واشنطن وطهران تتبادلان النار على تخوم «هرمز»

الجيش الأميركي عطّل ناقلة قرب جزيرة خرج... وعراقجي لوّح بالرد على أي «عمل عدائي»

بحار أميركي على متن المدمرة «يو إس إس رافائيل بيرالتا» يراقب سفينة تجارية في بحر العرب خلال تنفيذ الحصار الأميركي على إيران (سنتكوم)
بحار أميركي على متن المدمرة «يو إس إس رافائيل بيرالتا» يراقب سفينة تجارية في بحر العرب خلال تنفيذ الحصار الأميركي على إيران (سنتكوم)
TT

واشنطن وطهران تتبادلان النار على تخوم «هرمز»

بحار أميركي على متن المدمرة «يو إس إس رافائيل بيرالتا» يراقب سفينة تجارية في بحر العرب خلال تنفيذ الحصار الأميركي على إيران (سنتكوم)
بحار أميركي على متن المدمرة «يو إس إس رافائيل بيرالتا» يراقب سفينة تجارية في بحر العرب خلال تنفيذ الحصار الأميركي على إيران (سنتكوم)

حذّرت إيران الولايات المتحدة من أن أي «عمل عدائي» سيُقابل بردّ «فوري وحاسم»، بعد أحدث جولة من الضربات والاتهامات العسكرية في الخليج العربي، في اختبار جديد لوقف إطلاق النار الهشّ بين الجانبين، بينما تتواصل الخلافات بشأن تمديد الهدنة ومسار المفاوضات غير المباشرة بين واشنطن وطهران.

وقال وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، في منشور على منصة «إكس»، مساء الأربعاء، إن القوات المسلحة الإيرانية «تنفذ ضربات دفاعية على مواقع تسمح الولايات المتحدة باستخدامها لمهاجمة الملاحة المدنية وانتهاك وقف إطلاق النار».

وأضاف عراقجي أن «أي عمل عدائي سيواجه بردّ فوري وحاسم»، معتبراً أن «ما فشلت العقوبات والحرب في تحقيقه لن يتحقق عبر مزيد من الحرب».

ومن جهته، شدد رئيس البرلمان كبير المفاوضين الإيرانيين مع الولايات المتحدة، محمد باقر قاليباف على أن طهران سترد بقوة على أي هجوم تتعرض له، بحسب ما جاء في بيان بمناسبة ذكرى وفاة المرشد الأول.وقال قاليباف في بيان على موقعه الرسمي«الشعب الإيراني أظهر، في معركته مع أميركا والكيان الصهيوني، أن زمن توجيه تهديدات مجانية إلى إيران قد ولى، وأن أي عدوان سيُقابل برد حاسم ومتناسب».

وجاء تحذير قاليباف بعد ساعات من إعلان القيادة المركزية الأميركية «سنتكوم» اعتراض صواريخ وطائرات مسيرة إيرانية أطلقت على الكويت، والبحرين، وتنفيذ ضربات «دفاعية» على جزيرة قشم، في وقت ادّعى «الحرس الثوري» استهداف مواقع أميركية رداً على ما وصفه بـ«العدوان الأميركي» قرب مضيق هرمز.

وتضيف الضربات المتبادلة في الخليج، إلى جانب اتساع الحرب الإسرائيلية ضد «حزب الله» في لبنان، مزيداً من الضغط على المحادثات التي طال أمدها بين واشنطن وطهران.

ولا تزال إيران متمسكة بسياسة عرقلة الملاحة، ومحاولة فرض السيطرة على مضيق هرمز، بينما تواصل الولايات المتحدة حصار الموانئ الإيرانية، الأمر الذي أبقى أسعار الوقود العالمية مرتفعة، مع امتداد تداعيات النزاع إلى خارج المنطقة.

حاملة الطائرات الأميركية «يو إس إس أبراهام لينكولن» تعبر بحر العرب أثناء دعمها الحصار الأميركي المفروض على إيران (سنتكوم)

ومنذ اندلاع الصراع في 28 فبراير (شباط)، تتبادل إيران والولايات المتحدة الاتهامات بانتهاك وقف إطلاق النار، فيما تتصاعد الأعمال القتالية من حين إلى آخر رغم المساعي الدبلوماسية الجارية.

وشهدت الساعات الأولى من الأربعاء ما وصفته وسائل إعلام إيرانية بأنه أخطر موجة تصعيد منذ بدء وقف إطلاق النار بين إيران والولايات المتحدة وإسرائيل قبل نحو شهرين، مع انتقال المواجهة مجدداً إلى محيط مضيق هرمز والمياه الإقليمية في الخليج العربي.

وقالت «سنتكوم» إن القوات الأميركية ساعدت في اعتراض عدة صواريخ باليستية وطائرات مسيرة أطلقتها إيران، مؤكدة أن جميعها «فشل في إصابة أهدافه المحددة».

وأضافت «سنتكوم» أن قواتها أسقطت أيضاً 3 طائرات مسيرة هجومية «أحادية الاتجاه»، قالت إن إيران أطلقتها باتجاه بحارة مدنيين كانوا يعبرون المياه الإقليمية «بصورة مشروعة».

ضربات قشم

وأعلنت «سنتكوم» تنفيذ ضربات «دفاعية» على محطة تحكم أرضية عسكرية إيرانية في جزيرة قشم، مشيرة إلى أن الهجوم جاء رداً على «محاولات هجوم» إيرانية في المنطقة.

