إسرائيل تستبدل بالاحتلال التقليدي في جنوب لبنان حرية التدخل والسيطرة بالنار

خبيران لـ«الشرق الأوسط»: تل أبيب تعيد صياغة عقيدتها العسكرية بدل الانتشار الواسع

دورية لآلية عسكرية إسرائيلية داخل الأراضي اللبنانية بمحاذاة الحدود (إ.ب.أ)
دورية لآلية عسكرية إسرائيلية داخل الأراضي اللبنانية بمحاذاة الحدود (إ.ب.أ)
TT

إسرائيل تستبدل بالاحتلال التقليدي في جنوب لبنان حرية التدخل والسيطرة بالنار

دورية لآلية عسكرية إسرائيلية داخل الأراضي اللبنانية بمحاذاة الحدود (إ.ب.أ)
دورية لآلية عسكرية إسرائيلية داخل الأراضي اللبنانية بمحاذاة الحدود (إ.ب.أ)

تفرض التطورات الميدانية في جنوب لبنان تساؤلات حول طبيعة النموذج الأمني الذي تسعى إسرائيل إلى تكريسه بعد الحرب. فبالتزامن مع استمرار المفاوضات اللبنانية - الإسرائيلية لتنفيذ «اتفاق الإطار»، تواصل القوات الإسرائيلية عملياتها العسكرية، في مؤشر إلى اعتماد نمط يقوم على حرية التدخل والسيطرة بالنار، أكثر من الانتشار البري والاحتلال التقليدي.

ونفَّذت القوات الإسرائيلية فجر الثلاثاء عمليات نسف استهدفت منازل وبنى تحتية في بلدتي مجدل زون وحداثا، كما قصفت بلدة بيوت السياد، وأطلقت نيران أسلحتها الرشاشة الثقيلة باتجاه مجدل زون والمنصوري والأودية المحيطة بهما، بالتزامن مع سلسلة تفجيرات بين مجدل زون ووادي حسن، وأخرى في محيط الطيري وكونين بعد منتصف الليل. كما تواصلت التطورات الأمنية مع إصابة شخصين في غارة نفذتها مسيّرة إسرائيلية على ساحة بلدة النبطية الفوقا، بالتزامن مع تحرك آليات عسكرية إسرائيلية داخل بلدة حداثا وتنفيذ عمليات تفجير في محيط البلدة. وفي المقابل، أعلن الجيش الإسرائيلي أن قواته «تواصل عملياتها في جنوب لبنان في مواجهة التهديدات الموجهة ضد إسرائيل».

الوجود العسكري المرن بدل الاحتلال

في هذا السياق، قال العميد المتقاعد الدكتور هشام جابر لـ«الشرق الأوسط» إن «المؤشرات الميدانية والسياسية الحالية توحي بأن إسرائيل تتجه إلى اعتماد نموذج (الوجود العسكري المرن) في جنوب لبنان، بدلاً من نموذج الاحتلال التقليدي القائم على الانتشار الدائم والتمركز في مواقع ثابتة»، عادَّاً أن «المرحلة المقبلة قد تقوم على مزيج من السيطرة بالنار، والغارات، والمسيّرات، وعمليات الدخول والخروج السريعة».

وأوضح جابر أن هذا السيناريو لا يزال مرتبطاً بنتائج الاجتماعات والمفاوضات الجارية، لكنه يرى أن «كل المؤشرات تدل على أن الأمور لن تعود إلى ما كانت عليه قبل الحرب». وأضاف: «الحكومة الإسرائيلية تجد نفسها أمام سؤال داخلي: ماذا ستقول للإسرائيليين بعد هذه الحرب؟ فهي لا تستطيع الادعاء بأنها أنهت سلاح (حزب الله) أو حققت كل أهدافها العسكرية والسياسية؛ ولذلك ستسعى إلى الإبقاء على قدرة التدخل العسكري في أي وقت».

تصاعد الدخان فوق بلدة كفرتبنيت بجنوب لبنان إثر تفجير نفَّذته القوات الإسرائيلية في حين تظهر قلعة الشقيف بالخلفية (أ.ف.ب)

وحسب جابر، فإن الرسالة التي تسعى إسرائيل إلى تثبيتها هي أنها «حتى إذا انسحبت، فإنها ستبقى قادرة على الدخول إلى جنوب لبنان وتنفيذ عمليات عسكرية متى قررت ذلك»، عادَّاً أن هذا الخيار يمنحها حرية الحركة من دون تحمّل أعباء الاحتلال المباشر.

