بعد أكثر من عقدين، يعود المنتخب السعودي إلى كأس الخليج باحثاً عن صورة غابت طويلاً؛ قائد يرفع الكأس، ولاعبون باللون «الأخضر» يحتفلون بلقب البطولة الخليجية.
الأربعاء، يبدأ «الأخضر» من جدة رحلة البحث عن لقبه الخليجي الرابع، حين يواجه الكويت في افتتاح مشواره في «خليجي 27»، قبل مواجهة عُمان، ثم العراق، ضمن المجموعة الأولى، في بطولة تستضيفها جدة للمرة الأولى في تاريخها خلال الفترة من 23 سبتمبر (أيلول) حتى 6 أكتوبر (تشرين الأول).
والمفارقة أن الكويت التي يقابلها المنتخب السعودي في بداية رحلته الجديدة، هي الأرض ذاتها التي شهدت آخر تتويج سعودي بكأس الخليج قبل 23 عاماً تقريباً.
كانت «خليجي 16» مختلفة عن النسخ الحالية؛ سبعة منتخبات تنافست بنظام الدوري من دور واحد، ولم تكن هناك أدوار إقصائية أو مباراة نهائية.
وفي نهاية ست مباريات، كان صاحب المركز الأول بطلاً للخليج. دخل المنتخب السعودي النسخة مدافعاً عن لقبه الذي حققه في الرياض عام 2002، وأنهاها محتفظاً بالكأس للمرة الثانية توالياً، ومضيفاً اللقب الثالث إلى سجله بعد 1994 و2002.
قاد الهولندي جيرارد فاندرليم ذلك المنتخب، وفي صفوفه مجموعة من الأسماء التي ستصبح لاحقاً من أبرز نجوم الكرة السعودية: محمد نور، ومحمد الشلهوب، وياسر القحطاني، وأحمد الدوخي، ورضا تكر، وحمد المنتشري، وعمر الغامدي، وإبراهيم سويد، وخميس العويران، ومبروك زايد، وغيرهم.
وبدأت الرحلة أمام الإمارات في 26 ديسمبر (كانون الأول) 2003. لم يحتج «الأخضر» طويلاً ليضع بصمته؛ إذ سجل الشلهوب من ركلة جزاء بعد 15 دقيقة، قبل أن يضيف رضا تكر الهدف الثاني في الدقيقة 83، ليخرج المنتخب السعودي بانتصار 2-0 وبداية مثالية لحملة الدفاع عن لقبه.
بعدها اصطدم «الأخضر» بقطر وانتهت المباراة دون أهداف، قبل أن يعود إلى طريق الانتصارات أمام البحرين بهدف إبراهيم سويد، ثم جاءت واحدة من أكثر مباريات البطولة تنافساً أمام الكويت المضيفة.
تقدم الشلهوب للسعودية، قبل أن تدرك الكويت التعادل في الدقائق الأخيرة، لتنتهي المواجهة 1-1. لكن أبرز قصة في رحلة اللقب ربما كُتبت أمام عُمان. تأخر المنتخب السعودي بهدف عماد الحوسني، وبدا أن صدارة «الأخضر» أصبحت مهددة، قبل أن يظهر محمد نور في الدقيقة 69 تقريباً ويعيد المنتخب إلى المباراة بهدف التعادل.
لم تكن أهمية هدف نور في تسجيله فقط، بل في توقيته وما تبعه. أعاد الهدف المنتخب السعودي إلى المواجهة، ثم جاءت الدقيقة الأخيرة ليظهر مهاجم في الحادية والعشرين من عمره اسمه ياسر القحطاني ويسجل هدف الفوز 2-1، رافعاً رصيد «الأخضر» إلى 11 نقطة، ومقرّباً المنتخب خطوة كبيرة من الكأس. الصحافة السعودية يومها اختصرت المشهد بعنوان: «عدلها نور وحسمها ياسر».
كانت تلك البطولة أيضاً واحدة من المحطات التي أعلنت القحطاني على المستوى الخليجي؛ فبعد هدفه القاتل أمام عُمان، دخل المباراة الأخيرة أمام اليمن وسجل هدفَي الفوز 2-0، لينهي البطولة بثلاثة أهداف، في المركز الثاني بقائمة الهدافين بالتساوي مع عدد من اللاعبين، خلف البحريني طلال يوسف صاحب الأهداف الخمسة.
