لماذا لا نشعر بالسعادة الكاملة وينتابنا إحساس عميق بأن «الحياة هي في مكان آخر»، وذلك بحسب التعبير الشهير الذي جعل منه الروائي التشيكي البارز ميلان كونديرا عنواناً لواحدة من أعماله الشهيرة؟
صحيح أننا طوال الوقت نعبّر بدرجة أو بأخرى عن شكل من أشكال الرضا أو القناعة بحياتنا الحالية، لكن لماذا يلازمنا إحساس دفين بأن الزمن لو عاد بنا إلى الوراء وغيّرنا من اختياراتنا وقراراتنا، لتجنبنا الشعور بالتعاسة؟ تلك التساؤلات الفلسفية تطرحها مسرحية «ماذا لو؟!» المأخوذة عن رواية الكاتب البريطاني مات هيغ «مكتبة منتصف الليل»، التي تُعرض على خشبة مسرح المعهد العالي للفنون المسرحية بالقاهرة، ضمن فعاليات المهرجان القومي للمسرح المصري.
الشخصية الرئيسية في الأحداث هي «نورا» التي جسّدت شخصيتها الفنانة أمنية حسن، وهي عازفة بيانو مرهفة الحس وذات نزعة مثالية، لكنها تعيش حالة من الإحباط بسبب خيانة حبيبها لها مع أخريات، فضلاً عن فشلها في التأقلم مع البيئة المحيطة بها وانغماسها في حياة تعيسة، مما يجعلها تقرر أن تنهي حياتها بسبب تفاقم شعورها بالاكتئاب.
لحسن الحظ تنتهي محاولة البطلة بالفشل، لكنها لا تعود إلى حياتها وأفكارها السابقة بالكامل، إذ يستغرقها التفكير في مطاردة ما تتصوره من احتمالات الفرص الضائعة التي سبق أن مرت بحياتها، فتسأل نفسها «ماذا لو؟»، بمعنى ماذا كان سيحدث لو اتخذت قرار كذا بدلاً من كذا، ماذا لو رفضت ما سبق أن قبلته وقبلت ما سبق أن رفضته؟

كانت هذه التساؤلات هي أكثر ما أثار حماس ماركو نبيل، مخرج العمل، فهو يعتقد أنها «تتضمّن علامات استفهام تراودنا جميعاً في لحظات معينة، خصوصاً عندما نشعر بالندم، أو نقارن حياتنا بما كنا نتمنى أن نصبح عليه»، وفق قوله. وأضاف لـ«الشرق الأوسط» أنه وجد «الرواية المأخوذة عنها المسرحية لا تتعامل مع هذا التساؤل أو الافتراض باعتباره مجرد فكرة خيالية، بل تستخدمه للغوص في مشاعر إنسانية شديدة القرب منا، مثل الفشل والوحدة والبحث عن المعنى والتصالح مع الذات، فرأيت فيها مادة ثرية وقابلة للتحول إلى تجربة مسرحية».
ومن الشخصيات المؤثرة في العمل الجار المسن للبطلة الذي اعتادت أن تستضيفه في منزلها وتلعب معه الشطرنج لتؤنس ليالي وحدته، لكنه يتحول إلى «ناصح أمين» في تلك المرحلة الجديدة من حياتها على نحو يجمع بين خفة الظل والحكمة، فيرد على أسئلتها، ويكشف عما كان من الممكن أن يحدث لها لو سلكت اختيارات أخرى ونفذت قرارات مختلفة عما قررته بالفعل.
تكتشف نورا أن كل اختيار يحمل في النهاية سلبياته وإيجابياته، وأن التعاسة كان من الممكن أن تلاحقها أيضاً لو ارتبطت بالشاب الذي أحبها وكانت تنفر منه لسبب سطحي يتمثل في شكله، أو ذهبت مع شقيقها في رحلة لمشاهدة روائع المسرح العالمي في نيويورك أو استجابت لصديقتها المقيمة في أستراليا التي لطالما ألحت عليها لتذهبا معاً في رحلة إلى إيطاليا.
لعبت الاستعراضات التي صمّمها كابو، والإضاءة التي صممها محمود الحسيني (كاجو) دوراً لافتاً في العمل، فيما برز الجهد المبذول في تصميم الديكور من جانب سعد الدين علي، فضلاً عن فريق التمثيل الذي ضم إلى جانب أمنية حسن، ريم السحرتي، وأبانوب بحر، وسعد سمير، وصلاح عبد العزيز، ومحمد الغزاوي، وبيرثي صموئيل.
وعن الهاجس الذي كان يشغله وهو يحول الرواية إلى نص مسرحي، يقول ماركو نبيل: «كان الهاجس الأساسي بالنسبة لي هو فكرة الندم، وكيف يمكن للإنسان أن يستهلك حياته في التفكير في الطرق التي لم يسلكها، متصوراً دائماً أن هناك حياة أخرى أكثر كمالاً كانت تنتظره».

وأضاف: «لذلك لم يكن هدفي تقديم حكاية عن الانتقال بين عوالم مختلفة فحسب، وإنما طرح سؤال أكثر عمقاً: هل توجد بالفعل حياة مثالية أم أن المشكلة تكمن في الطريقة التي ننظر بها إلى حياتنا الحالية؟ وهنا حاولت من خلال العرض الوصول إلى معنى مفاده أن قيمة الحياة لا ترتبط بخلوها من الأخطاء أو الخسائر، بل بقدرتنا على رؤيتها من زاوية أخرى، وقبول هشاشتها ونقصها».
ولفت إلى أن أبرز التحديات التي واجهته عند الاشتغال على هذا النص تمثّل في تحويل عالم روائي واسع، يعتمد بدرجة كبيرة على السرد والأفكار الداخلية للشخصية، إلى عمل مسرحي حي يمكن للجمهور أن يراه ويتفاعل معه، فالرواية تحتوي على عدد كبير من الحيوات والاحتمالات، ولم يكن من الممكن نقلها جميعاً إلى خشبة المسرح، «لذلك كان علينا اختيار التجارب الأكثر تعبيراً عن رحلة الشخصية وتطورها النفسي»، على حد تعبيره.
وعما إذا كان قد شعر بالتخوف من الاعتماد على طاقم تمثيل غير محترف من الطلبة، أكد أنه «لا يعدّهم طاقماً غير محترف، فجميعهم يدرسون في المعهد العالي للفنون المسرحية، ويتلقون تدريباً أكاديمياً وعملياً في التمثيل وفي مختلف عناصر العمل المسرحي». وأوضح أن «التجربة كانت إيجابية للغاية؛ لأنهم تعاملوا مع العمل بجدية وانضباط، وكان لديهم حماس كبير للتجريب وتطوير الشخصيات، كما أن طبيعة دراستهم منحتهم القدرة على فهم الرؤية الإخراجية والمشاركة في بنائها، وليس مجرد تنفيذها».
