يوميات ماركيز في منفاه الباريسي

يقول إنه مدينٌ بالكثير للعاصمة الفرنسية

ماركيز( يمين) مع خوليو كورتاثار
ماركيز( يمين) مع خوليو كورتاثار
TT

يوميات ماركيز في منفاه الباريسي

ماركيز( يمين) مع خوليو كورتاثار
ماركيز( يمين) مع خوليو كورتاثار

كانت مقاهي الحي اللاتيني وسان جيرمان دي بري بمثابة «الوطن البديل» لشتات أدباء أميركا اللاتينية؛ ففي تلك المساحات الضيقة، حيث تتشابك رائحة القهوة مع تبغ السجائر وضباب باريس الكثيف، نُسجت خيوط واحدة من أجمل الصداقات الأدبية في القرن العشرين وأكثرها عمقاً وتأثيراً. وقد جسّد مقهى «أولد نيفي» تطلعات ذلك الجيل وشغفه، حيث أمضى فيه غابرييل غارسيا ماركيز نحو عام كامل، يجلس ساعات طوالاً على أمل أن يلمح خوليو كورتاثار الذي لم يكن في عينيه مجرد كاتب عابر، بل كان بمثابة الأب الروحي للقصة القصيرة الحديثة في القارة اللاتينية، لا سيما بعد الصدى المدوي الذي أحدثته مجموعته القصصية الشهيرة «بيستيارو». ولم يتحقق هذا اللقاء المرتقب إلا بعد خمسة عشر عاماً، وفي باريس أيضاً، ليوثق ماركيز تلك اللحظة بوصفه الأيقوني لكورتاثار بأنه «الرجل الأطول في العالم، الذي لم يقرر يوماً أن يشيخ». وتحولت هذه العلاقة اللاحقة إلى سيل من الرسائل المتبادلة بينهما، حتى إن كورتاثار كان من أوائل النقاد والكُتّاب الذين احتفوا بولادة رواية «مائة عام من العزلة» وبشروا بعالميتها.

ولم تكن تلك المقاهي مجرد أماكن للتسلية أو تزجية الوقت، بل تحولت إلى صالونات سياسية وأدبية تُمثّل «البحر» الحاضن لقاربهم المشترك في المنفى. فبين جدرانها، كانوا يتبادلون قراءة المخطوطات الأولى لأعمالهم، ويتناقشون بحماس صاخب حول الثورات والانقلابات المتلاحقة في بلدانهم مستمسكين بما سماه بول كولود بـ«البؤس الذهبي»؛ تلك الحالة الفريدة التي يمتزج فيها جوع البطون بجموح الخيال الذي يطاول السماء.

شكّلت باريس في خمسينات القرن الماضي محطة مفصلية في حياة غابرييل غارثيا ماركيز. فبعد أن تقطعت به السبل إثر إغلاق الصحيفة الكولومبية التي كان يعمل مراسلاً لها عام 1955، عاش في ظروف متواضعة كتب خلالها بشغف روايته «ليس لدى الكولونيل من يكاتبه». وقد ظل ماركيز مديناً لباريس طوال حياته؛ إذ اعتبرها المدينة التي صقلت وعيه، ومنحته رؤية أعمق وأشمل لثقافة وسياسة أميركا اللاتينية.

كانت الثلوج تتساقط بغزارة على باريس في ذلك اليوم من شهر يناير (كانون الثاني) عام 1957، حين كان الصحافي الكولومبي الشاب العامل في صحيفة «El Espectador» يضع اللمسات الأخيرة على روايته (لا أحد يراسل الكولونيل)، وهي أولى رواياته الكبرى التي ولدت من رحم المعاناة الباريسية. وكان الشاب الكولومبي قد وصل إلى بلاد رابيله ورامبو وجورج براسينس في ديسمبر (كانون الأول) 1955، محملاً بمهمة كتابة تقارير صحافية عن الأحداث الجارية في أوروبا. وتتذكر الممثلة الإسبانية تاتشيا روسوف التي كانت رفيقته في تلك الفترة، كيف كان يتعلم اللغة الفرنسية بشغف من خلال الاستماع إلى أغاني براسينس، مؤكدة أنه كان يغنيها بطريقة رائعة ومثيرة للإعجاب.

