لا يجد زائر معرض «جذور بلا أوراق» للفنان المصري هاني رزق نفسه أمام صور مألوفة للحرب، أو مفردات بصرية مكررة اعتادت بعض الأعمال الفنية توظيفها عند تناول القضية الفلسطينية.
فلا أعلام ولا كوفية ولا أغصان زيتون على مسطح اللوحات، ولا حتى مشاهد الدماء التي قد تتصدر المشهد الفلسطيني في بعض الأطروحات الفنية خصوصاً بعد «حرب غزة». وبدلاً من ذلك اختار رزق في معرضه المقام بمتحف «الفن المصري الحديث» في دار الأوبرا المصرية أن يقود المتلقي إلى مساحة أكثر عمقاً، حيث تصبح العلاقات الإنسانية المدخل الحقيقي لقراءة ما جرى في غزة، ويغدو الإنسان، لا الحدث، محور الحكاية.

يقول الفنان لـ«الشرق الأوسط»: «المعرض لا ينطلق من رؤية سياسية، بقدر ما يطرح سؤالاً إنسانياً عن مصير شعب تعرض للقتل والتهجير وفقدان لعائلات كاملة». مضيفاً: «عنوان (جذور بلا أوراق) جاء تعبيراً عن هذا الهاجس؛ فالجذور ترمز إلى التاريخ والهوية والانتماء، بينما تمثل الأوراق الامتداد الطبيعي للحياة».
ويتساءل: «ماذا يبقى حين تظل الجذور راسخة، بينما يكون هناك تخوف من تساقط أوراقها التي تمثل المستقبل؟!». ومن هنا تتشكل الأعمال في صورة تجمعات بشرية مترابطة، تتداخل فيها الأيدي والأجساد حتى تبدو كأنها جسد واحد في تكوينات تعكس قوة الإنسان عندما يتمسك بمن حوله. يوضح رزق: «تعمدت الابتعاد عن فكرة البطل الفرد؛ لأن ما عاشه أهل غزة كان بطولة مجتمع بأكمله، لا بطولة أشخاص فقط».
كما يستعيد الفنان المصري أثر نشأته في ريف محافظة الشرقية، حيث تشكّل وعيه بقيمة الترابط الاجتماعي؛ إذ شاهد في طفولته التعاون بين أهل القرية في الأفراح والأحزان والعمل اليومي. وهو ما انعكس تلقائياً على أعماله؛ لذلك بدت التجمعات البشرية عنصراً رئيسياً في معظم لوحاته، بوصفها تعبيراً عن قوة الجماعة وتماسكها.

وتحتل المرأة موقعاً محورياً في معظم الأعمال؛ انطلاقاً من كونها رمزاً لـ«الجذر» الذي يحفظ استمرار الحياة. يقول: «كلما تأملت ما يحدث، اكتشفت أن المرأة هي الحضن الكبير الذي يضم الأسرة كلها؛ لذلك حضرت في اللوحات باعتبارها رمزاً للأمان والاستمرارية».
وفي هذا السياق يمثل الأطفال الامتداد الذي يخشى ضياعه، فيما يجسد الرجل الحماية والسند، «لتصبح الأسرة بأكملها رمزاً لشعب يتمسك بالحياة رغم التهجير والتجويع والفقد»، وفق الفنان. ورغم استلهام الأعمال لمشاهد عاشها العالم خلال الحرب على غزة، فقد حرص الفنان على الابتعاد عن السردية المباشرة للحرب؛ فلم يشأ أن يرسم الدماء أو مشاهد الرعب، وإنما حاول أن ينقل أثرها الإنساني.
ومن بين الأعمال التي تجسد هذه الفكرة لوحة بعنوان «العشاء الأخير»، التي استلهم فيها التكوين الشهير، لكنه جاء في لوحته بأطفال يقفون أمام أوان خاوية، في إشارة إلى الجوع والخذلان، من دون الوقوع في المباشرة.
ويلفت رزق إلى أن التحدي الأكبر الذي واجهه أثناء تنفيذ المعرض كان البحث عن الأمل وسط كل هذا الألم، قائلاً: «عشت مشاعر حزن حقيقية وأنا أنجز هذه الأعمال، وكان السؤال الذي يطاردني دائماً هو كيف أُخرج الأمل من قلب المعاناة؟».

ويضيف: «أكثر ما ألهمني خلال إنجاز المعرض كان إصرار الفلسطينيين على ممارسة تفاصيل حياتهم اليومية، وإقامة الأفراح رغم الحرب؛ لذلك تسللت إلى لوحاتي مساحات من الدفء والطمأنينة بوصفها شكلاً آخر من أشكال المقاومة». وتجسد إحدى اللوحات عرساً فلسطينياً تغلفه أجواء الفرح، في إيحاء باستمرار الأمل والقدرة على الامتداد رغم التحديات. ويقول: «نعم... كانوا يقيمون الأفراح وسط الحرب والدمار».
ويؤكد الفنان أن تجربته تنطلق من ثقافته المصرية قبل أي شيء؛ لذلك لم يلجأ إلى الرموز البصرية التقليدية للقضية الفلسطينية، بل قدمها بلغته التشكيلية الخاصة. وتابع: «أنا فنان مصري، ومن الطبيعي أن أعبر عن غزة من خلال ثقافتي المصرية؛ فلا أراها قضية بعيدة عنا، بل جزءاً من وجداننا».
وهو ما يفسر حضور الشجرة، والتجمعات البشرية، والعلاقات الإنسانية في أعماله بوصفها مفردات تنتمي إلى البيئة المصرية بالقدر نفسه الذي تعبر عنه القضية الفلسطينية. ولا يخفي رزق تأثره العميق بالحضارة المصرية القديمة، معتبراً أنها شكلت مرجعاً أساسياً في بناء تجربته؛ فقد سجل الفنان المصري القديم الحروب والتحولات الكبرى من دون أن يجعل الهزيمة بطلة للمشهد، وظل منحازاً للإنسان وقدرته على البقاء.

ويقول: «تعلمت من المصري القديم ألا أقدم المأساة بصورة منفرة، وإنما أبحث دائماً عن القيمة الإنسانية الكامنة فيها، وعن الأمل الذي يظل حاضراً حتى في أقسى اللحظات». ويضم المعرض المستمر حتى 8 أغسطس (آب) الحالي، نحو 20 عملاً بأحجام كبيرة تمنح الشخصيات حضوراً ملحمياً، بحيث تتحول كل لوحة إلى عالم مستقل، تتجاور داخله عشرات الحكايات الإنسانية التي تدعو المتلقي إلى التوقف والتأمل، أكثر من الاكتفاء بالمشاهدة العابرة.

ويعتمد الفنان على الأكريليك فوق قماش الدك الطبيعي، لما يمنحه من إحساس قريب بلون الأرض والطمي المصري، بينما يبني أعماله بخطوط سوداء تحدد الكتل، ويترك للون الأبيض مهمة بث النور من داخل الشخصيات نفسها، لا من خارجها. كما تعمّد الفنان عرض اللوحات من دون إطارات؛ لأن فكرة «جذور بلا أوراق» تقوم على الامتداد المفتوح، وفق قوله: «الإطار يضع نهاية للعمل، بينما أردت أن تبدو الجذور وكأنها تمتد خارج حدود اللوحة، تماماً كما يمتد الأمل رغم كل شيء».