وتنسجم هذه المقاربة مع طبيعة العمليات التي تنفذها إسرائيل منذ الحديث عن وقف إطلاق النار؛ إذ تعتمد بصورة متزايدة على الضربات الدقيقة، والطائرات المسيّرة، والقدرة على التدخل السريع، أكثر من اعتمادها على الانتشار البري الواسع، في محاولة للحفاظ على تفوقها العملياتي، مع تجنب استنزاف قواتها في مواقع ثابتة.

الانسحاب لا يعني انتهاء السيطرة

ويلقي هذا التحول بظلاله أيضاً على مسار تنفيذ «اتفاق الإطار». ففي حين يتمسك لبنان بانسحاب كامل وغير مشروط من الأراضي التي لا تزال تحتلها إسرائيل، تبدو تل أبيب أكثر ميلاً إلى ربط أي انسحاب بحسابات أمنية وبقدرة الجيش اللبناني على تثبيت ترتيبات ميدانية تمنع، من وجهة نظرها، عودة أي تهديد مستقبلي.

وفي هذا الإطار، لفت جابر إلى أن نتائج المفاوضات اللبنانية - الإسرائيلية ستحدد جزءاً من المشهد، موضحاً «أن لبنان يطالب بانسحاب إسرائيلي كامل وغير مشروط، إلا أن إسرائيل قد تربط أي انسحاب باستكمال انتشار الجيش اللبناني وتنفيذ ترتيبات أمنية إضافية». وأضاف: «سنرى ما إذا كانت إسرائيل ستنفذ انسحاباً فعلياً من المناطق التجريبية، لكن حتى لو انسحبت منها، فهذا لا يعني أنها ستتخلى عن قدرتها على العودة إليها عسكرياً».

وفي تقييمه للمناطق التي يجري الحديث عنها ضمن «المرحلة التجريبية»، أوضح أنها «ليست مناطق احتلال دائم بالمعنى التقليدي، بل مناطق تستطيع إسرائيل دخولها والخروج منها، وهي تفرض عليها عملياً سيطرة بالنار؛ لذلك فإن الانسحاب منها لا يغيّر كثيراً في ميزان السيطرة الميدانية».

آلية عسكرية إسرائيلية مغطاة بشبكات حماية لمواجهة هجمات المسيّرات الانتحارية (FPV) أثناء دورية داخل الأراضي اللبنانية (إ.ب.أ)

الدروس المستخلصة من حرب 2006

ويرى العميد المتقاعد الدكتور خليل الحلو أن هذا التحول لا يرتبط فقط بالقرار السياسي، بل يعكس أيضاً تغييراً في العقيدة العملياتية للجيش الإسرائيلي؛ نتيجة الخبرات التي راكمها خلال حرب يوليو (تموز) 2006 وما تلاها.

وقال الحلو لـ«الشرق الأوسط»: إن «إسرائيل انتقلت في جنوب لبنان إلى اعتماد نموذج عملياتي مختلف عن الاحتلال التقليدي الذي عرفته في مراحل سابقة، يقوم على السيطرة بالنار، والعمليات المتحركة، والدوريات الراجلة، والغارات، واستخدام المسيّرات، بدلاً من الانتشار الواسع في مواقع ثابتة».

وأوضح أن «هذا التحول يعود إلى الدروس التي استخلصها الجيش الإسرائيلي من حرب عام 2006، عندما تعرض عدد كبير من دبابات (ميركافا) للإصابة بفعل الكمائن المضادة للدروع التي نفذها «حزب الله»، ولا سيما في وادي الحجير ووادي السلوقي». وقال: «تعلّم الإسرائيليون أن المراكز الثابتة تتحول أهدافاً سهلة، سواء كان عناصر (حزب الله) قريبين منها أو يعملون من مسافات أبعد؛ ولذلك باتوا يتجنبون إنشاء مواقع ثابتة يمكن استهدافها».

مشهد عام يُظهر المنازل المدمرة في بلدة الخيام الحدودية بجنوب لبنان في ظل استمرار آثار الحرب (أ.ف.ب)

تنفيذ المهمة... ثم الانسحاب

ويشير الحلو إلى أن الجيش الإسرائيلي بات يعتمد أسلوباً مختلفاً في إدارة عملياته البرية، يقوم على تنفيذ المهمة ثم الانسحاب، بدلاً من البقاء لفترات طويلة داخل المناطق التي يدخلها.

وأضاف أن الجيش الإسرائيلي، منذ بدء عملياته البرية بعد عام 2023، بات يعتمد أسلوب الدخول لتنفيذ مهمة محددة ثم الانسحاب، بحيث تستهدف القوات المجموعات التي تعتقد بوجودها في المنطقة، أو تنصب كمائن، من دون البقاء في المكان لفترات طويلة. وأشار إلى أن «التمركز الدائم بات يقتصر على عدد محدود جداً من المواقع ذات الأهمية الجغرافية، وفي مقدمها مرتفعات قلعة الشقيف، في حين يجري إخفاء معظم التحركات والانتشار لتقليل فرص الاستهداف».

