لم يحتج الاتحاد الأوروبي لكرة القدم «يويفا» سوى ساعات قليلة لنسف الهدف الذي سعى إليه الاتحاد الدولي «فيفا» من اجتماع الرباط. فالاعتذار الذي قُدم إلى الاتحادات الوطنية الـ211، وإعلان «الدعم الكامل» لجياني إنفانتينو، لم ينجحا في استعادة الثقة، بل فتحا الباب أمام مرحلة جديدة تجاوزت الجدل حول مشروع بيع الحقوق التجارية لكأس العالم إلى التشكيك في قدرة المؤسسة نفسها على مراقبة قراراتها ومحاسبة قيادتها.
كان اجتماع الرباط مصمماً لاحتواء أخطر أزمة واجهها إنفانتينو منذ توليه رئاسة «فيفا» عام 2016. وانتهى باعتراف رسمي بوقوع أخطاء في إعداد مشروع «فيفا فوروارد إنتربرايز» والتواصل بشأنه، مع الإقرار بأن الملف كان ينبغي أن يُدار بطريقة مختلفة، والتعهد بإجراء مراجعة تُعرض على مجلس الاتحاد في اجتماعه المقبل. وفي الوقت نفسه، شدد البيان على أن الإجراءات تمت ضمن الأطر التنظيمية، وأن «فيفا» لن يتسامح مع الهجمات التي تستهدف نزاهته أو حوكمته أو سمعته.

إلا أن البيان لم يجب عن السؤال الذي بقي معلقاً منذ تفجر الأزمة: كيف أمكن إعداد مشروع لبيع حصة من الإيرادات المستقبلية لأكبر بطولات كرة القدم بعيداً عن مجلس «فيفا»، والاتحادات القارية، وعدد من كبار المسؤولين التنفيذيين داخل المنظمة؟
بالنسبة إلى «يويفا»، لم تعد القضية صفقة أُلغيت، بل تعد نموذجاً لاتخاذ القرار. وأكد الاتحاد الأوروبي أن شروطه لم تُستوفَ، رغم سحب المشروع، لأن الضمانات المطلوبة لمنع تكرار محاولة مماثلة لم تُقدَّم. كما تمسك بموقفه القائل إنه فقد الثقة في رئاسة إنفانتينو، وعد أن إعلان تأييد مسؤولين يعملون تحت سلطة الرئيس لا يغير شيئاً من جوهر الأزمة.

وظل خيار مقاطعة بطولات «فيفا»، بما فيها كأس العالم، قائماً، بينما واصل «يويفا» دراسة أدوات تصعيد أخرى، من بينها الدعوة إلى جمعية عمومية استثنائية أو تحريك تصويت بحجب الثقة. ويتطلب عقد الاجتماع طلباً رسمياً من 43 اتحاداً، في حين يحتاج تمرير الحجب إلى 106 أصوات من أصل 211، وهي معادلة تمنح إنفانتينو وقتاً لمحاولة استعادة التأييد خارج أوروبا، حيث لا يزال يحظى بدعم اتحادات تعتمد بدرجات متفاوتة على برامج تمويل «فيفا».
وتكمن النقلة الأخطر في أن المطالب لم تعد تقتصر على اعتذار أو استقالة، بل وصلت إلى الدعوة لإدخال جهات مستقلة من خارج الاتحاد الدولي. ويخطط «يويفا» لتكليف خبراء ماليين بتقييم مستقل لأصول كأس العالم، بعد شكوك في أن قيمة الشركة المقترحة، المقدرة بنحو 20 مليار دولار، ربما كانت أقل من القيمة السوقية الحقيقية، خصوصاً في ظل إيرادات بلغت 15 مليار دولار خلال الدورة الأخيرة، وغياب أدلة واضحة على مناقصة تنافسية أو منهجية تسعير شفافة.
وفي الاتجاه نفسه، دعا التحالف العالمي للنزاهة في الرياضة «سيغا» من مقره في جنيف إلى مراجعة خارجية مستقلة لآليات الحوكمة، واتخاذ القرار داخل «فيفا»، مؤكداً أن الثقة العامة لا يمكن أن تقوم على التقييم الذاتي أو مراجعة النظراء، وأن الرقابة المستقلة وشهادات الاعتماد يجب أن تصبح معياراً ثابتاً في كرة القدم العالمية.
وتحمل هذه المطالب رسالة تتجاوز إنفانتينو نفسه؛ فعندما تطالب أكبر مؤسسة كروية في أوروبا، وتحالف دولي متخصص في النزاهة، بإخضاع «فيفا» لمراجعات من خارج هياكله، فإن الشك لم يعد منصباً على قرار واحد، بل على قدرة المؤسسة على محاسبة ذاتها.

