«كتاب العراق الأسود»... خوارزمية اقتصاديات الأحزاب

3 مراحل لتدوير المال القذر... وحصة إيران تموّل «حماس» و«الحوثي»

رجل يعدّ أوراقاً نقدية من فئة الدولار الأميركي في سوق الكفاح ببغداد في 27 ديسمبر 2022 (أ.ف.ب)
رجل يعدّ أوراقاً نقدية من فئة الدولار الأميركي في سوق الكفاح ببغداد في 27 ديسمبر 2022 (أ.ف.ب)
TT

«كتاب العراق الأسود»... خوارزمية اقتصاديات الأحزاب

رجل يعدّ أوراقاً نقدية من فئة الدولار الأميركي في سوق الكفاح ببغداد في 27 ديسمبر 2022 (أ.ف.ب)
رجل يعدّ أوراقاً نقدية من فئة الدولار الأميركي في سوق الكفاح ببغداد في 27 ديسمبر 2022 (أ.ف.ب)

بغداد صيف 2010. بعد ساعات من الاستجواب لا يزال المتهم بقضية اختلاس متماسكاً. يضع ساقاً على ساق. ينتظر النهاية حتى يغادر، فيما المحقق في حيرة.

سأل المتهم: «متى ينتهي كل هذا؟». رد المحقق: «عندما تجيب عن كل الأسئلة».

المحقق مدقق مالي مخضرم، يحسب نفسه قادراً على إدانة «مختلس محاصر بالأدلة». وكانت السرقات يومها تنبت مثل «ورد النيل»؛ عشبة ضارة تبدأ بقعةً صغيرة، لا تلبث أن تغطي النهر كله.

ضغط المحقق بالأسئلة، عرض أدلة على الطاولة، وقال المتهم: «عزيزي... لماذا تتعب نفسك؟ لدي مليون دولار احتياطياً لإخراجي من هذه الغرفة».

قال المحقق: «لا أقبل الرشوة». رد المتهم مندهشاً: «من قال إنها لك؟».

ساد صمت لدقائق. وقال المتهم: «استرح عزيزي».

انتهى الاستجواب.

يقول المحقق الذي تقاعد عام 2012، إن «القضية لا تزال مفتوحة»، ويأمل اليوم أن تفضي حملة اعتقالات بدأت منتصف يونيو (حزيران) الماضي، وطالت مسؤولين وسياسيين، إلى مصير مختلف.

لم يكن ذلك الاستجواب سوى نافذة على منظومة معقدة بمليارات الدولارات. تبين أن «مليون دولار» ليس مخصصاً لحماية أفراد، بل كيانات ظِل طورت نفسها، وباتت جزءاً مما يسميه مسؤول سابق «كتاب العراق الأسود».

على مدى سنوات، أنشأت أحزاب عراقية، ومعها فصائل مسلحة موالية لإيران، ما يعرف بـ«المكاتب الاقتصادية»، وظيفتها ابتلاع حصة من ريع النفط، تنقلها عقود وعمولات إلى محافِظ مالية غير رسمية. كان تجريمها قانونياً صعباً، ويُخشى من دفع ثمنها السياسي.

دولة المكاتب الاقتصادية

للمرة الأولى، يكشف تحقيق «الشرق الأوسط» عن خوارزمية «المكاتب الاقتصادية»، ينسج خيوطها أشخاص بمواصفات خاصة، وتنمو من حولهم خلايا من موظفين، وجيش مقاولين ورجال أعمال، داخل العراق وخارجه.

أظهرت شهادات خاصة لمسؤولين ومحققين سابقين ومحاسبين ونواب، أن الطريقة التي صممت بها تلك المكاتب سمحت لها، مع الوقت، بإنشاء نظام ذاتي يولد المزيد من المكاتب الفرعية، يستمد قوته من جماعات مسلحة ومن الانتخابات أيضاً، التي يصادف أنها تشكل السلطات في البلاد.

وشرحت إفادة نادرة لمستشار مطلع على هياكل حكومية، كيف تطورت «الاقتصاديات»، من نموذج بدائي بدأ يتشكل عام 2006 وصولاً اليوم إلى خوارزمية معقدة، مرت بثلاث مرحل من النمو والتكيف.

خلف هذا النظام، تجني إيران مكاسب من نفوذ الكيانات المالية الموازية، لتمويل «محور المقاومة» دون أن يعني ذلك أنها تحتكر الأرباح، لكن أهميتها تكمن في التغطية على أنشطة التهرب من العقوبات الأميركية.

تكشف الإفادة ذاتها عن مستويين من المكاتب، يمكن وصف الأولى بدرجة «كبار الشخصيات»، وتضم قادة أحزاب شيعية وسنية، يقتصر دورها على توقيع العقود وتحصيل نسب من الأرباح، تاركة مراحل التنفيذ للمستوى الثاني من المكاتب، ويمكن وصفه بـ«الدرجة السياحية»، الأوسع والأكثر تشعباً.

يسود اعتقاد بأن المتهمين الذين يخضعون للتحقيق منذ أسابيع، والأموال التي يعلن عن ضبطها، ينحصرون ضمن نطاق المستوى الثاني. ولا يزال الوقت مبكراً للقول إن السلطات تقترب من وكر الدرجة الأولى.

في 28 يونيو 2026، قدمت السلطات عرضاً مثيراً للقوة، باستخدام دبابات ومدرعات في المنطقة الخضراء، لمداهمة مقرات سياسيين في بغداد، واعتقلت العشرات.

العرض الذي وصفه سياسيون عراقيون بـ«الانقلاب» نال تسمية تمنح العملية طابعاً هجومياً ودرامياً: «صولة الفجر». بعد ذلك الفجر، نُفذت الاعتقالات اللاحقة بصمت، ودون استعراض.

وتتركز الاعتقالات على اثنين من كبار المسؤولين في قطاع الطاقة العراقي، هما وكيل وزارة النفط لشؤون التصفية عدنان الجميلي، ووكيل وزارة النفط لشؤون التوزيع علي معارج. ويعتقد أنهما - أو أحدهما - حلقتان مفصليتان في برنامج إيراني لتهريب النفط والالتفاف على العقوبات الأميركية، إلى جانب تمويل جماعات مسلحة وحملات انتخابية للاعبين مختلفين.

الفساد ليس عاراً

لم يسبق أن نجحت حملات أطلقتها الحكومات المتعاقبة لمكافحة اختلاس الأموال، وفق صحافيين وسياسيين. غالباً ما تبدأ بإعلانات ضخمة عن الاعتقالات، ولا تنتهي بالمحاسبة أو إصلاح لوائح العمل في الإدارة الحكومية، ما عزز الانطباع بأن الحملات غطاء لتصفية حسابات بين أقطاب السلطة، أو لمعالجة أزمة داخلية.

