«جاكسون هول»... وارش أمام اختبار الأسواق ورهانات الفائدة

تباين التوقعات يرفع ترقب خطاب رئيس «الفيدرالي» وسط ضغوط التضخم والديون

جانب من بلدة جاكسون هول القديمة بولاية وايومينغ الأميركية حيث تعقد البنوك المركزية اجتماعها السنوي (أ.ب)
جانب من بلدة جاكسون هول القديمة بولاية وايومينغ الأميركية حيث تعقد البنوك المركزية اجتماعها السنوي (أ.ب)
TT

«جاكسون هول»... وارش أمام اختبار الأسواق ورهانات الفائدة

جانب من بلدة جاكسون هول القديمة بولاية وايومينغ الأميركية حيث تعقد البنوك المركزية اجتماعها السنوي (أ.ب)
جانب من بلدة جاكسون هول القديمة بولاية وايومينغ الأميركية حيث تعقد البنوك المركزية اجتماعها السنوي (أ.ب)

يتجه اهتمام الأسواق العالمية إلى جبال وايومينغ بالولايات المتحدة الأسبوع المقبل، حيث تستضيف مدينة جاكسون هول الندوة الاقتصادية السنوية التي أصبحت على مدى عقود إحدى أهم المحطات في أجندة البنوك المركزية العالمية.

لكن أهمية اجتماع هذا العام تتجاوز الموضوع المعلن للندوة؛ إذ تتجه الأنظار بصورة خاصة إلى كلمة رئيس «بنك الاحتياطي الفيدرالي (المركزي الأميركي)»، كيفين وارش، الذي سيخاطب المشاركين لأول مرة منذ توليه قيادة «البنك المركزي» في مايو (أيار) الماضي.

وتُعقد الندوة أيام 27 و28 و29 أغسطس (آب) الحالي، تحت عنوان «الابتكار المالي: تداعياته على المدفوعات والسياسة»، بمشاركة نحو 120 من مسؤولي البنوك المركزية وصناع السياسات والأكاديميين من أكثر من 70 دولة. لكن الأسواق ستتعامل مع الحدث بوصفه أكثر من مجرد منتدى أكاديمي؛ فخطاب وارش في 28 أغسطس الحالي سيكون فرصة نادرة للحصول على إشارات مباشرة من رئيس «الاحتياطي الفيدرالي» بشأن رؤيته للسياسة النقدية، في وقت يحاول فيه المستثمرون تحديد اتجاه أسعار الفائدة خلال الأشهر المقبلة.

لماذا يكتسب خطاب وارش هذه الأهمية؟

خطاب وارش الذي يأتي عقب أسبوع شهد ارتفاع عوائد سندات الخزانة الأميركية طويلة الأجل إلى أعلى مستوياتها منذ سنوات، والذي دفع وزارة الخزانة إلى الإعلان عن مضاعفة حجم إعادة شراء الأوراق المالية الاسمية طويلة الأجل إلى 4 مليارات دولار على الأقل لكل عملية، يأتي في مرحلة شديدة الحساسية بالنسبة إلى السياسة النقدية الأميركية. فقد أبقى «الاحتياطي الفيدرالي» في اجتماعه الأخير أسعار الفائدة عند نطاق بين 3.50 و3.75 في المائة، لكن القرار كشف عن انقسام واضح داخل «اللجنة»، بعدما صوّت 3 أعضاء لمصلحة رفع الفائدة فوراً، في مؤشر على أن المخاوف من التضخم لا تزال حاضرة بقوة داخل «البنك المركزي».

وفي المقابل، أظهرت بيانات التضخم الأخيرة بعض العلامات التي تسمح للأسواق بتخفيف رهاناتها على تشديد السياسة النقدية. فقد جاء مؤشر أسعار المنتجين لشهر يوليو (تموز) الماضي دون التوقعات، بينما ارتفع مؤشر أسعار المستهلكين بنسبة محدودة على أساس شهري؛ الأمر الذي أسهم في دفع توقعات الأسواق بشأن رفع الفائدة في سبتمبر (أيلول) المقبل إلى نحو 39 في المائة، بعدما كانت تلك التوقعات بلغت نحو 54 في المائة قبل أسبوع.

وهنا تكمن أهمية «جاكسون هول». فالمشكلة بالنسبة إلى المستثمرين لم تعد تتمثل فقط في قراءة بيانات التضخم المقبلة، وإنما في معرفة كيف يفسر وارش هذه البيانات، وإلى أي مدى يرى أن الاقتصاد الأميركي يحتاج إلى فائدة مرتفعة مدة أطول.