وهكذا، تحول الاعتذار الذي كان يفترض أن يطوي الأزمة إلى دليل إضافي على اتساعها. فالمشروع انتهى، لكن الأسئلة التي أطلقها بقيت مفتوحة: من يملك سلطة اتخاذ القرارات الكبرى؟ ومن يراجعها؟ وهل يمكن استعادة الثقة من داخل المنظومة نفسها، أم أن «فيفا» بات يحتاج إلى رقابة مستقلة تعيد رسم حدود السلطة داخله؟
ومع اتساع دائرة الانتقادات، لم يعد التشكيك يقتصر على المؤسسات الأوروبية، بل امتد إلى عدد من الاتحادات الوطنية التي كانت تُعد من الحلفاء التقليديين لرئيس الاتحاد الدولي.
فقد جدد الاتحاد الإنجليزي لكرة القدم موقفه الرافض لاستمرار جياني إنفانتينو في رئاسة «فيفا»، مؤكداً أن الاعتذار الأخير لم يغير قناعته بأنه لم يعد الشخص المناسب لقيادة الاتحاد الدولي. وانضمت إنجلترا بذلك إلى اتحادات ويلز والسويد وفنلندا وصربيا التي سبق أن أعلنت سحب دعمها له قبل الانتخابات الرئاسية المقبلة.
وفي أحدث المواقف الأوروبية، دعت لورا ماك أليستر، نائبة رئيس الاتحاد الأوروبي لكرة القدم (يويفا)، إلى أن يكون الرئيس المقبل للاتحاد الدولي لكرة القدم «الحارس الأمين للرياضة»، مؤكدة أن كرة القدم تحتاج إلى قيادة قادرة على توحيد أسرة اللعبة عالمياً، لا إلى إدارة تقوم على مراكز النفوذ أو الأشخاص. وأوضحت أن أي منافس جاد لجياني إنفانتينو لن يتمكن من خوض السباق الرئاسي اعتماداً على الدعم الأوروبي وحده، بل يحتاج إلى تأييد واسع من مختلف الاتحادات القارية، في ظل التعقيدات السياسية التي تحيط بانتخابات رئاسة «فيفا».

وشددت أليستر على أن الأزمة الحالية تفرض إصلاحات عميقة في منظومة الحوكمة داخل الاتحاد الدولي، داعية إلى تحديث هياكل إدارة كرة القدم بما يضمن اتخاذ القرارات وفق أسس ديمقراطية وشفافة، بعيداً عن نفوذ الأفراد أو المصالح التجارية والسياسية. وأضافت أن اللعبة يجب أن تُدار بما يخدم كرة القدم نفسها وجميع المنتمين إليها، لا أن تخضع لرأس المال الخاص أو التدخلات السياسية، عادّةً أن أي تغيير في قيادة «فيفا» ينبغي أن يقترن بالعودة إلى القيم الأساسية التي تقوم عليها اللعبة.
كما أضاف الأمير علي بن الحسين، رئيس الاتحاد الأردني لكرة القدم، بعداً آخر للأزمة عندما أعلن أنه لن يؤيد إعادة انتخاب إنفانتينو، منتقداً أسلوب إدارة الاتحاد الدولي لعدد من الملفات، ومن بينها تأخر صرف مستحقات مالية للاتحاد الأردني لأشهر عدة. واللافت أن تلك المستحقات، التي ظلت معلقة منذ ديسمبر (كانون الأول) الماضي، حُولت بعد يومين فقط من تصريحاته، في توقيت أعاد النقاش حول العلاقة بين «فيفا» والاتحادات الوطنية، رغم أن الاتحاد الدولي لم يربط بين الأمرين أو يقدم تفسيراً لتأخر الصرف طوال تلك المدة.
ولم تقف الضغوط عند هذا الحد، إذ كشفت وثائق نُشرت هذا الأسبوع أن إنفانتينو كان على اطلاع على مفاوضات جرت عام 2020 مع عدد من كبار الأندية الأوروبية لإطلاق بطولة انفصالية تحت اسم «سوبر ليغ فيفا»، قبل أشهر من إعلانه معارضة مشروع دوري السوبر الأوروبي عند ظهوره إلى العلن في عام 2021.
وحسب الوثائق، فإن المشروع كان يقوم على شراكة طويلة الأمد تمنح «فيفا» دوراً محورياً في إدارة بطولة جديدة للأندية، إلى جانب نسخة موسعة من كأس العالم للأندية، مع صلاحيات واسعة في الجوانب التجارية والتنظيمية. ورغم أن المشروع لم يتجاوز مرحلة الاتفاق الأولي، فإن ظهوره في هذا التوقيت منح منتقدي إنفانتينو دليلاً إضافياً على أن محاولات إعادة تشكيل خريطة كرة القدم العالمية لم تكن وليدة أزمة بيع الحقوق التجارية، بل كانت امتداداً لنهج بدأ منذ سنوات.