أما نور، فكان أحد أبرز وجوه ذلك المنتخب؛ حضوره لم يقتصر على هدف عُمان. واختير نجم مباراة السعودية والكويت، كما كان ضمن خمسة لاعبين سعوديين دخلوا التشكيلة المختارة لنجوم البطولة إلى جانب أحمد الدوخي ورضا تكر وخميس العويران وياسر القحطاني.
ونال تكر جائزة أفضل مدافع، في حين حصل فاندرليم على جائزة أفضل مدرب وفق التغطية الصحافية السعودية للبطولة.
حتى الاحتفال كان له قصة. بعد الانتصار الصعب على عُمان، احتفل لاعبو «الأخضر» بالاقتراب من اللقب، لكن فاندرليم أوقف تلك الأجواء، وذكّر لاعبيه بأن الكأس لم تُحسم بعد، وأن أمامهم اليمن.
الرسالة كانت واضحة: لا احتفال قبل النهاية. وبعدها جاءت ثنائية القحطاني في شباك اليمن لتمنح «الأخضر» ما أراد.
أنهت السعودية البطولة بـ14 نقطة من ست مباريات؛ بأربعة انتصارات وتعادلين ومن دون أي خسارة، وسجل لاعبوها ثمانية أهداف، ولم تستقبل شباكهم سوى هدفين.
وجاءت البحرين ثانية بـ13 نقطة؛ أي إن نقطة واحدة فقط فصلت «الأخضر» عن وصيفه. الأهداف السعودية الثمانية توزعت على الشلهوب (هدفين)، وياسر القحطاني (ثلاثة أهداف)، ورضا تكر، وإبراهيم سويد، ومحمد نور، في صورة تعكس تعدد الحلول الهجومية لذلك المنتخب.
ومنذ تلك الليلة، لم تعد الكأس إلى الخزائن السعودية. وصل «الأخضر» إلى المباراة النهائية في عُمان 2009، واليمن 2010، والرياض 2014، وقطر 2019، لكنه أنهى تلك النسخ وصيفاً، ليظل تتويج الكويت آخر لقب سعودي حتى اليوم.
والآن، بعد 23 عاماً تقريباً، تبدو الصورة مختلفة تماماً.
جيل محمد نور والشلهوب والقحطاني وتكر والدوخي... أصبح جزءاً من ذاكرة الكرة السعودية، في حين يدخل جيل جديد البطولة على أرضه محاولاً صناعة ذاكرته الخاصة.
ويقود اليوناني جورجيوس دونيس المنتخب السعودي في «خليجي 27»، ضمن مجموعة لا تبدو سهلة بوجود الكويت وعُمان والعراق.
ويبدأ «الأخضر» أمام الكويت في 23 سبتمبر، ثم يواجه عُمان في 26 منه، ويختتم دور المجموعات أمام العراق في 29 سبتمبر، وجميع مبارياته الثلاث على «ملعب الإنماء» بمدينة الملك عبد الله الرياضية في جدة.
وتحمل النسخة الحالية بعداً إضافياً؛ فهي المرة الأولى التي تستضيف فيها جدة كأس الخليج، بعدما سبق للسعودية أن استضافت البطولة في الرياض والخبر.
وتقام مباريات «خليجي 27» على ملعبَي مدينة الملك عبد الله الرياضية ومدينة الأمير عبد الله الفيصل الرياضية.
وهكذا، تبدو المسافة بين الكويت وجدة أكبر من 23 عاماً؛ جيل كامل من اللاعبين مرّ على المنتخب، وتبدلت أسماء النجوم والمدربين، ووصل «الأخضر» أربع مرات إلى الوصافة، لكن الكأس لم تعد.
في الكويت كان هناك محمد نور بشخصيته وحضوره، والشلهوب بموهبته، وياسر القحطاني ببدايته اللافتة، ورضا تكر وصلابة الدفاع، ومبروك زايد في المرمى، ومجموعة عرفت كيف تنهي ست مباريات دون خسارة.
وفي جدة، يبحث «الأخضر» عن أسماء جديدة تكتب قصتها الخاصة. فكأس الخليج بالنسبة إلى السعودية هذه المرة ليست رحلة نحو لقب رابع فحسب، إنها محاولة لإنهاء انتظار امتد منذ أن «عدلها نور وحسمها ياسر»... وإعادة صورة الكأس إلى القميص «الأخضر» بعد غياب جيل كامل.