«الإعمار»... استراتيجية «آل حفتر» الناعمة لاستقطاب الليبيين

المشاريع تتمدد وتتنوّع من الشرق إلى الجنوب

مطار خليج سرت الدولي (صندوق الإعمار)
مطار خليج سرت الدولي (صندوق الإعمار)
TT

«الإعمار»... استراتيجية «آل حفتر» الناعمة لاستقطاب الليبيين

مطار خليج سرت الدولي (صندوق الإعمار)
مطار خليج سرت الدولي (صندوق الإعمار)

انطلق قطار «إعادة الإعمار» من بنغازي (شرق ليبيا) قاطعاً الطريق عبر وسط البلاد، واصلاً إلى جنوبها، مخلّفاً وراءه مزيجاً من الإشادات الواسعة، والانتقادات اللاذعة.

ويقود ملف التعمير في مناطق ليبية عديدة صندوق «التنمية وإعادة الإعمار» الذي يترأسه بلقاسم نجل المشير خليفة حفتر، منذ بدايات عام 2024، بـ«صلاحيات واسعة ورعاية شبه معدومة».

ودشّن «الصندوق» مدناً سكنية ومستشفيات وملاعب كرة قدم في مناطق عديدة بمنطقة سيطرة «الجيش الوطني» في شرق البلاد برئاسة خليفة حفتر، قبل أن يمد خط العمران إلى وسط وجنوب ليبيا، وهما نقاط تماس مع سلطات طرابلس المناوئة له.

إطلالة على «جامعة سرت» بعد افتتاحها مساء 6 يونيو (صندوق الإعمار)

وأمر التشييد لا يقتصر على بلقاسم حفتر فقط، فالجيش الذي يتولى شقيقه صدام منصب نائب قائده العام، يتولى إنشاء مشاريع عسكرية في الشرق والجنوب والوسط، فضلاً عن إطلاق المشير حفتر مشاريع في مدينة درنة التي سبق أن ضربها «الإعصار».

ويرى متابعون أن إعادة الإعمار الجارية هي «استراتيجية ناعمة تستهدف توسيع نطاق المشاريع السكنية والبنية التحتية والمنشآت العسكرية التي تحمل بصمات آل حفتر في مختلف أنحاء البلاد، بما يعزز حضورهم السياسي والشعبي على حساب سلطات طرابلس، وتطويقها».

وتأتي هذه المشاريع العمرانية على وقع تجاذبات سياسية خلّفها الانقسام السياسي الحاد بين جبهتَي غرب ليبيا وشرقها، ما دفع بعض المراقبين إلى الاعتقاد بأنها «تحمل رسائل وأبعاداً متعددة ومتداخلة».

وقال مكتب حفتر نهاية الأسبوع إنه اطّلع على مراحل «مشروع استراتيجي» لإعادة إعمار منطقتَي الصابري في بنغازي، ووسط البلاد، موجهاً بـ«الشروع الفوري في تنفيذ الأعمال وفق الجداول الزمنية المحددة، والالتزام بالمواصفات الفنية ومعايير الجودة المطلوبة».

وتضم منطقة وسط ليبيا مدناً عدة من بينها سرت - مسقط رأس الرئيس الراحل معمر القذافي - وهي نقطة تماس بين سلطات طرابلس وبنغازي، وهناك تعسكر قوات «الجيش الوطني» في محور «سرت - الجفرة» منذ تراجعها عن اقتحام طرابلس منتصف 2021.

وأمام تسارع وتيرة المشاريع التي يدشنها «صندوق إعادة الإعمار»، يرى فتحي الشبلي، رئيس حزب «صوت الشعب» الليبي، أنه «لا يمكن النظر إليها باعتبارها عملاً خدمياً فقط، أو دعاية انتخابية فقط».

إقناع الناس بـ«الحكم والإدارة»

وعدّ الشبلي في تصريح لـ«الشرق الأوسط» أن الإعمار «أداة لبناء الشرعية السياسية»، وقال: «في الدول التي تعاني الانقسام وضعف المؤسسات، يصبح الإنجاز الملموس على الأرض وسيلة لإقناع المواطنين بأن جهة معينة قادرة على الحكم والإدارة».

ولفت إلى أنه «عندما يرى المواطن طرقاً وجسوراً ومشاريع إسكان ومدناً جديدة، فإنه يربط ذلك تلقائياً بالجهة التي تشرف على تنفيذها، بغض النظر عن مصدر التمويل أو طبيعة الإدارة».

