تشعر بالتوتر مع غروب الشمس؟ 4 طرق تساعدك على استعادة هدوئك

راكب دراجة يسير على مسار عند غروب الشمس في سان أنطونيو (أ.ب)
راكب دراجة يسير على مسار عند غروب الشمس في سان أنطونيو (أ.ب)
TT

تشعر بالتوتر مع غروب الشمس؟ 4 طرق تساعدك على استعادة هدوئك

راكب دراجة يسير على مسار عند غروب الشمس في سان أنطونيو (أ.ب)
راكب دراجة يسير على مسار عند غروب الشمس في سان أنطونيو (أ.ب)

مع اقتراب نهاية اليوم وتراجع ضوء الشمس، قد تتبدل مشاعر بعض الأشخاص بصورة مفاجئة، فيتحول الهدوء المسائي إلى مصدر للتوتر أو الحزن أو التململ. وقد يرتبط هذا الشعور بالقلق بشأن المهام التي لم تُنجز، أو التفكير في اليوم التالي، أو الإحساس بأن الوقت يمر سريعاً من دون إنجاز كل ما كان مخططاً له. ويُعرف هذا الشعور باسم «قلق غروب الشمس».

ويُقصد بـ«قلق غروب الشمس» الشعور بعدم الارتياح أو الحزن أو التململ الذي قد ينشأ مع تحول النهار إلى ليل، وغالباً ما يرتبط بمخاوف تتعلق بالإنتاجية والمهام القادمة. ورغم أنه ليس تشخيصاً طبياً رسمياً، فإن الكثيرين يعانون بسببه من اضطراب النوم وتزايد مستويات القلق.

وفيما يلي، يشارك عدد من المعالجين النفسيين أساليب عملية تساعد على تخفيف هذه المخاوف المسائية والتعامل معها، وفقاً لموقع «فيري ويل مايند».

ما «قلق الغروب»؟

هل تشعر بالرهبة أو الحزن مع نهاية اليوم وحلول الظلام؟ قد يكون ذلك ما يُعرف بـ«قلق الغروب»، وهي حالة عاطفية تتسم بعدم الارتياح أو الحزن أو التململ أو حتى الرهبة، ويختبرها بعض الأشخاص عند انتقال النهار إلى الليل، وفقاً لما تقوله جيسيكا هانت، وهي اختصاصية اجتماعية سريرية مرخصة.

وتوضح الدكتورة ستيفاني جيه. وونغ، وهي عالمة نفس سريرية مرخصة، أن «قلق الغروب» ليس تشخيصاً مدرجاً في الدليل التشخيصي والإحصائي للاضطرابات النفسية (DSM-5). ومع ذلك، يبلغ بعض الأفراد عن اختلاف واضح في مزاجهم مع غروب الشمس مبكراً، فيما يؤكد خبراء الصحة النفسية أن هذه التجربة حقيقية ويعيشها الكثيرون.

ويمكن تشبيه الأمر بالاكتئاب الموسمي، ولكن بدلاً من الشعور بالحزن نتيجة قصر النهار وزيادة ساعات الظلام، ينتاب الشخص شعور بالقلق والتململ مع حلول المساء.

امرأة تعبر طريقاً عند الغروب في بكين (أ.ف.ب)

وهناك مجموعة من المشاعر والتجارب الشائعة المرتبطة بـ«قلق الغروب»، ومنها:

مشاكل النوم

تقول الدكتورة وونغ إن «قلق الغروب» قد يؤدي إلى اضطراب مواعيد النوم والإيقاع اليوماوي، أو ما يُعرف بالساعة البيولوجية، مما يسبب مشكلات في النوم.

وقد ينتاب الأشخاص القلق بشأن عدم تحقيق «القدر الكافي» من الإنتاجية خلال ساعات النهار، وهو ما يؤثر في قدرتهم على تهدئة أذهانهم والاسترخاء والخلود إلى النوم. وبالنسبة إلى أولئك الذين يعانون بالفعل من صعوبات في النوم، يمكن أن يؤدي «قلق الغروب» إلى تفاقم هذه المشكلات.

