بعد 28 عاماً... كيف استطاع المغرب الوقوف بجرأة أمام السامبا؟

المغرب قدمت أداءً مذهلاً ورجولياً أمام البرازيل (أ.ب)
المغرب قدمت أداءً مذهلاً ورجولياً أمام البرازيل (أ.ب)
TT

بعد 28 عاماً... كيف استطاع المغرب الوقوف بجرأة أمام السامبا؟

المغرب قدمت أداءً مذهلاً ورجولياً أمام البرازيل (أ.ب)
المغرب قدمت أداءً مذهلاً ورجولياً أمام البرازيل (أ.ب)

مضت ثمانية وعشرون عاماً بين صافرتين، وضعت الأولى «سحر السامبا» البرازيلية في مواجهة «كبرياء أسود الأطلس» بفرنسا 1998، وأطلقت الثانية العنان للمواجهة التاريخية نفسها في مونديال 2026 لكن المسافة الحقيقية بين الأمسيتين لا تقاس بعقود الزمن، بل بعبور جسر تكتيكي ونفسي هائل أعاد صياغة مفهوم الشخصية داخل العرين المغربي.

في نهائيات كأس العالم بفرنسا عام 1998، تحديداً على أرضية ملعب «جوفروا غيشار»، انحنى المنتخب المغربي أمام رفقاء رونالدو الظاهرة وريفالدو بثلاثية نظيفة، ويومها بدا الفارق على أرضية الملعب أكبر بكثير من مجرد أرقام تعرض على الشاشة.

لعب الأسود بكثير من الحذر المبالغ فيه والتردد الواضح الذي شل حركتهم، وكأنهم دخلوا المستطيل الأخضر مستسلمين ومقتنعين مسبقاً بتفوق منافسهم التاريخي، فتاهت الموهبة الفطرية تحت وطأة الرهبة والوجل، وبدا الفارق السيكولوجي شاسعاً بين كبرياء برازيلي معززاً بأسماء رنانة مثل بيبيتو وروبرتو كارلوس ورونالدو ودينلسون وكافو، وبين ارتباك مغربي فرضته رهبة الموعد الكروي الأكبر. لكن، وكما يقول الفرنسيون في أدبياتهم المعبرة: «لقد جرت مياه كثيرة جداً تحت الجسر».

اليوم، في مونديال 2026، وأمام الخصم التاريخي نفسه، أطل المنتخب المغربي بوجه مغاير تماماً، لم يعد اللاعبون المغاربة ضيوف شرف يكتفون بالفرجة وتقديم آيات الاحترام أمام عمالقة اللعبة العالمية، ولم يتراجعوا إلى مناطقهم الخلفية انتظاراً لما سيفعله المنافس، بل انتزعوا زمام المبادرة، ولعبوا بثقة عالية، وضغطوا في فترات عديدة من المواجهة، وأظهروا شجاعة نادرة في الخروج بالكرة تحت الضغط العالي، محافظين على هدوئهم التام حتى في اللحظات الحرجة التي حاول فيها السامبا فرض إيقاعه السريع.

هذا التحول السلوكي والفني لمنتخب انتقل من ضفة الموهبة الخجولة إلى ضفة الهيمنة الواثقة، يعود بنا بالذاكرة إلى مفتاح يعلم أهميته البرازيليون أكثر من غيرهم. ففي إحدى القاعات الإعلامية المزدحمة بالبحرين خلال بطولة كأس الخليج عام 2013، بلغ سيل الأسئلة الموجهة إلى البرازيلي باولو أوتوري، مدرب المنتخب القطري يومها، حداً من الإلحاح والمضايقة حول تراجع المردود الفني، مما دفعه إلى قطع النقاش فجأة ليوجه للصحافيين عبارة كانت تحمل في جوهرها تشريحاً دقيقاً وعميقاً.

محمد وهبي مدرب المغرب مع لاعبيه بعد نهاية المباراة (رويترز)

التفت مدرب المنتخب القطري يومها إلى وسائل الإعلام وقال بنبرة حاسمة: «قولوا لي كم من فريق في دوريكم المحلي يملك الجرأة ليفرض أسلوبه في الملعب ويهيمن على مختلف أرجائه؟ كم من فريق يستطيع فرض شخصيته محلياً وقارياً؟ السر يكمن في الشخصية، وهي أمور لا تكتسب بين عشية وضحاها، بل ترتبط ارتباطاً وثيقاً بالتكوين وبمستوى اللعب والتنافس في الدوري المحلي».