وتقوم على المشاريع التي ينفذها «صندوق إعادة الإعمار» شركات عربية ودولية عديدة، من بينها تركية ومصرية وتونسية وبريطانية وإيطالية وبولندية ويونانية.

بلقاسم حفتر يفتتح مرافق أكاديمية حديثة ضمن مشاريع تطوير «جامعة سرت» (صندوق الإعمار)

وكانت حكومة «الوحدة الوطنية» المؤقتة برئاسة عبد الحميد الدبيبة التي تقتصر مشاريعها على مناطق غرب البلاد، قررت في مايو (أيار) 2021 إنشاء صندوق لإعمار سرت بقيمة مليار دينار (الدولار يساوي 6.36 دينار في السوق الرسمية)، لكن المدينة بقيت على حالها منذ أن تركها تنظيم «داعش» في ديسمبر (كانون الأول) 2016.

وافتتح بلقاسم المرحلة الثانية من مشاريع تطوير «جامعة سرت» مساء السبت «ضمن جهود الصندوق لدعم البنية التحتية التعليمية».

ويرى محمد إمطيريد، الباحث الأكاديمي في الدراسات الاستراتيجية والسياسية، أن هذه المشاريع، خاصة خلال السنوات الثلاث الأخيرة، «تطوي صفحة من الإهمال الذي عانى منه الليبيون، لا سيما في منطقتَي الشرق والجنوب، وذلك من شأنه أن يبعث الطمأنينة لدى المواطنين، ويفند مزاعم المشككين الذين يسعون إلى التقليل من جودة هذه المشاريع وأهميتها».

وأضاف إمطيريد أن «كل ليبي يحلم بأن يرى بلاده دولةً حضاريةً ذات عمران حديث»، مؤكداً أن «هذه المشاريع الاستراتيجية تحمل رسائل متعددة في مواجهة محاولات جرّ الشعب الليبي إلى أتون الحروب بعيداً عن التنمية».

وأشار إلى أن «الإعمار أعاد الأمل إلى نفوس الليبيين، خاصة أنه أولى المدن المنسيّة، مثل سرت وسبها، اهتماماً كبيراً، وهو ما يؤكد أن جهود الإعمار لن تقتصر على مناطق الساحل، بل ستمتد إلى المناطق البعيدة عن مراكز صنع القرار».

«مطار سبها الدولي» بعد إعادة افتتاحه (صندوق الإعمار)

وفي مايو الماضي، شهدت مدينة سبها افتتاح «مطار سبها الدولي» بعد استكمال أعمال إنشائه وتجهيزه بإشراف «الجهاز الوطني للتنمية»، مع الذكرى الثانية عشرة لـ«عملية الكرامة»، التي سبق أن أعلنت عنها قيادته العامة.

وتحدث علي أميلميدي، الذي يعمل محامياً، ويقطن مدينة سبها (جنوب ليبيا)، عن اتساع رقعة المشاريع التي يديرها «صندوق الإعمار» و«الجهاز الوطني للتنمية»، وتنوعها ما بين إنشاءات بمطار سبها، ومسجد، وفندق، وملعب، بالإضافة إلى مشاريع زراعية.

وذهب أميلميدي، في حديث لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن «الجنوب يعاني من سنوات طويلة من الإهمال والتهميش بسبب فساد الحكومات والتلاعب بالمال العام».

أرض مشروع سيتضمن «مباني خدمية وعسكرية متكاملة» (القيادة العامة)

وسبق أن وضع صدام حفتر، نائب القائد العام لـ«الجيش الوطني»، حجر الأساس لمشروع يتضمن «مباني خدمية وعسكرية متكاملة» في مدينة سبها، نهاية أكتوبر (تشرين الأول) 2025.

ويعمل ائتلاف من شركات المقاولات المصرية في الإنشاءات التي تقام في عموم ليبيا. ويضم الائتلاف المنفذ لهذه المشاريع المتنوعة في البنية التحتية والطرق: «أوراسكوم للإنشاءات»، و«حسن علام للإنشاءات»، و«رواد الهندسة الحديثة»، و«نيوم».

وكان حفتر شدد على حتمية استتباب الأمن في أنحاء البلاد، والارتقاء بالمستوى المعيشي للمواطنين وتأمين رفاهيتهم، وذلك خلال حفل افتتاح مقر لجنة إعادة إعمار وسط البلاد ومنطقة الصابري في بنغازي. وقال: «يجب أن تتوفر لهم المعيشة الراقية».

