لم تعد نهائيات كأس العالم (مونديال) لكرة القدم لعام 2026 مجرّد منافسة رياضية تُتَابَع من أجل أهدافها ونتائجها، بل صارت حدثاً إعلامياً مركّباً يعكس تحوّلات عميقة في صناعة الصورة، وفي طريقة إنتاج الخبر، وفي طبيعة الجمهور نفسه. وهذه النسخة، تحديداً، تميّزت بأنها كانت الأكثر اتساعاً من حيث التغطية، والأكثر تنوّعاً من حيث المنصّات.

حدث إعلامي غير مسبوق
الخصوصية الأولى في «مونديال 2026» أنّها لم تُقدَّم بوصفها بطولة كرة قدم فحسب، بل بوصفها مشروعاً إعلامياً عالمياً متكاملاً. إذ كشف الموقع الرسمي للاتحاد الدولي لكرة القدم «إنسايد فيفا» في بيان رسمي، عن أن هذه النسخة اعتمدت أوسع برنامج شراكات إعلامية في تاريخ البطولة، مع وصول تغطيتها إلى أكثر من 220 منطقة وإقليماً، وبحضور متزامن للتلفزيون والبث الرقمي والمحتوى التفاعلي. هذا الاتساع لم يكن شكلياً، بل عكس تحوّلاً في فلسفة التغطية نفسها، التي تجاوزت نقل المباريات إلى صناعة تجربة مشاهدة كاملة تتوزع بين الشاشة الكبيرة والهاتف الذكي واللقطة القصيرة والبثّ الفوري.
في الولايات المتحدة، تولّت «فوكس سبورتس» و«تيلي موندو» نقل المباريات، كما أسهمت منصة «بيكوك» الناطقة باللغة الإسبانية في تعزيز البُعد الرقمي والبثّ عند الطلب؛ وهو ما منح البطولة حضوراً واسعاً في البيئات التلفزيونية والمنصّاتية معاً.
أما في العالم العربي، فقد دفعت «بي إن سبورتس» بتغطية استثنائية، جمعت بين النقل المباشر والتحليل والبرامج اليومية والاستوديوهات الموسّعة، مع طواقم تحليلية وإعلامية كبيرة، وتوظيف تقنيات مهمة. كذلك، عزّزت «وكالة الصحافة الفرنسية» (أ.ف.ب) حضورها الصحافي عبر تعبئة فرق خاصة للتغطية الميدانية في المدن المُستضيفة، مع إنتاج متواصل للنصّ والصورة والفيديو.

أدوات بثّ جديدة
بيد أن ما ميّز «مونديال 2026» عن سابقاتها ما كان فقط تعدُّد الشركاء، بل تعدُّد الأدوات. ذلك أن الحدث نُظّم في بيئة إعلامية «هجينة»، تجمع بين البث التلفزيوني التقليدي والخدمات الرقمية والمقاطع القصيرة والانتشار على منصات التواصل الاجتماعي، وعلى رأسها منصة «تيك توك»، التي دخلت شريكة في توسيع الوصول إلى الجمهور الشاب.
هذه البنية جعلت المباراة الواحدة تتحوّل إلى عشرات المواد الإعلامية: ملخّص سريع، ولقطة مثيرة، وتحليل بُعدي، وتصريح، وإحصاء، ومقطع قابل للمشاركة. وهنا انتقلت البطولة من منطق «التغطية» إلى منطق «التفاعل»، ومن «حضور الشاشة» إلى «حضور الخوارزميات».

