ترمب يوقف الضربة... ويمنح التفاوض فرصة جديدة

اشترط اتفاقاً سريعاً لفتح مضيق هرمز وإنهاء «التهديد النووي»

مقاتلة أميركية شبحية من طراز «إف-35 سي» تقلع من حاملة الطائرات «يو إس إس أبراهام لينكولن» أثناء انتشارها في بحر العرب (سنتكوم)
مقاتلة أميركية شبحية من طراز «إف-35 سي» تقلع من حاملة الطائرات «يو إس إس أبراهام لينكولن» أثناء انتشارها في بحر العرب (سنتكوم)
TT

ترمب يوقف الضربة... ويمنح التفاوض فرصة جديدة

مقاتلة أميركية شبحية من طراز «إف-35 سي» تقلع من حاملة الطائرات «يو إس إس أبراهام لينكولن» أثناء انتشارها في بحر العرب (سنتكوم)
مقاتلة أميركية شبحية من طراز «إف-35 سي» تقلع من حاملة الطائرات «يو إس إس أبراهام لينكولن» أثناء انتشارها في بحر العرب (سنتكوم)

أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترمب، تعليق هجوم جديد كان مقرراً على إيران، مشترطاً التوصل سريعاً إلى اتفاق يعيد فتح مضيق هرمز وينهي «التهديد النووي الإيراني»، بعد أيام من استعدادات أميركية وإسرائيلية لحملة قصف واسعة استهدفت منشآت الطاقة والبنية التحتية.

وقال ترمب إن إيران ودولاً أخرى في الشرق الأوسط طلبت من الولايات المتحدة إرجاء الهجوم بعدما قال إن «معالم» اتفاق قد تحددت، مضيفاً أنه وافق على إلغاء العملية «من أجل مصلحة العالم في المستقبل، وكذلك من أجل بقاء إيران ناجحة ومزدهرة»، شريطة إنجاز الاتفاق سريعاً.

وكتب ترمب على منصته «تروث سوشيال»، أن التفاهم يجب أن يشمل «الفتح الفوري والكامل والشامل» لمضيق هرمز، و«إنهاء التهديد النووي الإيراني»، مضيفاً أن إسرائيل «تنضم» إلى هذا الالتزام، من دون أن يصدر عن الحكومة الإسرائيلية تأكيد علني لموافقتها على وقف الضربات.

وجاء الإعلان بعدما أكد ترمب أن الولايات المتحدة لا تزال جاهزة للتحرك العسكري ضد إيران إذا تعثرت المفاوضات، في إشارة إلى أن تعليق الهجوم يبقى مشروطاً بإحراز تقدم سريع نحو اتفاق. ودعا جميع الأطراف إلى الإسراع في إنجاز الاتفاق، قائلاً: «ليبدأ الجميع العمل وينجزوا الأمر».

وكتب أن الولايات المتحدة «جاهزة لضرب إيران بمستويات من الرعب العسكري والقوة لم تُشهد منذ الحرب العالمية الثانية».

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (رويترز)

وكان الرئيس الأميركي قد هدد، خلال اجتماع حكومته في منتجع كامب ديفيد، بضرب إيران «بقوة شديدة»، قائلاً إن استمرار العمليات سيقود طهران في نهاية المطاف إلى القول إنها «لم تعد قادرة على التحمل». لكنه أبدى في الوقت نفسه ثقته بإمكان توصل فريقه التفاوضي، الذي يضم صهره جاريد كوشنر والمبعوث الخاص ستيف ويتكوف ووزير الخارجية ماركو روبيو، إلى تفاهم مع الإيرانيين.

ويعيد إعلان ترمب الحرب إلى مسار سبق أن تعثر مراراً منذ اندلاعها في 28 فبراير (شباط)؛ فقد أعلن الرئيس الأميركي في مناسبات سابقة، وقفاً أو تعليقاً للضربات، قبل انهيار التفاهمات واستئناف العمليات العسكرية بين واشنطن وطهران.

وفي اتصال سبق إعلان ترمب، شدد محمد بن سلمان بن عبد العزيز ولي العهد رئيس مجلس الوزراء السعودي، على أولوية الحوار وخفض التصعيد، وضرورة التوصل إلى تهدئة تمهد لحلول دبلوماسية وتحول دون اتساع الحرب.

حملة عسكرية واسعة

جاء قرار تعليق الضربة فيما كانت واشنطن وتل أبيب تستعدان لما وصفته مصادر أميركية بأنه إحدى أقسى حملات القصف منذ اندلاع الحرب، محددة منشآت الطاقة الإيرانية في مقدمة بنك الأهداف.

وقالت مصادر لشبكة «سي بي إس نيوز»، إن الولايات المتحدة وإسرائيل خططتا لعملية مشتركة قد تشمل مصافي نفط ومحطات لتوليد الكهرباء ومرافق حيوية أخرى، وكان من الممكن أن تبدأ خلال عطلة نهاية الأسبوع.

وأفادت تقارير أميركية بأن إدارة ترمب كانت تنظر إلى استهداف منشآت الطاقة والبنية التحتية بوصف ذلك وسيلة لزيادة الضغط على طهران وإجبارها على قبول الشروط الأميركية في مفاوضات إنهاء الحرب.

كما نقلت «وول ستريت جورنال» عن مسؤولين أميركيين، أن ترمب أمر بالاستعداد لهجوم جديد يهدف إلى دفع إيران نحو تقديم تنازلات، بعدما خلص إلى أن الأدوات الدبلوماسية السابقة لم تحقق النتائج المطلوبة.