الشعور بالرهبة

عندما يحل الظلام، قد يشعر البعض وكأن العالم ينغلق من حولهم، ويستولي عليهم إحساس وشيك بحدوث أمر سيئ أو كارثة.

وبالنسبة إلى الأشخاص الذين يسعون دائماً إلى الإنجاز، قد يمثل الغروب لحظة يدركون فيها أنهم لن يتمكنوا من القيام بكل ما يرغبون فيه خلال اليوم؛ فيبدأون بالشعور بالذعر حيال ما يمكنهم إنجازه أو التحكم فيه خلال هذا الوقت المحدود قبل موعد النوم.

أما الأهل، فقد يشعر بعضهم بأنهم في حالة تأهب قصوى بشأن الخروج مع الأطفال، ويخشون البقاء محبوسين في الداخل مع حلول الظلام.

الشعور بالحزن أو الأسى

عندما يكون الأطفال في المدرسة، تكون بعض الأمهات كالنحلة النشيطة، إذ ينجزن أكبر قدر ممكن من المهام المدرجة في قوائمهن التي لا تنتهي.

لكن غروب الشمس يجبرهن على التمهل والجلوس مع الأفكار المليئة بالقلق. وقد تشعر المرأة بأن كل شيء، بدءاً من نمو الأطفال وتقدم الوالدين في العمر، وصولاً إلى ذكريات الشباب وغيرها، يمضي بسرعة كبيرة، فتشعر بالحزن والأسى على ما لم تتمكن من إنجازه.

التململ وعدم الاستقرار

في بعض الأيام، قد ينتاب الأشخاص شعور بالتململ، فيبدأون بالتنظيف واستخدام المكنسة الكهربائية والترتيب لتعويض شعورهم بغياب الإنتاجية خلال اليوم.

وقد يشعر الشخص برغبة ملحة في مواصلة الحركة حتى يتمكن من كبت تلك المخاوف. ومع ذلك، قد يولد ذلك لديه شعوراً بالذنب لأنه يفوّت فرصة التواصل مع أطفاله بعد عودتهم إلى المنزل وقضاء اليوم بعيداً عنه؛ لذلك، حاول الموازنة بين الجلوس معهم بوعي وحضور ذهني، وبين القيام ببعض أعمال التنظيف.

أسباب «قلق الغروب»

قد ينجم «قلق الغروب» عن ترقب نهاية اليوم، أو القلق بشأن المهام غير المنجزة، أو التفكير في ما يحمله اليوم التالي، أو حتى عوامل بيولوجية، مثل التغيرات في الضوء التي تؤثر في المزاج.

كما أن غياب المشتتات أو الأنشطة التي تشغل البال خلال المساء قد يزيد من حدة القلق أو مشاعر الوحدة.

استراتيجيات التكيف والتعامل معه

تقول هانت: «لقد نجحت حيلة وضع الهاتف في الدرج خلال هذه الفترة الانتقالية في التغلب على قلق الغروب؛ فأنا أركز على المهام البدنية التي أحتاج إلى القيام بها، وأترك الوقت يمضي بشكل طبيعي. فهاتفي يذكرني بما حدث خلال النهار، ومجرد رؤيته يمنعني من عيش اللحظة الراهنة».

خطط لأنشطة مسائية ممتعة

تشير الدكتورة سابرينا رومانوف، وهي اختصاصية نفسية سريرية وأستاذة جامعية، إلى أن تحديد الأنشطة المسائية التي تتطلع إليها والمشاركة فيها يمكن أن يساعد في صرف انتباهك وتغيير ارتباطك الذهني بهذا الوقت من اليوم.

وقد يشمل ذلك حجز حصة تمارين رياضية مسائية، ولا سيما تلك التي تتسم بالشدة وتتطلب تركيزاً كاملاً، أو قراءة كتاب، أو مشاهدة برنامجك المفضل الذي يمنحك شعوراً بالراحة والسكينة.