ورأى الحلو أن المنطقة التي تنتشر فيها القوات الإسرائيلية تضم عدداً محدوداً من النقاط العسكرية، في حين تعتمد بقية المساحات على الدوريات الراجلة، والتحركات المستمرة، وعمليات التفتيش والبحث والتأمين، لافتاً إلى أن «الجيش الإسرائيلي يتجنب الوجود الثابت إلا في الأماكن التي يعدّها مؤمَّنة من خطر الصواريخ المضادة للدروع».

المسيّرات غيّرت طبيعة المعركة

ويضيف الحلو أن «التطور التكنولوجي كان أحد العوامل الأساسية في هذا التحول؛ إذ أصبحت المسيّرات تؤدي دوراً محورياً في الرصد والاستهداف؛ ما قلل الحاجة إلى انتشار القوات على الأرض». مشيراً إلى أن تطور استخدام المسيّرات، ولا سيما المسيّرات الانتحارية الموجهة بالألياف الضوئية (Fiber Optic)، أسهم أيضاً في تغيير طبيعة العمليات الميدانية.

وختم الحلو بالقول: «لا يمكن الحديث اليوم عن احتلال بالمعنى الكلاسيكي القائم على إنشاء شبكة واسعة من المراكز الثابتة ونقاط الإسناد. النموذج الحالي يقوم على السيطرة بالنار، والدوريات الراجلة، والكمائن، والتمركز المؤقت، وعمليات البحث والتأمين، إلى جانب الاعتماد المستمر على المسيّرات التي توفر مراقبة دائمة للجنوب من داخل الأجواء الإسرائيلية أو من فوق الأراضي اللبنانية».


مقالات ذات صلة

توقيف «عميل إسرائيلي» خطير سرّب معلومات أفضت لاغتيال قادة في «حزب الله»

المشرق العربي مشيّعون يتجمعون خلال جنازة للقائد العسكري بـ«حزب الله» فؤاد شكر الذي قُتل في غارة إسرائيلية بالضاحية الجنوبية لبيروت في شهر أغسطس 2024 (رويترز)

توقيف «عميل إسرائيلي» خطير سرّب معلومات أفضت لاغتيال قادة في «حزب الله»

فتحت السلطات الأمنية والقضائية في لبنان ملفاً جديداً من ملفات التجسس لصالح إسرائيل، إثر توقيف شخص لبناني يُشتبه في ارتباطه بجهاز «الموساد» الإسرائيلي

يوسف دياب (بيروت)
المشرق العربي الرئيس جوزيف عون مستقبلاً رئيس «الحزب التقدمي الاشتراكي» السابق وليد جنبلاط والنائب تيمور جنبلاط (الرئاسة اللبنانية)

لبنان: عون و«التقدمي» تجمعهما مساحة مشتركة وسلام ثالثهما

أحدثت المذكرة التي رفعها الرئيس السابق للحزب «التقدمي الاشتراكي» وليد جنبلاط إلى المجلس المذهبي الدرزي، ضجة سياسية بداخل الفريق السياسي المؤيد للمفاوضات.

محمد شقير (بيروت)
المشرق العربي جنود إسرائيليون في محاذاة قلعة الشقيف داخل الأراضي اللبنانية (رويترز)

بعد العودة إلى «الشقيف»... هل تبني إسرائيل قاعدة دائمة في جنوب لبنان؟

أعادت إسرائيل قلعة الشقيف لواجهة المشهد العسكري في جنوب لبنان، مع فتح الموقع أمام وسائل إعلام إسرائيلية للمرة الأولى منذ سيطرتها على القلعة خلال الحرب الأخيرة.

صبحي أمهز (بيروت)
المشرق العربي الرئيس عون مستقبلاً المنسقة الخاصة السابقة للأمم المتحدة لعمليات السلام في الشرق الأوسط سيغريد كاغ ووفداً من جامعة البلمند (الرئاسة اللبنانية)

الرئيس اللبناني يراهن على مفاوضات روما لفرض انسحاب إسرائيلي

قبل ساعات من انطلاق المفاوضات اللبنانية - الإسرائيلية في روما، علّق رئيس الجمهورية جوزيف عون آمالاً على أن تفضي المحادثات، إلى خطوات عملية.

