزراء جدد يوم 15 أكتوبر 2026 (إعلام حكومي)
رئيس البرلمان العراقي هيبت الحلبوسي يقرأ اليمين الدستورية وإلى جانبه رئيس الحكومة علي الزيدي ومن خلفهما وزراء جدد يوم 15 أكتوبر 2026 (إعلام حكومي)

رغم احتفال أحزاب عراقية بحصول ممثليها على المناصب الشاغرة والمستحدثة في حكومة رئيس الوزراء علي الزيدي التي أقرها البرلمان الخميس الماضي، فإن الجدل والانتقادات الشعبية الواسعة ضدها ما زالت متواصلة، خاصة مع أي تعثر قد يواجه صرف مرتبات موظفي القطاع العام.

وإلى جانب ذلك، طُرحت خلال اليومين الماضيين العديد من الأسئلة حول ملف حصر السلاح بيد الدولة ومستقبل الفصائل المسلحة التي حصلت في التشكيلة الجديدة على مناصب وازنة في الحكومة.

ورغم أن الحكومات العراقية المتعاقبة اعتمدت التوافق والمحاصصة في توزيع المناصب، فإن حكومة الزيدي تتلقى سيلاً غير مسبوق من الانتقادات بسبب استحداث مناصب جديدة، وتعيين شخصيات جدلية، في ظرف مالي صعب، ووسط مخاوف من تجدد الحرب بين الولايات المتحدة وإيران.

رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي خلال التصويت على حكومته بمقر البرلمان في بغداد يوم 14 مايو 2026 (رويترز)

مناصب مستحدثة

وأثار التوسع في المناصب الحكومية وابتكار وزارات جديدة سخطاً شعبياً، خاصة مع الضائقة المالية التي تعاني منها البلاد.

وكان الاتجاه الشعبي العام يسير باتجاه أن تعمد الحكومة إلى إجراءات تقشفية وتقوم بضغط النفقات بدرجة شديدة لمواجهة الأزمة المالية التي تقف على أعتاب البلاد، لكن القوى السياسية استحدثت أربعة نواب لرئيس الوزراء، إلى جانب شطر وزارة الثقافة والآثار إلى وزارتين، واستحداث وزارة جديدة باسم «الاقتصاد الرقمي والحوكمة»، وأخرى للدولة معنية بالأقليات.

ولم تكن تصريحات رئيس الوزراء علي الزيدي بشأن عدم حصول نوابه الأربعة على أي مرتبات أو مخصصات مالية كافية لامتصاص الغضب الشعبي؛ ذلك أن العدد مبالغ فيه ولا يتماشى مع النص الدستوري الذي يشير إلى نائبين فقط لرئيس الوزراء.

وغالباً ما يرتبط المنصب الحكومي بسلسلة من المزايا المالية والشخصية، حتى لو عمل دون مرتب رسمي بحسب غالبية المراقبين.

تعيينات فصائلية

وشكّل اختيار ممثلين عن الفصائل المسلحة لشغل مناصب وزارية مفاجأة للرأي العام، وبدلاً من استمرار إجراءات حصر السلاح بيد الدولة الذي تتحدث عنه الحكومة منذ أشهر، بات ممثلو تلك الجهات يشغلون مناصب رفيعة.

وشن النائب الأميركي جو ويلسون هجوماً على إشراك شخصيات من الفصائل الواقعة تحت العقوبات الأميركية في الحكومة الجديدة، ووصف الأمر بأنه «مثير للغضب».

ويعد ليث الخزعلي، القيادي في «عصائب أهل الحق» وشقيق أمينها العام قيس الخزعلي، من بين أكثر الشخصيات إثارة للجدل بعد حصوله على منصب نائب رئيس الوزراء، كما حصلت «كتائب سيد الشهداء»، التي ما تزال ترفض تسليم سلاحها، على منصب وزاري بعد استحداث وزارة السياحة والآثار في الحكومة الجديدة.

وحتى مع ما يتردد عن «ضوء أخضر» منحته واشنطن لرئيس الوزراء علي الزيدي يسمح بإسناد مناصب وزارية إلى شخصيات فصائلية، ما زال كثيرون يعبرون عن خشية من تقلبات لاحقة في الموقف الأميركي قد تكون لها تداعيات أمنية واقتصادية.

