يتخطى دور الإعلان الترويج لسلعة أو منتج أو مشروع؛ فمع تحليل أبعاده ومفرداته ونماذجه المختلفة، وفق مناهج البحث الحديثة، يمكن أن يصبح الإعلان مؤشراً ودالاً على نمط الحياة والثقافة والوعي السائد، فضلاً عن توثيقه لأنماط الاستهلاك ودلالاته المتعددة.
يرصد الدكتور محمد شومان، أستاذ الإعلام المتخصص في التحليل النقدي للخطاب والحائز جائزة الدولة التقديرية في العلوم الاجتماعية هذا العام، الدلالات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والثقافية التي تتضمنها إعلانات جريدة «الأهرام» القومية على مدى 129 عاماً، في كتابه الأحدث «تحولات الخطاب الإعلاني في مصر: من الاستعمار إلى العولمة 1882 - 2011». الصادر أخيراً عن دار «ليدز» بالقاهرة.

ووفق ما يؤكده المؤلف «كان الخطاب الإعلاني في مصر منذ الاحتلال البريطاني عام 1882 وحتى (ثورة 25 يناير «كانون الثاني» 2011) نقطة التقاء وصراع بين المعلن والمستهلك، بين الهوية الوطنية ومحاولات التغريب، بين المواطن والسلطة (سلطة الاحتلال والسلطة الوطنية)، بين قيم الرأسمالية الاستهلاكية والعولمة والهوية الثقافية. إنه باختصار ساحة رمزية تتقاطع فيها البنيات السياسية، والدلالات الثقافية، والصراعات الطبقية، والرؤى المستقبلية للأسرة والمجتمع».
يغطي الكتاب 129 سنة تقريباً، وهي فترة طويلة وممتدة وحافلة بالتحولات المجتمعية، يقول الكاتب لـ«الشرق الأوسط»: «جاء اختياري لدراسة الإعلانات الصحافية في صحيفة (الأهرام) منذ الاحتلال البريطاني لمصر وحتى ثورة 25 يناير 2011، لكونها المنتظمة الصدور خلال تلك الفترة، وركزت على النقاط المفصلية أو الانقطاعات التي تعكس وتقدم نماذج للتحول والتغيير، سواء في بنية المجتمع والسياسة أو في الخطاب الإعلاني. وفرض هذا النهج اختيار عينة عشوائية من الإعلانات، التي يسجل كل إعلان منها انقطاعاً أو تحولاً عما سبقه من إعلانات أو أحداث في المجتمع والسياسة المصرية خلال 129 سنة شهدت الحقبة الاستعمارية، والملكية والليبرالية المشوهة في مصر وصولاً إلى ثورة 1952 بنسخها الثلاث في الحكم: الحقبة الناصرية، والحقبة الساداتية، والحقبة المباركية».

ويضيف شومان: «قدمت في الكتاب قراءة نقدية شاملة لتاريخ الانقطاعات والتحولات التي شهدها الإعلان في مصر من نواحي الشكل والمضمون، كما ناقشت التطور والانقطاع والتحول في التصميم والتوزيع البصري والموضوعات والقيم والرموز والدلالات التي يعكسها أو يشير بها، وعلاقة ذلك بتحولات السياسة والاقتصاد والثقافة والهوية والصحافة وصناعة الإعلان نفسها والمجتمع المصري».
وينطلق الكتاب من عدة مناهج تحليلية تخص الباحث، بالإضافة لاعتماده على تحليل الإعلان وفقاً لنموذج فان لوين، وتحليل الإعلان حسب التحليل السيميائي متعدد الوسائط لجاي كووك. ليحقق نظرة شاملة ورؤية تحليلية عميقة لكل أبعاد الإعلان من حيث الشكل والمضمون والعناصر والرموز والإشارات التي يتضمنها، ودورها في فهم تكوين المجتمع الاستهلاكي أو «المواطن الاستهلاكي» الذي يستهدفه الإعلان.
ويرصد الكتاب ويحلل شكل ومضمون الإعلانات في المرحلة الاستعمارية بمصر؛ إذ روجت الإعلانات في تلك الفترة من 1882 إلى 1918 مع نهاية الحرب العالمية الأولى لـ«كوزموبوليتانية استعمارية» تقتصر على المدن الكبرى والنخب، وقدمت المنتجات الغربية والسلع المستوردة «كالآلات الزراعية المستوردة من بريطانيا» و«الكونياك المستورد» و«المجوهرات والألماس المستورد من أميركا» كرموز للحداثة، والمدنية، والمكانة الاجتماعية. فضلاً عن إعلانات عن «قروض لأصحاب الأطيان» يقدمها البنك العقاري المصري. وفي إطار محاولات تغريب الهوية وتهميش الفاعل المحلي، ركز الخطاب الإعلاني على القبعة الغربية والأناقة الإفرنجية كعلامة للرقي في مقابل تغييب الهوية الشعبية العمامة/الطربوش. وفي كثير من الأحيان، جرى تهميش المصري بوصفه «منتجاً» أو فاعلاً رئيسياً ليظهر فقط كـ«مستهلك سلبي».

ومع صعود الحركة الوطنية وثورة 1919، بدأ الإعلان يتوزع بين خطابين متصارعين؛ خطاب التغريب الاستعماري، وخطاب وطني مقاوم يدعم الصناعة الوطنية والمؤسسات المصرية (مثل بنك مصر وشركة غزل المحلة).
وفي تحليله للخطاب الإعلاني في الفترة الناصرية منذ عام 1957، يوضح شومان كيف بدأت عملية التمصير للإعلانات، وما صاحبها من تحولات اقتصادية واجتماعية استجاب وتفاعل معها الخطاب الإعلاني، حيث اكتسب الإعلان صبغة سياسية ووطنية واضحة. ووظف النظام الناصري الإعلان لخدمة التنمية المستقلة، والتصنيع المحلي، والتعبئة للقومية العربية والاشتراكية.
فيما شهدت السبعينات تحولاً جذرياً في فلسفة الإعلان بالتوازي مع سياسة الانفتاح الاقتصادي والتحول من اقتصاد الدولة إلى اقتصاد السوق. حيث انقلب الخطاب الإعلاني من دعم «الذات الوطنية» إلى الترويج لمواطن يُعاد تشكيله كـ«مستثمر، وسائح، ومستهلك، ومتدين». وانتشرت إعلانات الطيران، والفندقة الدولية، والخدمات الاستثمارية. كما أسهم الإعلان في إنتاج دعاية تركز على «الرئيس المؤمن» وبطل الحرب والسلام. وجرى توظيف الدين لشرعنة التحولات الرأسمالية وأدوات الاستثمار (مثل إصدار سندات الجهاد وشركات الاستثمار)، مما خلق حداثة هجينة.
وخلال حكم الرئيس مبارك من ثمانينات القرن العشرين حتى 2011، يرصد الكاتب استغلال شركات توظيف الأموال للإعلانات لتحسين صورتها واستقطاب المدخرات عبر الخطاب الديني، قبل أن تختفي مع بداية التسعينات. كما رصد أثر الخصخصة على تحول الخطاب الإعلاني من دعم القطاع العام إلى الترويج لبيع أسهمه وخصخصته. وكسر احتكار الدولة للعقار من خلال الترويج لإعلانات «المنتجعات» والمجمعات السكنية المغلقة. ويتضمن الكتاب نماذج للإعلانات التي رصدها الكاتب وحللها وفق مناهج محددة ورؤية ترصد التحولات الاجتماعية التي مر بها المجتمع المصري على مدى 129 عاماً.