كما تقترح الدكتورة رومانوف جدولة أنشطة اجتماعية في المساء.

وتقول: «[التواصل مع الأصدقاء] وسيلة رائعة لإضفاء البهجة والدفء على أمسيات الشتاء المظلمة؛ فهو يوفر دليلاً ملموساً على أنك لست وحدك، وأن الأشخاص الذين تحبهم يواجهون الصعاب ذاتها».

طوّر روتيناً مسائياً مهدئاً

تنصح هانت بوضع روتين مسائي يساعدك على الشعور باكتمال اليوم وإغلاق صفحته. وقد يشمل ذلك ممارسة تمارين الإطالة، أو التأمل، أو الاستحمام، أو تدوين اليوميات لترتيب أفكارك، أو الانخراط في هواية إبداعية، أو خفت الأضواء لإرسال إشارة إلى دماغك بأن الوقت قد حان للاسترخاء والهدوء.

كما توصي الدكتورة رومانوف بابتكار روتين إيجابي عند الغروب، مثل تحضير كوب من الشاي المفضل لديك، أو إشعال شمعة تبعث على الهدوء، أو استخدام مرطب لليدين أو مستحضر العناية بالشفاه المفضل لديك، وذلك لتعزيز العناية بنفسك خلال هذا الوقت الذي يميل فيه الضوء إلى الخفوت.

اطلب المساعدة المهنية

لست الوحيد الذي يشعر بالرهبة والتوتر عند غروب الشمس؛ فهذا شعور حقيقي، وهناك آخرون يمرون بتجربة مماثلة.

ولحسن الحظ، تتوفر طرق للتعامل مع هذا الأمر، مثل ممارسة الأنشطة التي تمنحك السعادة، والتواصل مع الأصدقاء، والاهتمام بالرعاية الذاتية، والانسجام مع الطبيعة.

وإذا لم يكن ذلك كافياً، فقد يكون الوقت قد حان لطلب المساعدة المهنية؛ إذ يُعد اللجوء إلى اختصاصي صحة نفسية مرخص خياراً ممتازاً دائماً.


مقالات ذات صلة

الفلفل الأحمر والأصفر... أيهما أكثر فائدة؟

صحتك يحتوي كل من الفلفل الأحمر والأصفر على مضادات أكسدة مهمة لكنهما يختلفان في أنواع هذه المركبات (بيكسلز)

الفلفل الأحمر والأصفر... أيهما أكثر فائدة؟

يختلف الفلفل الأحمر والأصفر في اللون والمذاق، لكن هل ينعكس هذا الاختلاف على قيمة كل منهما الغذائية وفوائدهما الصحية؟

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
صحتك 7 مشروبات يمكن أن تساعد في دعم صحة الجهاز الهضمي (بيكسلز)

7 مشروبات صباحية تحسّن الهضم وتساعد على التخلص من الإمساك

لا يقتصر دور المشروبات الصباحية على إرواء العطش، بل يمكن أن تسهم بعض الخيارات في دعم صحة الجهاز الهضمي، وتعزيز انتظام حركة الأمعاء.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
يوميات الشرق تجنّب التوتر قد يكون أمراً صعباً في ظل التحديات العالمية لكن الخبر السار يتمثل في إمكانية إصلاح الضرر الحاصل داخل جسمنا (بيكسلز)

التوتر المزمن قد يسرّع شيخوختك... 4 نصائح لتخفيف تأثيراته

قد يكون الشعور بالتوتر من حين إلى آخر جزءاً طبيعياً من الحياة اليومية، لكن استمراره لفترات طويلة قد يترك آثاراً تتجاوز الحالة النفسية.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
صحتك تحضير مشروبات «سموذي» غنية بالبروتين ممكن دون الحاجة إلى استخدام مساحيق البروتين (بكسلز)