مرت أكثر من عشرة أعوام على تلك الجملة العابرة التي أطلقها أوتوري في المنامة، لكنها تبدو اليوم، وفي غمرة منافسات مونديال 2026، وكأنها كتبت خصيصاً لتفسر كيف اكتسب المغرب أخيراً هذا العنصر الأكثر ندرة وصعوبة في عالم الساحرة المستديرة. إنه عنصر الشخصية الحديدية.

تخلص الأسود من عقدة الخوف، ولم يعد التطور قاصراً على جودة اللاعبين الفردية العالية أو النقلة النوعية في البنية التحتية الرياضية بالمملكة، بل في صياغة عقلية جماعية ترفض الانكسار.

ولعل أفضل تجسيد ومثال حي لهذا التحول التاريخي المشهود، كان الشاب اليافع أيوب بوعدي. هذا اللاعب الصاعد بدا على أرضية الملعب وأمام عمالقة البرازيل وكأنه يملك في جعبته خبرة عشرات المباريات الدولية، تنقل بين الخطوط بأريحية لافتة للنظر، وطلب الكرة باستمرار في أصعب المواقف دون خوف أو تردد، ونجح في الربط التكتيكي المعقد بين خطي الدفاع والهجوم دون أن يظهر عليه أي أثر للرهبة أو الارتباك الذي عادة ما يرافق اللاعبين الشباب في مثل هذه المواجهات الكبرى الحابسة للأنفاس.

كان بوعدي يلعب وكأنه ينتمي منذ سنوات طويلة إلى هذا المستوى النخبوي العالمي، لا كما لو أنه يخطو خطواته الأولى في الساحة الدولية، وهي صورة مصغرة وبليغة تختصر ما أصبح عليه المنتخب المغربي بأكمله، فريق يعرف جيداً ما يريد، ويملك الأدوات والشجاعة الكاملة لتنفيذه على أرض الواقع دون التفات لهوية الخصم أو تاريخه.

وفي هذا السياق، تبدو بصمات المدرب محمد وهبي واضحة وجلية في قيادة هذا التحول السيكولوجي والتكتيكي، فمنذ توليه المسؤولية الفنية، حرص وهبي عبر فلسفته الجديدة على بناء منتخب أكثر جرأة في الاستحواذ، وأكثر هدوءاً في إدارة فترات المباراة المختلفة، مع منح اللاعبين حرية أكبر لاتخاذ القرار والابتكار داخل الملعب، وهي فلسفة تقوم أساساً على المبادرة لا الانتظار، وعلى الثقة لا الخوف من ارتكاب الأخطاء.

من الناحية الفنية والتكتيكية الصرفة، أظهر المغرب قدرة تنظيمية هائلة على تقليص المساحات بين الخطوط الثلاثة، خصوصاً عند التحول الدفاعي السريع، مما حد تماماً من خطورة البرازيليين وقدرتهم على اختراق العمق المغربي. كما نجح خط الوسط في فرض توازن مثالي بين الواجبين الدفاعي والهجومي، بينما ساعدت التحركات المستمرة والدينامية للأطراف على خلق حلول إضافية في بناء اللعب والخروج السلس بالكرة تحت الضغط العالي الذي فرضه لاعبو البرازيل.

والأهم من كل ذلك، أن المنتخب المغربي حافظ على هويته وشخصيته طوال التسعين دقيقة كاملة، فلم تتغير ملامحه الصارمة أو يصبه الغرور عندما تقدم في النتيجة، ولم يفقد هدوءه وتركيزه الذهني العالي عندما تعرض لضغط الهجمات البرازيلية المتلاحقة، وهي التوليفة والعلامات الفارقة التي تميز فقط المنتخبات الكبيرة المرشحة فوق العادة لمنصات التتويج العالمية.

قبل سنوات طويلة، وتحديداً في فرنسا 98، كان المنتخب المغربي يدخل مباريات من هذا الحجم محكوماً بسؤال الخوف والوجل من المنافس التاريخي، أما اليوم في مونديال 2026، فهو يدخلها وهو يطرح الأسئلة الصعبة، ويهدد كبرياء منافسيه، ويفكك منظوماتهم العريقة على العشب الأخضر.

وهذا، ربما، يكون الإنجاز الأكبر والأثمن الذي حققته كرة القدم المغربية خلال العقد الأخير. صناعة وصياغة منتخب لا يكتفي بامتلاك الموهبة الفطرية، بل يمتلك الشخصية الحديدية الكفيلة بصناعة الأبطال وتدوين التاريخ.