وارش في مؤتمر صحافي عقب اجتماع «اللجنة الفيدرالية» (رويترز)

وارش لا يريد ملاحقة الأسواق

سبق لوارش أن أعطى إشارات إلى أنه يريد الابتعاد عن النمط التقليدي الذي يجعل الأسواق تركز على كل اجتماع وكل مؤتمر صحافي وكل تغير بمقدار ربع نقطة مئوية. وقال بعد اجتماع 29 يوليو الماضي إنه يريد أن يستخدم خطابه في «جاكسون هول» لطرح «الأسئلة الكبيرة»، في إشارة إلى العوامل الهيكلية التي يمكن أن تحدد مسار السياسة النقدية خلال العقد المقبل. كما أكد أن «الاحتياطي الفيدرالي» لا يتحرك بناءً على أسعار السوق.

وتحمل هذه العبارة أهمية كبيرة للمستثمرين؛ لأن الأسواق أصبحت في الأسابيع الأخيرة أميل إلى توقع خفض أو تثبيت الفائدة، بينما لا يبدو أن وارش مستعد بالضرورة لتأكيد تلك الرهانات. وبالتالي، فإن خطاباً لا يقدم توجيهاً مباشراً بشأن اجتماع سبتمبر المقبل قد يكون أكبر تأثيراً من خطاب يحدد مسار الفائدة؛ إذا كشف عن الطريقة التي ينظر بها رئيس «البنك المركزي» الجديد إلى الاقتصاد والتضخم والسياسة النقدية على المدى الطويل.

مسح «بنك أوف أميركا» يكشف عن حذر المستثمرين

ويظهر حجم عدم اليقين في استطلاع أغسطس (آب) المقبل لمديري الصناديق الذي أجراه «بنك أوف أميركا»؛ إذ يتوقع 69 في المائة من المشاركين أن يتبنى وارش نبرة محايدة في «جاكسون هول»، بينما يتوقع 31 في المائة نبرة تميل إلى التشدد، في حين لا يتوقع سوى 7 في المائة خطاباً يميل إلى التيسير.

وتشير هذه التوقعات إلى أن المستثمرين لا يراهنون على تحول واضح نحو سياسة نقدية أكبر تيسيراً، رغم تراجع رهانات رفع الفائدة في سبتمبر المقبل. كما أن وجود «أقلية كبيرة نسبياً» تتوقع لهجة متشددة يعني أن أي انحراف عن النبرة المحايدة قد يؤدي إلى إعادة تسعير سريعة في أسواق السندات والعملات والذهب.

فإذا بدا وارش أكبر تشدداً مما تتوقع الأسواق، فقد ترتفع عوائد سندات الخزانة ويتعزز الدولار، في حين يتعرض الذهب والأصول عالية المخاطر لضغوط. أما إذا اكتفى بنبرة محايدة وركز على مرونة السياسة النقدية والاعتماد على البيانات، فقد تجد الأسواق في ذلك تأكيداً لتوقعاتها الحالية.

صورة من مؤتمر العام الماضي لحكام بنوك مركزية من بينهم الرئيس السابق لـ«الاحتياطي الفيدرالي» الأميركي جيروم باول (أرشيفية - رويترز)

المعضلة أكبر من «اجتماع سبتمبر»

لكن قراءة «جاكسون هول» من منظور اجتماع سبتمبر المقبل فقط قد تكون مضللة. فوارش نفسه يريد توسيع النقاش إلى ما وراء دورة التضخم الحالية، في وقت يواجه فيه الاقتصاد الأميركي تحديات مالية وهيكلية متصاعدة.

ويبلغ الدين العام الأميركي نحو 39.9 تريليون دولار، بينما يتوقع «مكتب الموازنة» في الكونغرس أن تقترب مدفوعات الفائدة الصافية من تريليون دولار خلال السنة المالية 2026. وهذا يعني أن استمرار أسعار الفائدة المرتفعة لا ينعكس فقط على الأسر والشركات، وإنما يزيد أيضاً تكلفة خدمة الدين الحكومي.

