رودريجو بلا: تجربة الهجرة هروباً من الديكتاتورية قادتني لـ«الوافدين الجدد»

الفيلم المكسيكي – الإسباني عرض بفعاليات «لوكارنو السينمائي»

اعتمد الفيلم على بطولة 3 أطفال (الشركة المنتجة)
اعتمد الفيلم على بطولة 3 أطفال (الشركة المنتجة)
TT

رودريجو بلا: تجربة الهجرة هروباً من الديكتاتورية قادتني لـ«الوافدين الجدد»

اعتمد الفيلم على بطولة 3 أطفال (الشركة المنتجة)
اعتمد الفيلم على بطولة 3 أطفال (الشركة المنتجة)

قال المخرج الأوروغوياني - المكسيكي، رودريجو بلا، إن فيلمه الجديد «الوافدون الجدد» (Los nuevos) يرتبط بصورة وثيقة بتجربته الشخصية، وتجربة زوجته الكاتبة لورا سانتولو، مؤلفة الرواية التي اقتُبس عنها الفيلم، موضحاً أن العمل يتناول الهجرة من خلال عيون الأطفال، لكنه يستند أيضاً إلى ذاكرة شخصية تعود إلى طفولته، حين اضطرت عائلته إلى مغادرة أوروغواي خلال فترة الديكتاتورية في سبعينات القرن الماضي.

وأضاف رودريجو في مقابلة عبر «زووم» مع «الشرق الأوسط» أن وصوله مع عائلته إلى مكان جديد جعله يشعر بأنه مختلف، وغريب، وأن الأسرة اضطرت إلى بدء حياتها من الصفر وسط مشاعر الخوف، والحزن، مشيراً إلى أن «هذه التجربة ظلت حاضرة في علاقتي بالفيلم، رغم اختلاف سياقه عن تجربتي الشخصية، فالعمل يمثل بطريقة ما عودة إلى الطفل الذي كنته أنا وزوجتي عندما كنا في التاسعة، واضطررنا للهجرة مع أهلنا»، على حد تعبيره.

ويحكي «الوافدون الجدد» (Los nuevos) ، وهو فيلم مكسيكي – إسباني، قصة ثلاثة أطفال يجدون أنفسهم في مواجهة عالم جديد، في مغامرة تتقاطع فيها تجربة الطفولة مع قضايا الهجرة، والاقتلاع، والتمييز، والبيئة، ومن خلال عالمهم، يطرح الفيلم أسئلة حول معنى أن يصل الإنسان إلى مكان لا يعرفه، وأن يشعر بأنه مختلف عن الآخرين، قبل أن تفتح الصداقة والعلاقات الجديدة أمامه طريقاً إلى فهم الآخر، والتكيف مع المكان الجديد، وعرض الفيلم للمرة الأولى ضمن فعاليات مهرجان لوكارنو في نسخته الماضية.

صور الفيلم في المكسيك (الشركة المنتجة)

وقال بلا إن «الهجرة الداخلية في المكسيك تمثل ظاهرة واسعة، وأصبحت جزءاً من حياة كثيرين يبحثون عن ظروف أفضل»، مشيراً إلى أن أسباب الهجرة متعددة، فقد ترتبط بالعنف، أو بالأسباب الطبيعية، أو بالرغبة في تحسين مستوى الحياة، وأوضح أن «فريق الفيلم أخذ عناصر من قصص مختلفة، ودمجها في العمل، من دون أن يكون الفيلم مبنياً على قصة حقيقية واحدة بعينها».

ويرى بلا أن «اختيار الأطفال لتقديم هذه القصة لا يعني تبسيط القضايا التي يناقشها الفيلم، وإنما يمنح الجمهور فرصة مختلفة للتعامل معها، لأن الهدف هو فتح الشاشة أمام قصص حياة متنوعة، وإتاحة المجال للمشاهدين كي يعيشوا تجارب الشخصيات، ويقتربوا منها عاطفياً. ومن هذا المنطلق، السينما يمكن أن تصبح وسيلة لتعزيز التعاطف تجاه أشخاص، وتجارب مهمشة».