بعيداً عن مخفوقات البروتين... 6 مشروبات غنية به تستحق التجربة

عند التفكير في زيادة كمية البروتين في نظامك الغذائي، قد تكون مخفوقات البروتين أول ما يتبادر إلى ذهنك، لكن رغم شعبيتها الواسعة، فإنها ليست الخيار الوحيد.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
صحتك بعض الحالات الصحية قد تؤثر في قدرة الجسم على امتصاص المغنيسيوم والاحتفاظ به (بيكسلز)

من ساعات إلى أشهر... كم يبقى المغنيسيوم في جسمك؟

تختلف المدة التي يبقى خلالها المغنيسيوم في الجسم من شخص إلى آخر، إذ تتأثر بعدة عوامل، أبرزها نوع المغنيسيوم الذي يتناوله الشخص.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

أعلى جسر في العالم يستقطب عشاق المغامرة في الصين

يُعد جسر "هواجيانغ" الكبير أعلى جسر في العالم. (شاترستوك)
يُعد جسر "هواجيانغ" الكبير أعلى جسر في العالم. (شاترستوك)
TT

أعلى جسر في العالم يستقطب عشاق المغامرة في الصين

يُعد جسر "هواجيانغ" الكبير أعلى جسر في العالم. (شاترستوك)
يُعد جسر "هواجيانغ" الكبير أعلى جسر في العالم. (شاترستوك)

وسط الجبال الشاهقة جنوب غربي الصين، تجمّع حشد من المتفرجين لمتابعة شاب يستعد للقفز بالحبال المطاطية من أعلى جسر في العالم، حسب شبكة «سي إن إن» الأميركية.

وقف الشاب فوق أخدود سحيق، بينما ارتفع سطح الجسر عن مياه النهر إلى علوّ يزيد بنحو تسعة أضعاف على ارتفاع جسر «غولدن غيت» الشهير في سان فرانسيسكو. وخلفه، امتدت قمم جبال مقاطعة قويتشو نحو الأفق، بينما اقترب المتفرجون من الحافة، رافعين هواتفهم المحمولة لتوثيق اللحظة.

بدأت العملية بإجراءات السلامة؛ إذ ثبّت العاملون حزام الأمان حول جسده، ثم تفقدوا المعدات بعناية، بينما وقف على منصة معلّقة أسفل سطح الجسر.

وبعد لحظات، ألقى بنفسه في الفراغ.

لمدة سبع ثوانٍ، ظل يهوي باتجاه قاع الوادي، على بُعد مئات الأمتار تحته، قبل أن يشدّه الحبل المطاطي الضخم إلى أعلى، وسط تصفيق الحاضرين.

كان المشهد استثنائياً، ليس بسبب القفزة وحدها، بل أيضاً للمكان الذي احتضنها: جسر معلّق شاهق في واحدة من أكثر المناطق الجبلية وعورة في الصين، تحوّل من إنجاز هندسي إلى ساحة مفتوحة أمام السياح وعشاق المغامرات.

وافتُتح جسر هواجيانغ الكبير في سبتمبر (أيلول) 2025، ويرتفع 625 متراً (2051 قدماً) فوق نهر بيبان جنوب غربي الصين، ما يجعله أعلى جسر في العالم، وفقاً لموسوعة «غينيس» للأرقام القياسية.

ولم يكن الهدف من تشييده استعراض القدرات الهندسية فحسب، بل معالجة صعوبات التنقل في منطقة جبلية وعرة. فقد صُمم الجسر لاختصار رحلة كانت تستغرق نحو ساعتين لعبور الوادي إلى دقيقتين فقط، موفراً بذلك اتصالاً أسرع بين التجمعات السكانية الريفية وشبكة الطرق الوطنية في الصين.

لكن الجسر تجاوز وظيفته الأساسية، ليصبح مقصداً سياحياً قائماً بذاته. ووفقاً لأرقام قدمها مسؤولون محليون لشبكة «سي إن إن»، استقطب الجسر نحو 3.3 مليون زائر منذ افتتاحه وحتى أغسطس (آب) 2026.