عاش ماركيز أثناء كتابة الرواية فقراً مدقعاً تقاطع تماماً مع معاناة بطلها «الكولونيل»، وذلك إثر إغلاق الدكتاتور الكولومبي روخاس بينييا صحيفته. ولتأمين وجبة طعامه اليومية، اضطر لغناء «البوليرو» في حانة «L›Escale» مقابل فرنكات معدودة، ترافقه ألحان غيتار الفنزويلي خيسوس رافائيل سوتو، الذي غدا لاحقاً من أبرز رواد الفن الحركي والبصري في العالم.

ماركيز الشاب في باريس

باريس في ليلة شتوية

عن حياته في باريس، يقول ماركيز: «لقد جئتُ إلى باريس للمرة الأولى في ليلة شتوية شديدة البرودة من ديسمبر عام 1955. وصلت بالقطار قادماً من روما إلى محطة تزدان بأنوار أعياد الميلاد، وكان أول ما أثار انتباهي هو أولئك العشاق الذين كانوا يتبادلون القبلات في كل مكان؛ ففي القطار، وفي مترو الأنفاق، وفي المقاهي، وعلى المصاعد، كان أبناء الجيل الأول لما بعد الحرب يلقون بأنفسهم بكل طاقاتهم في الاستهلاك العلني للحب، الذي كان لا يزال المتعة الرخيصة الوحيدة المتاحة بعد تلك الكارثة. كانوا يتزاورون بالقبلات في منتصف الشارع، دون أدنى اكتراث بإعاقة المارة الذين كانوا يفسحون لهم الطريق دون أن يرمقوهم بنظرة أو يولوهم أي اهتمام، تماماً كما نفعل مع الكلاب الضالة التي تلتصق ببعضها في منتصف ساحة المدينة لتنجب جروها. لم تكن تلك القبلات الخارجية مألوفة في روما - التي كانت أول مدينة أوروبية أعُيش فيها - ولا بالطبع في بوغاتا الضبابية المتزمتة في تلك الأيام، حيث كان من الصعب حتى تقبيل أحدهم داخل غرف النوم. حدث كل هذا في الأيام الحالكة لحرب الجزائر. وفي الخلفية، وسط نغمات الأكورديون الحنينية الصادرة من زوايا الشوارع، وما وراء رائحة الكستناء المشوية المنبعثة من المواقد، كان القمع شبحاً لا يروى غليله. فجأة ودون مقدمات، كانت الشرطة تغلق مخرج مقهى ما، أو أحد المقاهي الشمال أفريقية الواقعة في جادة سان ميشيل، لتقتاد بوحشية كل من لا تحمل ملامحه (وجهاً مسيحياً). وكان أحدهم، حتماً، أنا وحدي. لم تكن أي مبررات تجدي نفعاً: فلم تكن وجوهنا وحدها هي السبب في هلاكنا، بل وأيضاً لكنة النطق بالفرنسية التي كنا نتحدث بها. في المرة الأولى التي زجوا بي فيها داخل القفص مع الجزائريين، في مركز شرطة سان جيرمان دي بري، شعرت بإهانة بالغة. لقد كان ذلك تحيزاً أميركياً لاتينياً بحتاً؛ فالسجن في ذلك الحين كان شيئاً يُستحى منه، لأننا كأطفال لم نكن نمتلك تمييزاً واضحاً للغاية بين الجرائم السياسية والجرائم الجنائية، وكان كبارنا المحافظون يحرصون على ترسيخ هذا الخلط وإبقائنا رهينةً له. غير أن وضعي كان أشد خطورة؛ فعلى الرغم من أن الشرطة قد اقتادتني لاعتقادهم بأنني جزائري، إلا أن الجزائريين أنفسهم، وما أن وجدوني داخل الزنزانة، حتى أخذهم الريب مني حين أدركوا أنني، ورغم وجهي الذي يشبه وجه بائع أقمشة متجول، لا أستطيع فهم كلمة واحدة مما يقولون. وعلى الرغم من ذلك، وبما أنني ظللت أنا وهم زائرين دائمين لتلك التوقيفات الليلية، فقد انتهى بنا المطاف إلى التوصل لتفاهم مشترك. وفي ذات ليلة، قال لي أحدهم: بما أنك ستكون سجيناً بريئاً على أي حال، أليس من الأفضل أن تكون مذنباً؟ وشرع في تشغيلي لصالح (جبهة التحرير الوطني الجزائري). كان هو أحمد تبّال، الطبيب الذي عُدَّ أحد أعز أصدقائي في باريس خلال تلك الأيام، غير أنه لقي حتفه لاحقاً في موتة حربٍ أخرى بعد استقلال بلاده. وبعد خمس وعشرين سنة، عندما دُعيتُ للاحتفال بذكرى ذلك الاستقلال في الجزائر، صرّحتُ لصحافيٍ بأمرٍ بدا يصعب تصديقه: إن الثورة الجزائرية هي الثورة الوحيدة التي سُجنتُ من أجلها حقاً.