ليث الخزعلي من فصيل «عصائب أهل الحق» اختير نائباً لرئيس الحكومة العراقية (موقع البرلمان)

«حكم العوائل»

كذلك أثار إسناد المناصب إلى دائرة الأقارب غضب وحفيظة شريحة واسعة من المهتمين بالشأن السياسي؛ إذ أُسند منصب وزارة الداخلية في الحكومة الجديدة إلى ياسر المالكي، صهر وابن أخي رئيس ائتلاف «دولة القانون» نوري المالكي، مثلما أُسند منصب نائب رئيس الوزراء إلى شقيق قيس الخزعلي.

وشبّه مراقبون توزيع المناصب بين عائلات سياسية بنهج الرئيس العراقي الراحل في منح أفراد من عائلته أو عشيرته مناصب عليا في الدولة. وقال الصحافي فلاح المشعل، في تدوينة عبر «إكس»، إن «الدولة الفاشلة تمضي نحو فشلٍ أعمق. مَن يتوقّع الأفضل للعراق فهو واهم!».

وأضاف المشعل: «يبدو أن نظام صدام لم يغادر العراق حقّاً؛ فقد ترك وراءه إرثاً ثقيلاً لا يدرك حجمه وعمق آثاره إلا مَن عاش تلك الحقبة واكتوى بنارها».


محافظ السويداء السورية يوجه دعوة جديدة إلى الحوار لحل أزمة المحافظة

مواطنون سوريون من السويداء يراجعون المحافظة لتسهيل أمورهم اليومية (محافظة السويداء)
مواطنون سوريون من السويداء يراجعون المحافظة لتسهيل أمورهم اليومية (محافظة السويداء)
TT

محافظ السويداء السورية يوجه دعوة جديدة إلى الحوار لحل أزمة المحافظة

مواطنون سوريون من السويداء يراجعون المحافظة لتسهيل أمورهم اليومية (محافظة السويداء)
مواطنون سوريون من السويداء يراجعون المحافظة لتسهيل أمورهم اليومية (محافظة السويداء)

جدد محافظ السويداء السورية، مصطفى البكور، دعوته لأهالي المحافظة للحوار من أجل حل الأزمة المستمرة منذ أحداث يوليو (تموز) 2025 الدامية، مؤكداً أن الحكومة «تفتح أبوابها لحل الخلافات وفق القانون، وبما يضمن الحقوق، ويحفظ الكرامة، ويضع مصلحة الناس فوق كل اعتبار».

كما دعا «وجهاء وعقلاء المحافظة وأصحاب الكلمة والموقف إلى تحمل المسؤولية في تقريب وجهات النظر، وتهيئة الظروف لحوار جاد مع الدولة، يقوم على الوضوح والضمانات والعدالة».

وفي دعوته التي نشرها في حسابه على منصة «تلغرام»، جدد البكور التأكيد أن أهالي المحافظة ذات الأغلبية الدرزية «جزء أصيل من تاريخ سوريا ونسيجها، وما يجمعكم بأبناء وطنكم أكبر من كل خلاف، وأعمق من كل جرح»، لافتاً إلى أن الأوطان لا تُبنى بالقطيعة، ولا تُحمى بالخوف، بل بالتفاهم والتعاون والاعتراف المتبادل بالحقوق والواجبات. وأضاف: «فلنبحث عن حلول تحفظ كرامة السويداء وأهلها، وتضمن لهم الأمن والاستقرار، ضمن وطن يتسع لجميع أبنائه».

محافظ السويداء مصطفى البكور (إعلام المحافظة)

وتساءل البكور: «إلى متى يبقى التهجير والفقر والخوف حاضراً في حياة العائلات، فيما الأمل ينتظر خطوة جادة نحو الحل؟»، موضحاً أن «معاناة الناس لا تحتمل مزيداً من التأجيل، وأطفالنا وشيوخنا وشبابنا يستحقون حياة آمنة ومستقبلاً واضحاً. فلنبدأ بخطوات واقعية، ولنجعل مصلحة الناس أولاً، فكل يوم يمر بلا حل هو يوم إضافي من وجع أهلنا».