ويعتقد الشبلي أن «الإعمار يمثل وسيلة استقطاب اجتماعي وسياسي. فالقوة لا تُبنى بالسلاح وحده، بل بخلق شبكة من المصالح الاقتصادية والاجتماعية».

وتطرق الشبلي إلى ما يُعرف بـ«صناعة الصورة السياسية». وقال إنه «منذ سنوات كان الخطاب المرتبط بالمشير حفتر يرتكز أساساً على الأمن ومحاربة الإرهاب. أما الإعمار فيضيف بعداً جديداً يتمثل في تقديم نفسه أو معسكره بوصفه قادراً على الإدارة والتنمية وليس فقط العمل العسكري. وهذه نقطة مهمة لأي مشروع سياسي مستقبلي».

وفي نهاية ديسمبر الماضي اعتمد مجلس النواب ميزانية «صندوق التنمية وإعادة إعمار ليبيا» المقدرة بـ69 مليار دينار، وذلك لسنوات 2025 و2026 و2027، على أن يتولى «مصرف ليبيا المركزي» إيداع المخصصات السنوية في حساب الصندوق، وأن تغطى من الإيرادات النفطية والسيادية.

ولفت الشبلي إلى أن «ما يجري ليس مجرد دعاية، أو خدمة عامة، بل هو استثمار سياسي طويل المدى يهدف إلى تعزيز الشرعية الشعبية، وتوسيع قاعدة التأييد، وتقديم نموذج حكم بديل مقارنة بالمناطق الأخرى».

وانتهى إلى أنه «إذا أُجريت انتخابات في المستقبل، فمن المرجح أن يُستخدم ملف الإعمار كإحدى أهم أوراق القوة السياسية في الخطاب الانتخابي».

وكان مجلس النواب أصدر قانوناً في 2024 يقضي بإنشاء «الصندوق» ككيان مستقل ذي شخصية اعتبارية، ومقره مدينة بنغازي، ما أثار عاصفة من الانتقادات حينها.


مقالات ذات صلة

بنغازي بعد 12 عاماً على مواجهة «داعش»... رحلة التعافي من الحرب

شمال افريقيا جانب من إعادة الإعمار الذي شهدته مدينة بنغازي بعد دحر الإرهاب (القيادة العامة للجيش الوطني)

بنغازي بعد 12 عاماً على مواجهة «داعش»... رحلة التعافي من الحرب

بعد 12 عاماً على اندلاع «معركة الكرامة»، تستعيد بنغازي ذكرى المواجهات مع التنظيمات الإرهابية، وما شهدته من دمار طال مناطق واسعة، قبل أن تنطلق في مسار الإعمار.

جمال جوهر
شمال افريقيا حفتر القائد العام لـ«الجيش الوطني» الليبي (القيادة العامة)

تأكيد ليبي على «التضامن» المطلق مع السعودية

استنكرت القيادة العامة لـ«الجيش الوطني» ومجلس النواب في ليبيا الاعتداء على مطار الرياض، واصفَيْن استهداف المنشآت المدنية بالانتهاك الصارخ للقوانين الدولية.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا الصالحين عبد النبي عضو مجلس النواب المنتخب رئيساً له (صفحة عبد الله بليحق المتحدث باسم المجلس)

«النواب» الليبي يطوي صفحة صالح وينتخب عبد النبي رئيساً

طوى مجلس النواب الليبي مرحلة المستشار عقيلة صالح برئاسته الممتدة منذ 2014، بانتخاب النائب الصالحين عبد النبي رئيساً جديداً للمجلس في جلسة عقدت ببنغازي.

جمال جوهر (القاهرة)
شمال افريقيا رئيس مجلس النواب الليبي عقيلة صالح (المركز الإعلامي لصالح)

خلافات «النواب» الليبي تضع رئاسة عقيلة صالح على المحك

تضع خلافات متصاعدة داخل مجلس النواب الليبي رئاسة عقيلة صالح على المحك، وسط تحركات لتعديل اللائحة الداخلية وإعادة انتخاب قيادة المجلس.

