أسبوع المصارف المركزية الحاسم... النفط فوق 100 دولار يعيد التضخم إلى الواجهة

«الفيدرالي» وبنك اليابان أمام رفع الفائدة... وبنك إنجلترا يترقب مسار الأسعار

مبنى «الاحتياطي الفيدرالي» في واشنطن (رويترز)
مبنى «الاحتياطي الفيدرالي» في واشنطن (رويترز)
TT

أسبوع المصارف المركزية الحاسم... النفط فوق 100 دولار يعيد التضخم إلى الواجهة

مبنى «الاحتياطي الفيدرالي» في واشنطن (رويترز)
مبنى «الاحتياطي الفيدرالي» في واشنطن (رويترز)

تدخل الأسواق العالمية أسبوعاً حافلاً بقرارات البنوك المركزية، في وقت تعود فيه مخاطر التضخم إلى الواجهة مع ارتفاع أسعار النفط إلى أكثر من 100 دولار للبرميل، واستمرار ضغوط الأسعار المحلية في عدد من الاقتصادات الكبرى.

وتتجه الأنظار بصورة خاصة إلى ثلاثة قرارات في الولايات المتحدة وبريطانيا واليابان، قد ترسم ملامح السياسة النقدية خلال ما تبقى من 2026، في وقت تواجه فيه البنوك المركزية معضلة متزايدة بين احتواء التضخم والحفاظ على النمو. وبينما تزداد رهانات الأسواق على رفع الفائدة في الولايات المتحدة واليابان، يُرجح أن يبقي بنك إنجلترا سعر الفائدة دون تغيير، مع بقاء احتمال استئناف التشديد النقدي قائماً في الأشهر المقبلة.

ويأتي ذلك بعد قرار البنك المركزي الأوروبي رفع الفائدة، وسط إشارات إلى أن دورة التشديد النقدي في منطقة اليورو قد لا تكون انتهت بعد، مما يعزِّز المخاوف من اتساع نطاق التحوُّل نحو سياسات نقدية أكثر تشدداً في الاقتصادات الكبرى.

«الفيدرالي» في مواجهة التضخم والنفط

يصدر «الاحتياطي الفيدرالي» الأميركي قراره يوم الأربعاء، وسط توقعات متزايدة برفع سعر الفائدة 25 نقطة أساس، بعدما أظهرت بيانات التضخم الأميركية استمرار الضغوط السعرية، في حين جاء أداء سوق العمل أقوى من المتوقع.

وتسارعت رهانات الأسواق على رفع الفائدة بعد صدور بيانات التضخم، إذ بلغت احتمالات الزيادة نحو 82.5 في المائة يوم الجمعة، مقارنة بنحو 68 في المائة قبل صدور البيانات.

ولا يقتصر اهتمام المستثمرين على القرار نفسه، بل يمتد إلى تصريحات رئيس «الاحتياطي الفيدرالي» كيفين وارش بشأن مسار الفائدة في الأشهر المقبلة، خصوصاً في ظل ارتفاع عوائد سندات الخزانة إلى مستويات مرتفعة بفعل مخاوف التضخم وزيادة توقعات رفع الفائدة.

ويزيد ارتفاع أسعار النفط من تعقيد مهمة «الفيدرالي»، بعدما تجاوز خام برنت 100 دولار للبرميل، بما يهدد بإضافة ضغوط جديدة إلى التضخم، في وقت تشير فيه التقديرات إلى أن التضخم المحلي الناجم عن قوة الاقتصاد لا يزال مرتفعاً.

رئيس «الاحتياطي الفيدرالي» كيفين وارش في مؤتمر صحافي سابق (أ.ف.ب)

بنك إنجلترا يثبت الفائدة... لكن الباب مفتوح للرفع

وفي بريطانيا، يُرجح أن يبقي بنك إنجلترا سعر الفائدة عند 3.75 في المائة خلال اجتماعه الخميس، في ظل اعتبار المستوى الحالي مقيداً للنشاط الاقتصادي.