منظومة صاروخية إيرانية معروضة في ساحة آزادي بالعاصمة طهران (رويترز)

وخلال الأيام التي سبقت إعلان التعليق، استهدفت الولايات المتحدة مواقع داخل إيران، قالت القيادة المركزية الأميركية «سنتكوم» إنها شملت مراكز قيادة عسكرية ومنشآت للصواريخ والطائرات المسيّرة ومواقع للمراقبة والدفاع الساحلي وقدرات بحرية.

وشهدت المنطقة أيضاً هجمات على قوات ومصالح أميركية وحليفة. وأضافت «سنتكوم» أن إيران أطلقت هجوماً مفاجئاً بصواريخ باليستية على قوات أميركية في الشرق الأوسط، مشيرة إلى اعتراض جميع الصواريخ.

ورغم إعلان ترمب تعليق العملية الجديدة، بقيت التحذيرات الأمنية الأميركية قائمة. وأصدرت وزارة الخارجية الأميركية تنبيهات لرعاياها في 10 دول، داعية إياها إلى الاستعداد لإلغاء الرحلات وإغلاق المجالات الجوية وتعطل حركة السفر.

وكانت سفارات الولايات المتحدة في عمّان وبغداد والقدس قد حذرت من «تصعيد غير متوقع»، وحثت الأميركيين على التفكير في المغادرة، أو الاستعداد لها إذا اتسعت المواجهة.

وناقشت إدارة ترمب خلال الأيام الأخيرة، مخاطر استنزاف مخزونات صواريخ «باتريوت» الاعتراضية وذخائر الدفاع الجوي إذا توسعت الحملة، إلى جانب احتمالات تعرض حلفاء واشنطن في الخليج العربي لهجمات إيرانية وارتفاع التكلفة الاقتصادية للحرب، وفقاً لوسائل إعلام أميركية.

وفي أول تعليق إسرائيلي بعد إعلان ترمب، قال وزير الطاقة وعضو المجلس الوزاري الأمني المصغر إيلي كوهين، إن هناك تنسيقاً أمنياً واستخباراتياً وثيقاً بين إسرائيل والولايات المتحدة بشأن جميع التطورات في المنطقة، لكنه شدد على أن بلاده ستتحرك عسكرياً إذا استأنفت إيران برنامجها النووي أو طورت قدراتها الصاروخية، «سواء أُبرم اتفاق أم لا».

وقال مسؤول إسرائيلي إن الرئيس الأميركي دونالد ترمب ورئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، بحثا خلال اجتماعهما في واشنطن الأسبوع الماضي، مختلف الخيارات لكبح البرنامج النووي الإيراني، بما يشمل المسار الدبلوماسي والضغوط الاقتصادية والخيار العسكري.

إطار لا يزال أولياً

قال مسؤول إقليمي لوكالة «أسوشييتد برس» مشارك في جهود الوساطة، إن المقترح الجديد الذي أعلنه ترمب يدعو الولايات المتحدة وإيران إلى العودة إلى طاولة المفاوضات لمعالجة القضايا التي أعاقت التفاهمات السابقة، مؤكداً أن اتفاقاً نهائياً لم يُبرم بعد، وأن الاتصالات لا تزال مستمرة.

ويتضمن المقترح، وفق المسؤول، إعادة فتح مضيق هرمز ووقف الهجمات في أنحاء المنطقة، بما فيها عمليات الفصائل المدعومة من إيران في العراق ضد دول الخليج العربي والأردن.

وفي المقابل، تنهي الولايات المتحدة حصارها البحري على إيران، وتسمح لطهران باستئناف صادراتها النفطية، وفق الشروط التي وردت في تفاهم وقف إطلاق النار المؤقت.

إيراني يرفع العلم الوطني إلى جانب ملصق للمرشد الإيراني مجتبى خامنئي في ساحة ولي عصر بطهران - 1 أغسطس 2026 (إ.ب.أ)

وقال ترمب إن إسرائيل تنضم إلى التزامه بوقف الحرب إذا تم التوصل إلى الاتفاق، فيما لم يصدر تعليق رسمي من الحكومة الإسرائيلية، ما أبقى الغموض قائماً بشأن مستوى التنسيق الفعلي وحدود التزام تل أبيب بأي وقف جديد للعمليات.

ويأتي ذلك بعد انهيار تفاهمات سابقة تضمنت شروطاً مشابهة، أبرزها إعادة فتح مضيق هرمز. وقد استأنفت واشنطن وطهران تبادل الضربات في مطلع يوليو (تموز)، بعدما كانت مذكرة تفاهم وُقعت في منتصف يونيو (حزيران) قد مهدت لمحادثات إنهاء الحرب.

إيران ترفض رواية ترمب

رفض مسؤولون عسكريون إيرانيون، قول ترمب إن طهران طلبت وقف الهجوم، ووصفوا ذلك بأنه «كذبة جديدة» تستهدف الضغط على دول المنطقة. وقالت وكالة «مهر» الحكومية استناداً إلى المسؤولين العسكريين، إن تصريح ترمب «لم يكن سوى كذبة جديدة»، مضيفة أن القوات المسلحة الإيرانية «في حالة تأهب قصوى ومستعدة لأي احتمال».