وأشار بلا إلى أن القضايا الاجتماعية تشكل عنصراً حاضراً في معظم أعماله السينمائية، موضحاً أن اهتمامه بها ينبع من رغبته في طرح الأفكار التي يراها مهمة، وفتحها أمام النقاش.

وكان التصوير في منطقة تاباسكو، جنوب شرقي المكسيك، من التجارب المهمة في صناعة الفيلم، إذ أمضى فريق العمل عدة أشهر في تدريب السكان المحليين على التمثيل، إلى جانب تدريب الأطفال والكبار المشاركين في العمل، وهو ما يوضح المخرج أنه أتاح له «التعرف إلى أشخاص يعيشون حياة مختلفة تماماً عن حياتي»، معتبراً أن «صناعة الفيلم أصبحت فرصة للقاء الآخرين، وفهم تجاربهم عن قرب».

عرض الفيلم ضمن فعاليات مهرجان لوكارنو (الشركة المنتجة)

ووفق المخرج: «لم تكن عملية التصوير سهلة من الناحية العملية، خصوصاً مع وجود ثلاثة أطفال وكلب في عدد كبير من المشاهد، وهو ما تطلب تنسيق أداء الجميع في اللحظة نفسها»، وذكر بلا أن «بعض المشاهد احتاجت إلى إعداد خاص، مثل المشهد الذي تسقط فيه طفلة في النهر، ويحاول الأطفال إنقاذها، إلى جانب مشاهد أخرى صُورت داخل كهف مليء بالخفافيش».

وكان مشهد النهر من أكثر المشاهد تعقيداً، بسبب حاجة الطفلة إلى السباحة في مياه متحركة بالتزامن مع أداء الأطفال الآخرين، والكلب، ويوضح المخرج السينمائي أن «وجود الكلب أضاف تحدياً آخر، إذ كان يجب أن يتحرك ويتفاعل في التوقيت المناسب داخل اللقطة، كما واجه الفريق صعوبات مرتبطة بالحرارة، واضطر أحياناً إلى إراحة الكلب داخل سيارة مكيفة حتى يتمكن من استكمال التصوير».

أما العمل مع الأطفال، فاعتمد فيه بلا على التدريب واللعب أكثر من الاعتماد على شرح المفاهيم المجردة، موضحاً أن «الطفل يصعب عليه تمثيل مفهوم نظري، ولذلك كان التركيز على تعليمه كيفية التصرف والتفاعل مع تفاصيل كل مشهد»، لافتاً إلى «خضوع الأطفال لورشة طويلة للتدريب على التمثيل قبل التصوير، وهي عملية ساعدتهم على اكتساب الأدوات اللازمة، وتقديم الأداء الذي كان يريده».

ويرى بلا أن تجربة صناعة الفيلم نفسها كانت امتداداً لفكرته عن السينما باعتبارها وسيلة للقاء الآخرين، فالتصوير في منطقة بعيدة عن محيطه أتاح له الاقتراب من مجتمع مختلف، والتعرف إلى أشخاص لم يكن من السهل أن يلتقي بهم في ظروف أخرى، ولذلك لم تكن التجربة بالنسبة إليه مرتبطة فقط بإنجاز الفيلم، وإنما أيضاً «بالتعرف إلى أنماط حياة، وتجارب إنسانية جديدة»، وفق تعبيره.


مقالات ذات صلة

«غرق»... صرخة سينمائية لحماية صحة الأبناء النفسية

يوميات الشرق كلارا خوري ووسام طبيلة في دوري الأم والابن (متروبوليس)

«غرق»... صرخة سينمائية لحماية صحة الأبناء النفسية

الحب وحده لا يكفي لحلِّ أمور معقَّدة إلى هذه الدرجة، لكنه قد يُحفِّز من يعاني مشكلة نفسية على طلب المساعدة.

فيفيان حداد (بيروت)
يوميات الشرق يقدم الفيلم الإيراني قضية إنسانية (الشركة المنتجة)

أوميد عبد اللهي: «يوم حلو» يهتم بالضحايا الصامتين خارج السجن

قال المخرج الإيراني أوميد عبد اللهي إن أفكاره غالباً ما تبدأ من حياته وتجاربها، وعندما يبدأ من شيء يعرفه بصورة حميمة.