مقالات ذات صلة

هاري كين: قاتلنا حتى النهاية

رياضة عالمية هاري كين لاعب المنتخب الإنجليزي يحتفل مع اللاعب السابق بيتر كراوتش عقب الفوز (د.ب.أ)

هاري كين: قاتلنا حتى النهاية

أبدى هاري كين، مهاجم وقائد منتخب إنجلترا، سعادته بفوز فريقه على المكسيك وتأهله لدور الثمانية بكأس العالم 2026 في أميركا والمكسيك وكندا.

«الشرق الأوسط» (مكسيكو سيتي )
رياضة عالمية بيلينغهام تمكن من زيارة شباك المكسيك بهدفين في دقيقتين (إ.ب.أ)

ثنائية بيلينغهام تقوده لنجومية مباراة إنجلترا والمكسيك

حصل جود بيلينغهام، لاعب وسط منتخب إنجلترا، على جائزة رجل المباراة في مواجهة فريقه مع المكسيك في دور الـ16 من بطولة كأس العالم لكرة القدم 2026.

«الشرق الأوسط» (مكسيكو سيتي )
رياضة عالمية بالوغون خلال تدريبات أميركا الأخيرة (أ.ف.ب)

ما هو بند قانون الانضباط الذي سمح بمشاركة بالوغون مع أميركا؟

سيسمح الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) للمهاجم الأميركي فولارين بالوغون باللعب في مباراة دور الـ16 من كأس العالم أمام بلجيكا  بعد أن عُلقت عقوبة إيقافه.

«الشرق الأوسط» (ميامي )
رياضة عالمية نيلاند يبتسم في وجه نيمار بعد تسجيل الأخير الجزائية (أ.ب)

نيلاند... الحارس «العاطل» يخطف الأضواء أمام البرازيل

ربما يكون هالاند هو من هز الشباك، لكن الحارس أوريان نيلاند، غير المرتبط بأي فريق، هو مَن أسهم في الفوز المذهل للنرويج 2-1 على البرازيل.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
رياضة عالمية فينيسيوس يستلقي على الأرض بعد الخسارة أمام النرويج (إ.ب.أ)

فينيسيوس: لم أتهرب من «ركلة الجزاء» أمام النرويج

دافع المهاجم البرازيلي فينيسيوس جونيور عن عدم تنفيذه ركلة الجزاء التي احتُسبت لبلاده الأحد خلال ثمن النهائي ضد النرويج في مونديال 2026.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)

هاري كين: قاتلنا حتى النهاية

هاري كين لاعب المنتخب الإنجليزي يحتفل مع اللاعب السابق بيتر كراوتش عقب الفوز (د.ب.أ)
هاري كين لاعب المنتخب الإنجليزي يحتفل مع اللاعب السابق بيتر كراوتش عقب الفوز (د.ب.أ)
TT

هاري كين: قاتلنا حتى النهاية

هاري كين لاعب المنتخب الإنجليزي يحتفل مع اللاعب السابق بيتر كراوتش عقب الفوز (د.ب.أ)
هاري كين لاعب المنتخب الإنجليزي يحتفل مع اللاعب السابق بيتر كراوتش عقب الفوز (د.ب.أ)

أبدى هاري كين، مهاجم وقائد منتخب إنجلترا، سعادته بفوز فريقه على المكسيك وتأهله لدور الثمانية بكأس العالم 2026 في أميركا والمكسيك وكندا.

وكان المنتخب الإنجليزي قد فاز على المكسيك 2-3 في دور الـ16، ليتأهل لمواجهة النرويج في دور الثمانية بالبطولة صباح الأحد المقبل.

وسجل هاري كين الهدف الثالث للمنتخب الإنجليزي، الذي عانى من ضغط مكسيكي حتى الدقائق الأخيرة، خاصة بعد تعرض غاريل كوانساه، لاعب إنجلترا، للطرد في بداية الشوط الثاني.

وقال كين في تصريحات عبر قناة «بي إن سبورتس» بعد المباراة، إن فريقه قدّم ما عليه طوال المباراة، وقاتل على كل الكرات رغم النقص العددي في صفوفه.

وأوضح كين أن المباراة كانت صعبة للغاية على فريقه، خاصة مع الحضور المكسيكي الجماهيري الكبير في ملعب «أزتيكا» ومساندته للمنتخب المضيف.

وتابع أن فريقه سيواصل مشواره في البطولة بسبب دعم الجماهير الإنجليزية، موجهاً الشكر لهم على مساندتهم للفريق في مباراة صعبة أمام المكسيك.