ومن هنا، فإن قدرة «الاحتياطي الفيدرالي» على إبقاء الفائدة مرتفعة مدة طويلة تصبح جزءاً من معادلة أوسع تشمل التضخم والنمو والاستقرار المالي وتكاليف الاقتراض الحكومي. وهذه الاعتبارات لا تظهر بالضرورة في أرقام التضخم الشهرية، لكنها قد تكون حاضرة في النقاش الذي يريد وارش فتحه بشأن الإطار طويل الأجل للسياسة النقدية.

الذهب والبنوك المركزية: رهان يتجاوز الفائدة

في المقابل، تأتي «جاكسون هول» في وقت لا تقتصر فيه رهانات الأسواق على مسار الفائدة الأميركية فقط، بل تتزامن مع استمرار البنوك المركزية في تعزيز حيازاتها من الذهب. فقد اشترت البنوك المركزية 288.9 طن من الذهب خلال الربع الثاني من 2026، بزيادة 62 في المائة على أساس سنوي، في أقوى أداء لربع ثانٍ على الإطلاق، وفق بيانات «مجلس الذهب العالمي».

ويعكس هذا الاتجاه استمرار النظر إلى الذهب بوصفه أصلاً احتياطياً استراتيجياً، خصوصاً في ظل المخاطر المالية والجيوسياسية وازدياد عدم اليقين بشأن مسارات السياسة النقدية العالمية.

ويمنح هذا الطلب الرسمي الذهب دعماً يتجاوز تأثير تحركات الفائدة الأميركية؛ إذ لا يحمل المعدن مخاطر ائتمانية ولا يرتبط بالتزامات جهة مصدرة. ومن ثم، فإن رد فعل الذهب تجاه خطاب وارش لن يتحدد فقط بما ستعنيه كلماته لأسعار الفائدة والعوائد الأميركية، بل أيضاً بالطلب المتواصل من البنوك المركزية؛ مما يجعل المعدن أحد أبرز الأصول التي ستراقب «تداعيات جاكسون هول».

عدّاء يركض أمام مبنى «الاحتياطي الفيدرالي» في واشنطن (رويترز)

الأسواق تنتظر إشارة لا قراراً

ومن المرجح ألا يمنح وارش الأسواق إجابة مباشرة عن كل ما تريد معرفته. فالتوقعات تشير إلى أنه سيحاول الحفاظ على مساحة واسعة للمناورة، من دون الالتزام مسبقاً بمسار محدد للفائدة. لكن الأسواق لا تحتاج بالضرورة إلى قرار واضح؛ فقد تكون كلمةٌ أو عبارةٌ واحدة كافيةً لتغيير توقعاتها.

وإذا أكد وارش أن السياسة النقدية يجب أن تبقى حذرة في مواجهة التضخم، فقد تعود رهانات رفع الفائدة إلى الواجهة، مع انعكاس ذلك على الدولار والعوائد والذهب. أما إذا شدد على المخاطر التي تهدد النمو أو على الحاجة إلى مرونة أكبر في السياسة، فقد تتراجع العوائد وتتجدد رهانات التيسير.

وفي كلتا الحالتين، فستكون «جاكسون هول» اختباراً مبكراً لقدرة وارش على إدارة توقعات الأسواق، ونافذة على رؤيته لمسار السياسة النقدية في المرحلة المقبلة. وتكتسب كلمته أهمية خاصة لأنها أول مشاركة له في هذه الندوة بصفته رئيساً لـ«الاحتياطي الفيدرالي»، فيما يبحث المستثمرون عن إجابة تتجاوز مصير الفائدة في سبتمبر المقبل، إلى سؤال أوسع: كيف سيتعامل «البنك المركزي» مع التضخم وتكاليف الدين والتحولات الهيكلية التي تعيد تشكيل الاقتصاد الأميركي خلال السنوات المقبلة؟


مقالات ذات صلة

تراجع «وول ستريت» مع ارتفاع النفط ومخاوف تجدد الحرب مع إيران

الاقتصاد مدخل بورصة نيويورك (أ.ب)

تراجع «وول ستريت» مع ارتفاع النفط ومخاوف تجدد الحرب مع إيران

تراجعت أسهم «وول ستريت» في مستهل تعاملات الخميس، بعد ارتفاع حاد في أسعار النفط إثر تقارير أفادت بأن الولايات المتحدة قد تشن هجمات جديدة على إيران.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
الاقتصاد شعار «سبايس إكس» (رويترز)