وعلى مدى عقود، شيدت الصين جسوراً ضخمة للتغلب على تضاريسها الصعبة وربط المناطق النائية بمراكز المدن. غير أن تجربة هواجيانغ تطرح سؤالاً مختلفاً: ماذا يحدث عندما يتحول الجسر، الذي أُنشئ لتسهيل الوصول إلى الوجهات، إلى وجهة سياحية.


آرثر إدواردز… نصف قرن خلف عدسة وثّقت أسرار العائلة المالكة البريطانية

تبدو مسيرة آرثر إدواردز أكثر من حكاية مهنية طويلة (أ.ب)
تبدو مسيرة آرثر إدواردز أكثر من حكاية مهنية طويلة (أ.ب)
TT

آرثر إدواردز… نصف قرن خلف عدسة وثّقت أسرار العائلة المالكة البريطانية

تبدو مسيرة آرثر إدواردز أكثر من حكاية مهنية طويلة (أ.ب)
تبدو مسيرة آرثر إدواردز أكثر من حكاية مهنية طويلة (أ.ب)

على مدى نصف قرن، لم يكن آرثر إدواردز مجرد مصور صحافي يتعقب أخبار العائلة المالكة البريطانية، بل شاهداً على تحولات مؤسسة ملكية ظلت، رغم تغير الزمن، محط أنظار العالم. فمن خلف عدسته، وثّق لحظات رسمية وأخرى إنسانية، ورافق أمراء وملوكاً وشخصيات سياسية ودينية بارزة، ليصبح واحداً من أبرز المصورين الذين ارتبطت أسماؤهم بتغطية أخبار العائلة المالكة في بريطانيا.

وتكشف مسيرته، التي استمرت خمسين عاماً، جانباً من العلاقة المعقدة بين الصحافة والمؤسسة الملكية؛ علاقة تقوم على الاقتراب من الشخصيات العامة، مع الاحتفاظ بالمسافة المهنية التي تفرضها الكاميرا، في بيئة تتداخل فيها الاعتبارات الشخصية مع مقتضيات العمل الصحافي.

ويحمل إدواردز في سجله المهني صوراً وذكريات من محطات مختلفة، تنقلت به بين الأمراء والباباوات والرؤساء، وأتاحت له مشاهدة أحداث تاريخية من موقع قريب. وهو موقع يمنح المصور امتياز الوصول إلى لحظات لا تتاح للجمهور، لكنه يضعه أيضاً أمام تحديات تتعلق بالثقة والخصوصية وحدود العلاقة مع الشخصيات التي يتولى تغطيتها.

ومن أبرز ما يلفت في تجربته حديثه عن خلافات حادة جمعته بالملك تشارلز الثالث. فالعنوان الذي يتناول مسيرته يشير إلى مشادات قوية بين الرجلين، في إشارة إلى أن العلاقة بين المصور والشخصية الملكية لا تخلو بالضرورة من التوتر، حتى عندما تستمر لسنوات طويلة. فالصحافي، مهما بلغت درجة قربه من دوائر النفوذ، يظل مطالباً بأداء مهمته، فيما يسعى أصحاب السلطة إلى التحكم في الطريقة التي تظهر بها حياتهم أمام الجمهور.

وتكتسب تجربة إدواردز أهمية إضافية في عصر أصبحت فيه الصور تنتشر خلال ثوانٍ عبر المنصات الرقمية، وتنافس فيه الهواتف المحمولة والكاميرات الصغيرة التصوير الصحافي التقليدي. ومع ذلك، تظل خبرة المصور المخضرم وقدرته على قراءة اللحظة واختيار زاوية الصورة عنصرين أساسيين في صناعة صورة تتجاوز قيمتها التوثيقية إلى دلالاتها السياسية والإنسانية.

وبين صور البروتوكول الملكي واللحظات العفوية، تبدو مسيرة آرثر إدواردز أكثر من حكاية مهنية طويلة؛ إنها نافذة على نصف قرن من التحولات في العائلة المالكة البريطانية، وعلى الدور الذي تؤديه الصحافة المصورة في توثيق التاريخ، ومساءلة السلطة، وصناعة الذاكرة.