الولايات المتحدة ... في الواجهة
طبعاً، السوق الأميركية كانت الاختبار الأهم لهذه النسخة. فالمعروف أن كرة القدم ليست الرياضة الأكثر شعبية في الولايات المتحدة، غير أنّ المؤشّرات الحالية تُظهر أن النهائيات نجحت، ولو جزئياً، في كسر هذا الحاجز التاريخي.
وتجلّى هذا النجاح بوضوح في الارتفاع اللافت لنسب المشاهدة؛ إذ اجتذبت مباراة الولايات المتحدة وباراغواي وحدها 27.5 مليون مشاهد عبر «فوكس» و«تيلي موندو» معاً، وهو رقم وُصف بأنه تاريخي بالنسبة إلى هذه السوق.
ولكن تلك لم تكن سوى البداية، فقد أوردت تقارير أخرى أن مواجهة الولايات المتحدة وبلجيكا استقطبت نحو 30 مليون مشاهد على «فوكس» وحدها، ليبلغ الإجمالي 42 مليون مشاهد باحتساب «تيلي موندو» و«بيكوك». أيضاً، أظهرت معطيات نشرتها مجلة «فوربز»، استناداً إلى دراسة لـ«معهد نيلسون» أن نسب المشاهدة على «تيلي موندو» ارتفعت بنسبة 122 في المائة مقارنة مع نسخة قطر 2022، في حين قفزت المشاهدة الرقمية بنسبة 251 في المائة.
أرقام كهذه لا تعكس اهتماماً عابراً أو حماساً موسمياً، بل تؤكد توسّعاً حقيقياً في قاعدة المتابعة، لا سيما في الفضاء الرقمي الذي بات يشكّل مركز الثقل في استهلاك الحدث الرياضي. ويرجع هذا الاهتمام المتجدّد إلى عوامل متشابكة، لعل أبرزها: مشاركة المنتخب الأميركي في النهائيات، وتوقيت المباريات المناسب للجمهور المحلي، والحضور الكثيف لجماهير أميركا اللاتينية، والتغطية المزدوجة بالإنجليزية والإسبانية التي فتحت البطولة أمام شرائح واسعة من المجتمع الأميركي.
التغطية الأوروبية
من جهة ثانية، لم تكن أوروبا بمعزل عن هذا الزخم، بل شكّلت بريطانيا وفرنسا أبرز نموذجين على تحوّل موازٍ لما شهدته السوق الأميركية.
في بريطانيا (المملكة المتحدة) سجّلت مباراة نصف النهائي بين منتخبي إنجلترا والأرجنتين ذروة بلغت 21.5 مليون مشاهد على قناة الـ«بي بي سي وان»، لتصبح أكبر نسبة مشاهدة تلفزيونية في بريطانيا لعام 2026 بأكمله. واستقطبت مباراة إنجلترا أمام جمهورية الكونغو الديمقراطية 16.3 مليون مشاهد، في حين حقّقت خدمة الـ«آي تي في إكس» الرقمية أفضل أداء شهري في تاريخها بواقع 468 مليون عملية بث خلال يونيو (حزيران) وحده.
أما في فرنسا، فقد شكّلت هذه النسخة منعطفاً غير مسبوق: فللمرة الأولى منذ 45 سنة، لم تبثّ قناة الـ«تي إف 1»، الحاضرة التاريخية لكبرى المحطات الرياضية الفرنسية، أي مباراة من مباريات البطولة، بعدما آلت الحقوق إلى قناة الـ«إم 6» (54 مباراة مجانية) و«بي إن سبورتس» (التغطية الكاملة).
هذا، وقد استثمرت الـ«إم 6» هذه الفرصة التاريخية، فكسرت رقماً قياسياً صامداً منذ 18 سنة بتحقيقها 12.4 في المائة من نسبة المشاهدة الإجمالية خلال يونيو، في أفضل أداء لها منذ بطولة أمم أوروبا 2008، في حين استقطبت مباراة افتتاح «الديوك» (المنتخب الفرنسي) أمام السنغال 13.99 مليون مشاهد.
الحدث نُظّم في بيئة إعلامية «هجينة» تجمع بين البث التلفزيوني التقليدي والخدمات الرقمية والمقاطع القصيرة والانتشار على منصات التواصل الاجتماعي
تغطية ناجحة
مع هذا، فإن نجاح التغطية لا يعود إلى الشعبية التي تحظى بها كرة القدم فقط، بل يعود أيضاً إلى الطريقة التي جرى بها تسويقها إعلامياً. فقد خُوطب الجمهور بصفته جمهوراً متعدّد الهويّات: جمهور رياضي تقليدي، وجمهور لاتيني واسع، وجمهور رقمي يفضّل الاستهلاك السريع للمحتوى.
ثم إن حضور البطولة في المدن المستضيفة، والاحتفالات الجماهيرية، وارتباطها بنجاحات المنتخب الأميركي في بعض المراحل، كل ذلك رفع منسوب المتابعة. ومن ثم، تتوقع الاتحادات المنظّمة أن تصل نسخة 2026 إلى نحو ستة مليارات شخص عبر مختلف وسائل البث والمنصّات الرقمية، مقابل خمسة مليارات في «مونديال قطر 2022». غير أن هذا الرقم يظل تقديرياً في انتظار التقرير الرسمي المدقَّق الذي سيصدره «فيفا» بعد أشهر.