يقول مسؤول حكومي، لـ«الشرق الأوسط»، إن «الأمر مختلف الآن، إلى الحد الذي دفع جهات دولية لمصارحتنا حين نتحدث عن أزمتنا المالية بسبب القيود الأميركية وإغلاق هرمز: الأموال حولكم، في كل مكان (...) ورائحتها قذرة».

منذ نحو عقدين، بدا أن الفساد لا يوصم أصحابه بالعار الاجتماعي، بل إن أثرياء تحوم حولهم الشبهات يعاملون كنجوم مجتمع، بينما وجد منتقدو أحزاب «الإسلام السياسي» أن التطبيع مع هذه الجرائم يعود إلى ما يُعتقد أنها فتاوى لا تحرم الاستحواذ على أموال الدولة أو مصارفها باعتبارها «مجهولة المالك».

يتداول سياسيون على نطاق واسع تقديرات متباينة لحجم الأموال التي يعتقد أنها اختُلست خلال العقود الماضية، بين عشرات ومئات المليارات من الدولارات. في الوقت نفسه، لا تبادر السلطات في كثير من الحالات إلى دحض أو تأكيد الأرقام المتداولة.

يقدر صادق الركابي، وهو خبير اقتصادي مقيم في لندن، حجم المبالغ التي استولت عليها «الاقتصاديات» بنحو 15.3 مليار دولار سنوياً من الموازنة. يقول إن عشرات الوسطاء والشركات شغلوا استثمارات لأصول الدولة بمئات مليارات الدولارات.

كانت الحكومة السابقة، برئاسة محمد شياع السوداني، شغلت منذ 2023، موازنة تغطي ثلاثة أعوام بنحو 450 مليار دولار، لكن رئيس الحكومة الحالي علي الزيدي يقول إنه تسلم الخزينة العامة وفيها نحو مليار دولار.

وجبة من الأموال النقدية ضُبِطت في أحد المنازل تعود لقضية الموقوف عدنان الجميلي (مجلس القضاء)

أشباح الوزارة

تبدو الفكرة التي هندست مكاتب الأحزاب شديدة التبسيط، لكن هذه البساطة هي أيضاً سر التعقيد؛ يصطفي الحزب أفراداً موثوقين، يمكن السيطرة عليهم، يديرون عمليات مالية تتطلب الحضور والتأثير في أماكن رسمية بوصفهم أشباحاً «لا يوقعون على أي وثيقة رسمية».

يقول محقق سابق، خرج من الخدمة قبل نحو عشر سنوات بسبب تهديدات، إن «أعضاء الاقتصاديات أشخاص يسهل توقعهم، مثل الدائرة العائلية الصغيرة لرئيس الحزب، لكن هناك أيضاً أولئك الذين لا يخطرون على البال (.....) زوجة السائق، ابن عم أحد أفراد الحماية، أو هذا المراهق الذي يثير الفوضى في الحي؛ شخص اختير لطيشه وقابليته للإغراء، لا لنفوذه».

مع الوقت، راكمت الأحزاب موارد بشرية بمهارات فريدة؛ فن التفاوض، معرفة بدهاليز البيروقراطية وحاجات السوق، قنوات خاصة إلى المصارف ومكاتب الصيرفة، وفنون النجاة من الرقابة والعقوبات.

غريزة النجاة ليست الصفة الوحيدة التي يجب أن يضمنها مسؤول «الاقتصادية». يقول زياد الهاشمي، وهو خبير اقتصادي مقيم في بغداد، إن «عليه أن يتمتع بعلاقات سياسية ورسمية واسعة، تشمل الشركات والوزارات والمديرين العامين. يمكنه أن يطرق باب الكبار في أي وقت حاملاً صفقة دسمة».

تتنافس الأحزاب للظفر بأفضل شخص يدير شبكتها المالية. يقول المستشار السياسي إن «مسؤول الاقتصادية هو اسم ينمو في الظل (...) قوة لا يستهان بها، لكنه يبقى في معظم الحالات تحت عباءة زعيم الحزب، والعلاقة بينهما شديدة الحساسية والغموض».

للمكتب الاقتصادي نفوذ ضارب بلا مسمّى رسمي. «قد يكون الوزير موظفاً لديهم»، كما يقول عضوان قياديان في تحالف «الإطار التنسيقي»، المظلة الشيعية للحكومة.

وبعد كل انتخابات في البلاد، تخوض الأحزاب مفاوضات لتشكيل الحكومة يبدو ظاهرها سياسي وعقائدي، لكنها في الجوهر ترسم حدود المكاتب الاقتصادية، وحصص أربع سنوات مقبلة، وفق نظام عرفي يحوّل المقاعد البرلمانية إلى نقاط تُستخدم لتوزيع الحقائب.

يقول مسؤول سابق طلب عدم ذكر اسمه: «منذ الأسبوع الأول لوصول الوزير (أو الوكيل أو المدير العام) إلى مكتبه، يتولى فريق من مكتب الحزب الاقتصادي التفاوض على عقود الوزارة (...) إذا سارت الأمور كما خطط لها، يقولون للوزير: وقع هنا». يضيف: «من النادر أن تتمكن مؤسسة حكومية من توقيع عقود بعيداً عن سطوة المكاتب».

«يمكن لمسؤول المكتب الاقتصادي طرق باب أي مسؤول، مهما كان، حاملاً صفقة دسمة»

يُفهم من هذا النظام أن الانتخابات لا تشكل الحكومات فقط، بل تعيد توزيع السوق بين الأحزاب. كما يفهم ضمنياً أن الوزير ومئات الدرجات الخاصة يشبه حارس مصرف يترك مفتاح الخزنة تحت الباب.

يفضل صادق الركابي وصف الاقتصاديات بأنها «المركز المالي غير المعلن» للمحاصصة السياسية. ومن وجهة نظره، فإن «خطورتها لا تكمن في سرقة المال العام بل في تشكيلها للدولة العراقية».

يقدر الركابي عدد «المكاتب الاقتصادية المرتبطة بالأحزاب بنحو 40 شبكة لديها قرابة 200 خلية نفوذ داخل الوزارات ومجالس المحافظات والبلديات والمصارف وغيرها من المؤسسات». ويقول، إن هذه الخلايا أنشأت أكثر من 1000 شركة واجهة أو مقاول مرتبطين بها».