وقال المسؤولون إن القوات الإيرانية لا تزال في أعلى درجات الاستعداد، سواء قررت الولايات المتحدة تصعيد عملياتها أو التراجع عنها، محذرين من أن ساحة المعركة ستحدد النتيجة إذا أصبحت المواجهة أمراً لا مفر منه.

من جانبها، أفادت وكالة «فارس» نقلاً عن مصدر وصفته بأنه مقرب من فريق التفاوض الإيراني، بأن الحديث عن التوصل إلى تفاهم بشأن إعادة فتح مضيق هرمز «غير صحيح»، مشيراً إلى أن المضيق سيبقى مغلقاً ما دامت الولايات المتحدة تواصل «أعمالها العدائية».

وكتب مجيد ابن الرضا، القائم بأعمال ‌وزير ‌الدفاع ​الإيراني، على منصة «إكس»، أن بلاده «لم تكن متفاجئة ولا سلبية» بعد إعلان ترمب، وأن القوات الإيرانية ستظل متأهبة في مواجهة ما وصفه بالتهديدات الأميركية الملموسة.

وأضاف أن طهران تنظر إلى التهديدات الأميركية الأخيرة باعتبارها «حرباً نفسية وذهنية»، لكنها تتعامل معها بجدية، ولن تؤخذ على حين غرة أو تقف مكتوفة الأيدي.

وكان وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، قد حذر الولايات المتحدة من أي «عمل متهور»، وأبلغ مسؤولين في تركيا وباكستان بأن طهران سترد بحزم على أي «عدوان»، محذراً من تداعيات الإجراءات الأميركية على أمن المنطقة.

كما قال عراقجي لوزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان، إن أي هجوم أميركي أو إسرائيلي، أو مشاركة دول إقليمية فيه، كل ذلك سيواجه بـ«رد متناسب» من القوات المسلحة الإيرانية.

وفي هذا السياق، أجرى عراقجي مساء السبت، اتصالات هاتفية مع نظيره التركي هاكان فيدان، وقائد الجيش الباكستاني عاصم منير، تناولت مخاطر اتساع المواجهة وسبل احتواء التصعيد.

وفي مؤشر إلى استمرار التوتر الميداني، أعلن الجيش الكويتي تدمير طائرات مسيرة إيرانية استهدفت منشآت حيوية، بينما أكدت طهران أن قواتها لا تزال في أعلى درجات الجاهزية.

ملاحة مهددة في «هرمز»

لا تزال إيران تفرض قيوداً مشددة على الملاحة في المضيق، وتشترط الحصول على إذن مسبق ودفع رسوم عبور، فيما انخفضت حركة الملاحة فيه «بحدة»، وفق شركة «كبلر» المتخصصة في تتبع التجارة البحرية.

وفي أحدث تحديث لعملياتها، قالت القيادة المركزية الأميركية «سنتكوم» إنه حتى 2 أغسطس (آب)، أعادت القوات الأميركية توجيه 35 سفينة تجارية، وعطلت سفينتين، وصعدت إلى متن سفينتين أخريين، في إطار عملياتها لتشديد الرقابة على حركة الملاحة في المنطقة، في إطار الحصاري البحري على إيران.

وكان يمر عبر المضيق قبل الحرب نحو 20 في المائة من إمدادات النفط والغاز الطبيعي المسال العالمية، ما جعل تعطيله عاملاً رئيسياً في اضطراب أسواق الطاقة وارتفاع أسعار الوقود والتضخم.

وبعد انهيار وقف إطلاق النار في أبريل (نيسان)، قفزت العقود الآجلة لخام برنت بنحو 24 في المائة. ويتوقع محللون استطلعت «رويترز» آراءهم، استمرار ارتفاع الأسعار خلال العام الحالي.

ويقول ترمب إن منع إيران من امتلاك سلاح نووي يبرر تحمل ارتفاع تكلفة الوقود على المدى القريب، إلا أن التداعيات الاقتصادية زادت الضغط السياسي عليه لإيجاد مخرج من الحرب قبل انتخابات التجديد النصفي الأميركية.

وفي موازاة الاتصالات السياسية، استمرت الحوادث الأمنية في الممرات البحرية. وقالت هيئة عمليات التجارة البحرية البريطانية إنها تلقت بلاغين عن حادثتين قبالة سواحل سلطنة عمان، إحداهما تعرضت فيها ناقلة لمقذوف مجهول ألحق أضراراً بغرفة المحركات، فيما أبلغ ربان ناقلة أخرى عن انفجار وتناثر للمياه قرب سفينته من دون تسجيل أضرار.

وأبقت الولايات المتحدة تحذيراتها الأمنية لرعاياها في عدد من دول الشرق الأوسط، داعية إياهم إلى الاستعداد لاحتمال إلغاء الرحلات الجوية وإغلاق المجالات الجوية إذا تجدد التصعيد.


مقالات ذات صلة

الانتخابات النصفية وصلت إلى خط النهاية بين الجمهوريين والديمقراطيين

الولايات المتحدة​ المرشح الجمهوري لمجلس الشيوخ عن تكساس كين باكستون متحدثاً خلال تجمع انتخابي في ويذرفورد - تكساس (رويترز)

الانتخابات النصفية وصلت إلى خط النهاية بين الجمهوريين والديمقراطيين

مع اقتراب موعد الانتخابات النصفية للكونغرس، الثلاثاء، تتوقف معركة السيطرة بين الجمهوريين والديمقراطيين على مجموعة صغيرة نسبياً من الولايات الأكثر تنافسية.