لكن قرار التثبيت لن يعني انتهاء مخاطر التشديد النقدي؛ إذ تسعر الأسواق احتمالاً يبلغ نحو 32 في المائة لرفع الفائدة 25 نقطة أساس خلال الاجتماع المقبل، فيما تشير توقعات السوق إلى ثلاث زيادات بحلول مارس (آذار) 2027.

وستكتسب بيانات الوظائف والتضخم البريطانية أهمية خاصة قبل الاجتماع، إذ قد تؤدي بيانات أقوى من المتوقع إلى تعزيز الرهانات على استئناف رفع الفائدة قبل نهاية العام.

مبنى بنك إنجلترا في لندن (رويترز)

اليابان تستعد لأعلى فائدة في نحو ثلاثة عقود

وفي اليابان، تتجه الأنظار إلى اجتماع بنك اليابان الجمعة، وسط توقعات واسعة برفع سعر الفائدة، مدفوعاً بلهجة أكثر تشدداً من المسؤولين وبيانات اقتصادية قوية.

وتشير مصادر مطلعة إلى أن البنك يستعد لرفع سعر الفائدة إلى 1.25 في المائة، وهو أعلى مستوى له منذ أبريل (نيسان) 1995، في خطوة تأتي بعد رفعه السعر إلى نحو 1 في المائة في يونيو (حزيران).

ويأتي القرار المحتمل في وقت تقترب فيه معدلات التضخم الأساسي من هدف البنك البالغ 2 في المائة، بينما تتزايد مخاطر ارتفاع الأسعار بفعل ارتفاع النفط وضعف الين والطلب المرتبط بالذكاء الاصطناعي.

وبحسب التوقعات، سيتركز اهتمام المستثمرين بعد القرار على توجيهات محافظ بنك اليابان كازو أويدا بشأن المسار المقبل للفائدة، خصوصاً مع ترقب الأسواق ما إذا كان البنك سيواصل التشديد خلال الأشهر المقبلة.

النفط يعقد حسابات البنوك المركزية

وتشكل أسعار الطاقة القاسم المشترك بين قرارات البنوك المركزية هذا الأسبوع. فارتفاع برنت فوق 100 دولار للبرميل يعيد مخاطر التضخم إلى صدارة المشهد، بعد أن كانت الأسواق تراهن على انحسار الضغوط السعرية.

ولا يقتصر أثر النفط على الاقتصادات المستوردة للطاقة، بل ينعكس أيضاً على توقعات التضخم وعوائد السندات وتكلفة الاقتراض عالمياً، مما قد يدفع البنوك المركزية إلى إبقاء السياسة النقدية أكثر تشدداً لفترة أطول.

ويظهر ذلك بوضوح في تحركات أسواق السندات، حيث يراقب المستثمرون عوائد سندات الخزانة الأميركية في ظل ارتفاع توقعات الفائدة ومخاوف التضخم، إلى جانب القلق بشأن الوضع المالي الأميركي.

إشارات المرور أمام مبنى بنك اليابان في طوكيو (رويترز)

قرارات متباينة خارج مجموعة السبع

ولا تقتصر تحركات السياسة النقدية على الاقتصادات الكبرى. ففي البرازيل، يُتوقع أن يخفض البنك المركزي أسعار الفائدة 25 نقطة أساس إلى 3.75 في المائة، بدعم من تباطؤ النشاط الاقتصادي وانحسار التضخم.

وفي تايوان، يترقب المستثمرون قرار البنك المركزي الخميس، مع انقسام التوقعات بين رفع الفائدة والإبقاء عليها دون تغيير. وتكتسب الخطوة أهمية خاصة بعدما رفع البلد توقعاته لنمو 2026 إلى 11.05 في المائة، مدعوماً بالطلب المرتبط بالذكاء الاصطناعي، في وقت تجاوز فيه التضخم 2 في المائة للشهر الرابع على التوالي.

وفي الصين، لن يكون هناك قرار فائدة رئيسي هذا الأسبوع، لكن بيانات النشاط الاقتصادي المقرر صدورها الثلاثاء ستقدم مؤشرات مهمة على قوة الطلب المحلي، في ظل استمرار اعتماد النمو بدرجة كبيرة على الصادرات.