«أوراكل» و«برودكوم» و«سبايس إكس» تلجأ إلى الديون لتمويل رقائق الذكاء الاصطناعي

تتجه شركات كبرى في قطاع الذكاء الاصطناعي إلى أسواق التمويل للحصول على عشرات المليارات من الدولارات لتمويل شراء الرقائق ومعدات الحوسبة.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
الاقتصاد ترمب برفقة وارش لحضور مراسم أداء الأخير اليمين الدستورية في البيت الأبيض (أرشيفية - رويترز)

محضر «الفيدرالي» يكشف انقساماً بشأن رفع الفائدة... وترمب يضغط مجدداً لخفضها

أظهر محضر اجتماع «الاحتياطي الفيدرالي» انقساماً بشأن مدى الحاجة إلى مواصلة رفع أسعار الفائدة لمواجهة مخاطر التضخم.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الاقتصاد مخزونات نفط في هيوستن (رويترز)

مخزونات النفط الأميركية تهبط بأكثر من المتوقع

تراجعت مخزونات النفط الخام في الولايات المتحدة بأكثر من المتوقَّع خلال الأسبوع الماضي، في حين ارتفعت مخزونات البنزين، وانخفضت مخزونات نواتج التقطير.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الاقتصاد متداول في بورصة نيويورك (إ.ب.أ)

عائد سندات الخزانة الأميركية لـ30 عاماً يرتفع إلى أعلى مستوى منذ 2002

ارتفع عائد سندات الخزانة الأميركية لأجل 30 عاماً بأكثر من 6 نقاط أساس، الأربعاء، إلى 5.7041 في المائة، مسجلاً أعلى مستوى له منذ عام 2002.


تراجع «وول ستريت» مع ارتفاع النفط ومخاوف تجدد الحرب مع إيران

مدخل بورصة نيويورك (أ.ب)
مدخل بورصة نيويورك (أ.ب)
TT

تراجع «وول ستريت» مع ارتفاع النفط ومخاوف تجدد الحرب مع إيران

مدخل بورصة نيويورك (أ.ب)
مدخل بورصة نيويورك (أ.ب)

تراجعت أسهم «وول ستريت» في مستهل تعاملات الخميس، بعد ارتفاع حاد في أسعار النفط إثر تقارير أفادت بأن الولايات المتحدة قد تشن هجمات جديدة على إيران قبل انتخابات التجديد النصفي الحاسمة.

وانخفض مؤشر «داو جونز» الصناعي بنسبة 0.2 في المائة إلى 51,074.31 نقطة، في حين تراجع مؤشر «إس آند بي 500» الأوسع نطاقاً بنسبة 0.3 في المائة إلى 7,776.28 نقطة.

كما انخفض مؤشر «ناسداك» المركب، الذي تغلب عليه أسهم شركات التكنولوجيا، بنسبة 0.5 في المائة إلى 27,405.11 نقطة.

وأرجع بيتر كارديلو من شركة «سبارتان كابيتال سيكيوريتيز» هذه البداية السلبية إلى «عاملين يلقيان بظلالهما على السوق: الارتفاع الحاد في أسعار النفط، وعودة عوائد السندات إلى مستويات الذروة التي سجلتها بالأمس».

وقال كارديلو لـ«وكالة الصحافة الفرنسية» إن هذه العوامل ستشكل «مشكلة مستمرة للسوق على المدى القريب».

وأشار إلى أن أسعار النفط قفزت بعد تصريحات للرئيس الأميركي دونالد ترمب قال فيها إنه لا يرغب في التعامل مع إيران.

وحذَّر قائلاً: «يبدو الآن أن هناك تحولاً في الاستراتيجية، من الضغط الاقتصادي على الاقتصاد الإيراني إلى جولة جديدة من القصف المكثف».

وعقب تقارير أفادت باحتمال شن واشنطن هجمات جديدة على إيران، ارتفع سعر خام برنت القياسي العالمي إلى 105.46 دولار للبرميل.

كما ارتفع سعر خام غرب تكساس الوسيط، وهو العقد الرئيسي في الولايات المتحدة، إلى 92.82 دولار للبرميل قبل أن يتراجع قليلاً.

وفي الوقت نفسه، ارتفع العائد على سندات الخزانة الأميركية لأجل 10 سنوات إلى 5.3 في المائة، في حين بلغ العائد على السندات لأجل 30 عاماً 5.7 في المائة.