جميل ملاعب: 50 عاماً بين السماء والأرض على جدران معرض

ستّ محاولات للاحتفاظ بأماكن لا يمكن اصطحابها (الشرق الأوسط)
ستّ محاولات للاحتفاظ بأماكن لا يمكن اصطحابها (الشرق الأوسط)
TT

جميل ملاعب: 50 عاماً بين السماء والأرض على جدران معرض

ستّ محاولات للاحتفاظ بأماكن لا يمكن اصطحابها (الشرق الأوسط)
ستّ محاولات للاحتفاظ بأماكن لا يمكن اصطحابها (الشرق الأوسط)

يُسافر التشكيلي اللبناني جميل ملاعب منذ أكثر من 5 عقود، ويعود مُحمَّلاً بما تعجز الحقائب عن حمله. زار مدناً. عَبَرَ شوارع. صادف وجوهاً. واحتفظت عيناه بالأماكن بعدما غادر أصحابها. ومع تراكُم الرحلات، تتشكَّل سيرة موازية لحياته يمكن قراءتها في اللوحات التي جمعها معرضه «رحلات مُدن» (Itinéraire)، المُقام في «غاليري جانين ربيز» ببيروت حتى 30 أكتوبر (تشرين الأول) الحالي. مع كلّ رحلة، يتغيَّر شيء في نظرة الإنسان إلى العالم وإلى نفسه، وتترك المدن التي يعبرُها أثراً فيه حتى بعد الرحيل.

مدينتان فوق بعضهما... وبينهما قرون من اختلاف معنى العمران (الشرق الأوسط)

يرسم ملاعب المدن كما يراها في لحظة من حياته. وفي كلّ مشهد شيء من تاريخ المكان، وشيء من عين الرجل الذي مرَّ به. في لوحاته، تجتمع ثلاثة أزمنة، لكلّ منها حكايته. الأبنية تحمل تاريخ المدينة وما تعاقَبَ عليها من أجيال، والشوارع تحتفظ بإيقاع الحياة التي تجري فيها اليوم، فيما يضيف الفنان زمناً ثالثاً، هو لحظة لقائه بالمكان ورؤيته له. وقد تكون هذه اللحظة قصيرة في عُمُر مدينة عاشت مئات السنوات، لكنها تكفي لتمنحها وجهاً آخر على قماشته. فالمدينة التي يرسمها الفنان كانت موجودة قبله وستظلُّ بعد مغادرته، أما صورتها في اللوحة فتحتفظ باللحظة التي التقت فيها حياته بحياتها.

والرسّام الذي زار مدناً في آسيا وأوروبا والأميركتين وشمال أفريقيا والعالم العربي، يضع المُشاهد أمام جغرافيا تخضع لقوانين الذاكرة أكثر ممّا تخضع لقوانين الخرائط. وفي اختياراته التشكيلية، تتفاوت أهمية التفاصيل وفق الأثر الذي أحدثته فيه، فتحظى واجهة متواضعة أحياناً باهتمام يفوق مَعْلماً شهيراً، ويستأثر لون أو مشهد خاطف بانتباه كان يمكن أن تمنحه العين لعمارة أكثر فخامة.

كلّ عصر يظنّ أنه الحاضر الأخير (الشرق الأوسط)

وتكشف لوحاته عن اختلاف نظرته إلى كلّ مدينة وما يختاره من تفاصيلها. ففي «إسطنبول» (2004)، يستحوذ الماء الأزرق على معظم التكوين وتتراجع المدينة إلى أطراف المشهد. كأنّ الرسّام اختار أن يراها من خلال ما يفصل ضفّتيها ويصلهما. وفي «شنغهاي» (2016)، تتكدَّس العمارات والشخصيات داخل نسيج ورديّ كثيف، فتلتقي الحياة البشرية مع البنية العمرانية حتى يصعب فصل المدينة عن سكانها. أما «الجزائر» (1973)، فتبلغ اختزالاً لافتاً، بطائر أبيض فوق زرقة البحر، في مشهد تكاد تختفي منه العمارة. ثلاث تجارب تُبيّن اختلاف العلاقة البصرية مع المكان، بين الامتداد والازدحام والتجرُّد.