أحمد عدلي (القاهرة)
يوميات الشرق لقطة من فيلم «العيون الخضراء» (إدارة مهرجان لوكارنو السينمائي)

«العيون الخضراء» يسبر أغوار متلازمة الاستسلام

لا تترك الصدمات الكبرى أثرها بالطريقة نفسها على الجميع. فبينما يواجهها بعضهم بالغضب أو البكاء أو الهروب، يختار آخرون الانسحاب الكامل من العالم.

أحمد عدلي (القاهرة)
يوميات الشرق زيندايا في مشهد من فيلم الدراما النفسي «ذا دراما» (imdb)

زيندايا تدخل الثلاثين... ماذا بعد الوصول المبكر؟

لطالما ارتبط سنُّ الثلاثين في الوعي الفني بمرحلة إعادة الحسابات والترتيب، بيد أن الأمر يبدو مختلفاً تماماً مع الممثلة الأميركية زيندايا.

إيمان الخطاف (الدمام)
يوميات الشرق شريف منير وعلا غانم في لقطة من فيلم «سهر الليالي» (الشركة المنتجة)

«سهر الليالي 2» يتجاوز أزماته الإنتاجية... ويراهن على التجديد

تجاوز الجزء الثاني من فيلم «سهر الليالي» أزماته الإنتاجية والفنية ليبدأ مرحلة اختيار أبطاله من الممثلين الشباب.

انتصار دردير (القاهرة )

من فيديو «Faith» إلى المزاد... غيتار جورج مايكل بـ130 ألف دولار

يعود الغيتار الذي ارتبط بأغنية «Faith» إلى الأضواء من جديد (إنستغرام)
يعود الغيتار الذي ارتبط بأغنية «Faith» إلى الأضواء من جديد (إنستغرام)
TT

من فيديو «Faith» إلى المزاد... غيتار جورج مايكل بـ130 ألف دولار

يعود الغيتار الذي ارتبط بأغنية «Faith» إلى الأضواء من جديد (إنستغرام)
يعود الغيتار الذي ارتبط بأغنية «Faith» إلى الأضواء من جديد (إنستغرام)

بعد نحو 4 عقود على ظهور المغني العالمي جورج مايكل، وهو يعزف عليه في واحد من أشهر فيديوهات البوب، يعود الغيتار الذي ارتبط بأغنية «Faith» إلى الأضواء من جديد، هذه المرة من بوابة المزاد، وسط توقعات بأن يصل سعره إلى نحو 100 ألف جنيه إسترليني.

ففي فيديو «Faith» عام 1987، لم يكن الغيتار مجرد آلة موسيقية في يد جورج مايكل؛ فقد أصبح جزءاً من صورة جديدة أراد النجم البريطاني أن يقدم بها نفسه إلى العالم. سترة جلدية، ونظارات «أفياتور»، وحضور واثق أمام الكاميرا، في محاولة لإعادة اكتشاف هويته الفنية بعد انفصاله عن فريق «وام!» (Wham!).

والآن، يستعد غيتار تلك اللحظة للعثور على مالك جديد. وتطرح دار «سورديرز» للمزادات الغيتار للبيع في 29 أكتوبر (تشرين الأول)، ضمن مجموعة من المقتنيات الشخصية لمساعدة مايكل، سيوبهان بيلي، التي توفيت عام 2014. وفقاً لهيئة الإذاعة البريطانية «بي بي سي».

وتكتسب القطعة قيمتها، ليس من ندرتها فحسب، بل من المكانة التي تحتلها «Faith» في مسيرة مايكل. فقد كانت الأغنية عنوان ألبومه المنفرد الأول الصادر عام 1987، الذي تحول إلى ظاهرة عالمية وباع أكثر من 25 مليون نسخة، مثبتاً أن النجم الشاب يستطيع أن ينجح بعيداً عن «وام!».

