قالت المخرجة المقدونية دينا دوما إن فيلمها الجديد «التزلج ليس للفتيات» لا ينطلق من فكرة الصراع المباشر بين الحرية والقمع بقدر ما يسعى إلى استكشاف المساحات الرمادية التي تعيش فيها الفتيات يومياً، مؤكدةً أنها كانت مهتمة بإظهار كيف يمكن للإنسان أن يختبر لحظات من الفرح والانطلاق حتى وهو محاصر بالقيود الاجتماعية والاقتصادية.
وأضافت دينا دوما، في مقابلة مع «الشرق الأوسط» عبر تطبيق «زووم»، أن الفيلم يتناول حياة شخصيات تحاول أن تحلم وتقاوم وتتمسك بإنسانيتها بعيداً عن الصور النمطية المعتادة التي تختزل الفتيات في المجتمعات المهمشة في دور الضحايا فقط. وتواصل، من خلال هذا الفيلم، اهتمامها السينمائي بعالم الفتيات والمراهقات والعلاقات النسائية، غير أنه هذه المرة يوسّع دائرة الأسئلة لتشمل مفاهيم الحرية والانتماء والسلطة الاجتماعية وتأثيرها في الجسد والاختيارات الشخصية، مع تقديم شخصيات معقدة وإنسانية تتجاوز الأحكام المسبقة وتعيش تناقضاتها الخاصة مثل أي شخص آخر.
وتدور أحداث الفيلم، الذي حصد جائزة «نورا إيفرون» في الدورة الماضية من مهرجان «ترايبيكا» في الولايات المتحدة الأميركية، داخل مدينة «سكوبيه» في مقدونيا الشمالية، حيث تعيش الطفلتان «أديلا» وشقيقتها الكبرى «زارا» ضمن مجتمع الروما، متنقلتين بين عالمين مختلفين: عالم المراهقة الحديثة المليء بالتزلج على الألواح ووسائل التواصل الاجتماعي والأحلام الشخصية، وعالم التقاليد المحافظة والضغوط الاقتصادية.

وبعد تخلي الأب عن الأسرة، تجد الأم نفسها أمام أزمة معيشية خانقة تدفعها إلى التفكير في تزويج «زارا» عبر ما يُعرف بـ«سوق العرائس البلغاري»، في حين ترفض «أديلا» الاستسلام لهذا المصير، وتحاول إيجاد طريقة لإنقاذ شقيقتها والحفاظ على تماسك الأسرة.
وأكدت دوما أنها تعمدت الابتعاد عن تقديم فتيات المجتمعات غير الغربية بوصفهن مجرد ضحايا للقهر أو شخصيات بطولية خارقة تتغلب على جميع العقبات، مشيرةً إلى أن الواقع أكثر تعقيداً من ذلك بكثير؛ فبطلات الفيلم يثرثرن ويضحكن ويحلُمْن ويغضبن ويخطئن، تماماً مثل أي مراهقات أخريات في العالم، وهو ما أرادت إبرازه.
مجتمع الروما
وأضافت أنها لم ترغب في صناعة فيلم عن مجتمع الروما من الخارج، بل سعت إلى إنجاز فيلم بالتعاون مع أبناء المجتمع أنفسهم، حيث شارك عدد من أفراده في قراءة السيناريو وإبداء الملاحظات ومناقشة التفاصيل الثقافية والاجتماعية، الأمر الذي أسهم في تطوير العمل وإثرائه. كما استعانت بعدد كبير من الممثلين غير المحترفين من أبناء الحي، مما منح الفيلم قدراً كبيراً من الصدقية والعفوية.