كارولين عاكوم (بيروت)
المشرق العربي آليات تابعة لقوات «يونيفيل» تتجه نحو منطقة كفرشوبا في جنوب لبنان (أرشيفية - أ.ف.ب)

ماذا بعد «يونيفيل» في جنوب لبنان؟

تنتهي مهام القوات الدولية العاملة جنوب لبنان (يونيفيل) نهاية العام الحالي؛ ما استدعى تحركاً أوروبياً في الأسابيع القليلة الماضية.

بولا أسطيح (بيروت)

توقيف «عميل إسرائيلي» خطير سرّب معلومات أفضت لاغتيال قادة في «حزب الله»

مشيّعون يتجمعون خلال جنازة للقائد العسكري بـ«حزب الله» فؤاد شكر الذي قُتل في غارة إسرائيلية بالضاحية الجنوبية لبيروت في شهر أغسطس 2024 (رويترز)
مشيّعون يتجمعون خلال جنازة للقائد العسكري بـ«حزب الله» فؤاد شكر الذي قُتل في غارة إسرائيلية بالضاحية الجنوبية لبيروت في شهر أغسطس 2024 (رويترز)
TT

توقيف «عميل إسرائيلي» خطير سرّب معلومات أفضت لاغتيال قادة في «حزب الله»

مشيّعون يتجمعون خلال جنازة للقائد العسكري بـ«حزب الله» فؤاد شكر الذي قُتل في غارة إسرائيلية بالضاحية الجنوبية لبيروت في شهر أغسطس 2024 (رويترز)
مشيّعون يتجمعون خلال جنازة للقائد العسكري بـ«حزب الله» فؤاد شكر الذي قُتل في غارة إسرائيلية بالضاحية الجنوبية لبيروت في شهر أغسطس 2024 (رويترز)

فتحت السلطات الأمنية والقضائية في لبنان ملفاً جديداً من ملفات التجسس لصالح إسرائيل، إثر توقيف شخص لبناني يُشتبه في ارتباطه بجهاز «الموساد» الإسرائيلي، وبنقله معلومات أمنية دقيقة عن قيادات وأهداف تابعة لـ«حزب الله».

ووضع القضاء العسكري يده على القضية، بعد أن استكملت شعبة المعلومات في قوى الأمن الداخلي تحقيقاتها الأولية. وقال مصدر قضائي لبناني مطلع على المعلومات، إن الموقوف «يُعد من أخطر العملاء بالنظر إلى قربه من مسؤولين في الحزب وقدرته، وفق التحقيقات الأولية، على الوصول إلى معلومات حساسة استخدمت في عمليات استهداف طالت قيادات بارزة».

جانب من مراسم تشييع جثمان القيادي بـ«حزب الله» إبراهيم عقيل الذي قتل في القصف الإسرائيلي على الضاحية الجنوبية لبيروت في 22 سبتمبر 2024 (رويترز)

وكشف المصدر لـ«الشرق الأوسط» أن الأجهزة الأمنية «ألقت القبض على الموقوف وهو من آل خليفة الأسبوع الماضي في مطار رفيق الحريري الدولي، بعد رصده مسبقاً ومراقبة أرقام هواتف تتبادل الاتصالات مع أرقام مشبوهة في الخارج، وتوفر معلومات دقيقة عن تعامله مع إسرائيل»، واصفاً إياه بأنه «عميل إسرائيلي من الطراز الرفيع ومن أصحاب الخطورة العالية».

وكان الموقوف يستعد لمغادرة لبنان متوجهاً إلى العراق عند توقيفه. وقال المصدر إن المشتبه به «يتنقل بين بيروت والعراق، إذ إنه متزوج من امرأة عراقية. وبحسب المعطيات الأولية للتحقيق، كان ينتقل من العراق إلى تركيا للقاء أشخاص مرتبطين بالموساد الإسرائيلي، حيث كان يسلّمهم معلومات جمعها في بيروت عن أهداف محددة».

وأضاف المصدر القضائي أن المعلومات التي نقلها الموقوف إلى الجانب الإسرائيلي «ساهمت في تحديد أهداف أدت إلى اغتيال مسؤولين في (حزب الله) خلال عام 2024 بينهم أربعة قادة أمنيين من الصف الأول»، يعتقد أن بينهم القياديين فؤاد شكر الذي اغتيل في شهر أغسطس (آب) عام 2024 وإبراهيم عقيل الذي اغتيل في سبتمبر 2024.

