لا ينشغل عرض «المضطر يركب القطر» بسرد حكاية تقليدية بقدر ما يبني عالماً مسرحياً تتقاطع فيه الفانتازيا مع العبث والكوميديا السوداء، ليطرح تساؤلات عن الخوف والهوية والإنسان في مواجهة المجهول. ومنذ اللحظة الأولى، تتحول رحلة داخل قطار إلى مدخل لعالم تتبدل فيه القواعد باستمرار، فلا يعود الانتقال بين المحطات هدفاً في حد ذاته، وإنما وسيلة لاختبار الشخصيات وكشف ما يختبئ داخلها.
وتبدأ أحداث العرض الذي يشارك في المهرجان القومي للمسرح المصري مع ثلاثة أشخاص يُكلَّفون بمهمة تبدو محددة، وهي تعقب شخص يُعرف باسم «الخطر»، لكنهم ينطلقون من دون أي معلومات حقيقية تقودهم إليه، ولا يملكون سوى جهاز يصدر إشارات حمراء كلما اقتربوا من مصدر للخوف، فيتحول إلى دليل يقود رحلتهم، لكنه في الوقت نفسه يضاعف ارتباكهم، إذ يثير أسئلة أكثر مما يقدم من إجابات، ويجعلهم يشكون في طبيعة ما يبحثون عنه.
العرض كتبه محمد السوري وأخرجه وجسّد بطولته أفرايم كامل، وشارك في البطولة كل من ساندرا طارق، ومحمد حسن، وكارلوس عماد، وأحمد هشام، وبولا عبد المسيح، وعرض على مسرح «ميامي» بوسط القاهرة.
ويقول بطل ومخرج العرض أفرايم كامل لـ«الشرق الأوسط» إن الفكرة انطلقت من الرغبة في تقديم تجربة مسرحية مختلفة، لا تعتمد على القوالب التقليدية التي اعتادها الجمهور، موضحاً أن «العمل لم يبدأ من إجابات جاهزة، بل من أسئلة حقيقية ظل فريقه يبحث عنها طوال مراحل الكتابة».

وأضاف أن علاقته بالمؤلف محمد السوري، الممتدة منذ نحو سبع سنوات، ساهمت في بناء هذه التجربة، إذ كانا يكتبان المشاهد دون معرفة مسبقة بما سيأتي بعدها، معتمدين على التخمين والبحث المستمر للوصول إلى الشكل النهائي للنص.
وأوضح أن الفكرة ظلت قيد التطوير ما بين سبعة وثمانية أشهر قبل أن تتحول إلى نص مكتمل خلال ثلاثة أو أربعة أشهر، مشيراً إلى أن التحدي الأكبر لم يكن في ابتكار الفكرة نفسها، وإنما في إيجاد الطريقة المسرحية المناسبة لتقديمها على الخشبة.
وأضاف أن «رحلة تنفيذ العرض لم تخلُ من الصعوبات، خصوصاً مع اضطرار فريق العمل إلى تغيير عدد من الأبطال بسبب ارتباطاتهم قبل انطلاق المهرجان بأسبوعين فقط، وهو ما اضطرني إلى تجسيد دور البطولة مستفيداً من كوني ممثلاً إلى جانب إخراجي للعمل وإلمامي الكامل بتفاصيله».
وأشار إلى أن المشروع بدأ داخل كلية العلوم بجامعة عين شمس بفريق صغير، قبل أن يتوسع تدريجياً عبر تنظيم اختبارات أداء لاستقطاب أعضاء جدد، لافتاً إلى أن روح التعاون كانت العامل الأهم في استكمال التجربة، إذ شارك أفراد الفريق في أكثر من مهمة، من بينها تصميم الملابس وتنفيذ الديكور، إلى جانب التمثيل.
من جهته، أكد الناقد المصري محمد عبد الرحمن أن قوة العرض تنبع من كونه عملاً يرفض تقديم نفسه بصورة مباشرة، واصفاً النص المسرحي بأنه «مراوغ»، إذ لا يمنح المتلقي إجابات جاهزة، بل يدفعه إلى خوض رحلة من الأسئلة والتأويلات.

وأضاف عبد الرحمن لـ«الشرق الأوسط» أن «أفرايم كامل تعامل مع هذا النص برؤية إخراجية استطاعت الإمساك بخيوطه المتشابكة، معتمداً على أداء تمثيلي منضبط، وتكامل واضح بين الإضاءة والديكور والموسيقى والمؤثرات البصرية، بما جعل العناصر كافة تتحرك داخل منظومة واحدة تخدم الفكرة، لا مجرد أدوات للتزيين»، مشيراً إلى أن «ما يبدو على خشبة المسرح حالة من العبث والفوضى، يتحول تدريجياً إلى صورة دقيقة للعالم الذي يعيشه الإنسان اليوم، حيث تتداخل المخاوف وتتشابك الحقائق ويصبح الوصول إلى اليقين أكثر صعوبة».
ويرى عبد الرحمن أن «العرض ينجح في تحويل الفوضى إلى لغة مسرحية تحمل قدراً كبيراً من الحساسية، وتعكس معاناة الإنسان المعاصر بعيداً عن الوعظ أو الخطابة، مما يمنح أفكاره قابلية للتأويل داخل أي مجتمع، مهما اختلفت ظروفه».
وأشار إلى أن العرض لا يمنح المتلقي رفاهية المشاهدة السهلة، بل يطالبه بالمشاركة في بناء المعنى، إذ يفرض عليه متابعة التفاصيل وربطها ببعضها، معتبراً أن هذا الجهد الذهني ليس عبئاً بقدر ما هو امتداد لحالة الإنهاك التي يعيشها الإنسان خارج المسرح، وكأن العرض يعيد إنتاج ارتباك الواقع على الخشبة، لا ليضاعفه، وإنما ليجعله أكثر وضوحاً.
ولفت إلى أن انفجار القطار وما يعقبه من انتقال الشخصيات بين عوالم تبدو بلا نهاية، ليس سوى استعارة لرحلة الإنسان وسط صراعاته الوجودية، حيث تتبدل الوجوه والأماكن، بينما يبقى البحث عن الحقيقة مستمراً.