حسب تجار شاركوا في هذا التحقيق، فإن شركات منخرطة مع مكاتب الأحزاب لديها «تجارة حقيقية، نظيفة أيضاً، لكنهم لا يعثرون على فرص حقيقية من دون مصافحة الذين يديرون تجارة قذرة».

ويقول نائب سابق لـ«الشرق الأوسط» إن «بعض الأحزاب خلقت رجال أعمالها. صنعتهم من بطانة الحزب تجاراً أصحاب نفوذ. بينما تمكن زعماء أحزاب من فرض شراكاتهم على رجال أعمال ناشطين أساساً في السوق». يضيف، «في مرحلة مبكرة كان العمل يزدهر بالتهديد».

لكن ثمة نوعين من رجال الأعمال كانا حصيلة سنوات من المكاتب الاقتصادية؛ الأول «جماعة رئيس الحزب»، وهم معفيون من الضرائب بامتيازات استثنائية وتسهيلات نادرة مع دوائر الحكومة، لكنهم يدفعون لتمويل مرشحي انتخابات وشركات ومحطات تلفزيون تقدم خدمات سياسية، بينما يعاني النوع الثاني، ويضم تجار القطاع الخاص، في الحصول على مستحقاتهم، التي وصلت حتى عام 2025 نحو 28 مليون دولار، حسب اتحاد المقاولين العراقيين.

الحال، أن عشرات المكاتب تستحوذ على نحو 10 في المائة من موازنة الدولة (نحو 15 مليار دولار سنوياً)، عبر مقاولين يوجهون العقود الحكومية، وأفراد يتحركون بين الدولة والأحزاب. دون أن يشمل ذلك حصتها من التهريب والاستيلاء على أصول القطاع الخاص.

موظفون بمصرف بغداد في حي الكرادة بالعاصمة يقومون بعدّ الأموال في يونيو 2004 (غيتي)

دورة المال... من الصيد إلى المأسسة

على مدى عقدين، مرت حركة أموال «الاقتصاديات» بثلاث مراحل تضمنت تقلبات وأساليب عمل مختلفة تكيفت معها الأحزاب. يقول صادق الركابي إن «عائدات الاختلاس في المرحلة الأولى، بين 2004 و2008، كانت تهرَّب إلى الخارج، لشراء عقارات أو أراضٍ أو فنادق». وفي المرحلة الثانية، بين 2010 و2014، اضطرت المكاتب إلى إنشاء مصارف محلية لإيداع أموالها المسروقة، دون أن توقف تهريبها إلى الخارج.

حسب الركابي، لعبت المصارف في تلك المرحلة دور «الوعاء الآمن» الذي يسمح بسحب الأموال بطريقة شبه رسمية، والاستفادة من فرق السعر في نافذة بيع العملة.

وبدأت المرحلة الثالثة منذ أن كشفت وزارة الخزانة الأميركية عن طرق غسل الأموال وتهريبها، وضُيِّق على المصارف وعلى خروج الأموال. يقول الركابي إن «المكاتب لجأت حينها إلى إنشاء شركات استجابت لحاجة السوق، مثل الشركات العقارية، والمولات التجارية، ومؤخراً أنشأوا مصانع صغيرة».

الحال، أن المصادر تتفق على أن «الاقتصاديات» نشأت أول مرة مع اندلاع أعمال العنف بين المجموعات المذهبية، حين أدركت أطراف النزاع أهمية مصادر التمويل في الحرب.

يقول ضابط سابق في الجيش الأميركي خدم في بغداد بين عامي 2004 و2007، إن «الأمر كان أشبه بصراع على الموارد بين أمراء حرب. يسطون على البضائع لشراء الأسلحة وتجنيد مقاتلين (...) أتذكر من مشاهدات تعود إلى ذلك الوقت، أن معمل مياه غازية - مثلاً - كان يمول فصيلاً سنياً. في الجهة الأخرى، كانت ميليشيا شيعية تتاجر في الأدوية». تطور الأمر لاحقاً إلى «الخطف من أجل الفدية».

أول نموذج واضح لهذه المكاتب ترسخ مع حكومتي إبراهيم الجعفري القصيرة ونوري المالكي الأولى بين عامي 2006 - 2010. كان بدائياً يلبي حاجات لا تختلف كثيراً عن تاجر مبتدئ في سوق كبيرة.

في هذا النموذج، يستحوذ الحزب على عقود الوزارة، يبيعها مباشرة إلى شركات تقوم بتنفيذها مقابل نسبة من الأرباح، قد تكون 30 في المائة.

قبل أن يتولوا مناصبهم، كانت الكوادر الحزبية أمضت سنوات طويلة في معارضة صدام حسين قبل عام 2003. وعندما دخلوا مؤسسات الدولة للمرة الأولى، تعاملوا مع لوائح إدارية لم يسمعوا عنها من قبل، وحضروا جلسات مع أشخاص يتفاعلون بلغة لم يألفوها طيلة مسيرتهم.

يضرب مسؤول سابق مثالاً بشخص كان يشغل موقعاً محورياً في مكتب رئيس حكومة قبل نحو عشرين عاماً، إنه سياسي قليل الحيلة الإدارية، صادف أن يجد نفسه في قلب مفاوضات تأسيسية لـ«العراق الجديد».

يقول المسؤول: «إن ممثل شركة النفط الأميركية (إكسون موبيل) كان لديه موعد مع رئيس الحكومة. قبل ساعة أخبرهم الشخص، وهو قيادي في الحزب الحاكم أيضاً، أن اللقاء حدث بالفعل في اليوم السابق، فلماذا تريد (أكسون موبيل) لقاء الرئيس مرة أخرى!».

حدثت فوضى وقلق في مكتب الرئيس؛ لماذا لشخصين يمثلان الشركة نفسها أن يكونا داخل المنطقة الخضراء، وقد يكون أحدهما منتحلاً للصفة؟

في النهاية، تبين أن رئيس الحكومة كان اجتمع مع ممثل إحدى شركات «الموبايل» أي الهاتف الخلوي. اختلط الأمر على موظف مكتبه، ظناً أن «إكسون موبيل» تعمل في الهواتف أيضاً، وليس النفط.

صحيح أن النموذج البدائي يبدو من الخارج متصدعاً، لكنه أنشأ نموذجاً للتقاسم في داخل النظام. كان من الصعب على حزب وزارة الصحة، على سبيل المثال، أن يقترب من عقود «الكهرباء». في السنوات اللاحقة تداخلت المكاتب والأحزاب.