مدن لم يجمعها التاريخ... جمعها عُمر الرسّام (الشرق الأوسط)

وفي لوحات بيروت وبعلبك والقدس، يتبدَّل إيقاع الرسم. تتراكم الأبنية والرموز والوجوه حتى تبدو العمارة حاملةً لذاكرة بشرية عريقة. في «بيروت الأولى»، تزدحم السيارات والمارّة والطائرات وسط الأبنية المتراصّة، وتبدو المدينة منشغلة بكلّ ما يجري فيها حتى تكاد تفاصيلها تتزاحم على اللوحة. وفي «بعلبك»، تختلط الآثار بالأجساد والتفاصيل الدقيقة، في تركيب يضغط الأزمنة بعضها فوق بعض، ويُعيد إدخال الإنسان إلى التاريخ الذي تميل الصور الأثرية إلى إفراغه من سكانه.

تكشف لوحات ملاعب عن المدن التي زارها، وعن الرجل الذي زارها أيضاً. فالمدينة الواحدة تحتمل آلاف الصور، وما يختاره الرسّام منها يرتبط بما يشغله في تلك المرحلة من حياته، وبالأشياء التي تعلّمت عينُه أن تنتبه إليها. وحين ننظر إلى «الجزائر» (1973)، ثم إلى «الفاتيكان» (2024) و«بعلبك الثانية» (2026)، نجد أمامنا أكثر من نصف قرن من الرسم. وخلال هذه السنوات، تغيَّر العالم وتغيَّر جميل ملاعب معه، لتحمل اللوحات شيئاً من سيرة صاحبها، حتى في تلك التي تخلو من صورته.

أمضى جميل ملاعب نصف قرن يعبر المسافات ثم ألغى المسافة بين مدنه (الشرق الأوسط)

بدأ الرسّام اللبناني رحلته مع الفنّ في الستينات، قبل أن تقوده دراسته إلى الولايات المتحدة، حيث درس في معهد «برات» بنيويورك وحصل على الدكتوراه في التربية الفنّية من جامعة أوهايو. ودرّس الفنّ في الجامعة اللبنانية والجامعة اللبنانية الأميركية، فيما واصل السفر والرسم وإقامة المعارض. ولـ«غاليري جانين ربيز» حضور طويل في مسيرته، إذ احتضنت معارضه منذ التسعينات، ورافقت مراحل مختلفة من تجربته. وتعود صلة ملاعب بهذا الإرث الفنّي إلى ما قبل تأسيس الغاليري عام 1992، فقد شارك في معرضين ضمن «دار الفنّ»، التي أسَّستها جانين ربيز عام 1967. وهكذا، تجمع هذه المحطة الجديدة بين تاريخ الفنان وتاريخ مؤسَّسة فنية عرفته شاباً، وتُواصل عرض أعماله بعد نحو 6 عقود من بداياته.

كلّ هؤلاء الغائبين ما زالوا يتزاحمون على حقّهم في الظهور (الشرق الأوسط)

تظلُّ بيروت نقطة الانطلاق والعودة في هذه الرحلات. لكنّ العودة في الرسم تختلف عن العودة الجغرافية. فالفنان الذي يجوب العالم يعود بعين تعرَّفت إلى احتمالات أخرى للعيش والبناء والنظر. ثمة شيء مؤثّر في أن يمضي رجل معظم عمره متنقّلاً بين مدن العالم، ثم يجمعها على جدران معرض. لقد قطع ملاعب آلاف الكيلومترات ليراها، وها هي اليوم على مقربة بعضها من بعض، بعدما اختصر الرسمُ المسافات التي احتاج إلى عُمر طويل ليقطعها.