وتضم المجموعة كذلك برامج ومسارات من جولات «وام!» وجورج مايكل، بينها وثائق مرتبطة بالزيارة الشهيرة إلى الصين عام 1985، ويتوقع أن تحقق بين 300 و600 جنيه إسترليني. كما تشمل أسطوانة ذهبية احتفالاً ببيع 500 ألف نسخة من «Wake Me Up Before You Go-Go» في بريطانيا.

وتُقدّر القيمة الإجمالية للمجموعة بأكثر من 200 ألف جنيه إسترليني، لكن غيتار «Faith» يبقى، بحسب غاي سكولينغ، رئيس مجلس إدارة «سورديرز»، «جوهرة التاج».

ولعل ما يجعل المزاد أكثر إثارة أن مقتنيات «Faith» لا تزال تحتفظ بسحرها لدى المعجبين. ففي وقت سابق من العام الحالي، بيعت السترة الجلدية التي ارتداها مايكل في الفيديو نفسه مقابل 176 ألف جنيه إسترليني.

وفي الأول من أكتوبر، ستُطرح أيضاً نظارات «راي - بان» التي ارتداها خلال جولة «Faith» عام 1988، وسط توقعات بأن تتجاوز قيمتها 15 ألف جنيه إسترليني.

وهكذا، لا يعود غيتار «Faith» إلى المزاد بوصفه قطعة موسيقية قديمة، بل كذكرى ملموسة من اللحظة التي وقف فيها جورج مايكل على عتبة حياة جديدة، قبل أن يتحول إلى واحد من أشهر نجوم البوب في العالم.


مزيد من الضوء نهاراً... نوم أفضل لكبار السنّ

النهار الجيد يُمهّد لليل هادئ (جامعة ساري)
النهار الجيد يُمهّد لليل هادئ (جامعة ساري)
TT

مزيد من الضوء نهاراً... نوم أفضل لكبار السنّ

النهار الجيد يُمهّد لليل هادئ (جامعة ساري)
النهار الجيد يُمهّد لليل هادئ (جامعة ساري)

أفادت دراسة جديدة أجراها فريق من الباحثين في جامعة ساري بإنجلترا بأنّ مصابيح العلاج بالضوء الساطع تُحسّن النوم ومستويات النشاط وإيقاعات الجسم البيولوجية لدى كبار السنّ الذين يعانون قلة التعرّض للضوء الطبيعي.

ووفق نتائج الدراسة المنشورة، الأربعاء، في دورية «جيرو ساينس»، ساعد هذا النوع من العلاج الضوئي على زيادة النشاط خلال النهار، والنوم مبكراً، وانتظام أنماط النوم وتحسين جودته، مما يوفر نهجاً واعداً غير دوائي لمعالجة مشكلات النوم المرتبطة بالتقدّم في السن.

ومع التقدُّم في العمر، غالباً ما تتغيَّر أنماط النوم، مما يؤدّي إلى صعوبة النوم والاستيقاظ مبكراً وتكرار الاستيقاظ ليلاً وانخفاض جودة النوم بشكل عام. وترتبط هذه التغيّرات بتراجع قدرات العين مع التقدّم في العمر، وانخفاض التعرّض لضوء النهار، الذي غالباً ما يعود إلى تراجع الحركة والتفاعلات الاجتماعية، إلى جانب زيادة التعرّض للضوء الاصطناعي ليلاً.

وقال المحاضر الأول في علم النوم وعلم الأحياء الزمني بجامعة ساري، الدكتور دان فان دير فين: «التعرّض لضوء النهار أمر شديد الأهمية لتنظيم إيقاعاتنا البيولوجية وأنماط نومنا».

وأوضح في بيان، الأربعاء: «غالباً ما لا يحصل كبار السنّ في المناطق الحضرية على القدر الكافي من الضوء بسبب ضعف البصر أو مشكلات في الحركة تمنعهم من الخروج إلى مصادر الضوء الطبيعية. وهذا قد يؤدّي إلى مشكلات في النوم والصحة، مما يزيد من خطر إصابتهم بالأمراض المزمنة».