 

مسؤول سابق خلط بين شركة «موبايل» و«إكسون موبيل» خلال ترتيب لقاء مع رئيس الحكومة

يشبه هذا النموذج «أسلوب الصيد»؛ لا يعرف الصياد أهمية الفريسة. يقول المسؤول السابق: «كانت المكاتب ساذجة في بدايتها، تبيع عقوداً دون أن تعرف مضمونها، كما أن بعضاً منها لا يُنفذ».

«كان لدينا أعمدة إنارة في مدينة الشعلة (غرب بغداد). محولات كهربائية في مدينة الصدر (شرق بغداد). حدائق عامة في الحلة (جنوب بغداد). شبكات مجارٍ في الموصل (شمال)، وأمثلة أخرى لمشاريع منفذة على الورق فقط». يقول مسؤول رقابي في وزارة التخطيط.

سيتطور هذا النموذج مع حصول الأحزاب على معرفة أكبر بدهاليز البيروقراطية. ليظهر الشكل الثاني من المكاتب وتزداد الأرباح.

يقول المستشار إن «قادة الأحزاب توصلوا إلى قناعة بأن بيع العقود للشركات يحرمهم من أرباح أكبر. أسسوا شركاتهم. تراكمت الخبرة. وارتفعت النسبة من 30 في المائة إلى 50 أو 60 في المائة».

وعندما بدأت الشركات الجديدة تنفيذ الأعمال، ظهرت مشكلات تتعلق بالتدقيق والحسابات والجودة، وتعثرت عقود أو لم يكتمل تنفيذها، بسبب سرقات أو فشل أو تلكؤ، وفق المستشار.

أظهر بحث في المصادر المفتوحة أن عدد المشاريع المتعثرة بين عامي 2008 وحتى دخول «داعش» إلى البلاد منتصف 2014، بلغ نحو 6 آلاف مشروع. وهي الفترة التي نضج فيها النموذجان الأول والثاني من «الاقتصاديات».

بعد انتهاء المعارك ضد «داعش»، وصعود نفوذ الفصائل، تنبهت جماعات متنفذة إلى أن مكاتبها تواجه مشكلات مع العقود التي أحالتها إلى شركاتها. تبين أن بيروقراطية الدولة المتجذرة منذ نحو قرن ليست سهلة، وأن الرقابة والتدقيق يستنزفان الوقت والمال.

خوارزمية الأرباح والكلف

على الفور، ابتكرت الأحزاب نمطاً لتكييف الاقتصاديات. ولِد الشكل الثالث من التطور. يقول المستشار: «جرى الاستغناء عن خيار بيع العقود مباشرة مقابل نسبة من الأرباح، وكذلك عن خيار تأسيس شركات تتولى التنفيذ بنفسها، والاتجاه إلى تأسيس شركات وهمية وسيطة. تتولى تسلم العقد من الحكومة، ثم تتفاوض مع المنفذ الحقيقي، وهو شركة متخصصة، للحصول على أفضل سعر».

بدلاً من الاكتفاء بالحصول على العقد وبيعه، أو إحالته إلى شركة تابعة قد لا تمتلك الخبرة أو الاختصاص أو المعرفة بإجراءات الدولة، تُنشأ شركة وهمية (مسجلة رسمياً)؛ تتسلم العقود، تحتفظ بها، وتدخل في مفاوضات تشبه المزايدة لاختيار شركة تدفع أفضل مقابل لقاء إحالة العقد إليها.

تعتمد هذه الآلية على اقتطاع نسبة من الربح المتوقع، وليس من القيمة الإجمالية للعقد. يجري احتساب الربح من الفرق بين الكلفة التخمينية وقيمة العرض الذي تقدمه الشركة. فإذا كانت الكلفة المقدرة للتنفيذ تبلغ 6 ملايين دولار، بينما قدمت شركة عرضاً بقيمة 16 مليون دولار، فإن هامش الربح المتوقع يبلغ 10 ملايين دولار.

ثم تبدأ المساومات بين الأطراف لتحديد حجم الربح النهائي؛ إذ قد يُعاد تقديره ليصبح 9 ملايين دولار أو 8.5 مليون بدلاً من 10 ملايين، وفقاً للتفاهمات.

بعد تثبيت الرقم النهائي للربح، تُحدد النسبة التي سيجري اقتطاعها منه. على سبيل المثال، إذا تم الاتفاق على اقتطاع 35 في المائة من ربح قدره 9 ملايين دولار، فإن المبلغ المقتطع يبلغ 3.15 مليون دولار.

يقول المحقق السابق إن «غالبية أوراق قضايا الفساد سليمة. لا أثر يربطها بأعضاء المكاتب الاقتصادية؛ لأنهم يبرمون عقوداً أصولية دون توقيع يدينهم».

ويرى أن «القضاء اليوم بحاجة إلى خبراء لتفكيك رموز الكلف التخمينية».

يمكن القول إن هذه الآلية معتمدة في مستوى «كبار الشخصيات» ضمن مرحلة توقيع العقود. بينما ثمة مكاسب في العمولات، وهي حصص متناثرة بين مقاولين ومكاتب حكومية تنتظر العقود عند مرحلة التنفيذ لـ«تسمين قطط جائعة».

يقول المستشار: «ثمة طرف في المستوى الأول يشعر دائماً بأنه أكبر الخاسرين. الوزير أو وكيل الوزارة الذي يوقع العقود، دون حصة ترضيه».

من هذا الوزير أو الوكيل تنشأ شبكة مصرفيين ووسطاء يبنون نفوذهم من مرحلة تنفيذ العقود. يقول المستشار، إن عدنان الجميلي الموقوف على ذمة اختلاس يمثل حلقة هامشية في المستوى الأول من مكاتب قادة الأحزاب، لكنه تحول إلى محطة أساسية لإنتاج مكاتب فرعية في المستوى الثاني».

ويظهر لاعبون جدد يؤمّنون حصصاً من شركات اشترت العقود من المستوى الأول للمكاتب، تنوي تنفيذها تحت رحمة المستوى الثاني.

يشرح المستشار السياسي الصفقة: «سيقول وسيط صغير للمسؤول: سنمنحك 1 في المائة أو 2 في المائة، أو مبلغاً مقطوعاً، أو ملياراً، بحسب الاتفاق، مقابل إكمال تنفيذ العقود».

صورة وزعها القضاء العراقي في 9 يوليو 2026 بعد ضبط نحو 12 مليون دولار تعود لقضية الموقوف عدنان الجميلي كانت مُخبَّأة في قناة لتصريف الامطار

كيف تجري العملية؟

تودع الشركة مبلغاً أو صكاً في مكتب صيرفة، لن تُصرف للمسؤول إلا بعد انتهاء تنفيذ العقد، الذي يمر عادة بمراحل إدارية عديدة تستوجب صرف سلف تنفيذية من الدولة.