أسبوع يرسم اتجاه الأسواق

وبذلك، تبدو الأسواق أمام أسبوع تتقاطع فيه ثلاثة اتجاهات رئيسية: تشديد نقدي محتمل في الولايات المتحدة واليابان، وتثبيت حذر في بريطانيا، مقابل اتجاه معاكس في بعض الاقتصادات الناشئة مثل البرازيل.

وقد تكون أهمية القرارات المقبلة أكبر من حجم التحركات نفسها، إذ ستراقب الأسواق خصوصاً لغة البنوك المركزية بشأن التضخم وأسعار الطاقة ومسار الفائدة لاحقاً. ومع استمرار النفط فوق 100 دولار، قد يصبح السؤال الأهم بالنسبة للمستثمرين ليس ما إذا كانت الفائدة سترتفع هذا الأسبوع، وإنما إلى أي مدى ستضطر البنوك المركزية إلى إبقائها مرتفعة بعد ذلك.


مقالات ذات صلة

الإدارة الجديدة لـ«المركزي الليبي» أمام مهمة عاجلة لـ«إنقاذ الدينار»

شمال افريقيا مقر المصرف المركزي في العاصمة الليبية طرابلس (رويترز)

الإدارة الجديدة لـ«المركزي الليبي» أمام مهمة عاجلة لـ«إنقاذ الدينار»

سارع محافظ مصرف ليبيا المركزي المكلف فوزي بوخزام، خلال الأيام الأولى من توليه منصبه، إلى تكثيف مشاوراته مع مؤسسات اقتصادية وسياسية ليبية.

علاء حموده (القاهرة)
الاقتصاد  الثلوج تغطي شوارع مونتريال (د.ب.أ)

أول زيادة منذ 2023... كندا ترفع الفائدة إلى 2.5 % لمواجهة ارتفاع النفط

رفع بنك كندا سعر الفائدة الرئيسي إلى 2.5 في المائة، الأربعاء، في أول زيادة منذ عام 2023، عازياً القرار إلى ارتفاع أسعار النفط بفعل الحرب في الشرق الأوسط.

«الشرق الأوسط» (تورونتو )
الاقتصاد أحد المارة يسير أمام مدخل المقر الرئيسي لبنك الاحتياطي الهندي في مومباي (أ.ف.ب)

الروبية الهندية تتراجع تحت ضغط ارتفاع أسعار النفط

تراجعت الروبية الهندية، الأربعاء، مع استمرار ارتفاع أسعار النفط، ما أبقى الضغوط على الأصول المحلية.

«الشرق الأوسط» (مومباي)
الاقتصاد رجل يحمل أوراقاً نقدية من الروبية في سوق للماشية في بوغور إندونيسيا (رويترز)

«المركزي الإندونيسي» يواصل التدخل في سوق الصرف لضمان استقرار الروبية

أعلن البنك المركزي الإندونيسي، الأربعاء، مواصلة تدخله في سوق الصرف الأجنبي لضمان تحرك الروبية بما يتماشى مع أساسياتها الاقتصادية.

«الشرق الأوسط» (جاكرتا)
الاقتصاد أوراق نقدية من اليورو (رويترز)

ارتفاع عوائد السندات الأوروبية مع صعود النفط وترقب قرارات الفائدة

ارتفعت عوائد السندات الحكومية في منطقة اليورو، الأربعاء، بينما سجلت العوائد الفرنسية زيادة أكبر من نظيراتها، مع تجدد المخاوف بشأن إمدادات النفط .

«الشرق الأوسط» (لندن)

الأسواق تتفاعل مع قرار «الفيدرالي»... الأسهم تقلّص مكاسبها والدولار يتراجع

متداولان في بورصة نيويورك (رويترز)
متداولان في بورصة نيويورك (رويترز)
TT

الأسواق تتفاعل مع قرار «الفيدرالي»... الأسهم تقلّص مكاسبها والدولار يتراجع

متداولان في بورصة نيويورك (رويترز)
متداولان في بورصة نيويورك (رويترز)

قلّصت الأسهم الأميركية مكاسبها قليلاً، عقب قرار مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأميركي الإبقاء على أسعار الفائدة دون تغيير، إذ ارتفع مؤشر «ستاندرد آند بورز 500» بنسبة 0.14 في المائة في أحدث التعاملات.

