كشفت دراسة دولية عن أن آثار أقدام متحجرة عُثر عليها في شمال كينيا قدّمت أدلة غير مسبوقة حول البنية الجسدية والسلوك الاجتماعي لأحد أشباه البشر الأوائل الذي عاش قبل نحو 1.4 مليون عام.
وأوضح باحثون من معهد ماكس بلانك للأنثروبولوجيا التطورية في ألمانيا، بالتعاون مع مؤسسات علمية في الولايات المتحدة وكينيا، أن هذا الاكتشاف يوفّر لمحة نادرة عن نمط حياة «بارانثروبوس بويزي»، وتحركاته الجماعية، وسلوكه الاجتماعي، ونُشرت النتائج، الاثنين، بدورية «Proceedings of the National Academy of Sciences».
ويُعد «بارانثروبوس بويزي» (Paranthropus boisei) أحد الأنواع المنقرضة من أشباه البشر التي عاشت في شرق أفريقيا قبل نحو 1.4 مليون عام، بالتزامن مع أنواع مبكرة من جنس الإنسان، مثل «الإنسان منتصب القامة» (Homo erectus). إلا أنه سلك مساراً تطورياً مختلفاً انتهى بانقراضه. وتميز هذا النوع بجمجمة قوية وفكين وأضراس ضخمة مكّنته من مضغ النباتات القاسية.
وخلال الدراسة، حلّل الفريق مجموعة من آثار الأقدام المتحجرة المحفوظة على ضفاف بحيرة قديمة في منطقة شرق توركانا شمال كينيا.
وأظهرت النتائج أن ثمانية أفراد من «بارانثروبوس بويزي» مروا بالموقع في الفترة نفسها تقريباً، مما وفّر للباحثين «لقطة متحجرة» نادرة لسلوك جماعي يصعب استنتاجه من العظام الأحفورية وحدها.
كما كشفت قياسات آثار الأقدام عن أن بعض هؤلاء الأفراد كانوا أكبر حجماً بكثير مما كان يُعتقد سابقاً؛ إذ بلغ طول بعضهم نحو 1.8 متر، ووزنهم قرابة 75 كيلوغراماً، وهي أبعاد تقترب من الإنسان.
ويرى الباحثون أن هذه النتائج تتعارض مع تقديرات سابقة استندت إلى بقايا هيكلية محدودة، كانت تشير إلى أن هذا النوع أصغر حجماً بكثير من «الإنسان منتصب القامة» الذي عاش خلال الحقبة نفسها ويُعتقد أنه قد يكون سلفاً مباشراً للإنسان.
وأظهرت الدراسة أيضاً أن معظم آثار الأقدام تعود إلى ذكور بالغين، مع غياب واضح لآثار الإناث أو الصغار، وهو ما يشير إلى أن هؤلاء الأفراد كانوا يتحركون ضمن مجموعة واحدة.
واعتمد الفريق البحثي على أساليب تحليل حديثة طُورت عام 2024، مكّنته من التمييز بين آثار أقدام «بارانثروبوس بويزي»، وآثار أنواع أخرى من أشباه البشر، استناداً إلى تشريح القدم وطريقة المشي، مما عزز ثقة الباحثين بتحديد هوية أصحاب هذه الآثار.
كما كشفت الدراسة عن أن ضفاف البحيرات شكّلت بيئة رئيسية لأشباه البشر الأوائل؛ إذ وثّق الباحثون مئات آثار الأقدام في أكثر من ستة مواقع بمنطقة شرق توركانا.
وقال الباحث المشارك بالدراسة، نيل روتش، من جامعة هارفارد: «إن وجود ثمانية أفراد، معظمهم من الذكور البالغين، كانوا على ما يبدو يتحركون معاً في مجموعة واحدة، من دون إناث أو صغار، يلمّح إلى وجود بنية اجتماعية معقدة لدى هذا النوع».
وأضاف، عبر موقع الجامعة: «ربما كانوا يعيشون ضمن مجموعات كبيرة يتنافس فيها الذكور على الإناث، لكنهم كانوا في الوقت نفسه يتعاونون ويتحملون وجود بعضهم بعضاً طلباً للأمان في بيئة محفوفة بالمخاطر».
ويرى الباحثون أن هذه النتائج لا تعيد رسم صورة أكثر دقة للبنية الجسدية لــ«بارانثروبوس بويزي» فحسب، بل تضيف أيضاً بُعداً سلوكياً جديداً لفهم حياته الاجتماعية وأنماط حركته في بيئته الطبيعية، وهو جانب نادراً ما يمكن استنتاجه من السجل الأحفوري التقليدي.