جاكلين زاهر (القاهرة)
شمال افريقيا المشير خليفة حفتر يلتقي بعدد من النواب بمقر القيادة العامة في بنغازي يوم الخميس (القيادة العامة)

حفتر ينأى بنفسه عن خلافات «النواب» الليبي

نأى المشير خليفة حفتر القائد العام لـ«الجيش الوطني» بنفسه عن الخلافات داخل مجلس النواب الليبي خلال اجتماع ضم نحو 65 نائباً من المؤيدين والمعارضين لصالح.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)

مصر تجدد رفضها مذكرة ترسيم الحدود البحرية مع ليبيا

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يتحدث خلال مؤتمر صحافي في نيقوسيا بقبرص يوم 5 سبتمبر 2025 (رويترز)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يتحدث خلال مؤتمر صحافي في نيقوسيا بقبرص يوم 5 سبتمبر 2025 (رويترز)
TT

مصر تجدد رفضها مذكرة ترسيم الحدود البحرية مع ليبيا

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يتحدث خلال مؤتمر صحافي في نيقوسيا بقبرص يوم 5 سبتمبر 2025 (رويترز)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يتحدث خلال مؤتمر صحافي في نيقوسيا بقبرص يوم 5 سبتمبر 2025 (رويترز)

جدّد وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي، اليوم الجمعة، رفض بلاده القاطع للتصديق على مذكرة التفاهم الموقعة عام 2019 بشأن ترسيم الحدود البحرية بين ليبيا وتركيا، وذلك خلال محادثات مع نظيره التركي هاكان فيدان في إسطنبول، وفق ما نقلته وكالة «رويترز» للأنباء.

ورفضت القاهرة يوم الأربعاء اتفاقية صدّق عليها مجلس النواب الليبي، ومقرّه شرق البلاد، لتعيين الحدود البحرية مع تركيا، وقالت إن المصادقة لن يكون لها «أي آثار قانونية بالنسبة لمصر».

وتشكّل الاتفاقية التي جرى إقرارها يوم الثلاثاء جزءاً من نزاع ممتد منذ سنوات بسبب مطالبات متعارضة بالسيادة على مناطق بحرية وحقوق الاستكشاف والتنقيب عن موارد الطاقة في شرق البحر المتوسط.

وقالت وزارة الخارجية المصرية، في بيان، اليوم الجمعة، إن عبد العاطي شدد على «أهمية احترام مبادئ القانون الدولي للبحار وأحكام اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار لعام 1982 فيما يتعلّق بتعيين المنطقة الاقتصادية الخالصة والجرف القاري، وفقاً لمبادئ العدل والإنصاف بين الدول».

وأضاف البيان أن الوزيرَيْن بحثا تطورات الأوضاع في ليبيا، وأكد عبد العاطي موقف مصر «الداعم لوحدة ليبيا وسيادتها وسلامة أراضيها واستقرارها ودعم مؤسسات الدولة الليبية».

وجاء اللقاء على هامش اجتماعات الآلية الرباعية التي تضم تركيا ومصر والسعودية وباكستان مع الدول الأوروبية الثلاث بريطانيا وفرنسا وألمانيا.

ووفقاً للبيان، أكد فيدان «تفهمه للشواغل المصرية إزاء تطورات الأوضاع في ليبيا، وأهمية مواصلة التشاور والتنسيق والعمل المشترك للتعامل مع هذه الشواغل ودعم جهود تحقيق الأمن والاستقرار في ليبيا».

توصلت الحكومة الليبية في طرابلس بغرب البلاد إلى الاتفاقية البحرية بين ليبيا وتركيا في الأصل في 2019، لكن الحكومة في الشرق بقيادة القائد العسكري خليفة حفتر امتنعت عن الموافقة عليها لسنوات.

وتعارض اليونان وقبرص كذلك منذ فترة طويلة اتفاقية تعيين الحدود البحرية المبرمة بين ليبيا وتركيا، وتعتبرانها تعدياً على مطالبات بالسيادة على مناطق بحرية.