ويأتي توقيف هذا الشخص في سياق سلسلة توقيفات طالت العشرات من الأشخاص الذين شكلوا شبكات التجسس لمصلحة إسرائيل، ولا سيما بعد الحرب الأخيرة التي شهدت عمليات أمنية واستخباراتية معقدة استهدفت قيادات ومنشآت تابعة لـ«حزب الله». وأشار المصدر إلى أن «خطورة الموقوف لا ترتبط فقط بطبيعة الاتهامات الموجهة إليه، بل أيضاً بموقعه وعلاقاته، إذ كان، بحسب التحقيقات، قريباً من عدد من قيادات الحزب، ما أتاح له الاطلاع على معلومات حساسة وتحركات داخلية»، مؤكداً أن الموقوف «خضع للتحقيقات الأولية، وأُحيل إلى المحكمة العسكرية للشروع في محاكمته، في ملف يُتوقع أن يخضع لمزيد من التدقيق؛ نظراً إلى حجم المعلومات التي يُعتقد أنه تمكن من جمعها والجهات التي يُشتبه في تواصله معها».

دمار واسع ناتج عن غارات إسرائيلية استهدفت منطقة المريجة بالضاحية الجنوبية لبيروت وتبدو صورة القيادي السابق في «حزب الله» فؤاد شكر (أ.ف.ب)

وتولي الأجهزة الأمنية اللبنانية أهمية خاصة لهذا النوع من الملفات، في ظل المخاوف من استغلال الاختراقات البشرية لجمع معلومات ميدانية تُستخدم في عمليات أمنية وعسكرية، خصوصاً أن التطور التقني في عمليات الرصد لا يلغي الدور الذي تلعبه المصادر البشرية في العمل الاستخباراتي.

وتوقع المصدر القضائي أن «تفضي التحقيقات القضائية التي سيخضع لها الموقوف إلى مزيد من التفاصيل حول طبيعة المهام التي كُلّف بها، ومدى ارتباطه بشبكات أخرى داخل لبنان أو خارجه».


الاتحاد الأوروبي يواصل المماطلة في حظر التبادل التجاري مع المستوطنات

مسيرة احتجاجية مؤيدة للفلسطينيين وللتنديد باعتراض القوات الإسرائيلية سفن «أسطول الصمود العالمي» التي كانت تهدف إلى الوصول إلى غزة وكسر الحصار البحري الإسرائيلي في برشلونة أكتوبر 2025 (رويترز)
مسيرة احتجاجية مؤيدة للفلسطينيين وللتنديد باعتراض القوات الإسرائيلية سفن «أسطول الصمود العالمي» التي كانت تهدف إلى الوصول إلى غزة وكسر الحصار البحري الإسرائيلي في برشلونة أكتوبر 2025 (رويترز)
TT

الاتحاد الأوروبي يواصل المماطلة في حظر التبادل التجاري مع المستوطنات

مسيرة احتجاجية مؤيدة للفلسطينيين وللتنديد باعتراض القوات الإسرائيلية سفن «أسطول الصمود العالمي» التي كانت تهدف إلى الوصول إلى غزة وكسر الحصار البحري الإسرائيلي في برشلونة أكتوبر 2025 (رويترز)
مسيرة احتجاجية مؤيدة للفلسطينيين وللتنديد باعتراض القوات الإسرائيلية سفن «أسطول الصمود العالمي» التي كانت تهدف إلى الوصول إلى غزة وكسر الحصار البحري الإسرائيلي في برشلونة أكتوبر 2025 (رويترز)

واصل الاتحاد الأوروبي مسلسل التسويف والمماطلة لعدم اتخاذ موقف حازم بشأن المبادلات التجارية مع المستوطنات الإسرائيلية غير الشرعية، رغم المطالب المستمرة من السواد الأعظم من المواطنين الأوروبيين وغالبية الدول الأعضاء منذ أشهر.

أحدث حلقة في هذا المسلسل الذي يراه المناوئون الأوروبيون لإسرائيل مملاً، كان الاجتماع الصاخب الذي عقده مجلس وزراء خارجية الاتحاد يوم الاثنين، واستمر حتى ساعة متأخرة من الليل، خرجت في نهايته مسؤولة السياسية الخارجية كايا كالاس لتقول إن «الخيار» الذي لقي الدعم الأوسع بين الدول الأعضاء كان الحظر الكامل للتبادل التجاري بين الاتحاد ومستعمرات الضفة الغربية، وإن الملف «ليس ناضجاً» بعد لاتخاذ قرار تنفيذي مستوٍ بشأنه.