وعن شخصية الأم، أوضحت دوما أنها كانت من أكثر الشخصيات تعقيداً بالنسبة إليها أثناء الكتابة، لأنها كانت تنظر إليها في البداية بوصفها عقبة أمام حرية ابنتيها، لكنها أدركت لاحقاً أن هذه المرأة مدفوعة بالخوف والقلق والرغبة في حماية أسرتها وتأمين مستقبل بناتها. ولفتت إلى أن القمع لا يأتي دائماً من النوايا الشريرة، بل كثيراً ما يتخفى خلف مشاعر الحب والرعاية والخوف من المستقبل.
وتطرقت المخرجة إلى العلاقة المحورية بين الشقيقتين «أديلا» و«زارا»، مؤكدةً أنها تمثل القلب النابض للفيلم بأكمله. لذا استغرقت عملية البحث عن الطفلتين المناسبتين قرابة عام كامل قبل العثور على البطلتين، وهما ابنتا عمومة في الواقع، الأمر الذي منح العلاقة بينهما صدقاً وعفوية يصعب صناعتها أو فرضها من خلال التوجيه التقليدي للممثلين.
وأشارت دوما إلى أنها اعتمدت أسلوباً إخراجياً قائماً على بناء الثقة مع الممثلين الصغار بدلاً من التركيز على حفظ النصوص أو أداء الانفعالات بشكل مباشر، موضحةً أنها كانت تفضّل خلق الظروف التي تسمح للمشاعر بالظهور بصورة طبيعية، لأن الصدق العاطفي أهم بكثير من الأداء التقني أو الاستعراضي.
التحرر من القيود
وعن رمزية التزلج على الألواح في الفيلم، أوضحت أنه لم يكن مجرد نشاط رياضي، بل وسيلة للتعبير عن الحرية وامتلاك المساحة العامة، لافتةً إلى أن الكاميرا كانت تتعامل مع مشاهد التزلج بوصفها لحظات عاطفية تعكس العالم الداخلي لـ«أديلا»، إذ يمنحها التزلج إحساساً مؤقتاً بالتحرر من القيود المفروضة عليها وعلى شقيقتها.
وأضافت أن التباين البصري بين المنازل الضيقة وحدائق التزلج المفتوحة كان مقصوداً، إذ تعكس المساحات المنزلية شعوراً بالاختناق وكثرة الالتزامات، في حين تتيح فضاءات التزلج للشخصيات فرصة التنفس والتخيّل واختبار شكل مختلف من الحياة، حتى وإن كانت تلك الحرية مؤقتة وعابرة.
وكشفت دوما أن تطوير المشروع استغرق سنوات طويلة، ومرّ بمحطات دولية مهمة، من بينها برنامج الإقامة التابع لمهرجان «كان السينمائي»، مؤكدةً أن هذه التجارب لم تغيِّر جوهر الفيلم بقدر ما منحتها الوقت اللازم لإعادة التفكير في الشخصيات والأسئلة التي يطرحها العمل.

وعن فوز الفيلم بجائزة «نورا إيفرون» في مهرجان «ترايبيكا السينمائي»، قالت المخرجة المقدونية إن الخبر جاء مفاجئاً بالنسبة إليها بعد سنوات طويلة من العمل والشكوك والتحديات، ورأت أن قيمة الجائزة لا تكمن فقط في التكريم نفسه، بل أيضاً في ارتباطها باسم مخرجة وكاتبة عُرفت بقدرتها على تقديم شخصيات إنسانية مفعمة بالتعاطف والذكاء.
وتُعد جائزة «نورا إيفرون» احتفاءً سنوياً بالإبداع السينمائي النسائي، وقد أُسست تخليداً لذكرى الكاتبة والمخرجة الأميركية الراحلة نورا إيفرون. وتُمنح الجائزة للمخرجات أو الكاتبات الصاعدات اللواتي يمتلكن رؤية سينمائية فريدة وصوتاً جريئاً.
وشددت المخرجة المقدونية على أنها لا تؤمن بأن السينما قادرة، بمفردها، على تغيير المجتمعات أو حل المشكلات المعقدة، لكنها تستطيع طرح الأسئلة، وكسر حالة اللامبالاة، وخلق قدر أكبر من التعاطف بين البشر. وأشارت إلى أن ما تتمناه بعد مشاهدة الفيلم هو أن يتذكر الجمهور بطلتيه بوصفهما فتاتين حقيقيتين تحملان أحلاماً ومخاوف وتناقضات، لا بوصفهما رمزين لقضية اجتماعية أو نموذجين جاهزين للأحكام المسبقة.