علي بردى (واشنطن)
شؤون إقليمية لقطة أرشيفية لوزير الخارجية الأميركي الأسبق جيمس بيكر مصافحاً نظيره العراقي طارق عزيز في جنيف يناير 1991 (أرشيفية)

رسالة فانس إلى رضائي تستحضر إنذارات سبقت حروباً أميركية

قد تكون رسالة نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس إلى أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني محسن رضائي جزءاً من نمط رسائل سبقت حروباً كبرى.

«الشرق الأوسط» (لندن)
الولايات المتحدة​ ترمب في كارولاينا الجنوبية 29 أكتوبر 2026 (أ.ف.ب)

أجندة ترمب رهن الانتخابات النصفية

رهانات الانتخابات النصفية لا تقتصر على تحديد الحزب الذي سيسيطر على الكونغرس فحسب، بل تمتد إلى مستقبل أجندة ترمب خلال العامين المتبقيين من ولايته الثانية.

رنا أبتر (واشنطن)
الولايات المتحدة​ البابا ليو يترأس لقاءه العام الأسبوعي في مدينة الفاتيكان (إ.ب.أ) p-circle

البابا ليو يدلي بصوته في الانتخابات الأميركية

أدلى البابا ليو الرابع عشر بصوته في انتخابات التجديد النصفي بالولايات المتحدة «كما يقوم عادة بذلك كلما تسنّت له الفرصة».

«الشرق الأوسط» (روما - واشنطن)
الولايات المتحدة​ الرئيس الأميركي دونالد ترمب خلال فعالية في البيت الأبيض بالعاصمة الأميركية واشنطن يوم 29 أكتوبر 2026 (إ.ب.أ)

ترمب: حرب إيران ستنتهي قريباً

قال الرئيس الأميركي ترمب متحدثاً قبيل انتخابات التجديد النصفي للكونغرس المقررة في الثالث من نوفمبر، إنه يعتقد أن الحرب مع إيران ستنتهي قريباً.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

ما خيارات نتنياهو وآيزنكوت للحكم في غياب أغلبية واضحة؟

بنيامين نتنياهو (يسار) وغادي آيزنكوت (رويترز)
بنيامين نتنياهو (يسار) وغادي آيزنكوت (رويترز)
TT

ما خيارات نتنياهو وآيزنكوت للحكم في غياب أغلبية واضحة؟

بنيامين نتنياهو (يسار) وغادي آيزنكوت (رويترز)
بنيامين نتنياهو (يسار) وغادي آيزنكوت (رويترز)

عقب انتخابات إسرائيلية لم يتمكّن فيها رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو ولا منافسه الرئيسي غادي آيزنكوت من الفوز بالأغلبية، يرى كل منهما أنه قادر على الحكم؛ فما الخيارات؟

في ظل نتيجة الاقتراع غير الحاسمة، سيتعيّن على الرجلَين إيجاد سبيل لتوسيع كتلتيهما إذا ما أرادا تشكيل ائتلاف حاكم، لكن لم يتسرب حتى الآن سوى القليل جداً من المعلومات حول مفاوضات محتملة خلف الكواليس.

وإذا لم ينجح أي منهما في تشكيل ائتلاف، فستضطر الدولة العبرية إلى العودة لصناديق الاقتراع، وفق ما ذكرته «وكالة الصحافة الفرنسية».

فيما يلي السيناريوهات الأكثر ترجيحاً لكل طرف لتأليف حكومة:

حكومة بقيادة نتنياهو

تصدّر رئيس الوزراء وحلفاؤه من اليمين المتطرف وتيارات اليهود المتشددين النتائج في الفرز النهائي للأصوات، بحصولهم على 53 مقعداً في الكنيست (البرلمان)، منها 27 مقعداً لحزب «الليكود» بقيادة نتنياهو.

لكن الحصيلة أقل من العدد المطلوب لتحقيق الأغلبية، وهو 61 مقعداً.

إذا كان نتنياهو يأمل في البقاء بالسلطة، فسيتعيّن عليه التواصل مع أحزاب المعارضة لدعوتها إلى الانضمام إلى حكومته، ما يتطلّب تحولاً جذرياً في المواقف، لا سيما وأن حملة المعسكر المناوئ له قامت على وعد بإزاحته عن السلطة.

ودعا الرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ، المكلّف باختيار المرشح الأقدر على تشكيل ائتلاف حكومي، إلى تجنّب إجراء انتخابات جديدة بأي ثمن.

من بين الأحزاب الأربعة في معسكر آيزنكوت، فإن حزب «الديمقراطيين» اليساري بقيادة يائير غولان، الذي فاز بثمانية مقاعد، يُعدّ الأقل تقبلاً لأي تقارب مع نتنياهو.

كما من المرجح أن أفيغدور ليبرمان، حليف نتنياهو السابق الذي تحول إلى خصم لدود له، والذي فاز حزبه اليميني «إسرائيل بيتنا» بسبعة مقاعد، سيرفض هذا الاحتمال جملة وتفصيلاً.

وقال ليبرمان، الخميس، إن «الائتلاف الوحيد الممكن تصوره» لا يشارك فيه نتنياهو شخصياً، مع انفتاحه على مشاركة بقية أعضاء حزب «الليكود».

أما موقف حزب «معا» الذي ينتمي إلى تيار يمين الوسط ويتزعمه نفتالي بينيت، وقد فاز باثني عشر مقعداً، فيبدو أقل وضوحاً.