مع ذلك، لم تكن باريس آنذاك مجرد مدينةٍ ترزح تحت وطأة الحرب الجزائرية، بل كانت أيضاً الملاذ لشتات أميركي لاتيني هو الأوسع منذ زمن طويل. كنا هاربين من الطغاة لدرجة أن الشاعر نيكولاس غيين كان يطل كل صباح من شرفته في فندق (غراند سان ميشيل) الواقع في شارع (كوجاس)، ويصرخ بالأنباء القادمة من أميركا اللاتينية باللغة الإسبانية. وفي أحد الصباحات، صاح ملء فمه: (لقد سقط الدكتاتور!). لم يكن قد سقط سوى طاغية واحد بطبيعة الحال، لكننا استيقظنا جميعاً على وهمٍ عذب بأن الجنرال المخلوع هو جنرال بلادنا نحن.

كان بوسعنا أن نطوف القارة بأكملها ونلتقي بأدبائها وفنانيها وسياسييها بمجرد جولة بين المقاهي المكتظة في سان جيرمان دي بري. كنا نتنفس أغاني براسينس في الهواء. وكانت الجميلة تاتشيا كوينتانا، الباسكية الجسورة التي تبنيناها نحن المغتربين الأميركيين اللاتينيين كواحدة منا، وكانت تصنع معجزة إعداد طبق (بايلا) شهي لعشرة أشخاص فوق موقد صغير، يعمل بالغاز. لم أكن أدرك حقيقة وضعي بوضوح حتى تلك الليلة التي وجدت فيها نفسي قرب حدائق لوكسمبورغ دون أن أذوق حبة كستناء واحدة طوال اليوم، ومن غير مأوى أنام فيه. رحت أهيم في الشوارع العريضة لساعات، على أمل أن تعتقلني دورية شرطة من تلك التي تكنس الشوارع بحثاً عن العرب، لعلّي أحظى بنوم دافئ في زنزانة، لكنني لم أجد أثراً لأي منها أينما التفتّ. ومع تباشير الفجر، حين بدأت ظلال القصور على ضفاف نهر السين تتجسد وسط الضباب الكثيف، يممت وجهي شطر جزيرة المدينة، أي وسطها، بخطوات واسعة حازمة، وبملامح عامل شريف استيقظ لتوّه ليلحق بمصنعه. وبينما كنت أعبر جسر سان ميشيل، شعرت أنني لست وحدي في هذا الضباب، إذ سمعت بوضوح وقع خطوات شخص يقترب من الاتجاه المعاكس. رأيته يتشكل عبر الضباب، على الرصيف ذاته ويسير بالإيقاع نفسه الذي أسير به، ولمحت عن قرب سترة الصوف ذات المربعات الحمراء والسوداء، وفي لحظة تقاطع طريقانا في منتصف الجسر، رأيت شعره الأشعث، وشاربه الكثّ كشارب تركي، وسحنته الحزينة التي تفضح جوعاً مؤجلاً وليالي سهد طويلة، ورأيت عينين تترقرق فيهما الدموع. تجمّد قلبي في صدري، لأن ذلك الرجل بدا وكأنه أنا نفسي... في رحلة عودتي.

