بينما بدأ أفراد الجالية الجزائرية في الخارج، السبت، التصويت في انتخابات البرلمان المقررة الخميس المقبل داخل البلاد، تشرف حملة الدعاية الانتخابية على نهايتها الأحد، وذلك بعد مرور 21 يوماً، بذل خلالها نحو 10 آلاف مترشح جهوداً حثيثة لإقناع الناخبين بالتوجه إلى صناديق الاقتراع، وسط برود لافت يخيم على العملية الانتخابية.

وصرح عضو «السلطة الوطنية المستقلة للانتخابات» عبد الرحمن شبلي، للإذاعة العمومية عشية اختتام الحملة الانتخابية، بأن تعداد المهاجرين المعنيين بالتصويت يفوق 850 ألفاً، يوجدون في 4 مناطق جغرافية، مشيراً إلى أن الحملة الانتخابية بالخارج شهدت تنافساً بين 66 قائمة مترشحين تمثل أحزاباً ومستقلين. وتميزت، حسبه، بتكثيف النشاطات الميدانية والرقمية، مع تسجيل مشاركة فعالة للمرأة كمترشحة.
وأشار شبلي إلى رفع عدد المقاعد المخصصة للجالية الوطنية بالخارج إلى 12 مقعداً في «المجلس الشعبي الوطني»، بناء على القانون الجديد المحدد للدوائر الانتخابية وتوزيعها عبر العالم، بعدما كانت 8 مقاعد.
حملة باهتة وأسئلة معلقة
تتوزع مقاعد الغرفة البرلمانية الأولى كالتالي: المنطقة الأولى (فرنسا - باريس) خصص لها القانون 3 مقاعد، والمنطقة الثانية (فرنسا - المقاطعات الأخرى خارج باريس) تم منحها 3 مقاعد أيضاً، وبذلك تحوز فرنسا بمجموع مناطقها 6 مقاعد؛ نظراً للكثافة الديمغرافية الكبيرة للجالية هناك.

أما بالنسبة للمنطقة الثالثة (العالم العربي، وأفريقيا، وآسيا وأوقيانوسيا)، فتم تخصيص 3 مقاعد، في حين تتمثل حصة المنطقة الرابعة (أميركا وباقي الدول الأوروبية خارج فرنسا) في 3 مقاعد.
ووفق أرقام «السلطة الوطنية المستقلة للانتخابات»، فقد بلغ تعداد الكتلة الانتخابية 24.7 مليون ناخب، من بينهم 23.8 مليون داخل البلاد، موزعين على أكثر من 63 ألف مكتب تصويت، منها 134 مكتباً متنقلاً عبر 15 ولاية، و439 مكتباً في الخارج.

وأصدرت الهيئة المشرفة على الانتخابات، السبت، بياناً ذكّرت فيه بحظر نشر وبث نتائج سبر الآراء واستطلاعات نوايا الناخبين، بمناسبة تجديد أعضاء «المجلس الشعبي الوطني». وجاء هذا التذكير عقب تداول صفحات على منصات التواصل الاجتماعي بيانات وإحصاءات يُرجح أنها مُولّدة باستخدام أدوات الذكاء الاصطناعي، تزعم رصد اتجاهات التصويت لدى المواطنين.
وأوضح البيان أن هذا الإجراء يأتي تطبيقاً لأحكام القانون العضوي المتعلق بنظام الانتخابات المعدل في 2021، مشدداً على «منع نشر أو بث سبر الآراء واستطلاع نوايا الناخبين بأي شكل من الأشكال، ويسري ذلك ابتداءً من اليوم السبت بالنسبة للدائرة الانتخابية للجالية الوطنية المقيمة بالخارج، ومن يوم الاثنين 29 يونيو (حزيران) الجاري بالنسبة للدوائر الانتخابية على مستوى التراب الوطني، ويمتد هذا الحظر إلى غاية اختتام عملية الاقتراع».

وعلى مدار الأسابيع الثلاثة للحملة الانتخابية، التي خاضها مترشحو 34 حزباً، فرض سؤال محوري نفسه بحدة في الأوساط السياسية: كيف يمكن إقناع الناخبين بأن أصواتهم قادرة على إحداث فارق في توازن سياسي تبدو توجهاته الكبرى مرسومة سلفاً؟
ولا تقتصر هذه الصعوبة على أحزاب المعارضة فحسب، بل تطول أيضاً التشكيلات الداعمة للسلطة؛ إذ تركزت خطابات الحملة على «الواجب الوطني لحماية الأمن والاستقرار»، أكثر من تركيزها على خيارات مجتمعية حقيقية. وتعهد المترشحون بتحسين الخدمات العمومية، ودعم التشغيل، والدفاع عن انشغالات المواطنين في البرلمان، لكن دون القدرة على إحداث نقاش سياسي كفيل بإحداث تعبئة واسعة، وفق ما لاحظه سياسيون وصحافيون تابعوا الحملة، التي غابت عنها الحشود والحماس الشعبي.
أحزاب تشارك تحت طائلة الحظر
تبدو هذه الظاهرة أكثر إثارة للانتباه؛ نظراً لأن أحزاباً عدة كانت قد قاطعت المواعيد السابقة، لكنها قررت المشاركة هذه المرة، مبررة خطوتها بأن وجودها السياسي أصبح على المحك، وخاصة أن الحكومة أدخلت تعديلاً على قانون الانتخاب هدد بحل الحزب إذا غاب عن الانتخابات مرتين متتاليتين.
وأبرز الأحزاب التي غابت عن المواعيد السابقة وعادت هذه المرة هي: «جبهة القوى الاشتراكية»، و«حزب العمال»، و«التجمع من أجل الثقافة والديمقراطية»، و«جبهة العدالة والتنمية»، وكلها أحزاب معارضة قاطعت استحقاق البرلمان لعام 2021 بدعوى أنه «مرفوض من الحراك الشعبي»، الذي أرغم الرئيس الراحل عبد العزيز بوتفليقة على الاستقالة عام 2019.

ورغم أن الأحزاب جابت البلاد خلال الحملة، وكثفت من لقاءاتها لدعوة المواطنين إلى صناديق الاقتراع، فإن الصور التي تداولتها على حساباتها بمنصات التواصل الاجتماعي، والمعطيات التي نقلتها وسائل إعلام عديدة، كشفت عن تعبئة محدودة للغاية، في حين خصصت الأحزاب الرئيسية جزءاً كبيراً من خطابها لمحاربة العزوف الانتخابي، بدلاً من الدفاع عن برامجها السياسية.
وبخصوص بوادر قوية عن غياب محتمل عن الاقتراع، يقول المحلل السياسي توهامي بشير الحسني: «لقد دخل الجزائريون الحراك الشعبي سنة 2019 (انفجر الشارع رفضاً لترشح الرئيس بوتفليقة لولاية خامسة) محمولين على وعد جماعي كبير: استرجاع السياسة من قبضة المغلق، وإخراج القرار الوطني من دائرة الوصاية، وبناء مؤسسات تمثيلية تعبّر عن الإرادة الشعبية لا عن هندسة فوقية معدّة سلفاً».
وبحسب المحلل، فإن ما وقع بعد ذلك في نظر قطاعات واسعة من الرأي العام هو «احتواء تدريجي للحراك الشعبي، ثم إعادة تدوير منظومة الحكم بوجوه وخطابات جديدة، مع بقاء جوهر العلاقة بين السلطة والمجتمع على حاله: سلطة تطلب التصويت لتأكيد شرعيتها، ومجتمع يردّ عليها بالعزوف، أو الورقة الملغاة، أو اللامبالاة السياسية».