في العادة، يبلغ مكتب الصرافة بأن الصرف يتوجب حضور أشخاص محددين. يقول وسطاء إن «الودائع قد تكون أيضاً على شكل صكوك، أو عجلات «تاهو شوفروليه» أو شقق في مجمعات سكنية فارهة».

يلعب الوسطاء دوراً محورياً بين المسؤول والشركات؛ إذ يتولون تسلم الأموال والاحتفاظ بها حتى تحقق شروط الرشوة، وفي بعض الحالات يكون الوسيط هو نفسه صاحب مكتب الصيرفة. إنهم حلقة وصل تجنب الاتصال المباشر بين الجهة الرسمية والشركة، لكنها مع الوقت تضخمت إلى حد إنتاج «أثرياء جدد».

في السنوات الأخيرة، برز لاعبون ماليون في ظلال المستوى الثاني من المكاتب الاقتصادية، يمكن تسميتهم بـ«أمين صندوق الرشاوى».

وذاع صيت «أمناء» في السوق المحلية، رغم أنهم جاؤوا من المجهول. من بينهم، كما تشير مصادر متقاطعة، الأخوان حسن ومحمد الكردي. يشاع على نطاق واسع أنهما غادرا البلاد ومعهما نحو 500 مليون دولار ترتبط بقضية عدنان الجميلي.

لم يصدر القضاء العراقي أي تعليقات بخصوص الأخوين الكردي، رغم أساطير حاكتها وسائل إعلام دون أدلة، حتى الآن. وقيل إنهما كانا يتحركان في العراق رفقة عشرات المسلحين لحمايتهما خلال توزيع الأموال. أما اليوم، فهما يتنقلان بين اليونان وفرنسا، حسب أنباء غير مؤكدة.

صورة وزعها الإعلام الحكومي في 2 يناير 2025 تُظهر رئيس الوزراء السابق محمد السوداني خلال افتتاح الوحدتين الرابعة والخامسة في مصفاة بيجي وإلى يساره عدنان الجميلي الموقوف على ذمة التحقيق وإلى يمينه وزير النفط السابق حيان عبد الغني (أ.ف.ب)

«الطفرة الوراثية»

تتفق مصادر حكومية على أن الجميلي وشبكته الواسعة يشكلان «طفرة وراثية» في مسار الاقتصاديات. بدأ الرجل حياته المهنية موظفاً عادياً في وزارة النفط، قبل أن يتدرج في مصفاة بيجي (شمال بغداد)، التي ستصبح لاحقاً ملعبه المفضل.

عام 2023، فاوض حزب سني متنفذ حلفاء شيعة في «الإطار التنسيقي» على منصب مدير مصافي الشمال، الذي يشرف على بيجي، وأصبح من نصيب الجميلي الذي كان «شق طريقه قبل ذلك تحت عباءة فصيل شيعي متنفذ»، على ما تقول مصادر متقاطعة.

خلال عام واحد، أصبح وكيلاً لوزارة النفط، وخلال عامين حصل على تخويل مطلق بالعقود. ومن يومها، عثر الجميلي على منجم في بيجي.

كان الجميلي واحداً من خمسة مسؤولين، بينهم شخص يوفر الحماية الأمنية للجميع، يشكلون ما يشبه مجلس إدارة «اقتصاديات» المصافي، على حد وصف مسؤول سابق.

تحول هذا المكتب سريعاً، بقيادة الجميلي، إلى «موزع خدمات متعددة الأطراف». ومع الوقت، تجاوزت ممارساته الحدود، فأُحيلت عقود إلى جهات متعددة، وصُرفت أموال من دون تنفيذ المشاريع، وكان معظم ذلك يتعلق بمصفاة بيجي.

بهذا المعنى، أصبح الجميلي رجل الجميع، القوى الشيعية والسنية. ثم حدثت «فظائع لا تصدق» على حد وصف مسؤول نفطي سابق.

تنتج منشأة بيجي النفطية نحو 150 ألف برميل من المشتقات يومياً، وهو نحو نصف طاقتها، بسبب أضرار طالتها خلال سيطرة «داعش». وبعد استعادتها عام 2017، تحولت إلى ساحة صراع بين الفصائل الشيعية التي تقول إنها شاركت في معارك التحرير، كما نشأت حولها جهات محلية لعبت دوراً في تهريب الوقود، والاستحواذ على عقود الإنتاج.

 

وكيل الوزارة الموقوف، عدنان الجميلي، واحد من 5 شخصيات تدير «اقتصادية» لتهريب النفط

في واحدة من العقود التي أدارتها شبكة الجميلي، وبحسب شهادة عناصر أمن ومسؤولين سابقين، نفذت المنشأة عقداً لشراء مضخات وكابسات من رومانيا تضم «مضخات وكابسات» بنحو 450 مليون دولار، رغم أنها لم تكن متوافقة مع البنية الإنشائية في بيجي.

يقول مسؤول سابق في النفط: «وصلت المعدات إلى بيجي وهي خارج الخدمة، بسبب التقادم. كان من المفترض أن تساعد في إنتاج البنزين الأبيض الذي تبين أنه غير مطابق للمواصفات».

يقول موظفون إن «المعدات أدخلت في ورشة لطلائها وإخراجها على أنها جديدة». ويضيف أحدهم: «ركنت جانباً لأنها لم تكن تعمل».

وبعد تزايد الشبهات، صادف أن تتعرض منشأة بيجي إلى قصف بطائرات مسيرة، دمرت موقعاً كان يضم المعدات نفسها. يعتقد أن الهجوم نفذ خلال يوليو (تموز) 2025، دون تسجيل إصابات بشرية، حسب السلطات المحلية.

لم نحصل على تأكيدات من وزارة النفط، أو إدارة المصفاة بشأن العقد الروماني، أو المسيرة التي دمرت المضخات، لكن مسؤولين في قطاع الطاقة، طلبوا التحفظ على هوياتهم، أكدوا إبرام العقد، وكشف أحدهم عن أن «شراء المعدات كان أساساً لتعويض وحدات إنتاجية تم تهريبها في ظروف غامضة بعد معارك (داعش)، ونقلت لاحقاً إلى موقع مجهول».

دفتر الجميلي الأزرق

يقول مسؤول نفطي سابق إن «الجميلي تمكن خلال فترة قياسية منذ عام 2023 من تمرير عقود لمصافي الشمال بنحو 4 مليارات دولار، تضمنت شراء معدات لا تطابق مواصفات المنشآت النفطية العراقية».