استحضرتُ أعمق ذكرياتي عن باريس في طريق عودتي من ستوكهولم. فرغم أن المدينة لم تتغير، فإنني حين زرتها عام 1968 إثر الانتفاضة الطلابية، وجدتها فقدت حميميتها وثورتها؛ فاختفت قبلات العشاق العلنية، واستُبدلت حجارة الرصف، ومُحيت أجمل شعارات الجدران. وبات المشهد يقتصر على عمال النظافة ببدلاتهم ودراجاتهم الخضراء وأدواتهم الآلية، وهم يجمعون فضلات الكلاب من شوارع أجمل مدينة في الأرض».

ماركيز: الثورة الجزائرية هي الثورة الوحيدة التي سُجنتُ من أجلها حقاً


مقالات ذات صلة

لماذا كان فلاسفة فرنسا مرعوبين؟

ثقافة وفنون لماذا كان فلاسفة فرنسا مرعوبين؟

لماذا كان فلاسفة فرنسا مرعوبين؟

هذا هو السؤال الذي طرحه ميشيل سير يوماً ما. والمذكور هو أحد أهم فلاسفة فرنسا في القرن العشرين وحتى وفاته عام 2018.

هاشم صالح
ثقافة وفنون جناح السعودية في المعرض (واس)

الجزائر: «سيلا 2026» يحتفي ببريق الورق في زمن الشاشات

يشهد «الصالون الدولي للكتاب بالجزائر»، المقام بالضاحية الشرقية للعاصمة الجزائرية، إقبالاً كبيراً منذ افتتاحه، بمشاركة مميزة للمملكة العربية السعودية ضيفَ شرف.

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
ثقافة وفنون تاريخ العالم الحديث في كبسولة

تاريخ العالم الحديث في كبسولة

«تاريخ العالم الحديث من 1950 إلى يومنا هذا» عنوان كبير لكتاب صادر في هذا العام من تأليف جيرمي بلاك (الناشر: أركتوروس، لندن).

د. ماهر شفيق فريد
ثقافة وفنون هل تجعلنا كثرة القراءة أكثر غباء؟

هل تجعلنا كثرة القراءة أكثر غباء؟

صدر حديثاً عن دار «سؤال» للنشر في بيروت، كتاب «قرأوا حتى أصبحوا أغبياء: مرافعة ضد الغباء» للناقد والأكاديمي البحريني الدكتور نادر كاظم.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
كتب إياد مدني يسائل السردية الغربية ويبحث في معنى أن تكون سعودياً

إياد مدني يسائل السردية الغربية ويبحث في معنى أن تكون سعودياً

في كتابه «حكاية سعودية: قراءات ووقفات بحثاً عن الوعي»، لا ينشغل إياد أمين مدني، بسرد محطات حياته، بقدر ما يحاول استكشاف الكيفية التي تشكل بها وعيه

ميرزا الخويلدي (الدمام)

سيد الأقداح

محمد العلي
محمد العلي
TT

سيد الأقداح

محمد العلي
محمد العلي

(إلى الكبير محمد العلي في أبديته)

هي والقصيدةُ حيث كنْتَا

هي والقصيدةُ عمرُكَ المكتوبُ في أوراق ذاكرةٍ

ملأتَ جرارَها بصداكَ حتَّا

فاضتْ بها أشواطُ أحْرفِكَ التي

أخذتْكَ نحو مدائنِ العشَّاقِ فانْشطرَتْ بها شفتاكَ

بين مرافئِ الكلماتِ والقُبلاتِ

لكن ما برحْتَا

تُملي فتكتُبكَ السنينُ مفازةً

تعبَ الحُداةُ وهم يجُوبونَ القصائدَ

ربما انْتجعوكَ بيتَا

يا سيِّدَ النايات

يا ابنَ نبوءةِ الشجرِ المُحرَّز بالرياحِ

متى تماثلَ سردُه للبوحِ

محْمولًا بأطرافِ الحكاياتِ انْعتَقْتا

يا سيِّدَ الأقداحِ

منذُ سُلالةِ الماء الذي أرْخى أعِنَّتهُ

فغادرَ في شُقوقِ الغيْم

مُنتظرًا لأرضٍ لم تُضاجعْها الخُطى يومًا

فكيف عرفتَ أنَّ الدربَ لم يعرفْ ظلالكَ حين عدتَا

يا أيُّها العَرَّافُ

كم حجرًا لنردِكَ ضلَّ وجهتَه فعادَ

وما رميتَا؟

---------------

* شاعر سعودي.