اجتماع جنيف: لا حل عسكرياً في السودان

جانب من الاجتماع التشاوري بشأن تعزيز تنسيق مبادرات وجهود السلام في السودان يوم 21 أكتوبر 2026 (الخارجية السعودية)
جانب من الاجتماع التشاوري بشأن تعزيز تنسيق مبادرات وجهود السلام في السودان يوم 21 أكتوبر 2026 (الخارجية السعودية)
TT

اجتماع جنيف: لا حل عسكرياً في السودان

جانب من الاجتماع التشاوري بشأن تعزيز تنسيق مبادرات وجهود السلام في السودان يوم 21 أكتوبر 2026 (الخارجية السعودية)
جانب من الاجتماع التشاوري بشأن تعزيز تنسيق مبادرات وجهود السلام في السودان يوم 21 أكتوبر 2026 (الخارجية السعودية)

أكد اجتماع دولي في جنيف أنه لا يوجد «حل عسكري للأزمة السودانية»، داعياً الجيش و«قوات الدعم السريع» إلى هدنة إنسانية عاجلة تمهد لوقف دائم لإطلاق النار، والانخراط في مسار سياسي شامل ذي مصداقية، مع وقف التدخلات الخارجية التي تؤجج نيران الحرب.

وشدد المشاركون، ممثلو 22 دولة ومنظمات إقليمية ودولية، على حماية المدنيين والمنشآت الحيوية، ورفض إنشاء حكومات موازية، والحفاظ على وحدة السودان وسيادته ومؤسساته، محذرين من تفاقم الكارثة الإنسانية ومخاطر امتداد الصراع إلى دول الجوار.

وأكد نائب وزير الخارجية السعودي، وليد الخريجي، أن جهود المملكة لوقف الحرب وصون وحدة السودان تستند إلى «إعلان جدة» للالتزام بحماية المدنيين، الموقع في مايو (أيار) 2023، واتفاق وقف إطلاق النار قصير الأمد. وأكد أيضاً دعم الرياض المبادرات الإقليمية والدولية، بما فيها «المجموعة الخماسية»، للتوصل إلى حل سياسي يحفظ سيادة السودان ووحدة أراضيه، ويحقق السلام والاستقرار.


الحرب توسّع دائرة الفقر والتسوّل في السودان

جانب من «سوق الخضر» في مدينة أم درمان (الشرق الأوسط)
جانب من «سوق الخضر» في مدينة أم درمان (الشرق الأوسط)
TT

الحرب توسّع دائرة الفقر والتسوّل في السودان

جانب من «سوق الخضر» في مدينة أم درمان (الشرق الأوسط)
جانب من «سوق الخضر» في مدينة أم درمان (الشرق الأوسط)

تحت وطأة الحرب وتفاقم الأزمات المعيشية، لم يعد مد الأيدي طلباً للمساعدة في شوارع السودان وأسواقه ومساجده مشهداً عابراً، بل بات انعكاساً لوجع إنساني يتسع يوماً بعد آخر، في بلد تشير تقديرات رسمية إلى أن الفقر يطول نحو 73 في المائة من سكانه داخل البلاد وخارجها.

وخلف كل يد ممدودة حكاية فَقْد ونزوح وعجز عن توفير لقمة العيش؛ فعامل حرمته الإصابة من القدرة على العمل، وأب أثقل النزوح كاهله، وأم فقدت زوجها لتجد نفسها وحيدة في مواجهة أعباء إعالة أطفالها...ومع تآكل مصادر الدخل وارتفاع تكاليف الغذاء والعلاج والتعليم، يجد هؤلاء أنفسهم أمام خيار قاسٍ: طلب العون من الآخرين، أو ترك أسرهم تواجه الجوع والحرمان.

وهكذا، لم تعد الحرب تسرق البيوت ومصادر الرزق فحسب، بل تدفع مزيداً من السودانيين إلى حافة العوز، حيث تصبح الكرامة الإنسانية نفسها موضع اختبار يومي.تتسع رقعة الفقر في السودان على نحو غير مسبوق منذ اندلاع الحرب في أبريل (نيسان) 2023.

ففي يونيو (حزيران) الماضي، أعلن وزير الموارد البشرية، معتصم أحمد صالح، أن نسبة الفقر بلغت نحو 73 في المائة بين السودانيين داخل البلاد وخارجها، واصفاً النسبة بأنها «صادمة»، وتعكس حجم التدهور الذي خلّفه الصراع المستمر.

وفي السياق نفسه، حذر برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، في تقرير صدر في أبريل الماضي، من أن استمرار الصراع قد يرفع نسبة الفقر المدقع إلى 60 في المائة من السكان بحلول عام 2030، بما يعادل نحو 36 مليون شخص.