فلسطينيون بينهم ملاك أراضٍ يفرُّون من الغاز المسيل للدموع الذي أطلقته قوات إسرائيلية بينما كانوا يحتجون على مصادرة أملاكهم لصالح مستوطنة قرب بلدة دورا في الضفة الغربية المحتلة (أ.ف.ب)

كانت كالاس تدرك جيداً أنها بتصريحاتها تلك تواصل اللعب على حبال الكلام الدبلوماسي الذي أتقنه الأوروبيون في معالجة هذا الملف، ولكنها لم تتمكن في مؤتمرها الصحافي من إخفاء الاستياء الذي أبدته خلال مناقشات المجلس المغلقة، عندما انضمت إلى الدول الأعضاء التي أعربت عن امتعاضها الشديد من «مناورة» المفوضية، ورئيستها أورسولا فون دير لاين، التي تأخرت في إرسال الوثيقة التي تتضمن الخيارات الثلاثة المطروحة على المجلس حتى نهاية الأسبوع الماضي، وأرفقتها بإشارة إلى أن هذه الخيارات التي هي تجارية بطبيعتها، يمكن إدراجها أيضاً في خانة العقوبات السياسية، الأمر الذي يقتضي موافقة بالإجماع، وليس بأغلبية 55 في المائة من الدول الأعضاء التي تمثِّل 65 في المائة من سكان الاتحاد.

مسؤولة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي كايا كالاس خلال مؤتمر صحافي إلى جانب وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر في القدس مارس 2025 (أ.ف.ب)

ورغم أن الموقف الأوروبي الموحَّد هو أن المستوطنات الإسرائيلية في الضفة الغربية ليست شرعية، استناداً إلى أحكام القانون الدولي، وإلى قرار محكمة العدل الدولية، وأنها تشكِّل التهديد الأكبر حالياً لتفعيل حل الدولتين، فما زال وزراء خارجية الاتحاد عاجزين عن اتخاذ قرار بحظر التبادل التجاري مع هذه المستوطنات، وذلك بسبب الضغوط التي تمارسها دول وازنة مثل ألمانيا وإيطاليا.

غير أن الأغرب من ذلك هو أن «الخيار» الذي قالت كالاس إنه لقي التجاوب الأوسع بين البلدان الأعضاء، لم يُطرح حتى على التصويت الذي يشكِّل الخطوة الممهدة لرفعه إلى مرتبة الاقتراح، علماً بأنه يحظى بتأييد الأغلبية الكافية من أجل إقراره كتدبير تجاري.

وقد خرج المجلس بقرار يكلف السفراء المندوبين الدائمين «مواصلة العمل»، علماً بأن مجلس وزراء الخارجية لن يعود إلى الاجتماع قبل أكتوبر (تشرين الأول) المقبل، أي في خضمِّ حملة الانتخابات الإسرائيلية المقبلة. وقد أعادت هذه المناورة طرح شروط إقرار التدابير التجارية للنقاش، بينما كانت أصابع الاتهام تشير إلى وقوف فون دير لاين وراءها.

رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين (رويترز)

وسبق لعدد من كبار المسؤولين في المؤسسات الأوروبية والدول الأعضاء الضالعين في الشأن القانوني، أن أيدوا فكرة عدم الحاجة لقاعدة الإجماع للموافقة على التدابير التجارية؛ خصوصاً عندما تكون مطبَّقة أصلاً بشكل أحادي من بعض الدول الأعضاء.

وكان رئيس الوزراء الإيطالي الأسبق إنريكو ليتَّا قد شدد على أن القرار الصريح الصادر عن محكمة العدل الدولية حول عدم شرعية المستوطنات واستمرار الحكومة الإسرائيلية في توسعتها، يستدعيان موقفاً أوروبياً موحداً بشأنها، والتعامل معها بما يتَّسق مع المبادئ المؤسِّسة للاتحاد.

وفي تصريحات له قبيل بداية مناقشات المجلس، أعرب وزير الخارجية الإسباني خوسيه مانويل ألباريس عن استيائه من «الفخ» الذي نصبته المفوضية، عندما طرحت فكرة الإجماع للموافقة على هذه التدابير، وقال: «يؤسفني ويقلقني أننا أمام مناورة تسويفية، نناقش ونناقش موضوعاً من المفترض أنه ليس بحاجة للنقاش».

أعضاء اللجنة التوجيهية لـ«أسطول الصمود العالمي» ومنظمة «أوبن آرمز» يحضرون مؤتمراً صحافياً في حين يستعد الأسطول الإنساني للمغادرة إلى غزة من برشلونة أبريل الماضي (رويترز)

أما وزير خارجية لوكسمبورغ، كزافييه بيتيل، فقد رأى أن المفوضية ما زالت «تماطل وتناور لمنع التصويت بالأغلبية على هذه التدابير التي منذ أشهر تطالب دول أعضاء عدة بطرحها كمقترح تنفيذي يوجه رسالة قوية إلى حكومة نتنياهو، حتى ولو كانت رمزية».