لماذا كان فلاسفة فرنسا مرعوبين؟

ميشيل سير
ميشيل سير
TT

لماذا كان فلاسفة فرنسا مرعوبين؟

ميشيل سير
ميشيل سير

هذا هو السؤال الذي طرحه ميشيل سير يوماً ما. والمذكور هو أحد أهم فلاسفة فرنسا في القرن العشرين وحتى وفاته عام 2018. والبعض يرى أنه أهم من كل أولئك الذين سيطروا على الساحة الباريسية أيام صرعات البنيوية وما بعد البنيوية من أمثال فوكو، ودريدا، وديلوز، وسواهم. ولكن الشهرة ذهبت إليهم أكثر مما ذهبت إليه. وربما كان السبب يعود إلى أنه أمضى معظم حياته التدريسية في جامعات أميركا لا جامعات فرنسا. ولكنه حظي بالشهرة العريضة لاحقاً بل وأصبح عضواً بارزاً في الأكاديمية الفرنسية. على أي حال المسألة ليست هنا. المسألة هي أن ميشيل سير بعد أن اطلع على تاريخ الفلسفة الفرنسية على مدار العصور اكتشف الحقيقة التالية: وهي أن قسماً كبيراً من فلاسفة فرنسا تعرضوا في أثناء حياتهم للقمع والمنع والملاحقات. لقد كتبوا في أجواء من الرعب والخوف بل وحتى التهديد بالقتل أحياناً. بمعنى آخر لقد خاطروا بحياتهم من أجل تدبيج مؤلفاتهم والتعبير عن حقيقتهم وأفكارهم. ولكنهم الآن أصبحوا يشكلون مجد الفكر الفرنسي وعظمته. وأكبر دليل على ذلك ديكارت نفسه: أشهر مثقف فرنسي على الإطلاق. ولكنه ليس الوحيد. في الواقع إن فلاسفة القرن السابع عشر والثامن عشر بل وحتى التاسع عشر كانوا يعيشون على حافة الخطر في معظم الأحيان ودون أي ضمانات مادية أو معنوية. ولكن بما أن الفيلسوف الفرنسي المعاصر ما عاد يعاني من أي مشكلة من هذا النوع فإننا نتوهم أن أسلافه كانوا دائماً هكذا. وهذا خطأ ما بعده خطأ. في الواقع إن فلاسفة فرنسا المعاصرين يتمتعون بكل أنواع الحريات الفكرية والضمانات المادية والمناصب الجامعية والرواتب المريحة، إلخ. ولا أحد يهددهم أو يخيفهم. وعلى هذه النعمة يحسدهم مثقفو عالم الجنوب.

فولتير

أما فلاسفة الماضي فشأن آخر. لنضرب على ذلك مثلاً شخصاً يدعى دولاميتري (1709-1751). وهو طبيب وفيلسوف مادي فرنسي. بمعنى أنه كان يعيش خارج إطار عقائد الكنيسة الكاثوليكية الجبارة المهيمنة على العقول آنذاك. ولذلك أدين كتابه «الإنسان الآلي» بعد نشره مباشرة من قبل كلية اللاهوت الكاثوليكي ورجال الدين. بل واضطر إلى الهرب من فرنسا آنذاك خوفاً من الاغتيال أو الاعتقال. لا ريب في أنه بالغ في التصور المادي والإلحادي للوجود ولذلك صدم عصره. وينبغي أن نتفهم ذلك. ماذا فعل هذا الفيلسوف عام 1749؟ لقد نشر كتاباً بعنوان: الإنسان الآلي. لقد راح يدرس الإنسان بصفته آلة بيولوجية وفيزيولوجية مؤلفة من وظائف عضوية مثله في ذلك مثل جميع الحيوانات والكائنات الحية. ولكن هذا التصور العلمي الفج كان سابقاً لأوانه. وكان يشكل صدمة كبيرة للوعي المسيحي الإيماني السائد. ولذلك ردوا عليه بعنف. فلم يكتفوا بحرق الكتاب علناً وإنما هموا باغتيال صاحبه. ولذلك هرب من فرنسا والتجأ إلى ملك بروسيا المستبد المستنير فريدريك الثاني الملقب بفردريك الكبير. ومعلوم أن هذا الملك الجبار كان متحرراً من العقائد التقليدية القديمة إلى حد كبير. ولهذا السبب كان يجمع حوله كل المفكرين الهاربين من القمع الأصولي الكاثوليكي الفرنسي أو المسيحي بشكل عام. ومعلوم أن فولتير ذاته لجأ عنده في فترة من الفترات. وكان معجباً بفولتير إلى أقصى الحدود ويعتبره أستاذه وقدوته. وهذا أكبر دليل على أن السلطة يمكن أن تكون معجبة بالمثقفين وبخاصة إذا كانت مستنيرة حتى ولو كانت مستبدة في تلك العصور. وهذا يعني أنه يوجد فرق كبير بين المستبد المستنير ملك ألمانيا والمستبد الظلامي لويس الخامس عشر ملك فرنسا.