إصابة تسلب عاملاً مصدر رزقه

حركة المتسوقين تناقصت بشكل ملحوظ في الأسواق الشعبية (الشرق الأوسط)

يروي حسين عبد الله لـ«الشرق الأوسط» جانباً من المعاناة التي دفعته إلى التسول بعدما فقد مصدر رزقه بسبب الحرب؛ فقد أدت إصابته بشظايا إلى بتر إحدى يديه، ما حرمه من مواصلة العمل في البناء، الذي كان يوفر له دخلاً يومياً يعين به أسرته.

ومع تضاؤل خياراته وعجزه عن تلبية احتياجات عائلته، وجد نفسه مضطراً إلى مد يده للمارة في السوق، بعدما كان يتمتع بقدر أكبر من الاستقرار المعيشي قبل إصابته.

أما صلاح التيجاني، فقد قادته رحلات النزوح المتكررة بين الولايات والمدن التي هي أكثر أمناً إلى مواجهة أعباء معيشية تفوق قدرته على الاحتمال. ويقول لـ«الشرق الأوسط» إن تأمين الغذاء والسكن أصبح تحدياً يومياً لأسرته، في ظل غياب مورد مالي يكفي لتغطية احتياجاتها الأساسية.

ويضيف أن هذه الظروف اضطرته إلى التسول لتوفير الطعام وتكاليف العلاج والدراسة، في محاولة لتجنيب أفراد أسرته مزيداً من المعاناة.

أرامل في مواجهة العوز

القدرة الشرائية تراجعت بسرعة كبيرة في سنوات الحرب (الشرق الأوسط)

تواجه فاطمة عبد الكريم واقعاً أشد قسوة بعد أن فقدت زوجها خلال الحرب، لتجد نفسها وحيدة في تحمل مسؤولية إعالة أطفالها، من دون مصدر دخل ثابت يلبي احتياجاتهم الأساسية.

وتقول إنها اضطرت إلى التسول لتوفير متطلبات الحياة اليومية، رغم محاولاتها المتكررة الحصول على مساعدة من الجهات الحكومية والمنظمات الإنسانية، لكنها لم تجد ما يعينها على تجاوز محنتها.

وتضيف فاطمة لـ«الشرق الأوسط»، بصوت يمتزج فيه التعب بالأمل، أنها باتت تتجول في الأسواق بحثاً عما يسد رمق أطفالها ويوفر ثمن العلاج، مشيرة إلى أنها تعاني حالياً من الملاريا، ولا تملك سوى ما تجمعه من طلب المساعدة لتغطية تكاليف علاجها.

ولا تخفي فاطمة رغبتها في الخروج من دائرة التسول، التي تقول إنها تتعرض خلالها للمضايقات والاستغلال. وتحلم بالحصول على دعم يمكّنها من إقامة مشروع صغير يوفر لها دخلاً ثابتاً، ويساعدها على إعالة أطفالها بعيداً عن مشقة السؤال، بما يحفظ كرامتها ويمنح أسرتها فرصة لحياة أكثر أماناً واستقراراً.

ومن جهته، يقول عبد اللطيف الحسن، وهو من ذوي الإعاقة الحركية ويتنقل على كرسي متحرك، إن تداعيات الحرب والارتفاع الحاد في تكاليف المعيشة دفعاه إلى طلب المساعدة في الشوارع والمساجد لتأمين احتياجات أسرته اليومية، بما في ذلك متطلبات زوجته وأبنائه الذين يواصلون دراستهم.

ويؤكد أن الحرب فاقمت الضغوط المعيشية على الأسر السودانية، لا سيما الأشخاص ذوي الإعاقة، الذين يواجهون تحديات مضاعفة في ظل تراجع فرص العمل وارتفاع تكاليف الحياة، ما يجعل تأمين أبسط متطلبات المعيشة معركة يومية.

من التسول إلى بيع الشاي

وتروي فتحية عبد الله، وهي امرأة مطلقة، جانباً من معاناة النزوح والتشرد؛ إذ دفعتها قسوة الظروف إلى التجول في الشوارع ومد يدها للآخرين سعياً إلى توفير لقمة العيش لأطفالها.

لكن وطأة هذه المعاناة دفعتها إلى البحث عن بديل، فقررت العمل في بيع الشاي بإحدى أسواق أم درمان، أملاً في تأمين مصدر رزق يعينها على مواجهة أعباء الحياة.وتقول فتحية لـ«الشرق الأوسط»: «أحياناً لا أجد ثمن وجبة الفطور، فأكتفي بسندويتش طعمية أتناوله في الصباح، وأظل من دون طعام حتى أعود إلى منزلي مساءً».