«مجلس الشؤون الاقتصادية» يؤكد مرونة السعودية في مواجهة المستجدات

اجتماع سابق للمجلس برئاسة ولي العهد رئيس مجلس الوزراء رئيس مجلس الشؤون الاقتصادية والتنمية الأمير محمد بن سلمان (واس)
اجتماع سابق للمجلس برئاسة ولي العهد رئيس مجلس الوزراء رئيس مجلس الشؤون الاقتصادية والتنمية الأمير محمد بن سلمان (واس)
TT

«مجلس الشؤون الاقتصادية» يؤكد مرونة السعودية في مواجهة المستجدات

اجتماع سابق للمجلس برئاسة ولي العهد رئيس مجلس الوزراء رئيس مجلس الشؤون الاقتصادية والتنمية الأمير محمد بن سلمان (واس)
اجتماع سابق للمجلس برئاسة ولي العهد رئيس مجلس الوزراء رئيس مجلس الشؤون الاقتصادية والتنمية الأمير محمد بن سلمان (واس)

ناقش مجلس الشؤون الاقتصادية والتنمية السعودي التطورات الاقتصادية العالمية والإقليمية وتأثيراتها على الاقتصاد الوطني، في وقتٍ أظهر نشاط القطاع الخاص استمراراً في النمو، للشهر الخامس على التوالي، مع ارتفاع مؤشر مديري المشتريات إلى 53.8 نقطة في أغسطس (آب) 2026، من 53.1 نقطة في الشهر السابق.

واستعرض المجلس، في اجتماع عبر الاتصال المرئي، التقرير الشهري لوزارة الاقتصاد والتخطيط، الذي تناول أبرز التطورات في مشهد الاقتصاد العالمي، في ضوء المتغيرات الجيوسياسية المتسارعة وما نتج عنها من ارتفاع الضغوط التضخمية عالمياً وتشديد السياسات النقدية لدى البنوك المركزية الرئيسة، متناولاً انعكاس ذلك على الاقتصاد الوطني، والتحديات والفرص التي تتيحها هذه المتغيرات، حيث أكد التقرير متانة الاقتصاد الوطني ومرونته في مواجهة المستجدات الإقليمية والعالمية.

وقد حافظ معدل التضخم السنوي بالمملكة على استقراره عند 1.8 في المائة، للشهر الرابع على التوالي، خلال شهر أغسطس 2026، وبمعدل يُعدّ الأقل عالمياً.

كما سجل مؤشر ثقة الأعمال في المملكة 56.7 نقطة، مرتفعاً بمقدار 0.2 نقطة، مقارنةً بالشهر السابق، بما يعكس تحسناً في مستويات الثقة لدى قطاع الأعمال، مدعوماً بارتفاع الثقة في قطاعَي التصنيع والخدمات.

وأشار التقرير إلى استمرار النمو في نشاط القطاع الخاص، والمتمثل في ارتفاع مؤشر مديري المشتريات إلى 53.8 نقطة في أغسطس 2026، مقارنةً بـ53.1 نقطة في الشهر السابق، مواصلاً نموه، للشهر الخامس على التوالي، رغم التوترات الإقليمية، إلى جانب تسجيل مؤشر ثقة الأعمال 56.7 نقطة، بارتفاع قدره 0.2 نقطة عن الشهر السابق، بما يعكس ثقة قطاع الأعمال في آفاق الاقتصاد الوطني وقدرته على مواصلة النمو.

وناقش التقرير، المقدَّم من مكتب الإدارة الاستراتيجية بمجلس الشؤون الاقتصادية والتنمية حيال أداء برامج تحقيق «رؤية 2030» والاستراتيجيات الوطنية، للربع الثاني من عام 2026، الجهود التحولية خلال الأعوام العشرة الماضية وما أرسته من أسس متينة تنتقل بها الرؤية إلى مرحلة تعظيم الأثر، وترسيخ المكتسبات، واستدامة الإنجازات المتحققة في محاورها الثلاثة: مجتمع حيوي، واقتصاد مزدهر، ووطن طموح.

وأبرزَ التقرير التطورات النوعية التي تعكس مرونة الرؤية وقدرتها على التكيّف مع المتغيرات كافة.

وبات أثر التحول، الذي حققته «رؤية 2030»، ملموساً في تنوع القاعدة الاقتصادية وبلوغ مساهمة الأنشطة غير النفطية مستويات قياسية، إلى جانب اتساع دور القطاع الخاص والمواطن كشريكين فاعلين في التنمية.

وأشار إلى أن المرحلة المقبلة ستشهد مضاعفة الجهود وتوجيه التنفيذ نحو الأولويات، بما يضمن استدامة الأثر لِما بعد عام 2030.