وهناك أيضاً الفيلسوف دولباك صديق ديدرو والموسوعيين. وهو صاحب الصالون الباريسي الشهير الذي كان يجتمع فيه المثقفون وتدور فيه المناظرات والمناقشات الفلسفية الأكثر جرأة. وقد منعت أكثر كتبه أو حرقت على رؤوس الأشهاد من قبل الأصوليين العتاة الذين اتهموه بمعاداة الدين والخروج عليه كلياً. والواقع أن تصوره للعالم والتاريخ كان علمياً وفلسفياً محضاً ولا علاقة له بالتالي بالرؤية الدينية أو اللاهوت المسيحي المهيمن.

ونضرب على ذلك مثلاً ديكارت نفسه الذي لم يكن ملحداً قط على عكس البارون دولباك. وإنما كان مؤمناً بالله والقيم الدينية والأخلاقية العليا إيماناً قوياً لا يتزعزع. ومعلوم أنه أشهر فيلسوف أنجبته فرنسا على مدار تاريخها كله. ولكن على الرغم من كل إيمانه واحترامه للدين فإنه اضطر للعيش خارج فرنسا هرباً من ضغط الأصوليين المتشددين؛ وذلك لأن إيمان الفلاسفة غير إيمان عامة الشعب. لقد عاش معظم حياته في هولندا الليبرالية المتسامحة دينياً. وهناك نشر كتابه الشهير «مقال في المنهج» دون توقيع، خوفاً من ملاحقات رجال الكنيسة وكليات اللاهوت والشريعة.

ولا ينبغي أن ننسى ذلك المسكين جان جاك روسو الذي تآلبت عليه الظروف من كل النواحي وأقضت مضجعه. لقد لاحقوه حتى جننوه. ومعلوم أنه دبج مؤلفاته التنويرية والعبقرية الكبرى في جو من الرعب والوحدة الكاملة والعزلة المطلقة. كانوا ينظرون إليه شزرا من عدة جهات وكانت الظروف ضده والسكاكين تسن عليه وتتربص به. ومع ذلك فقد أتحفنا بروايته الخالدة: «هيلويز الجديدة» أي قصة مجنون ليلى الجديدة بشكل من الأشكال. كما أتحفنا بكتاب «التربية إميل»، وكتاب «العقد الاجتماعي»، وكتاب «الاعترافات» أو المذكرات الشهير الذي يبلى الزمن ولا يبلى. وكل ذلك تم في جو من الخوف والملاحقات البوليسية الضارية. وقد وصل بهم الأمر إلى حد أنهم رجموه بالحجارة وكسروا نافذة بيته، بل ووصلت الحجارة لحجرة كبيرة إلى جانب السرير الذي ينام عليه. وكل ذلك حصل لأنه يكتب شيئاً جديداً مخالفاً للأفكار الشائعة عن الدين والعقيدة والتربية والسياسة.