وبحث الفريق من جامعة ساري، ضمن مشروع «أنِرني» الأوروبي، إمكان تطبيق فوائد العلاج بالضوء الساطع في الحياة اليومية. وأظهرت دراسات مخبرية أنّ مصابيح مماثلة تُقلّل من اضطراب الإيقاع البيولوجي للجسم، الذي قد يؤدّي في حال إهماله إلى مشكلات في النوم واختلال الهرمونات وزيادة مخاطر الإصابة بأمراض التمثيل الغذائي وأمراض القلب والأوعية الدموية.

وخلال الدراسة، استعان الباحثون بأكثر من 200 مشارك تتراوح أعمارهم بين 63 و92 عاماً من 3 مدن أوروبية، هي تارتو وبولونيا وأمستردام، تتميّز باختلافات موسمية في ضوء النهار.

وبعد أسبوعين من التقييمات الأساسية، قُسم المشاركون إلى مجموعتين: مجموعة العلاج بالضوء التي زُوّدت بمصباح للعلاج بالضوء، ومجموعة ضابطة لم تُزوّد بمصابيح. وطُلب من أفراد المجموعة الأولى وضع المصباح على مستوى الرأس في الغرفة التي يُمضون فيها معظم وقتهم في المنزل، وتشغيله خلال ساعة من الاستيقاظ وإطفائه قبل 4 ساعات على الأقل من موعد نومهم المعتاد، وذلك لمدّة 12 أسبوعاً.

وارتدى جميع المشاركين جهازاً لمراقبة النشاط على المعصم، وجهاز استشعار ضوئياً معلّقاً لقياس مستويات النشاط والتعرّض للضوء. وأُعيدت الدراسة على مدار فصول السنة لمراعاة التغيّرات في الضوء الطبيعي.

ووجد العلماء أنّ المشاركين الذين تعرّضوا لمستويات أعلى من الضوء الطبيعي في بداية الدراسة أظهروا مستويات نشاط نهارية أعلى بشكل ملحوظ، ويقظة أكثر انتظاماً خلال النهار، وجودة نوم أفضل مقارنةً بمن تعرّضوا لمستويات أقل من الضوء.

وأظهر تحليل البيانات التي قدّمها المشاركون خلال التقييمات الأساسية الأولية أنّ الذين يعانون اضطرابات أيضية، بما في ذلك ارتفاع ضغط الدم والسكري والسمنة وأمراض القلب والأوعية الدموية، كانت لديهم مستويات أقل بكثير من مؤشرات القياس الدالة على هذه الاضطرابات.

وقالت أستاذة علم الغدد الصماء العصبية بجامعة ساري، البروفسورة ديبرا سكين: «نحن متحمّسون جداً لأنّ النتائج التي توصلنا إليها في الدراسات المختبرية على كبار السنّ قد جرت مطابقتها الآن في ظروف الحياة الواقعية، مع مستويات متفاوتة من الضوء الطبيعي وفي ثقافات مختلفة».


رامبرانت يعود إلى غوتا بعد 80 عاماً... ويحيي نزاعاً فنياً قديماً

رامبرانت فان راين (ليدن، 1606 - 1669، أمستردام) صورة شخصية - العمر 23 (متحف غاردنر)
رامبرانت فان راين (ليدن، 1606 - 1669، أمستردام) صورة شخصية - العمر 23 (متحف غاردنر)
TT

رامبرانت يعود إلى غوتا بعد 80 عاماً... ويحيي نزاعاً فنياً قديماً

رامبرانت فان راين (ليدن، 1606 - 1669، أمستردام) صورة شخصية - العمر 23 (متحف غاردنر)
رامبرانت فان راين (ليدن، 1606 - 1669، أمستردام) صورة شخصية - العمر 23 (متحف غاردنر)

في شتاء عام 1946، وبينما كانت أوروبا تحاول لملمة آثار الحرب العالمية الثانية، كانت لوحة صغيرة تشق طريقها سراً عبر غابات ألمانيا. لم تكن الرحلة عادية؛ فقد حملها شخص لمسافة تقارب 80 كيلومتراً من غوتا في تورينغن إلى كوبورغ في بافاريا، بعيداً عن أيدي القوات السوفياتية التي كانت تستعد للسيطرة على المنطقة.