تشير هذه الوقائع إلى أن «الطفرة الوراثية» في طريقة عمل الجميلي تعود أساساً إلى تغييرات كبرى في موازين القوى السياسية. يقول المستشار المطلع إن «الجميلي تحول إلى مكتب اقتصادي بديل لتحالف سياسي كان صاعداً بقوة خلال الانتخابات الأخيرة، لم تكن لديه خبرة سابقة في مجال المكاتب الاقتصادية، قبل تشكيل حكومة محمد شياع السوداني».

نقل سياسيون أخيراً أن عدنان الجميلي كان يتلقى طلبات مكتوبة بخط اليد من زعيم التحالف السياسي لدفع تمويل حملات انتخابية لمرشحيه. وقال أحدهم إن «طلبات التمويل تصل أحياناً إلى 150 مليون دينار، بينما تذكر روايات أرقاماً مختلفة، مثل 200 أو 500 مليون».

يقول مصدر موثوق إن الجميلي كان يسجل هذه الطلبات في «دفتر أزرق»، ويؤكد مصدر قضائي أنه «بات الآن دليلاً لتعقب الأموال والأسماء والشبكات».

صورة جوية وزعها الإعلام الحكومي في يناير 2025 تُظهر مصفاة بيجي النفطية شمال بغداد (أ.ف.ب)

حيتان العراق في بركة النفط

لا يملك العراق سوى بحر النفط. ولم تعرف الجماعات العراقية غير السباحة فيه. مع عشرات الفصائل، وميزانيات مليارية، تحول السباحون إلى تماسيح في بركة سوداء.

يقول وزير سابق، لـ«الشرق الأوسط»، إن «العراق يبيع النفط مرتين، بشكل رسمي. ومرة عبر شبكات التهريب».

لكن تهريب وقود «النفط الأسود» هو تجارة الظل التي تربط شبكات متداخلة من الاقتصاديات. يستخدم هذا الوقود مباشرة في محطات توليد الكهرباء والأفران الصناعية، كما يعاد تكريره أو معالجته لإنتاج مشتقات أبرزها الديزل.

تخصص الحكومة كميات من النفط الأسود لبيعه إلى السوق لتأمين حاجة محلية، لا سيما معامل الأسفلت. ويتراوح سعر الطن من هذا الوقود بين 100 دولار و250 دولاراً، حسب تسعيرة تغيرت مع تعاقب الإدارات.

حسب شهادات موثقة، تقوم شبكة مهربين يشرف عليها تحالف من مكاتب اقتصادية لفصائل وأحزاب في «الإطار التنسيقي» وقوى في «المجلس السياسي» السني، بتهريب جزء من «النفط الأسود» إلى موانئ إقليمية عبر وسطاء، ومزج الجزء الثاني مع زيت وقود إيراني لتصديره بأوراق عراقية.

يقول مصدران، ومسؤول سابق في وزارة النفط، إن «التهريب المزدوج» حقق لـ«الاقتصاديات» أرباحاً تقدر بنحو 2 مليار و600 مليون دولار سنوياً، بين 2023 و2025.

خلال هذه الفترة، وفق المصادر، تعاظمت تراخيص معامل الأسفلت، بالتزامن مع تخفيض السلطات سعر طن «النفط الأوسط» من 250 دولاراً إلى 100 دولار.

وتواصلت «الشرق الأوسط» مع مسؤولين تولوا مناصب خلال تلك الفترة، إلا أنهم امتنعوا عن التعليق حتى يوم النشر.

الحال، أن «الاقتصاديات» تقوم بعمليتين متزامنتين في تجارة «النفط الأسود»؛ تضخيم حاجة معامل أسفلت موجود فعلية للحصول على الفائض، وشراء زيت الوقود من الدولة لصالح معامل وهمية على الورق فقط.

وحسب 3 مصادر، فإن «النفط الأسود المهرب الذي لا يجد طريقه إلى المعامل المحلية، ينقل عبر وسطاء وشركات إلى موانئ العراق لتحميله». يقول أحد المصادر إن ميناءً إقليمياً خصص مصفاة لتلقي شحنات مهربة من النفط الأسود العراقي.

وفشلت مساعي السلطات على مدى سنوات في كبح نشاط تهريب النفط الأسود، سوى محاولات يتيمة لوزراء سابقين من خلال رفع السعر الحكومي.

معركة النفط الطاحنة

يقول سياسي في تحالف «الإطار التنسيقي» إن تداخل مصالح الاقتصاديات كان ينعكس على المفاوضات السياسية بعد الانتخابات، من خلال هندسة مناصب معنية بملف النفط، وتوزيع وسطاء وتدويرهم داخل المؤسسة، وهو ما يفسر المعركة الطاحنة على الوزارة»، كما يقول قيادي في «الإطار التنسيقي».

ولا تقتصر شبكات المصالح المرتبطة بالطاقة على تجارة المشتقات النفطية، مثل زيت الوقود، بل امتدت أيضاً إلى تعاملات مرتبطة بالنفط الخام. تشير مصادر مطلعة إلى علاقات عمل شركات مرتبطة بـ«خاتم الأنبياء»، الذراع الهندسية التابعة لـ«الحرس الثوري» ومسؤولين عراقيين لتسهيل تهريب النفط الإيراني بأوراق رسمية عراقية.

كانت الولايات المتحدة قد فرضت، في مايو (أيار) 2026، عقوبات على علي معارج، وكيل وزارة النفط، إلى جانب قيادات في «عصائب أهل الحق»، على خلفية استغلال منصبه، لتسهيل تحويل مسار النفط العراقي وبيعه لصالح إيران، مشيرة إلى أنه مكّن من خلط النفط الإيراني مع العراقي وتقديم وثائق ساعدت على تسويق المزيج.

معارج هو أحد الذين شملتهم اعتقالات نفذتها القوات العراقية، وفق مذكرة قبض في يونيو 2026. يعتقد أن الرجل أحد من تعتمد عليهم إيران في الالتفاف على العقوبات الأميركية.

لكن كيف تحصل إيران على أموالها من مبيعات النفط العراقي؟ لقد ظل هذا السؤال واحداً من الثقوب السوداء. يزعم محقق سابق ومحاسب متقاعد عملا في وزارتي التخطيط والمالية، إنهما ظلا يشكّان لسنوات في أوامر صرف أصولية تستند إلى الموازنة العامة لكن الأموال تختفي. يعتقدان أنها تنقل سراً إلى إيران.

لم تظهر أدلة على ذلك، ويقول مسؤولون عراقيون إن «العثور عليها صعب للغاية».