وفي أسواق المعادن النفيسة، استقر الذهب الفوري إلى حد كبير بعد القرار، متراجعاً بنسبة 0.5 في المائة إلى 4038.44 دولار للأونصة.

وعلى صعيد سوق السندات الأميركية، واصلت عوائد سندات الخزانة ارتفاعها عقب القرار، إذ صعد عائد سندات الخزانة لأجل عشر سنوات بمقدار 3.49 نقطة أساس إلى 5.028 في المائة، فيما ارتفع عائد السندات لأجل عامين بمقدار 3.73 نقطة أساس إلى 4.774 في المائة.

وفي سوق العملات، واصل مؤشر الدولار الأميركي خسائره عقب القرار، متراجعاً بنسبة 0.08 في المائة إلى 102.26 نقطة. في المقابل، ارتفع اليورو قليلاً أمام العملة الأميركية بنسبة 0.15 في المائة إلى 1.114 دولار.

وصوتت اللجنة الفيدرالية للسوق المفتوحة، المكونة من 12 عضواً، بأغلبية 10 أصوات مقابل صوتين لصالح الإبقاء على أسعار الفائدة ضمن نطاق مستهدف يتراوح بين 3.75 في المائة و4 في المائة ، مشيرةً إلى الحاجة لمزيد من البيانات في إطار جهود مكافحة ارتفاع الأسعار.

وكان صناع السياسات قد رفعوا أسعار الفائدة لأول مرة منذ ثلاث سنوات خلال اجتماعهم السابق في سبتمبر.

وقد عارض القرار عضوان في اللجنة، وهما العضوة ليزا كوك ورئيسة بنك الاحتياطي الفيدرالي في كليفلاند بيث هاماك، حيث دعتا بدلاً من ذلك إلى رفع فوري لأسعار الفائدة بمقدار 0.25 نقطة مئوية.


ماذا تكشف تعديلات بيان «الفيدرالي» عن الخطوة المقبلة؟

رجل يسير أمام مبنى الاحتياطي الفيدرالي (رويترز)
رجل يسير أمام مبنى الاحتياطي الفيدرالي (رويترز)
TT

ماذا تكشف تعديلات بيان «الفيدرالي» عن الخطوة المقبلة؟

رجل يسير أمام مبنى الاحتياطي الفيدرالي (رويترز)
رجل يسير أمام مبنى الاحتياطي الفيدرالي (رويترز)

لم يقتصر التغيير في بيان «الاحتياطي الفيدرالي» الأميركي الصادر الأربعاء على تثبيت أسعار الفائدة، بل امتد إلى صياغة تقييمه للنشاط الاقتصادي والتضخم، في تعديلات تبرز تمسك البنك المركزي بهدف إعادة التضخم إلى مستوى 2 في المائة، مع إرجاء تحديد الخطوة التالية إلى حين توافر مزيد من البيانات.

فبعد أن رفع مجلس الاحتياطي الفيدرالي الفائدة ربع نقطة مئوية في سبتمبر (أيلول)، أبقى لجنة السوق المفتوحة الفيدرالية النطاق المستهدف دون تغيير عند 3.75 إلى 4 في المائة في اجتماع أكتوبر (تشرين الأول). لكن المقارنة بين البيانين تكشف اختلافاً في وصف أداء الاقتصاد وفي الطريقة التي عرض بها المجلس مبرراته المتعلقة بمسار التضخم والسياسة النقدية.

النشاط الاقتصادي «قوي» بدلاً من «متين»

أبرز التغييرات في البيان الجديد جاء في وصف النشاط الاقتصادي؛ إذ انتقل المجلس من القول إن النشاط يتوسع بوتيرة «متينة» في سبتمبر إلى أنه يتوسع بوتيرة «قوية» في أكتوبر، وفق «سي أن بي سي».