العاصمة السعودية الرياض (رويترز)

كما تتسم «رؤية 2030» بالمرونة، مستندة إلى ما راكمته من قدرات مؤسسية واقتصادية وتشغيلية، وما شهدته القطاعات الحيوية من تطوير، إلى جانب التوسع في البنية التحتية وتنويع الاقتصاد وتعزيز التكامل بين الجهات الحكومية والقطاع الخاص. وأسهم ذلك في رفع مستوى الجاهزية، وتوسيع خيارات الاستجابة، وتعزيز قدرة الاقتصاد على استيعاب المتغيرات والتعامل مع آثارها بكفاءة. ومِن شأن مواصلة الاستثمار في التنمية وبناء القدرات تعزيز صمود المملكة، ومنح مؤسساتها واقتصادها مرونة أكبر في مواجهة التحديات، ومواصلة التقدم نحو المستهدفات.

مركز برنامج جودة الحياة

من جهة أخرى، اطلع المجلس على التقرير السنوي لمركز برنامج جودة الحياة، الذي اشتمل على أبرز أعمال المركز في عام 2025 في تمكين برنامج جودة الحياة؛ أحد برامج تحقيق «رؤية 2030»، من تنفيذ أهدافه الاستراتيجية والتقدم المُحرَز في مبادراته، حيث أشار التقرير إلى عدد من المُنجزات التي حققها البرنامج خلال العام، ومِن بينها بلوغ مساهمة مبادراته في المحتوى المحلي 44 في المائة بنهاية عام 2025، متجاوزة المستهدَف البالغ 37 في المائة، وبلوغ مساهمتها في الناتج المحلي الإجمالي 78 مليار ريال (20.8 مليار دولار)، متجاوزة المستهدَف البالغ 77.1 مليار ريال (20.6 مليار دولار).

كما اطلع المجلس على التقرير السنوي المقدَّم من أمانة لجنة برنامج حساب المواطن، حيال التقرير السنوي للبرنامج لعام 2025.

واستعرض التقريرُ أبرز جهود البرنامج من خلال توجيه الدعم إلى الأُسر والأفراد المستحقين، ورحلة المستفيد من التسجيل والأهلية والاستحقاق، إضافة إلى الأثر التشغيلي والاقتصادي والمالي للبرنامج؛ حيث بلغ إجمالي الدعم المقدم عبر برنامج حساب المواطن، منذ انطلاقه، نحو 262 مليار ريال (69.9 مليار دولار)، وبلغ إجمالي عدد المستفيدين من الدعم نحو 2.4 مليون مستفيد، ما يعكس دور البرنامج في دعم الأُسر المستفيدة وتعزيز منظومة الحماية الاجتماعية.

المركز الوطني لقياس أداء الأجهزة العامة

وتناول المجلس العرض الربعي المقدَّم من المركز الوطني لقياس أداء الأجهزة العامة، للربع الثاني من عام 2026، وأداء مؤشرات ومبادرات الأجهزة الحكومية في «رؤية 2030»، والأعمال التي جرت في مجالات دعم وتمكين الأجهزة الحكومية لتحقيق مستهدَفاتها، ونتائج تقييم ممارسات إدارة هذه الأجهزة، مؤكداً استمرار أعمال المركز في تفعيل قياس الاستراتيجيات الوطنية ومراجعة الوثائق الاستراتيجية، وضمان تغطية المؤشرات والمبادرات لجميع الأهداف الاستراتيجية، مع مواصلة الجهود في دعم تلك الأجهزة، عبر عقد جلسات المراجعة، لمعالجة التحديات، ومتابعة الخطط، وإبراز الفرص التحسينية ومتابعة تطبيقها، بما يعزز تحسين الأداء الحكومي.

ونظر الاجتماع إلى عدد من المعاملات الإجرائية؛ ومنها: استراتيجية تطوير المرفق العدلي، ومشروع نظام الدراسات السريرية، كما أُحيطَ المجلس بنتائج الملخصين التنفيذيين الشهريين للرقم القياسي لأسعار المستهلك وأسعار الجملة، والتقرير الربعي لنتائج أعمال اللجنة الدائمة لمراقبة الأسعار، والملخص التنفيذي الشهري للتجارة الخارجية، والتقارير الأساسية التي بُنيت عليها تلك الملخصات.