لقطة مأخوذة من فيديو وثَّقه ناشطون لدبابة عراقية داخل المنطقة الخضراء بالتزامن مع اعتقال مسؤولين بتهم فساد

«بعض المقاومين أميركان في طباعهم»

من المستبعد أن يسيطر «الحرس الثوري» تماماً على تشكيل الاقتصاديات، لكنه ليس بريئاً حين يستثمر معها في العراق مستغلاً نفوذه.

يقول سياسيان شيعيان إن «لإيران مكاتبها الاقتصادية الخاصة». في السنوات الأخيرة تدفق رجال أعمال وشركات تعمل لصالح «الحرس الثوري» إلى السوق العراقية، وحصلوا على عقود بامتيازات كبيرة. ينطبق الأمر ذاته على رجال أعمال لبنانيين شغلوا مصالح في قطاع الفنادق والصحة لصالح «حزب الله».

يقول عضو سابق في التحالف الشيعي، إن الحزب اللبناني كان «يحدد من هم التجار الذين يحق لهم العمل في العراق، بناءً على الولاءات والعمولات».

وفق الشهادة، فإن إيران «تطمئن إلى أن استثمارات (حزب الله) في العراق ستنتهي لصالح محور المقاومة، بينما لا تستطيع مواكبة جشع حلفائها في العراق»، على حد تعبيره.

ويقول إن «قادة (الحرس الثوري) يشبِّهون مسؤولي الفصائل العراقية الذين حققوا طفرات هائلة على المستوى المالي، بأنهم أميركيون في طباعهم».

مع ذلك، أعجب بعض رجالات «الحرس» بالتجربة العراقية.، وأنشأوا شبكات مالية، ونسجوا علاقات مع مكاتب الأحزاب، لتختلط أدوار «المقاومة» بتجارة تزدهر في ظلالها، حسب تعبير العضو الشيعي.

لكن إيران الرسمية تحقق أرباحاً من العلاقة الوثيقة مع العراق؛ حيث قفزت صادراتها بين عامي 2018 و2025 من نحو 4.5 مليار دولار إلى 11.2 مليار دولار، وفق بيانات إدارة الجمارك، قسم من هذه المبالغ يشمل صادرات الكهرباء والغاز إلى العراق.

 

«حزب الله» اللبناني كان يحدد التجار الذين يحق لهم العمل في العراق «بناءً على الولاءات والعمولات»

مع ذلك، ثمة فوائد تجنيها إيران من مكاتب الظل في العراق. يقول نائب سابق إن «الإيرانيين يستقطعون مبالغ من قادة الأحزاب كما لو أنها جباية لدعم أشخاص محور المقاومة».

وحسب النائب الذي طلب عدم ذكر اسمه، فإن «مسؤولين في (الحرس) كانوا يتصلون بقادة أحزاب عراقية يطلبون تجهيز ملايين الدولارات وتسليمها إلى ممثلين عن حركة (حماس) أو جماعة الحوثي».

يقول النائب: «كان يأتي اتصال يقول: يا حاج... جهز خمسة ملايين دولار. سيأتي شخص إلى مكتبك يأخذها».

ويستخدم «الحرس الثوري» نفوذه لتحسين حظوظ مرشحين عراقيين مقربين في الانتخابات. وخلال مقاطعة المصادر والشهادات، تبين أن «ضباطاً إيرانيين سحبوا نحو 15 مليون دولار من المكاتب الاقتصادية ما بين أغسطس (آب) ونوفمبر (تشرين الثاني) 2025 لدعم حملات انتخابية لمرشحين بعينهم». يقول النائب السابق إن «قادة الأحزاب لا يردون في الغالب هذه الطلبات».

خلال الحرب الأخيرة بين الولايات المتحدة وإيران، طرح العراقيون أسئلة حول مستقبلهم الاقتصادي بعدما وجدوا أنفسهم أمام ضائقة مالية حادة، لم يكن إغلاق مضيق هرمز سببها الوحيد، بل الأدوار المركبة التي لعبها النفوذ الإيراني والمكاتب الاقتصادية.

يقول مسؤول سابق في «جهاز الرقابة»، غادر البلاد عام 2018 بسبب تهديدات، إن «الأمر كان يشبه حيتاناً صغيرة تأكل من بطن حوت كبير... الحوت الكبير أصبح مريضاً اليوم».

صورة وزعها القضاء العراقي للقاضي فائق زيدان (الثاني من اليسار) وهو يعاين سبائك ذهبية تم ضبطها في قضية الموقوف عدنان الجميلي

«صولة فجر» لإعادة تركيب العراق

تفيض وسائل الإعلام بصور لأموال نقدية «كاش» مخبأة في منازل ومزارع، بعضها مخبأ تحت الأرض، بل وحتى في قنوات تصريف المياه.

يقول محقق سابق: «كل ما نراه الآن لم يكن ذا قيمة بالنسبة للموقوفين (...) هذه الأموال فشلت في أن تدخل السوق وتتحول إلى أصول». ويعتقد أن «هذه الأموال استعادت قيمتها حين استعادتها الدولة».

ويُرجع الخبير الاقتصادي زياد الهاشمي احتفاظ المتهمين الذين تم اعتقالهم بهذه الأموال نقداً إلى «صعوبة كشفها أو إظهارها بطريقة رسمية بسبب المتابعة والرصد، مع تعذر الحصول على أوراق رسمية يمكن من خلالها تبييض هذه الأموال».

السبب الأكثر منطقية لوجود هذه الكتلة النقدية، من وجهة نظر الهاشمي، هو حاجة الاقتصاديات إلى السيولة لدفع الرشاوى والعمولات، وربما دفع حتى الإتاوات، والتنسيق مع أطراف محلية وإقليمية ومكاتب منافسة.

يقول الهاشمي: «وجود الكاش (النقد) يسهل كثيراً من إنجاز المهام التي تتطلب عمليات دفع سريعة ومباشرة لإنجاز الأعمال».

ورغم المبالغ الطائلة التي استعادتها السلطات، يبدي النائب السابق سجاد، الذي قضى سنوات في معارضة نفوذ الفصائل، شكوكاً في أن عملية «صولة الفجر» ستبلغ حدوداً أكبر.

يشكك كثيرون في أن اعتقال الوسطاء يشكل فارقاً، نظراً لسعة المكاتب وتعقيدها. يقول قاضي تحقيق سابق: «مع هذه الطبقات المتعددة والمتراكمة من صيغ التكيف والاحتيال، كان بعض المتهمين لا يعرف موقعه ودوره في الصورة الكبرى (...) إنهم كأفراد فاعلون في سلسلة معقدة تنتهي إلى زعيم حزب أو مجموعة زعماء».