وفي المقابل، أبقى على عدد من التقييمات الأخرى من دون تغيير، مشيراً إلى استمرار صمود الإنفاق المحلي، وقوة نمو الإنتاجية، ومتانة الاستثمار الرأسمالي. كما كرر أن مكاسب الوظائف واكبت نمو القوى العاملة، وأن معدل البطالة لم يشهد تغيراً يُذكر، رغم استمرار ارتفاع مستوى عدم اليقين، جزئياً بفعل التطورات الجيوسياسية.

ويعني هذا التعديل أن المجلس استخدم توصيفاً أقوى للنشاط الاقتصادي، لكنه لم يغير تقييمه الأساسي لسوق العمل أو للعوامل التي تحيط بالتوقعات الاقتصادية.

من دعم خفض التضخم إلى انتظار مزيد من البيانات

كان التغيير الأوضح في فقرة التضخم. ففي بيان سبتمبر، قال المجلس إن قرار رفع الفائدة في ذلك الاجتماع سيدعم عودة التضخم إلى مستهدفه البالغ 2 في المائة بوتيرة أسرع. أما في بيان أكتوبر، فاستبدل بهذه العبارة تأكيداً أن تراكم مزيد من المعلومات سيساعد اللجنة في تحديد الموقف المناسب للسياسة النقدية، بما يضمن عودة التضخم إلى مستهدفه في الوقت المناسب.

وفي البيانين، أبقى المجلس على عبارته التي تؤكد أن التضخم لا يزال مرتفعاً، كما جدد التزامه بتحقيق استقرار الأسعار.

ويشير اختلاف الصياغة إلى أن المجلس لم يقدم في بيانه الجديد تعهداً بخطوة محددة في الاجتماع المقبل، بل ربط تحديد موقف السياسة النقدية بتطور البيانات المتاحة. ولا يعني ذلك أن المجلس تخلى عن هدفه المتعلق بالتضخم، وإنما أنه لم يحدد في البيان وحده توقيت أي تحرك إضافي.

انقسام في التصويت للمرة الأولى منذ قرار سبتمبر

ظهر اختلاف آخر في البيان الجديد في نتيجة التصويت. فبعدما أُقر قرار رفع الفائدة في سبتمبر بالإجماع، أقر المجلس تثبيتها في أكتوبر بأغلبية عشرة أعضاء مقابل اعتراضين.

وفضّلت عضوتا المجلس ليزا كوك وبيث هاماك رفع النطاق المستهدف للفائدة بمقدار ربع نقطة مئوية، بدلاً من الإبقاء عليه دون تغيير.

ويبرز هذا الاعتراض استمرار وجود اتجاه داخل لجنة السياسة النقدية يرى أن الضغوط التضخمية تستدعي تشديداً إضافياً، في وقت اختارت فيه الأغلبية التريث والإبقاء على أسعار الفائدة عند مستواها الحالي.

القرار المقبل رهن البيانات

تعكس المقارنة بين البيانين اختلافاً في تقييم وتيرة النشاط الاقتصادي وفي عرض المجلس للخطوات اللازمة لإعادة التضخم إلى مستهدفه، لكنها لا تقدم بمفردها جدولاً زمنياً لرفع الفائدة مجدداً.

وبينما وصف المجلس النشاط الاقتصادي بأنه يتوسع بوتيرة قوية، أكد أن التضخم لا يزال مرتفعاً، وأن البيانات الإضافية ستساعده في تحديد الموقف النقدي المناسب. ومن ثم، ستظل قراءة المؤشرات الاقتصادية المقبلة عاملاً أساسياً في رسم مسار السياسة النقدية، من دون أن يحسم بيان أكتوبر توقيت الخطوة التالية أو حجمها.