اللوحة، التي لا يتجاوز حجمها مساحة بطاقة بريدية تقريباً، كانت بورتريهاً ذاتياً للفنان الهولندي رامبرانت، رسمه عام 1629 عندما كان في الثالثة والعشرين من عمره.

بعد 8 عقود، عادت اللوحة إلى غوتا. لكنها لم تعد وحدها؛ فقد حملت معها قصة قديمة عن الحرب والملكية والنهب، ونزاعاً لم تتمكن السنوات من إغلاقه. وفقاً لصحيفة «التايمز».

وكانت فيكتوريا أديلايد، آخر دوقات ساكس كوبورغ وغوتا، والمرتبطة بالعائلة المالكة البريطانية بالدم والمصاهرة، قد أخرجت عام 1946 عدداً من الأعمال الفنية من مقر العائلة، خشية وقوعها في أيدي السوفيات. وبين تلك الكنوز كان رامبرانت.

وبعد سنوات، باعت العائلة الأرستقراطية السابقة عدداً من الأعمال. وفي عام 1953، اشترت مجموعة اللوحات الحكومية البافارية بورتريه رامبرانت مقابل 75 ألف مارك، وظلت اللوحة معلقة في متحف «ألته بيناكوثيك» في ميونيخ لعقود.

لكن غوتا لم تنسَ لوحتها.

متحف الدوق في غوتا (مؤسسة فريدنشتاين)

منذ إعادة توحيد ألمانيا عام 1990، تطالب المدينة باستعادتها، مؤكدة أن الدوقة لم تكن تملك حقاً قانونياً في إخراجها من غوتا. في المقابل، يرى الجانب البافاري أن الملكية أصبحت قانونية بموجب ترتيبات سابقة، وأن أي مطالبة قضائية سقطت بالتقادم.

لوحة أصغر من أن تختصر قصتها

اليوم، يتصدر البورتريه معرضاً جديداً في متحف الدوقية بغوتا، مخصصاً لمرحلة الصعود الاستثنائي لرامبرانت، ولا سيما عام 1632، حين انتقل من ليدن إلى أمستردام وبدأ في ترسيخ اسمه بوصفه فناناً له هوية خاصة.

ويقول تيمو ترومبر، رئيس قسم الأبحاث والمجموعات في مؤسسة قصر فريدنشتاين وأحد قيّمي المعرض، إن رامبرانت بدأ في تلك المرحلة يتعامل مع اسمه بطريقة تشبه مفهوم «العلامة التجارية» في عصرنا، حتى إنه بدأ يوقّع بعض أعماله باسمه الأول فقط.

لكن اللوحة الصغيرة تحمل بالنسبة إلى سكان غوتا معنى يتجاوز الفن.

فالمدينة، التي يقل عدد سكانها عن 47 ألف نسمة، فقدت جزءاً كبيراً من تراثها خلال القرن العشرين. ولهذا أصبحت الأعمال التي نجت من الحرب والنهب أشبه بقطع من ذاكرة المدينة.

ويقول ترومبر إن الناس «يتذكرون الأشياء التي تمنحهم شيئاً يتمسكون به».

وفي نهاية المطاف، نجح كنوت كرويش، عمدة غوتا، في إقناع ماركوس زودر، رئيس حكومة ولاية بافاريا، بالسماح بإعارة اللوحة إلى المدينة. وهكذا، وبعد 80 عاماً من الغياب، عاد رامبرانت إلى غوتا.

لكن العودة، حتى الآن، مؤقتة. فقد تتحول الإعارة إلى دائمة، أو تتقاسم غوتا وميونيخ عرض اللوحة.

أما بالنسبة إلى المدينة، فربما لا يتعلق الأمر اليوم بمن يملك اللوحة فقط، بل بمن يملك الحق في استعادة جزء من ذاكرته.

فقد احتاج رامبرانت إلى 80 عاماً ليعود إلى غوتا... وربما تحتاج المدينة إلى وقت أطول لتستعيد قصتها كاملة.