لمّح بينيت بداية إلى أنه لن يعارض تشكيل تحالف مع معسكر نتنياهو بشروط معينة، أبرزها التشكيل الفوري للجنة تحقيق في هجمات السابع من أكتوبر (تشرين الأول) 2023، لكنه تراجع عن ذلك لاحقاً، مؤكداً أن تصريحاته قد أُسيء فهمها.

وأخيراً، يبدو مستبعداً احتمال التحالف مع حزب «يشار» بقيادة آيزنكوت الذي حصد 21 مقعداً، نظراً إلى أن قائد أركان الجيش السابق بنى حملته الانتخابية على وعد بإزاحة نتنياهو الذي عدّه غير مؤهل للقيادة.

لكن هناك سابقة حديثة لاتفاقات غير متوقعة بشأن تقاسم السلطة. ففي عام 2020، تجاوز كل من نتنياهو والسياسي الوسطي بيني غانتس حالة العداء العميق بينهما، وتوصلا إلى اتفاق يقضي بالتناوب على منصب رئيس الوزراء، لكن هذه الشراكة انهارت بعد عام واحد.

استبعد آيزنكوت مراراً مثل هذا الاتفاق، قائلاً قبل التصويت: «لن يكون هناك أي شكل من أشكال التناوب على منصب رئيس الوزراء. سيكون هناك رئيس وزراء واحد فقط، وهو أنا».

وخارج معسكر المعارضة، يظل هناك خيار مستبعد للغاية، يتمثّل في لجوء نتنياهو إلى القائمتَين العربيتَين اللتَين حصدتا 19 مقعداً.

وأمضى رئيس الوزراء الحملة الانتخابية في انتقاد القائمتَين العربيتَين، وفي الأيام التي تلت التصويت اتهمهما بتزوير الانتخابات.

لكن لا شيء مستبعداً حين يتعلق الأمر بنتنياهو الذي يتقن المناورات، وقد سبق له التواصل مع الأحزاب العربية في عامَي 2015 و2021.

حكومة بقيادة آيزنكوت

صرّح آيزنكوت في مساء يوم الانتخابات أن الشعب الإسرائيلي «اختار التغيير» من خلال عدم منح نتنياهو الأغلبية.

وفي ظل امتلاك معسكره 48 مقعداً، وبعد استبعاده التوصل إلى اتفاق لتقاسم السلطة مع نتنياهو، يواجه آيزنكوت خيارَين للمرحلة المقبلة: إما تشكيل حكومة أقلية تحظى بدعم من أحزاب أخرى، وإما محاولة توسيع ائتلافه من خلال ضم نواب عرب أو منشقين من المعسكر الآخر.

وسبق أن انضم زعيم «القائمة العربية الموحدة» منصور عباس إلى ائتلاف حاكم لم يدم طويلاً، وقد أبدى استعداده لتكرار التجربة، إلا أن هذا الخيار يلقى معارضة من بعض الأطراف في معسكر المعارضة.

من جانبه، أبدى رئيس «القائمة العربية المشتركة» يوسف جبارين استعداده لدعم آيزنكوت في الكنيست من دون الانضمام إلى حكومته، معرباً عن تحفظه، من بين أمور أخرى، على الحرب المدمرة في غزة.

من شأن القائمتَين العربيتَين منح آيزنكوت المقاعد التي يحتاج إليها للمضي قدماً في تشكيل حكومة، لكن الاعتماد عليهما يعني التراجع عن وعد انتخابي، والمراهنة على حكومة أقلية هشة لا يرجح المراقبون أن تستمر فترة طويلة.

وبصفته قائداً سابقاً للجيش، لا يُعد آيزنكوت من دعاة السلام، وقد يؤدي احتمال تنفيذ عمليات عسكرية في المستقبل، بما في ذلك بقطاع غزة، حيث تعهد بإنهاء حكم حركة «حماس» خلال 18 شهراً، إلى دفع القائمتَين العربيتَين لسحب دعمهما له.

قد يحاول آيزنكوت أيضاً إحداث انشقاق في معسكر نتنياهو.

ومن غير المرجح حدوث انشقاقات داخل حزب «الليكود»، نظراً إلى تماسكه بقوة خلف رئيس الوزراء، كما أن حلفاءه من اليمين المتطرف يُعتبرون غير مقبولين سياسياً بالنسبة إلى «كتلة التغيير».

أما الأحزاب الأرثوذكسية المتشددة التي تتحالف حالياً مع نتنياهو وتملك 13 مقعداً، فقد تبدي مرونة أكبر.

وينادي آيزنكوت الذي قضى ابنه في حرب غزة، بإلغاء الإعفاءات من الخدمة العسكرية الممنوحة لليهود الحريديم، وهو أمر تعارضه الأحزاب الممثلة لهم، رغم أنها قد تكون مستعدة لتغيير موقفها في حال تقديم تنازلات.