وفي الوقت نفسه، لا تزال أوروبا تواصل التدقيق في مشروع بيع الحقوق التجارية لكأس العالم، ليس من زاوية رفض الاستثمار الخاص فحسب، بل من زاوية حماية أصول الاتحاد الدولي. وتشير تقارير بريطانية إلى أن «يويفا» بدأ بالفعل مشاورات مع خبراء ماليين تمهيداً لإجراء تقييم مستقل لقيمة الأصول التجارية لـ«فيفا»، بعد شكوك في أن التقييم البالغ نحو 20 مليار دولار لم يعكس القيمة الحقيقية لأغلى بطولة كروية في العالم، خاصة في ظل الإيرادات القياسية التي حققها الاتحاد الدولي خلال الدورة المالية الأخيرة.
وتعكس هذه الخطوة تحولاً مهماً في طبيعة المواجهة؛ فبدلاً من الاكتفاء برفض المشروع، باتت المطالبة تتركز على مراجعة الأسس التي بُني عليها، وآليات اتخاذ القرار داخله، وهو ما يفتح الباب أمام نقاش أوسع حول الحوكمة والشفافية داخل الاتحاد الدولي.

وفي المقابل، يتمسك إنفانتينو بموقفه، مستنداً إلى استمرار دعم عدد كبير من الاتحادات الوطنية خارج أوروبا، وهي قاعدة انتخابية عززها على مدى سنوات عبر برنامج «فيفا فوروارد» المخصص لتمويل مشاريع تطوير كرة القدم، الذي وفر للاتحادات الأعضاء دعماً مالياً غير مسبوق. ومع اقتراب الإعلان عن النسخة الجديدة من البرنامج، يعتقد مراقبون أن ملف التمويل سيبقى أحد أهم عناصر الصراع قبل الانتخابات الرئاسية المقبلة.
ورغم أن بيان الرباط حاول رسم صورة موحدة داخل «فيفا»، فإن ما أعقبه من مواقف كشف أن الأزمة دخلت مرحلة مختلفة. فلم يعد الجدل يدور حول مشروع استثماري أُلغي تحت ضغط الاعتراضات، بل حول مدى الثقة في منظومة اتخاذ القرار داخل الاتحاد الدولي، وحدود صلاحيات رئيسه، وقدرة المؤسسة على مراجعة نفسها دون تدخل خارجي.
وخلال أيام قليلة فقط، انتقل النقاش من بيع 21 في المائة من الحقوق التجارية لكأس العالم إلى المطالبة برقابة مستقلة، وتقييمات مالية خارجية، وإصلاحات في الحوكمة، وضمانات تمنع تكرار ما حدث. وهي مطالب تعكس أن الأزمة لم تعد أزمة صفقة، بل أزمة ثقة في مؤسسة تدير اللعبة الأكثر شعبية في العالم.

ولهذا، يبدو أن الاعتذار الذي كان يُفترض أن يطوي الصفحة، فتح في الواقع فصلاً جديداً من المواجهة. فبالنسبة إلى معارضي إنفانتينو، لم يعد سحب المشروع أو الاعتراف بالأخطاء كافيين لاستعادة الثقة، بل أصبحت الأنظار تتجه إلى ما إذا كان «فيفا» مستعداً لإجراء إصلاحات مؤسسية حقيقية تعيد رسم قواعد الحوكمة والرقابة داخل الاتحاد الدولي، أم أن الأزمة الحالية ستكون مجرد محطة جديدة في سلسلة من المواجهات التي رافقت رئاسة إنفانتينو خلال العقد الأخير.