حكومة اليابان تتخلى عن خطاب التحفيز المفرط

حكومة اليابان تتخلى عن خطاب التحفيز المفرط
TT

حكومة اليابان تتخلى عن خطاب التحفيز المفرط

حكومة اليابان تتخلى عن خطاب التحفيز المفرط

تسعى رئيسة الوزراء اليابانية ساناي تاكايتشي إلى تغيير الصورة التي رسختها الأسواق عن سياستها الاقتصادية القائمة على التوسع المالي والتحفيز النقدي، في محاولة لاحتواء ارتفاع عوائد السندات الحكومية وطمأنة المستثمرين بشأن استدامة الدين العام. لكن نجاح هذا التحول سيعتمد على قدرة حكومتها على ترجمة التصريحات الجديدة إلى إجراءات ملموسة في الموازنة المقبلة، ولا سيما ضبط الإنفاق وتحديد مصادر تمويل التخفيضات الضريبية. وتواجه الحكومة تحدياً كبيراً مع ارتفاع تكلفة الاقتراض، في ظل دين عام تبلغ قيمته نحو 7 تريليونات دولار، وهو الأكبر بين الاقتصادات المتقدمة، بينما تزداد حساسية أسواق السندات العالمية تجاه مخاطر التضخم والعجز المالي.

وتعهدت تاكايتشي بحصر إصدارات الدين الجديدة عند نحو 40 تريليون ين (253 مليار دولار)، رغم وصول طلبات الإنفاق للعام المالي المقبل إلى مستوى قياسي يبلغ 143 تريليون ين. كما أن خطتها لخفض ضريبة الاستهلاك لمدة عامين ستكلف الخزانة نحو 4 تريليونات ين سنوياً.

وتأمل الحكومة في سد الفجوة بالاستفادة من ارتفاع الإيرادات الضريبية والأموال المتاحة في الصناديق الحكومية، لكنّ محللين يحذرون من أن هذه الإجراءات قد لا توفر حلاً مستداماً، فضلاً عن احتمال زيادة السيولة والضغوط التضخمية في الاقتصاد.

وقال إيجي دوكي، كبير استراتيجيي السندات لدى «إس بي آي سيكيوريتيز»، إن «الأسواق تنظر إلى جوهر السياسات ولن تصدق الكلمات وحدها»، موضحاً أن المستثمرين يركزون على النتائج المالية الفعلية أكثر من الرسائل التي تحاول الحكومة إيصالها. وتعود جذور هذه المعضلة إلى تولي تاكايتشي رئاسة الوزراء في أكتوبر (تشرين الأول) من العام الماضي، عندما تعهدت بتوسيع الإنفاق لتحفيز النمو، وعينت عدداً من المؤيدين للسياسات التوسعية في اللجان الاستشارية الحكومية.

وكانت رؤيتها آنذاك تقوم على أن تعزيز النمو الاقتصادي يمثل الطريق إلى تحقيق الاستدامة المالية، وهو ما انعكس في دعم الوقود والتعهدات الضريبية وخطط الاستثمار الكبيرة.

غير أن ارتفاع عوائد السندات فرض قيوداً كبيرة على هذه التوجهات، ودفع الإدارة إلى إعادة صياغة خطابها الاقتصادي.

تحول في الخطاب الاقتصادي

قالت تاكايتشي أمام البرلمان، الاثنين، إن «الاستدامة المالية شرط أساسي» لتنفيذ سياستها المالية التي تصفها بأنها «مسؤولة واستباقية»، في تحول واضح عن خطابها السابق الذي كان يمنح النمو أولوية على الانضباط المالي. وتعهدت أيضاً بالسيطرة على إصدارات السندات وتعزيز التواصل مع الأسواق، في إشارة إلى إدراك الحكومة لحساسية المستثمرين تجاه ارتفاع العوائد إلى مستويات لم تُسجل منذ عقود.

وتسارعت جهود تغيير صورة الإدارة بعد دعوات وجهها وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت في أغسطس (آب) إلى اليابان للابتعاد عن سياسات «أبينوميكس»، التي اعتمدها رئيس الوزراء الراحل شينزو آبي، وجمعت بين التوسع المالي والتيسير النقدي لمكافحة الانكماش.

وقادت وزيرة المالية ساتسوكي كاتاياما جهود تعديل الخطاب الحكومي. وقالت في مقابلة إعلامية إن الحكومة قررت أواخر أغسطس إعادة ضبط رسائلها لطمأنة الأسواق بأن تاكايتشي لا تتبنى سياسات تستهدف تحفيز التضخم.