«الفيدرالي» يثبّت الفائدة قبيل انتخابات التجديد النصفي الأميركية

مبنى «الاحتياطي الفيدرالي» في واشنطن (رويترز)
مبنى «الاحتياطي الفيدرالي» في واشنطن (رويترز)
TT

«الفيدرالي» يثبّت الفائدة قبيل انتخابات التجديد النصفي الأميركية

مبنى «الاحتياطي الفيدرالي» في واشنطن (رويترز)
مبنى «الاحتياطي الفيدرالي» في واشنطن (رويترز)

أبقى مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأميركي أسعار الفائدة دون تغيير عند نطاق يتراوح بين 3.75 و4 في المائة، الأربعاء، قبل أقل من أسبوع على انتخابات التجديد النصفي للكونغرس المقررة في 3 نوفمبر (تشرين الثاني)، التي تشكّل تكاليف المعيشة أحد أبرز محاور حملاتها الانتخابية.

وقالت لجنة السوق المفتوحة الفيدرالية، في بيان عقب اجتماعها، إن النشاط الاقتصادي يتوسع بوتيرة قوية، وإن الإنفاق المحلي أظهر قدرة على الصمود، فيما يظل نمو الإنتاجية قوياً والاستثمار الرأسمالي متيناً. وأضافت أن مكاسب الوظائف واكبت نمو القوى العاملة، وأن معدل البطالة لم يشهد تغيراً يُذكر.

لكن اللجنة أكدت أن التضخم لا يزال مرتفعاً، مشيرة إلى أن توافر مزيد من البيانات سيساعدها في تحديد الموقف المناسب للسياسة النقدية لضمان عودة التضخم إلى مستهدفها البالغ 2 في المائة في الوقت المناسب. وشددت على التزامها بتحقيق استقرار الأسعار.

وجاء القرار وسط استمرار الضغوط التضخمية بفعل ارتفاع أسعار الطاقة والرسوم الجمركية والطلب المرتبط باستثمارات الذكاء الاصطناعي، مما يضع صانعي السياسة النقدية أمام معادلة دقيقة بين كبح التضخم والحفاظ على استقرار النشاط الاقتصادي.

وحظي قرار التثبيت بموافقة عشرة أعضاء في اللجنة مقابل اعتراض عضوين، هما ليزا كوك وبيث هاماك، اللتان فضّلتا رفع النطاق المستهدف للفائدة بمقدار ربع نقطة مئوية، أو 25 نقطة أساس، خلال الاجتماع.

وتكتسب تطورات الأسعار أهمية إضافية مع اقتراب الانتخابات، في ظل استمرار معاناة الأسر الأميركية من ارتفاع تكاليف المعيشة.

وكانت الأسواق قد رجّحت تثبيت الفائدة، بعدما أشار مسؤولون في المجلس إلى تفضيل التريث لتقييم مسار التضخم عقب رفع الفائدة بمقدار 25 نقطة أساس في سبتمبر (أيلول)، لتصل إلى نطاقها الحالي، في أول زيادة منذ ثلاث سنوات.

ويسعى الحزب الديمقراطي إلى انتزاع السيطرة على مجلسي الكونغرس من الجمهوريين في انتخابات التجديد النصفي، بما قد يؤثر في قدرة الرئيس الأميركي ترمب على تمرير أجندته خلال العامين الأخيرين من ولايته.

وقد احتلت تكاليف المعيشة موقعاً بارزاً في الحملات الانتخابية، في ظل استمرار معاناة أسر أميركية، خصوصاً من ذوي الدخل المحدود، من ارتفاع الأسعار، رغم بقاء النمو الاقتصادي الإجمالي مستقراً إلى حد كبير.

رئيس «الاحتياطي الفيدرالي» في مؤتمر صحافي عقب قرار لجنة السياسة النقدية (رويترز)

التضخم لا يزال بعيداً عن المستهدف

وقد جاء قرار التثبيت في وقت لا تزال فيه مؤشرات التضخم تشير إلى صعوبة عودة الأسعار إلى المستوى المستهدف. فقد ارتفع مؤشر أسعار المستهلكين في الولايات المتحدة إلى 3.7 في المائة خلال سبتمبر، متجاوزاً توقعات المحللين، واقترب مجدداً من أعلى مستوى له في ثلاث سنوات، المسجل في مايو (أيار).