وتكشف شهادتها جانباً من الضغوط اليومية التي تواجهها الأسر التي فقدت مصادر دخلها؛ إذ لا يقتصر العوز على العجز عن توفير الاحتياجات الأساسية، بل يمتد إلى تفاصيل الحياة اليومية، من وجبة الطعام إلى تكاليف التعليم والعلاج.

الظاهرة انعكاس للانهيار الاقتصادي

جزارة في سوق أم درمان بالعاصمة الخرطوم (الشرق الأوسط)

وشددت الباحثة الاجتماعية رندا حسين على ضرورة تعامل المجتمع مع ظاهرة التسول بقدر كبير من التعاطف والمسؤولية، بعيداً عن الإهانة أو التمييز أو افتراض أن جميع المتسولين ينتمون إلى الفئة نفسها.

وأوضحت لـ«الشرق الأوسط» أن بعض هؤلاء فقدوا أعمالهم ومنازلهم وشبكات الأمان الاجتماعي، وأصبحوا عاجزين عن توفير أبسط متطلبات الحياة.

وأضافت أن اتساع الظاهرة في زمن الحرب لا يمثل مجرد مشهد لأيدٍ ممدودة في الشوارع، بل يعكس واقع أسر فقدت مصادر رزقها، وأطفال باتوا مهددين بالحرمان من التعليم، وأشخاص دفعتهم الحاجة إلى التخلي عن استقلالهم المعيشي.

وتشير هذه المعطيات إلى أن التعامل مع الظاهرة لا ينبغي أن يقتصر على الحد من انتشارها في الشوارع، بل يتطلب أيضاً معالجة الظروف الاقتصادية والاجتماعية التي تدفع الناس إلى التسول، وتوفير بدائل تتيح لهم استعادة قدرتهم على كسب العيش.

تحركات حكومية لمواجهة الظاهرة

وفي ظل غياب إحصاءات رسمية دقيقة بشأن أعداد المتسولين والمشردين، وجّهت وزارة التنمية الاجتماعية بولاية الخرطوم بإجراء حصر شامل للمشردين، وتصنيفهم وتحديث بياناتهم، بالتوازي مع تشكيل لجان فنية مصغرة لوضع منهجية متكاملة لمكافحة ظاهرة التسول، وإعداد تصور عملي للتعامل معها ومعالجة أسبابها.

وشدد وزير التنمية الاجتماعية بولاية الخرطوم، صديق فريني، على ضرورة إطلاق حملات واسعة لمكافحة الظاهرة، قائلاً إنها «لم تعد مجرد تحدٍّ اجتماعي، بل أصبحت ملفاً أمنياً يهدد سلامة مواطني الولاية، ما يتطلب التعامل معها بحزم».

ويضع هذا التوجه السلطات أمام تحدي الموازنة بين تنظيم المجال العام والاستجابة للاحتياجات الإنسانية للفئات التي دفعتها الحرب إلى التسول، خصوصاً في ظل تراجع فرص العمل واتساع دائرة الفقر والنزوح.

الاعتماد على الذات

أصبح حديث الناس الدائم هو الغلاء وارتفاع الأسعار (الشرق الأوسط)

في نهاية المطاف، لا تقف مأساة هؤلاء عند الأيدي التي امتدت طلباً للمساعدة، بل تتجاوزها إلى الحياة التي كانوا يعيشونها قبل أن تنتزع الحرب منهم القدرة على الاعتماد على أنفسهم.

فخلف كل يد ممدودة أب يخشى العودة إلى أطفاله خالي الوفاض، وأم تحاول إخفاء عجزها عن توفير احتياجات صغارها، ورجل أثقلته الإصابة فلم يعد قادراً على ممارسة عمله، وآخرون دفعتهم قسوة النزوح وغلاء المعيشة إلى طرق أبواب لم يعتادوا الوقوف أمامها.

وفي بلد أنهكت الحرب اقتصاده ومجتمعه، لا تبدو هذه الحكايات مجرد حالات فردية من العوز، بل وجوهاً لأزمة إنسانية تتسع، وتضع آلاف الأسر أمام معركة يومية من أجل البقاء؛ إذ لم تعد لقمة العيش وحدها هي التحدي، بل الحفاظ على الكرامة والأمل في حياة أكثر أمناً واستقراراً.