ونضرب على ذلك مثلاً «لامارك» مكتشف نظرية التطور حتى قبل داروين. فقد حاصره منافسوه وحساده المدعومون من قبل السلطة. وقد شاهده أحدهم وهو يشهق بالبكاء أمام نابليون طالباً العفو والمغفرة. لقد أذلوه وسحقوه بسبب عبقريته المتفجرة التي لم يستطيعوا تحملها. ألم يقل المتنبي:

أزل حسد الحساد عني بكبتهم

فأنت الذي صيرتهم لي حسدا

ودع كل صوت غير صوتي فإنني

أنا الطائر المحكي والآخر الصدى

وأما عن أوغست كونت فحدث ولا حرج. فمؤسس الفلسفة العلمية الوضعية التي سيطرت على فرنسا لاحقاً لم يعش حياة هادئة على عكس ما نتوهم. فقد طردوه من مدرسة البوليتكنيك الباريسية الشهيرة فعاد مقهوراً ومدحوراً إلى مدينته الأصلية في مونبلييه على شاطئ البحر الأبيض المتوسط. ومن كثرة ما لاحقوه واضطهدوه بعدئذ أوصلوه إلى حافة الجنون. بل ودخل مستشفى الأمراض العقلية لفترة قبل أن يصحو ويسترد توازنه وعافيته. ولكن كل هذا لم يمنعه من تأليف كتبه الأساسية وبخاصة مؤلفه الكبير: دروس في الفلسفة الوضعية.

والقائمة طويلة: قائمة المثقفين المنبوذين والملاحقين والمضطهدين لسبب أو لآخر. ولا نستطيع تعدادهم جميعاً هنا. ولكن سوف نتوقف مع ميشيل سير عند هذه الملاحظة القيمة. يقول الفيلسوف الكبير ما يلي: إن أبناء العائلات والذوات لا يمكن أن يصبحوا فلاسفة أو عباقرة إلا فيما ندر. لماذا؟ لأنهم يعيشون في بحبوحة من العيش ولا يعانون من عراقيل الحياة وصعوباتها ومشقاتها. وحدهم أولئك الذين عركتهم الحياة وصهرتهم في أتونها مرشحون لإنجاز الأعمال الفلسفية الكبرى. كيف يمكن لشخص لم يعرف من الحياة إلا وجهها السهل المريح أن يصبح فيلسوفاً؟ كيف يمكن لشخص لم يمت ألف موتة قبل أن يكتب حرفاً واحداً أن يصبح مفكراً عبقرياً؟


الجزائر: «سيلا 2026» يحتفي ببريق الورق في زمن الشاشات

جناح السعودية في المعرض (واس)
جناح السعودية في المعرض (واس)
TT

الجزائر: «سيلا 2026» يحتفي ببريق الورق في زمن الشاشات

جناح السعودية في المعرض (واس)
جناح السعودية في المعرض (واس)

يشهد «الصالون الدولي للكتاب بالجزائر»، المقام بالضاحية الشرقية للعاصمة الجزائرية، إقبالاً كبيراً منذ افتتاحه الأربعاء الماضي، بمشاركة مميزة للمملكة العربية السعودية ضيفَ شرف. ويسعى القائمون على هذه التظاهرة الثقافية، في دورتها التاسعة والعشرين، إلى استعادة رسالتها الأساسية المتمثلة في جعل الكتاب فضاءً للحوار والتواصل، وهي الفكرة التي اختُصرت في شعار «الغد بين دفتَي كتاب».

بات الصالون، المعروف اختصاراً بـ«سيلا»، موعداً سنوياً بارزاً؛ إذ يوفر فضاءً لاكتشاف الكتب والكتّاب، وتنظيم لقاءات معهم. ويمكن للزوار التجول بين أجنحة دور النشر، واكتشاف الإصدارات الجديدة، والتعرف على مختلف الفاعلين في عالم الأدب. كما تسهم اللقاءات والندوات والنقاشات وجلسات التوقيع والأنشطة الثقافية في جعل الصالون فضاءً حيوياً تتلاقى فيه الأفكار والأجيال والاهتمامات المختلفة.

وبعيداً عن تنوع المؤلفات المعروضة، يذكّر الصالون بالدور الأساسي الذي تؤديه القراءة في المجتمع؛ إذ يشجع على الفضول المعرفي، ويدعم الإبداع الأدبي، ويعزز التبادل بين المهنيين والعاملين في قطاعَي النشر والكتاب.

وبالنسبة إلى القراء الشباب وعشاق الأدب على حد سواء، يشكّل الصالون فرصة لاكتشاف إصدارات جديدة وتقاسم متعة القراءة. وبذلك يرسّخ «الصالون الدولي للكتاب» مكانته باعتباره محطة بارزة في الحياة الثقافية الجزائرية، ودعوة متجددة إلى القراءة والحوار والاحتفاء بغنى الكلمة.