ولا شك في أن مثل القرار، في حال اتخاذه، لا يعدو كونه رمزياً بسبب تأثيره الذي لا يُذكَر على الاقتصاد الإسرائيلي؛ إذ تقدِّر المفوضية أن حجم المبادلات التجارية بين المستوطنات وبلدان الاتحاد لا يتجاوز 75 مليون دولار سنوياً، من أصل مجموع الصادرات الإسرائيلية إلى الدول الأعضاء، والتي بلغت 15.3 مليار يورو في العام الماضي.

وفي نهاية مناقشات المجلس، رأست مفوضة شؤون المتوسط في الاتحاد دوبرافكا سويكا، إلى جانب رئيس الوزراء الفلسطيني محمد مصطفى، الاجتماع الثاني لمجموعة المانحين من أجل فلسطين التي تتولى تنسيق الجهود الدولية لإعادة إعمار غزة؛ حيث بلغ حجم التبرعات لمشاريع النهوض المبكر في القطاع 900 مليون يورو.


جرمانا هادئة بعد ليلة عصيبة

حواجز للأمن السوري عند مداخل مدينة جرمانا بريف دمشق لمحاولة ضبط الاستقرار بعد فعالية لإحياء ذكرى أحداث السويداء (متداولة)
حواجز للأمن السوري عند مداخل مدينة جرمانا بريف دمشق لمحاولة ضبط الاستقرار بعد فعالية لإحياء ذكرى أحداث السويداء (متداولة)
TT

جرمانا هادئة بعد ليلة عصيبة

حواجز للأمن السوري عند مداخل مدينة جرمانا بريف دمشق لمحاولة ضبط الاستقرار بعد فعالية لإحياء ذكرى أحداث السويداء (متداولة)
حواجز للأمن السوري عند مداخل مدينة جرمانا بريف دمشق لمحاولة ضبط الاستقرار بعد فعالية لإحياء ذكرى أحداث السويداء (متداولة)

عبّر مشايخ وأهالي مدينة جرمانا شرق العاصمة السورية، التي تشكل طائفة «المسلمين الموحدين (الدروز)» أحد مكوناتها السكانية، يوم الثلاثاء، عن رفضهم هتافات مسيئة للحكومة رددها شباب خلال تجمهرهم، الاثنين، في أحد الشوارع، بالتزامن مع الذكرى السنوية الأولى لأحداث محافظة السويداء عام 2025، بينما ذكرت مصادر محلية أن المدينة تشهد حالياً حياة طبيعية، نافية ما تردد بشأن نية السلطات السورية تنفيذ حملة أمنية في المدينة.

وأصدر مشايخ وأهالي جرمانا بياناً، فجر الثلاثاء، بشأن اجتماع عقده أهالي المدينة في «صالة الوقف»، الاثنين، بمناسبة مرور عام على الأحداث المؤسفة التي حدثت في محافظة السويداء جنوب سوريا عام 2025.

وأوضح البيان، الذي نشرته مواقع ومنصات إخبارية، أن اجتماع الاثنين كان بهدف تقديم واجب العزاء لأهالي الضحايا وجبر خواطرهم، بالتنسيق الكامل مع مؤسسات الدولة وبعد الحصول على التراخيص اللازمة.

مظاهرات مدينة جرمانا قرب دمشق في ذكرى أحداث محافظة السويداء 2025 (متداولة)

و«خلال تلك اللحظات الانفعالية والعاطفية خرج شباب إلى شوارع المدينة»، ليقوم بعضهم بإطلاق «هتافات مرفوضة لا تعبر عن موقف أهالي مدينة جرمانا ولا قيمهم»، وفق البيان الذى شدد على سعي المشايخ والعقلاء «للحد من هذه الممارسات بكل ما استطاعوا».

وقال شهود عيان، حضروا اجتماع مساء الاثنين في «صالة الوقف»، إن شيخ طائفة «المسلمين الموحدين (الدروز)» في جرمانا، هيثم كاتبة، قال في كلمة له إن «من حق سوريا كل تقدير ومحبة؛ لأنها أعطتنا كل شيء، وستبقى وطننا للأبد، والآن دورنا لكي نقدم لها».

وترافق الاجتماع مع تجمهر عشرات الشباب الدروز في أحد شوارع جرمانا رافعين راية الطائفة، تضامنا مع أهالي السويداء.

انسياب حركة السيارات في جرمانا مساء الاثنين (متداولة)

وأفادت مواقع تواصل مختلفة بأن مشاركين في التجمع «رددوا هتافات مسيئة للحكومة السورية وعناصر الجيش والقوات الأمنية»، فيما ذكرت مصادر أخرى أن التجمع شهد إطلاق شعارات دعت إلى التقسيم، وإشادات بالرئيس الروحي للطائفة الدرزية الشيخ حكمت الهجري الذي يطالب بانفصال السويداء.