وبدأ هذا التحول يظهر في تصريحات مستشاري الحكومة. فقد أعلن وزير الاقتصاد مينورو كيوتشي، في 25 سبتمبر (أيلول)، انتهاء مرحلة السياسات التحفيزية على غرار «أبينوميكس». كما قال نائب محافظ بنك اليابان السابق ماسازومي واكاتابي، الذي يعمل مستشاراً للحكومة، إن السياسات التحفيزية المفرطة «لم يعد لها مكان في اليابان الآن».

وامتد تغير اللهجة إلى السياسة النقدية، إذ أعلنت أيانو ساتو، عضو مجلس إدارة بنك اليابان المعروفة سابقاً بميلها إلى التيسير التي اختارتها تاكايتشي، دعمها لزيادات مستقبلية في أسعار الفائدة. وباتت الحكومة تؤكد أن خطط الإنفاق تستهدف توسيع الطاقة الإنتاجية للاقتصاد، بدلاً من مجرد تحفيز الطلب ورفع التضخم.

الموازنة المقبلة تحسم المصداقية

تتجه أنظار المستثمرين الآن إلى مشروع الموازنة المقبلة، بوصفه الاختبار الحقيقي لمدى التزام الحكومة بالانضباط المالي. ومن المتوقع أن تساعد أرباح الشركات القوية والتضخم في زيادة الإيرادات الضريبية الاسمية، التي يقدر بعض المحللين أنها قد تصل إلى 90 تريليون ين العام المقبل. وتعهدت كاتاياما بالبحث عن الإنفاق غير الضروري والاستفادة من الأموال غير المستخدمة في الصناديق الحكومية، ضمن مبادرة تستلهم جهود تحسين الكفاءة الحكومية في الولايات المتحدة. وتتركز الأنظار على نحو 7 تريليونات ين موزعة على قرابة 200 صندوق حكومي، يمكن إعادة النظر في استخداماتها للمساهمة في تمويل أولويات الإدارة. لكنّ محللين يرون أن الاعتماد على هذه الأموال لا يوفر مصدراً دائماً للتمويل، وقد يؤدي إلى زيادة الإنفاق والطلب في وقت يحاول فيه بنك اليابان احتواء التضخم عبر رفع أسعار الفائدة.

وتبرز هنا مفارقة أساسية: فبينما يسعى البنك المركزي إلى تقليص الدعم النقدي لمنع ارتفاع الأسعار، قد تؤدي السياسة المالية التوسعية إلى زيادة الطلب المحلي، بما يعقد مهمة السيطرة على التضخم. كما أن استمرار ارتفاع عوائد السندات قد يزيد تكلفة تمويل الشركات ويحد من الاستثمار الخاص، وهو ما يتعارض مع هدف الحكومة المعلن بتعزيز النمو طويل الأجل.

وقال أساهي نوغوتشي، العضو السابق في مجلس إدارة بنك اليابان والمعروف بتأييده السابق للسياسات التحفيزية، إن الوقت الحالي يتطلب تجنب زيادة الطلب بصورة تدفع عوائد السندات إلى الارتفاع وتزاحم استثمارات القطاع الخاص. وأضاف أن الإدارة ربما افتقرت في البداية إلى رؤية اقتصادية متماسكة، مع تمسك بعض أعضائها بإرث «أبينوميكس»، لكنه أشار إلى أن هذا الوضع يبدو أنه تغير. وشدد على أن الاختبار الأساسي يتمثل في خفض الإنفاق غير الضروري وإقناع الأسواق بأن اليابان جادة في إصلاح ماليتها العامة. وبين تعهدات ضبط الدين وضغوط تمويل التخفيضات الضريبية والاستثمارات الجديدة، تواجه تاكايتشي معادلة صعبة تتطلب التوفيق بين دعم النمو وكبح التضخم والحفاظ على ثقة المستثمرين. ولذلك، لن يكون تغيير الخطاب الحكومي وحده كافياً لتبديد مخاوف الأسواق. فالموازنة المقبلة، وما ستتضمنه من قرارات بشأن الإنفاق والضرائب وإصدارات السندات، ستحدد ما إذا كانت الإدارة قد انتقلت فعلاً من سياسات التحفيز المفرط إلى نهج مالي أكثر انضباطاً، أم أن التحول لا يزال مقتصراً على التصريحات.