ثنائية بيلينغهام تقوده لنجومية مباراة إنجلترا والمكسيك

بيلينغهام تمكن من زيارة شباك المكسيك بهدفين في دقيقتين (إ.ب.أ)
بيلينغهام تمكن من زيارة شباك المكسيك بهدفين في دقيقتين (إ.ب.أ)
TT

ثنائية بيلينغهام تقوده لنجومية مباراة إنجلترا والمكسيك

بيلينغهام تمكن من زيارة شباك المكسيك بهدفين في دقيقتين (إ.ب.أ)
بيلينغهام تمكن من زيارة شباك المكسيك بهدفين في دقيقتين (إ.ب.أ)

حصل جود بيلينغهام، لاعب وسط منتخب إنجلترا، على جائزة رجل المباراة في مواجهة فريقه مع المكسيك في دور الـ16 من بطولة كأس العالم لكرة القدم 2026 في أميركا والمكسيك وكندا.

وتأهل منتخب إنجلترا لمواجهة النرويج في دور الثمانية؛ حيث كان الأخير قد تغلب على البرازيل 1-2 في دور الـ16.

وسجل بيلينغهام الهدفين الأول والثاني لإنجلترا في شباك المكسيك، في دقيقتين، ليمهد الطريق نحو فريقه للتأهل بعد الفوز بنتيجة 2-3 في مباراة قوية على ملعب «أزتيكا».

وسجل بيلينغهام 4 أهداف في بطولة كأس العالم 2026؛ حيث سجل هدفاً في شباك كرواتيا وهدفاً في شباك بنما، وهدفين في شباك المكسيك.


ما هو بند قانون الانضباط الذي سمح بمشاركة بالوغون مع أميركا؟

بالوغون خلال تدريبات أميركا الأخيرة (أ.ف.ب)
بالوغون خلال تدريبات أميركا الأخيرة (أ.ف.ب)
TT

ما هو بند قانون الانضباط الذي سمح بمشاركة بالوغون مع أميركا؟

بالوغون خلال تدريبات أميركا الأخيرة (أ.ف.ب)
بالوغون خلال تدريبات أميركا الأخيرة (أ.ف.ب)

سيسمح الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) للمهاجم الأميركي فولارين بالوغون باللعب في مباراة دور الـ16 من كأس العالم أمام بلجيكا بعد أن عُلقت عقوبة إيقافه بسبب البطاقة الحمراء التي حصل عليها في الدور السابق، مستشهداً بالمادة 27 من لائحته التأديبية.

وبحسب مضمون المادة 27، فإنه يسمح لـ«فيفا» بتعليق تنفيذ عقوبة تأديبية وتظل سارية المفعول، لكن لا يتعين تنفيذها على الفور ما لم يتم إلغاء التعليق لاحقاً.

وسمحت هذه المادة للهيئات القضائية التابعة لـ«فيفا» بتعليق تنفيذ العقوبة التأديبية كلياً أو جزئياً. ومع ذلك، لا يذكر القانون الظروف التي يجوز فيها للهيئة القضائية أن تقرر تعليق العقوبة. وتشمل الهيئات القضائية في «فيفا» لجنة الانضباط ولجنة الاستئناف.

ويُوضع اللاعب الذي فُرضت عليه العقوبة بعد ذلك في فترة اختبار تتراوح مدتها بين سنة وأربع سنوات. وإذا ارتكب مخالفة أخرى ذات طبيعة مماثلة خلال فترة الاختبار، يتم تفعيل العقوبة المعلقة تلقائياً، بالإضافة إلى أي عقوبة تأديبية جديدة.

وتم تعليق حظر مشاركة بالوغون في المباريات لفترة اختبار مدتها سنة واحدة. كما أن الإجراءات التأديبية الوحيدة التي لا يمكن تعليقها هي تلك المتعلقة بالتلاعب بنتائج المباريات.

وتتألف لجنة الانضباط من رئيس ونائب رئيس وأعضاء إضافيين. ويجب أن يكون الرئيس ونائب الرئيس محاميين مؤهلين.

وتتخذ اللجنة قراراتها بحضور 3 أعضاء على الأقل.

ويشغل الإماراتي محمد الكمالي منصب رئيس لجنة الانضباط حالياً.

ويُنتخب أعضاء اللجنة من قبل مؤتمر «فيفا» لولاية مدتها أربع سنوات، بحد أقصى 3 ولايات.

وكانت المادة 27 تُعرف سابقاً بالمادة 26 قبل تحديث اللائحة التأديبية في عام 2019، ثم أصبحت تحمل الرقم 27 اعتباراً من عام 2023.