ويستهدف «الاحتياطي الفيدرالي» تضخماً يبلغ 2 في المائة على المدى الطويل، وفق مؤشر أسعار نفقات الاستهلاك الشخصي، الذي يعتمد عليه في قياس التضخم.

وتشير التقديرات الأولية إلى أن المؤشر الرئيسي، إلى جانب المقاييس التي تستبعد بعض الأسعار المتقلبة، ارتفع في سبتمبر، وظل عند 3 في المائة أو أكثر على أساس سنوي، مع إحراز تقدم محدود في خفض التضخم خلال الأشهر الأخيرة.

ومن المقرر صدور بيانات نفقات الاستهلاك الشخصي لشهر سبتمبر، الخميس، أي بعد يوم من إعلان قرار الفائدة.

وتشير التقديرات الأولية لمكونات المؤشر إلى استمرار الضغوط السعرية، مما يمنح مسؤولي المجلس مؤشرات إضافية عن مسار التضخم قبل صدور البيانات الرسمية.

وتعود الضغوط التضخمية إلى مجموعة من العوامل، في مقدمتها ارتفاع أسعار الطاقة عقب الحرب التي شنتها الولايات المتحدة على إيران في أواخر فبراير (شباط)، إلى جانب استمرار آثار الرسوم الجمركية التي فرضتها إدارة ترمب.

كما بات الطلب القوي المرتبط باستثمارات الذكاء الاصطناعي والإنفاق الاستهلاكي من العوامل التي تسهم في استمرار ارتفاع الأسعار.

الأسواق تترقب مسار الزيادات المقبلة

مع ترجيح تثبيت الفائدة في الاجتماع الحالي، تحول اهتمام الأسواق إلى حجم الزيادات المحتملة وتوقيتها خلال الأشهر المقبلة.

ويرى اقتصاديون ومستثمرون أن استمرار التضخم واتساع نطاقه قد يدفعان المجلس إلى استئناف رفع الفائدة، حتى إذا اختار التوقف مؤقتاً في أكتوبر.

وقال داريو بيركنز، المدير الإداري للاقتصاد الكلي في شركة «تي إس لومبارد»، إن السؤال لم يعد يقتصر على ما إذا كان «الاحتياطي الفيدرالي» سيرفع الفائدة مجدداً، بل بات يتعلق بعدد الزيادات التي قد يقرها لاحقاً.

ضغوط ترمب

يأتي اجتماع أكتوبر في ظل استمرار التوتر بين ترمب و«الاحتياطي الفيدرالي»، بعدما كثف الرئيس الأميركي منذ عودته إلى السلطة العام الماضي ضغوطه على البنك المركزي للمطالبة بخفض أسعار الفائدة، مما أثار تساؤلات بشأن استقلالية المؤسسة النقدية.

وشملت هذه الضغوط اتخاذ إجراءات قانونية بحق رئيس المجلس السابق جيروم باول، ومحاولة إقالة عضوة مجلس المحافظين ليزا كوك.

وقد أُسقط التحقيق المتعلق بباول في وقت سابق، بما أتاح المضي في إجراءات تثبيت تعيين وارش في مجلس الشيوخ، لكن البيت الأبيض جدد مساعيه لإقالة كوك، رغم أن المحكمة العليا كانت قد عرقلت محاولة سابقة لإبعادها عن منصبها.

وفي ظل استمرار الضغوط التضخمية، يواجه وارش تحدياً يتمثل في إعادة التضخم إلى مستهدفه البالغ 2 في المائة، مع الحفاظ على استقلالية المجلس في تحديد مسار السياسة النقدية.

وبينما يمنح تثبيت الفائدة صانعي القرار وقتاً إضافياً لتقييم اتجاه الأسعار، ستظل البيانات الاقتصادية المقبلة وأسعار الطاقة من العوامل الرئيسية المؤثرة في القرارات المقبلة، في وقت تتصدر فيه تكاليف المعيشة النقاش الاقتصادي قبيل انتخابات التجديد النصفي.