غياب علييف عن «قمة الدول التركية» في أنقرة عزز التكهنات حول أزمة مع تركيا

صورة تجمع بين قادة الدول المشاركين في القمة الـ13 لـ«منظمة الدول التركية» التي غاب عنها الرئيس الأذربيجاني إلهام علييف وأناب عنه وزير خارجيته جيهون بيراموف في حضورها (الرئاسة التركية)
صورة تجمع بين قادة الدول المشاركين في القمة الـ13 لـ«منظمة الدول التركية» التي غاب عنها الرئيس الأذربيجاني إلهام علييف وأناب عنه وزير خارجيته جيهون بيراموف في حضورها (الرئاسة التركية)
TT

غياب علييف عن «قمة الدول التركية» في أنقرة عزز التكهنات حول أزمة مع تركيا

صورة تجمع بين قادة الدول المشاركين في القمة الـ13 لـ«منظمة الدول التركية» التي غاب عنها الرئيس الأذربيجاني إلهام علييف وأناب عنه وزير خارجيته جيهون بيراموف في حضورها (الرئاسة التركية)
صورة تجمع بين قادة الدول المشاركين في القمة الـ13 لـ«منظمة الدول التركية» التي غاب عنها الرئيس الأذربيجاني إلهام علييف وأناب عنه وزير خارجيته جيهون بيراموف في حضورها (الرئاسة التركية)

عزّز غياب الرئيس الأذربيجاني إلهام علييف عن القمة الـ13 لـ«منظمة الدول التركية» في أنقرة التكهنات بشأن تطور التوتر مع تركيا، حول تطبيق قواعد الزي المدرسي الجديدة في أذربيجان، التي حظرت الحجاب بالمدارس، إلى أزمة في العلاقات الوثيقة بين البلدين.

وعشية القمة، التي تستضيفها أنقرة الجمعة برئاسة الرئيس التركي رجب طيب إردوغان تحت شعار «القرن التركي: وحدة اللغة والفكر والعمل»، أعلنت باكو أن علييف لن يحضر القمة، وفق برنامج معدّ مسبقاً سيحضر بموجبه حفل ختام بطولة كأس العالم لكرة القدم تحت 15 سنة.

إردوغان يستبعد الخلافات

حرص إردوغان، خلال كلمته في افتتاح القمة، على تأكيد أنه «لا مكان للفرقة أو التباعد أو الخلاف في الصورة العائلية للعالم التركي»، مضيفاً: «نحن جميعاً متحدون، وإخوة منذ الأزل وإلى الأبد بإذن الله».

وتضم المنظمة في عضويتها 5 دول. هي: تركيا، أذربيجان، كازاخستان، قرغيزستان أوزبكستان، إضافة إلى مشاركة تركمانستان والمجر و«جمهورية شمال قبرص التركية» بصفة مراقبين.

إردوغان متحدثا في الجلسة الافتتاحية لقمة «منظمة الدول التركية» الـ13 في أنقرة (الرئاسة التركية)

وتناول إردوغان خلال كلمته عدداً من القضايا الإقليمية، داعياً دول المنظمة إلى تكثيف جهودها من أجل التوصل إلى حلّ عادل للقضية الفلسطينية، ومواصلة دعم إقامة دولة فلسطينية مستقلة وذات سيادة على أساس حدود عام 1967 وعاصمتها القدس الشرقية، والإسهام اللازم في إيصال المساعدات الإنسانية إلى غزة وبدء أعمال إعادة إعمارها في أقرب وقت ممكن.

وعبّر عن أمله في توجيه التصعيد الأخير في التوتر مع إيران نحو الدبلوماسية بدلاً من الأسلحة، لافتاً إلى أن النزاعات في المنطقة لا تحقق مكاسب لأي طرف، كما تترك تداعيات خطيرة على الاقتصاد العالمي والتجارة وأسواق الطاقة.

جانب من أعنمال القمة الـ13 لـ«منظمة الدول التركية» (الرئاسة التركية)

وأكد دعم تركيا للمحادثات بين أذربيجان وأرمينيا واستمرارها في تقديم كل ما في وسعها من إسهامات لتحقيق سلام دائم.

أزمة الحجاب

ورغم إعلان باكو أن غياب علييف عن القمة، التي ترأس وفد أذربيجان فيها وزير الخارجية جيهون بيراموف، يرجع إلى جدوله السابق، بدا أن التوتر مع أنقرة بشأن تطبيق قواعد الزي المدرسي الجديدة في المدارس الأذربيجانية، حيث منع العديد من المدارس بعد صدورها في سبتمبر (أيلول) الماضي، الطالبات المحجبات من حضور الحصص الدراسية، يتجه إلى أزمة في العلاقات.

مظاهرة في إسطنبول ضد حظر الحجاب بمدارس أذربيجان (إعلام تركي)

وانتقدت أذربيجان التصريحات التركية بشأن القرار، معتبرةً إياها تدخلاً في شؤونها الداخلية، واتخذ علييف موقفاً صارماً أكد فيه أن أحداً لا يمكنه أن يملي على بلاده أسلوب حياة معين، لافتاً إلى أن الانتصار في ناغورنو كاراباخ في 2020 هو انتصار تحقق بيد الجيش الأذربيجاني، وأن الأسلحة التي استخدمت فيه اشتريناها بأموالنا.

وأعلنت الحكومة الأذربيجانية، في 21 أكتوبر (تشرين الأول) الحالي، 31 مواطناً تركياً «أشخاصاً غير مرغوب فيهم»، ومنعتهم من دخول البلاد، من بينهم رئيس حزب «الرفاه من جديد»، فاتح أربكان، ونواب برلمانيون وصحافيون وناشطون على منصات التواصل الاجتماعي. وفي اليوم نفسه، اتصل إردوغان هاتفياً بـ«علييف»، ووجّه له الدعوة لحضور قمة «منظمة الدول التركية» في أنقرة.