ملصق المعرض

يقول أحد المنظمين، الذي التقيناه في «جناح فلسطين»: «على الرغم من الحضور المتزايد للشاشات في حياتنا اليومية، لا يزال الكتاب يحتفظ بسحره ومكانته. فبينما تتيح الأجهزة الرقمية قراءة الكتب في أي وقت، تظل القراءة من كتاب ورقي تجربة لها خصوصيتها ومتعتها اللتان لا تضاهيهما أي شاشة». ويوضح أن الكتاب «يمنح قارئه فرصة للابتعاد عن إيقاع الحياة المتسارع والتفاعل مع النص على مهل. فعلى عكس المحتوى الرقمي الذي يتدفق باستمرار ويزاحم الانتباه، تتيح القراءة الورقية التوقف عند فكرة تستحق التأمل، أو إعادة قراءة عبارة لافتة، أو استعادة مقطع سابق، وهو ما يعزز التركيز ويمنح القارئ فرصة للانغماس في عوالم القصص والأفكار والمعارف بعيداً عن المشتتات».

وخلال مراسم الافتتاح، التي جرت بحضور رئيسة «المجلس الشعبي الوطني» (الغرفة السفلى للبرلمان)، خليدة بوفدش، وعدد من أعضاء الحكومة، ألقى عزوز ناصري، رئيس «مجلس الأمة» (الغرفة العليا للبرلمان)، كلمة بالمناسبة، أكد فيها أن الكتاب «سيظل الجسر الذي يربط الأجيال بالمستقبل»، مشدداً على أن «(الصالون الدولي للكتاب بالجزائر) أصبح واحداً من أكبر المواعيد الأدبية والنشرية في أفريقيا والعالم العربي وحوض البحر الأبيض المتوسط، كما يؤدي دوراً أساسياً في الارتقاء بمستوى القراءة، ودعم صناعة الكتاب، وتعزيز الدبلوماسية الثقافية».

وتفتح الجزائر أبواب صالونها الدولي للكتاب لعام 2026 أمام المملكة العربية السعودية، التي تحل ضيفَ شرف في مقام يليق بمكانتها، من خلال وفد ثقافي رفيع يقوده وزير الثقافة، الأمير بدر بن عبد الله بن محمد بن فرحان آل سعود.

وتأتي المشاركة السعودية بتمثيل رفيع المستوى، يضم نخبة من الكتّاب والأدباء والناشرين والمفكرين، بما يعكس أهمية هذه التظاهرة الثقافية ومكانتها. كما يتضمن برنامج المشاركة عرض مجموعة من أحدث الإصدارات الأدبية والفكرية السعودية، إلى جانب تنظيم ندوات فكرية وأمسيات شعرية وعروض فلكلورية وتراثية، تسلط الضوء على ثراء الثقافة السعودية وتنوع مكوناتها، وتتيح للزوار فرصة التعرف على جوانب مختلفة من الموروث الثقافي للمملكة وإبداعاتها المعاصرة.

ولا تقتصر هذه المشاركة على عرض الكتب والإصدارات، بل تتجاوز ذلك لتشكل فرصة لتعزيز التبادل الثقافي وتطوير صناعة النشر، من خلال فتح قنوات التواصل بين دور النشر الجزائرية والسعودية، واستكشاف فرص التعاون وتأسيس شراكات ثقافية مستدامة، وهو ما يمنح حضور المملكة بُعداً يتجاوز المشاركة الرمزية، ليجعل منه مناسبة لتقريب المبدعين والناشرين، وتبادل الخبرات والتجارب.

وتكتسب المشاركة السعودية أهمية إضافية بالنظر إلى حجم هذه الدورة من الصالون، التي تعرف حضور أكثر من 1567 عارضاً، وتضم ما يزيد على 285 ألف عنوان، في أرقام تعكس اتساع التظاهرة ومكانتها ضمن أبرز المواعيد الثقافية في المنطقة. ومن هذا المنطلق، يشكّل حضور المملكة ضيفَ شرف أحد أبرز محاور البرنامج الثقافي المصاحب، بما يحمله من تنوع في الأنشطة والفعاليات، وما يتيحه من فرص لتعميق التقارب الثقافي.