ويقول سالم: «الاعتقالات التي شنتها السلطات أخيراً تطارد أدوات المكاتب الاقتصادية، بينما سيتطلب الأمر تفكيك البنى التحتية للمكاتب الاقتصادية».

لكن مصدراً، طلب التحفظ على اسمه، قال إن «المحققين يتعاملون مع قضية معقدة، سيكون حلها وتتبع أطرافها ممكناً؛ لأن الوسطاء، رغم أنهم ليسوا الحلقة النهائية، يحملون مفاتيح الوصول إلى الطبقات العليا في الشبكة».

وبالنظر إلى خريطة المكاتب، فإن الاعتقالات المعلنة حتى اليوم تتركز على المستوى الثاني، دون أن تقترب من مستوى الكبار. ما يفسر توقعات مسؤولين بأن العملية تستهدف «إعادة تجميع للكتلة النقدية لمعالجة أزمة مالية، وسداد التزامات حكومية مثل الرواتب».

لكن ثمة مؤشرات قد تغير مسار العملية؛ ففي 12 يوليو 2026، قالت وسائل إعلام محلية إن قوة أمنية داهمت منزل وزير العمل والشؤون الاجتماعية السابق أحمد الأسدي في العاصمة بغداد، مؤكدة أنه لم يكن موجوداً داخل المنزل في أثناء تنفيذ العملية.

لم يرد أي تعليق من مجلس القضاء الأعلى بشأن الأسدي، لكن اعتقاله يقرب العملية من مستوى أكبر من النفوذ، لا سيما أنه يقود فصيل «جند الإمام» في «الحشد الشعبي»، كما أنه أحد أعضاء «الإطار التنسيقي» الحاكم.

 

«المحققون العراقيون يتعاملون مع قضية معقدة سيكون حلُّها ممكناً، لأن الوسطاء يحملون مفاتيح الطبقات العليا في الشبكة»

ولا يفضل صادق الركابي التركيز على الأفراد وحسب، وإنما على النظام المالي والإداري للتدفقات وإعادة هندسة مسار الإيرادات المالية. وحتى مع الضغط الأقصى الذي تمارسه الولايات المتحدة الأميركية أو أي جهة أخرى، لا يمكن إسقاط المكاتب الاقتصادية بشكل مباشر.

لقد حمل رئيس الحكومة علي الزيدي وعوداً كبيرة إلى واشنطن حين زارها منتصف يوليو، بينما تنظر الإدارة الأميركية من بغداد إلى «فصل المكاتب الاقتصادية عن الدولة، بالقدر الذي يحرم إيران من الموارد العراقية»، كما يقول المستشار العراقي.

قد يجيب هذا التفسير عن سؤال: أي فساد تستهدفه الحكومة؟ الآن، تكمن صعوبة الموقف علي الزيدي في الكيفية التي يريد فيها إنهاء العملية. يقول الركابي إن «الأمر يتطلب دعماً دولياً، وهو ما يحصل عليه، كما يستلزم زخماً من القضاء وقد حصل عليه. لكن ضرب البنية يحتاج إلى جرأة وحنكة حتى لا يكون الاستهداف مباشراً للجميع دفعة واحدة».

لكن، بالنظر إلى تركيبة المكاتب الاقتصادية، التي طوّرت آلياتها مستفيدة من ظروف وحاجات مختلفة، تتحرك «صولة الفجر» في «أذناب» الشبكة دون أن تصل حتى الآن إلى الخوارزمية. سيبدو القضاء عليها دفعة واحدة بمثابة صدمة تحدث تغييرات جوهرية في النظام السياسي. وبدلاً من ذلك، تمضي داخلياً نحو ميزان قوى جديد بديناميكيات جديدة من خارج «الإطار التنسيقي». أما بالنسبة إلى الإدارة الأميركية، فإنها ستحصل، غالباً، على هامش أوسع لرسم حدود النفوذ الإيراني، بإخلاء مساحة آمنة لاستثمارات واعدة.

 


مقالات ذات صلة

تقرير بريطاني: معركة العراق ضد الفساد تتحول إلى «ضرورة دولية»

شؤون إقليمية صورة وزَّعها القضاء العراقي لمَبالغ نقدية ضُبطت داخل صناديق وأكياس مقيَّدة بختم «البنك المركزي»

تقرير بريطاني: معركة العراق ضد الفساد تتحول إلى «ضرورة دولية»

قال تقرير بحثي بريطاني حديث، الخميس، إن مكافحة الفساد في العراق «دخلت منعطفاً بنيوياً حاسماً، مدفوعةً بضغوط دولية ومخاوف إقليمية متصاعدة»...

«الشرق الأوسط» (لندن)
المشرق العربي رئيس الحكومة العراقية علي الزيدي مستقبلاً رئيس مجلس القضاء فائق زيدان في بغداد (إعلام حكومي)

القضاء العراقي يفتح باب «تسويات مشروطة» لاسترداد أموال الفساد

أعلن مجلس القضاء الأعلى في العراق، الجمعة، أنه يعمل بالتنسيق مع الحكومة على آليات تهدف إلى الجمع بين محاسبة المتهمين بقضايا الفساد واسترداد الأموال العامة.

حمزة مصطفى (بغداد)
شمال افريقيا المحامي والمرشح السابق للانتخابات الرئاسية سمير العبدلي (متداولة)

السجن 18 عاماً بحق مرشح سابق للرئاسة التونسية

أصدرت محكمة متخصصة في قضايا الإرهاب في تونس، اليوم (الأربعاء)، حكماً بسجن المحامي والمرشح السابق للانتخابات الرئاسية، سمير العبدلي لمدة 18 عاماً.

«الشرق الأوسط» (تونس)
شمال افريقيا نواب جزائريون يبحثون مشروع تعديل قانون مكافحة غسل الأموال (البرلمان)

تحذيرات دولية للجزائر من «نزيف العجز» بعد شطبها من «القائمة الرمادية»

صندوق النقد الدولي يشيد بخروج الجزائر من «القائمة الرمادية» للدول التي تعاني أنظمتها من ثغرات في مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب.

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
المشرق العربي رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي (إعلام رئاسة الوزراء)

واشنطن تستأنف إرسال شحنات الدولار إلى بغداد

بعد تأكيد رئيس الحكومة العراقية، في مقابلة مع «الشرق الأوسط»، وصول شحنات الدولار لبغداد، فإن «نيويورك تايمز» تقول إن استئنافها جاء بعد أشهر من الضغط على بغداد.

«الشرق الأوسط» (لندن)