وفي 26 أكتوبر، أقال إردوغان، كبير مستشاريه، أوكطاي سارال، الذي وجّه عبر حسابه في «إكس»، في 13 أكتوبر، انتقادات حادة إلى قرار حظر الحجاب في أذربيجان، قائلاً: «من غير المقبول حرمان الطالبات المحجبات في أذربيجان من حقّهن في التعليم، لا ينبغي التسامح مع مثل هذا الفهم في عصرنا هذا».

مواقف حادة وتراكمات

وقبل أن يهدأ صدى إعلان عدم حضور علييف قمة أنقرة، تسببت أنباء من باكو في شرخ جديد في العلاقات التركية الأذربيجانية، حيث يسعى إردوغان منذ فترة طويلة لتأمين تولي الأمين العام لمنظمة الأمن والتعاون الأوروبي، التركي فريدون سينيرلي أوغلو، منصب الأمين العام للأمم المتحدة خلفاً لـ«أنطونيو غوتيريش»، لكن علييف «زاد الطين بلة»، حسب تعبير المحلل السياسي التركي مراد يتكين، بإعلان دعمه مرشحة الإمارات العربية المتحدة، لانا نسيبة.

إردوغان وعلييف (الرئاسة التركية)

ورأى يتكين أن رسالة أوكطاي سارال التي وجّه فيها إلى علييف «درساً في الحجاب»، كانت القشة التي قصمت ظهر البعير بالنسبة لباكو في العلاقات مع تركيا، لافتاً إلى أن أولى بوادر التصدع بدأت في يوليو (تموز) الماضي، عندما انتقد إردوغان إسرائيل، في كلمة خلال اجتماع لحزب «العدالة والتنمية» الحاكم في مسقط رأسه بمدينة ريزا، شمال شرقي تركيا، قائلاً: «كما دخلنا كاراباخ، وكما دخلنا ليبيا، سنفعل بهم الشيء نفسه.. لا شيء يوقفنا».

ولفت إلى أن تصريحات إردوغان زادت من استياء علييف الذي أبدى غضبه من قبل بسبب إغلاق تركيا مجالها الجوي أمام الطائرات الإسرائيلية واضطرار الرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ للعودة أدراجه أثناء توجهه إلى باكو لحضور «كوب 29» في عام 2024، ثم اضطراره للسفر على رحلة للخطوط الجوية الأذربيجانية لحضور قمة تدابير بناء الثقة في آسيا (سيكا) في باكو، تحسباً لإغلاق المجال الجوي التركي أمام طائرته مجدداً.

إردوغان مصافحاً وزير الخارجية الأذربيجاني جيهون بيراموف الذي ترأس وفد بلاده في قمة منظمة الدول التركية في أنقرة (الرئاسة التركية)

في المقابل، انزعجت تركيا من عدم مغادرة وفد أذربيجان قاعة الجمعية العامة للأمم المتحدة أثناء إلقاء نتنياهو كلمته في 24 سبتمبر (أيلول) الماضي، وردّت باكو بأن وفدها لم يغادر القاعة حتى أثناء خطاب أرمينيا.

ورأى يتكين أن العلاقات بين تركيا وأذربيجان مفتوحة حالياً على أحد خيارين؛ إما استمرار التصعيد بردود فعل متبادلة، أو وضعها على مسار أكثر صحة ومساواة، يراعي المصالح المشتركة، وأن الظروف مواتية لكلا الخيارين، وأن ترجيح أحدهما يعتمد على الإرادة السياسية التي يُبديها كل من إردوغان وعلييف.


رسالة فانس إلى رضائي تستحضر إنذارات سبقت حروباً أميركية

لقطة أرشيفية لوزير الخارجية الأميركي الأسبق جيمس بيكر مصافحاً نظيره العراقي طارق عزيز في جنيف يناير 1991 (أرشيفية)
لقطة أرشيفية لوزير الخارجية الأميركي الأسبق جيمس بيكر مصافحاً نظيره العراقي طارق عزيز في جنيف يناير 1991 (أرشيفية)
TT

رسالة فانس إلى رضائي تستحضر إنذارات سبقت حروباً أميركية

لقطة أرشيفية لوزير الخارجية الأميركي الأسبق جيمس بيكر مصافحاً نظيره العراقي طارق عزيز في جنيف يناير 1991 (أرشيفية)
لقطة أرشيفية لوزير الخارجية الأميركي الأسبق جيمس بيكر مصافحاً نظيره العراقي طارق عزيز في جنيف يناير 1991 (أرشيفية)

قد تكون رسالة نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس إلى أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني محسن رضائي، التي أُعلن عنها الخميس، جزءاً من نمط تاريخي تقليدي للسياسة الخارجية الأميركية، يتأرجح بين عرض فرصة أخيرة لتجنب ضربات شبه حتمية، أو تغيير زوايا التفاوض بشروط قطعية.

ويفيد تاريخ الحروب التي خاضتها الولايات المتحدة بأنها استخدمت رسائل «ربع الساعة الأخير» قبل شن مواجهة أو توسيعها مع خصومها في أنحاء مختلفة من العالم.

وثمة نماذج تاريخية قريبة نسبياً من رسالة فانس، التي تشترط فيها واشنطن «بشكل مطلق» منع إيران من حيازة سلاح نووي شرطاً لأي تهدئة، في حين تعرض في المقابل تخفيف العقوبات لمساعدة طهران على إعادة بناء اقتصادها المنهك.