وبعد أن عدّ البكور في دعوته أنه «آن أوان الحلول الجادة، فكل يوم تأخير يعني مزيداً من المعاناة»، أوضح أن الجلوس إلى طاولة الحوار «لا يعني التنازل عن الحقوق، والمصالحة لا تعني نسيان المظالم، والتفاهم لا يعني التخلي عن الكرامة، وكل قضية يمكن أن تُطرح، وكل حق يمكن المطالبة به، وكل مظلمة تستحق أن يُنظر فيها بجدية وعدالة».

سبق أن وجّه البكور دعوات عدة إلى أهالي السويداء للحوار من أجل حل أزمة المحافظة، لكن لم تتم الاستجابة لها.

ووفق مصادر عدة في السويداء، فإن السبب في ذلك هو «سياسة القمع والتخوين القائمة في مناطق نفوذ شيخ العقل حكمت الهجري، وما يُعرف بالحرس الوطني التابع له، الذي يرفض الحوار مع الحكومة»، ويطالب بحق «تقرير المصير، ويسعى بدعم من الحكومة الإسرائيلية إلى انفصال المحافظة عن سوريا وإقامة ما يُسمى دولة باشان فيها».

ولاقت دعوة البكور أصداء إيجابية في أوساط وجهاء ومشايخ عقل وآخرين مناهضين لسياسة الهجري و«الحرس الوطني». وعدّت شخصية وازنة لها حضورها في مدينة السويداء، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أن الدعوة «بادرة جيدة، ولا بد في هذه المرحلة من الحوار والتفاهم». لكنها أوضحت أن «الحوار يجب أن يُبنى على عدة أمور، منها محاسبة مرتكبي الجرائم وتعويض المتضررين، وخريطة الطريق الثلاثية للحل التي أُعلن عنها منتصف سبتمبر (أيلول) 2025، والتي تُشكل أساساً لبناء أي حوار وتفاهم».

صورة نشرتها «السويداء 24» لعناصر «الحرس الوطني» (الهجري) في مدينة السويداء يمنعون الطلاب من التوجه إلى مراكز الامتحانات

وأعرب المصدر عن اعتقاده بأن «أصداء الدعوة لدى مشايخ العقل المناهضين للشيخ الهجري، وكذلك النخب الثقافية والأكاديمية، كانت إيجابية، إذ إنهم يؤكدون دائماً أنه لا بد من الحوار لتحقيق الأمن والأمان وتحصيل الحقوق».

وحسب مصادر محلية، شهدت الأوساط الشعبية تبايناً في الآراء إزاء دعوة البكور الجديدة. وقال مصدر لـ«الشرق الأوسط»: «هناك مَن يؤيد الدعوة لأنهم يريدون الخلاص من الواقع القائم، وهناك مَن يعارضها انسياقاً وراء الإعلام المغرض المرتبط بالأجندة الخارجية، والذي يقدم وعوداً وأوهاماً صدّقوها...».

من جهته، وصف مصدر في فصيل مسلح في السويداء، دعوات البكور للحوار بأنها «صادقة، لا سيما أنه رجل أفعال لا أقوال، فهو يُدير الخدمات من خارج المدينة، ويلبي احتياجات المواطنين، ويلتقي بهم بشكل دائم ويُعالج قضاياهم».

حاجز لقوات الأمن السورية في الريف الشمالي لمحافظة السويداء في جنوب سوريا يوم 15 سبتمبر 2026 (رويترز)

وتعي أغلبية الأوساط الشعبية، وفق حديث المصدر لـ«الشرق الأوسط»، أن خطاب البكور «عقلاني، وهو طريق الحل، ولا يعني مطلقاً التنازل عن الحقوق أو المسامحة بدماء الضحايا، لكن لا قيمة لهذا الوعي وهذه الرغبة في الحل، في ظل وجود الهجري وجماعته الذين يصادرون قرار الناس، ويهددون ويستهدفون كل مخالف لهم».

ولم يرد «الحرس الوطني» على أسئلة لـ«الشرق الأوسط» بخصوص الدعوة الجديدة للحوار.