في الأثناء، شهدت ضاحية أشرفية صحنايا بريف دمشق الجنوبي الغربي، التي تعدّ طائفة «المسلمين الموحدين (الدروز)» أحد مكوناتها السكانية، تجمهراً مماثلاً بأعداد أقل.

أحد النشطاء الدروز في مجال السلم الأهلي في جرمانا أكد أن «الهدوء يسود المدينة منذ صباح اليوم (الثلاثاء) والحياة طبيعية فيها، وكذلك أشرفية صحنايا».

وبشأن ما تُدوول من أن السلطات الأمنية ستنفذ «حملة أمنية في المدينة»، قال المصدر لـ«الشرق الأوسط»، الذي فضل عدم ذكر اسمه: «حتى الآن لا مؤشرات أو بوادر على ذلك، ولكن إذا كان هناك أشخاص يُخلّون بالقانون، فسيجري التعامل معهم وفق القانون».

وأضاف: «يجري حالياً حل الأمر بين السلطات المحلية والوجهاء بصورة مناسبة، ولكن هذا لا يعني ألا ينال الخارجون عن القانون، أياً كانوا، عقابهم وفق القوانين الناظمة».

المصدر أكد «رفض أهالي جرمانا القاطع» التصريحات التي أطلقها الهجري، الأحد، لمناسبة الذكرى السنوية الأولى لأحداث السويداء، وأكد فيها المضي بمشروع «الاستقلال»، وأن السويداء «قد تكون مستقبلاً تحت رعاية دولة أخرى أو تنضم إلى دولة أخرى».

وأضاف: «نحن انتماؤنا عربي سوري، ونريد سوريا دولة واحدة موحدة ذات سيادة كاملة على أراضيها كافة، وأي انفصال أو اجتزاء لا نقبل به».

استنفار أمني في جرمانا على حواجز مداخل المدينة مساء الاثنين دون تسجيل أي انتشار أمني استثنائي داخل الأحياء (متداولة)

يذكر أن جرمانا تتبع إدارياً محافظة ريف دمشق، وتبعد عن وسط دمشق نحو 5 كيلومترات، وقد شهدت نهضة عمرانية في أواخر العقد الأخير من القرن العشرين وجذبت كثيراً من السكان، خصوصاً فئة الشباب للسكنى فيها.

قبل اندلاع الثورة السورية ضد نظام بشار الأسد في مارس (آذار) عام 2011، كان عدد سكانها نحو 600 ألف نسمة؛ معظمهم من الدروز والمسيحيين، وفق تقديرات مصادر محلية.

وازداد عدد سكانها كثيراً خلال سنوات الحرب حتى وصل إلى نحو مليوني نسمة، وفق تقديرات أهلية، وذلك بعد أن شكلت ملاذاً لآلاف النازحين من جميع المحافظات السورية التي شهدت معارك خلال سنوات الحرب.

بعد موجات النزوح الكبيرة إلى جرمانا بات سكانها خليطاً من جميع المحافظات، والقوميات، والأديان، والطوائف. ومع إطلاق فصائل المعارضة المسلحة عملية «ردع العدوان» شمال غربي البلاد، أواخر نوفمبر (تشرين الثاني) عام 2024، واقترابها من دمشق، أسقط أهالي جرمانا تمثال الرئيس الأسبق حافظ الأسد، قبل أن يسقط نظام الأسد في 8 ديسمبر (كانون الأول) الماضي.

شهدت جرمانا أعمال عنف في 28 أبريل (نيسان) عام 2025، أدت إلى مقتل عدد من الأشخاص، وامتدت أعمال العنف إلى منطقتي صحنايا وأشرفية صحنايا بريف دمشق؛ وذلك على أثر تداول تسجيل صوتي مزعوم يتضمن إساءة إلى الإسلام.

وتمكنت السلطات السورية حينها من بسط سيطرتها وإعادة الأمن والاستقرار إلى تلك المناطق، بموجب اتفاقات مع الجهات الفاعلة ووجهاء المدينة والمنطقتين.

بيان المشايخ والأهالي أكد أن «سوريا واحدة موحدة بكل أطيافها، ومدينة جرمانا جزء أصيل من غوطة دمشق، وجهتها دمشق، وأبناؤها شركاء في بناء الوطن السوري الواحد الموحد»، مضيفين: «نذكر أن رسالتنا هي رسالة المحبة والسلام، ونبذ كافة الخطابات التي تسعى للفتنة وتدمير النسيج السوري، وأن مستقبل سوريا لا يبنى إلا بوحدة أبنائها واحترام مؤسساتها وسيادة القانون».