وأكدت طهران، طبقاً لوكالة «تسنيم»، تسلّم الرسالة، لكنها أعلنت التمسك بـ«شروطها السبعة»، رافضة تقديم أي تنازلات مسبقة؛ ما يجعل هذه الرسالة إما نافذة دبلوماسية أخيرة أو توطئة لصِدام عسكري وشيك.

طائرات مقاتلة أميركيَة فوق آبار النفط أضرم الجيش العراقي النيران فيها بعد انسحابه من الكويت إبَان انتهاء حرب الخليج الثانية عام 1991 (البنتاغون - أرشيفية)

بيكر وطارق عزيز

الرفض الإيراني المعلن، حتى الآن، شديد الشبه بظروف رسالة بعث بها الرئيس الأميركي جورج بوش الأب إلى الرئيس العراقي الراحل صدام حسين، قبل فترة وجيزة من اندلاع حرب «عاصفة الصحراء».

ففي 9 يناير (كانون الثاني) 1991، قبل أسبوع واحد من انتهاء مهلة مجلس الأمن لانسحاب العراق من الكويت، التقى وزير الخارجية الأميركي جيمس بيكر نظيره العراقي طارق عزيز في لقاء شهير بجنيف، لحسم الفرصة الأخيرة للتسوية.

وأظهر الأرشيف الدبلوماسي الأميركي، أن بيكر سلم عزيز سالة خطية موقَّعة من بوش الأب موجهة مباشرة إلى صدام حسين. وجاء في نصها المنشور لاحقاً: «إننا نقف على حافة الحرب... إذا لم تلتزم بقرار مجلس الأمن وتنسحب من الكويت دون قيد أو شرط، فإن العراق سيتعرض لدمار شامل ومصائب لا حصر لها، ولن تشفع لك حساباتك العسكرية».

وأفيد بعد الحرب، بأن طارق عزيز بعد أن قرأ ترجمة الرسالة، وضعها على الطاولة ورفض تسلّمها أو نقلها إلى بغداد، معلناً لبيكر أن «لغة الرسالة تنطوي على إهانة وتهديد استعلائي لا يليق بالتعامل بين الدول».

انفض الاجتماع بالفشل وبدأت الحرب «عاصفة الصحراء» بعد ذلك بأيام.

تفيد تقارير «البنتاغون» بأن أكثر من 800 ألف جندي أميركي شاركوا في حرب أفغانستان على مدار 20 عاماً

إنذار واشنطن لـ«طالبان»

بعد هجمات 11 سبتمبر (أيلول) عام 2000، وتحت وطأة الرغبة الأميركية في الرد والانتقام، لم تلجأ واشنطن للقنوات التفاوضية المعتادة، بل صاغت رسالة قطعية على شكل «إنذار أخير علني» ووجهتها لـ«طالبان» عبر قنوات باكستانية الرسمية.

في 20 سبتمبر 2001، أعلن الرئيس جورج بوش الابن نص المطالب الأميركية أمام الكونغرس، قائلاً: «سلموا إلى السلطات الأميركية جميع قادة تنظيم (القاعدة) المختبئين في أرضكم. أغلقوا فوراً وبشكل دائم كل معسكر لتدريب الإرهابيين... هذه المطالب ليست مفتوحة للتفاوض أو النقاش. (طالبان) يجب أن تتحرك وتتحرك فوراً، أو ستشارك الإرهابيين مصيرهم».

خلال أيام، أعلن زعيم «طالبان» الملا عمر رفضه الإنذار، مطالباً الإدارة الأميركية بتقديم أدلة على تورط أسامة بن لادن قبل تسليمه، وهو ما عدّته واشنطن رفضاً رسمياً للمهلة، وبدأت القصف الجوي لأفغانستان في 7 أكتوبر (تشرين الأول) 2001.

لقطة تعود لعام 1945 تظهِر بقايا مبنى بعد القصف النووي على هيروشيما وقد جرى الحفاظ عليه ليكون بمثابة نصب تذكاري (أ.ف.ب)

اليابان وإعلان «بوتسدام»

في «ربع الساعة الأخير» من الحرب العالمية الثانية، أصدر الرئيس الأميركي هاري ترومان رسالة حملت عنوان «إعلان بوتسدام» ونُقلت لليابان عبر قنوات سويسرية، وُصفت يومها بـ«الإنذار النهائي لمنع غزو بري لليابان».

وصاغ الرسالة إلى جانب ترومان، رئيس الوزراء البريطاني، ونستون تشرشل، ورئيس الحكومة الصينية: تشيانغ كاي شيك، الذي لم يكن حاضراً وأرسل توقيعه على برقية أرسلها عبر جهاز لاسلكي.

وجاء ختام وثيقة الإعلان: «نحن ندعو حكومة اليابان إلى إعلان الاستسلام غير المشروط لجميع القوات المسلحة اليابانية... البديل لليابان سيكون الدمار السريع والمطلق».

وعلى غرار بقية النماذج، عقد رئيس الوزراء الياباني يومذاك كانتارو سوزوكي مؤتمراً صحافياً وأعلن رد حكومته مستخدماً كلمة «موكوساتسو» وهي مصطلح يعني في السياق السياسي الياباني «التجاهل التام مع الازدراء»؛ وهو ما دفع ترومان في النهاية إلى إصدار أوامر بإسقاط القنابل الذرية على هيروشيما وناغازاكي في أغسطس (آب) 1945.