وأكّد الجيش الأميركي أن أياً من عناصره لم يصب بأذى، مضيفاً أن قواته «تبقى في حالة يقظة واستعداد للدفاع ضد أي عدوان إيراني غير مبرر» خلال وقف إطلاق النار الحالي.

وفي بيان منفصل، قالت «سنتكوم» إن القوات الأميركية عطّلت ناقلة نفط فارغة كانت تحاول الإبحار باتجاه ميناء إيراني في الخليج العربي، بعد اتهامها بعدم الامتثال لإجراءات الحصار البحري الأميركي.

وأضافت القيادة المركزية أنها فرضت إجراءات الحصار على الناقلة «إم - تي ليكسي» التي ترفع علم بوتسوانا أثناء عبورها المياه الدولية باتجاه جزيرة خرج الإيرانية.

وقالت إن طاقم السفينة تجاهل تحذيرات متكررة ولم يمتثل لتوجيهات القوات الأميركية عدة مرات خلال 24 ساعة، قبل أن تطلق طائرة أميركية صاروخ «هلفاير» على غرفة محركاتها، ما أدى إلى تعطيلها ومنعها من الوصول إلى إيران.

وبدأت «سنتكوم» منذ 13 أبريل (نيسان) تنفيذ حصار بحري على جميع حركة الملاحة من الموانئ الإيرانية وإليها. وقالت إنه حتى 3 يونيو (حزيران)، أعادت القوات الأميركية توجيه 125 سفينة تجارية، وعطّلت 6 سفن أخرى «لضمان الامتثال» للحصار.

كما نفت «سنتكوم» إعلان «الحرس الثوري» استهداف مقر الأسطول الأميركي الخامس وقاعدة جوية أميركية في المنطقة.

وقالت «سنتكوم»: «الادعاء: يزعم (الحرس الثوري) الإيراني أنه ضرب مقر الأسطول الخامس الأميركي في البحرين وقاعدة جوية أميركية في المنطقة بالصواريخ والطائرات المسيرة اليوم. غير صحيح».

وأضافت: «الحقيقة: فشلت جميع الهجمات الإيرانية على القوات الأميركية. وتبقى القوات الأميركية يقظة ومستعدة للدفاع ضد أي عدوان إيراني غير مبرر».

وفي منشور آخر، قالت «سنتكوم» إن موجة إضافية من الطائرات المسيرة الإيرانية التي حاولت مهاجمة القوات الأميركية «فشلت في إصابة أهدافها»، مضيفة أن الدفاعات الجوية الأميركية أسقطت عدة طائرات مسيرة، ولم يتعرض أي من الأفراد أو الأصول الأميركية لأذى.

رواية «الحرس الثوري»

في المقابل، أعلن «الحرس الثوري» الإيراني أن الولايات المتحدة استهدفت «برج اتصالات تابعاً لـ(الحرس الثوري) في جنوب جزيرة قشم»، مضيفاً أن «الوحدة الصاروخية في (الحرس الثوري)» ردّت باستهداف «قاعدة جوية ومروحيات متمركزة في إحدى دول المنطقة»، إضافة إلى «مقر الأسطول الأميركي الخامس».

وقال «الحرس الثوري»، في بيان، صدر فجر الأربعاء، إن «الجيش الأميركي المعتدي» استهدف أيضاً ناقلة نفط إيرانية قرب مضيق هرمز، ما أدى إلى تعرض غرفة محركاتها لأضرار.

وأضاف البيان: «رداً على هذا العدوان وانتهاك قواعد مضيق هرمز، استهدفت بحرية (الحرس الثوري) سفينة تابعة للعدو الأميركي الصهيوني تُدعى بانايا بصواريخ بحرية».

وتابع البيان أن القوات الأميركية استهدفت أيضاً برج اتصالات تابعاً لـ«الحرس الثوري» في جنوب جزيرة قشم، مضيفاً: «رداً على هذا العدوان، تعرضت قاعدة جوية ومروحيات متمركزة في إحدى دول المنطقة، إضافة إلى مقر الأسطول الخامس الأميركي، لهجوم صاروخي وبالطائرات المسيرة من الوحدة الصاروخية في (الحرس الثوري)».

وفي ختام بيانه، حذّر «الحرس الثوري» من أن «الإخلال بأمن مضيق هرمز ستكون له تكلفة باهظة على الجيش الأميركي المعتدي»، مضيفاً أن أي اعتداء جديد سيقابل «بردّ مختلف وأشد».

كما حذّرت بحرية «الحرس الثوري» السفن المارة في الخليج العربي، مؤكدة أن «المسار الذي تحدده إيران هو الطريق الوحيد للعبور الآمن»، وأن «السفن المخالفة ستتعرض للاستهداف».

وفي رسالة بمناسبة ذكرى وفاة المرشد الإيراني الأول (الخميني)، قال «الحرس الثوري» إن «العدو مضطر لقبول القواعد الجديدة التي فرضها الشعب الإيراني والقوات المسلحة، خصوصاً في مجال الإدارة والسيطرة الذكية على مضيق هرمز».

وأضاف البيان أن «المقاومة ستستمر حتى القضاء الكامل على المؤامرات الاستكبارية وإخراج الأجانب من غرب آسيا».

بدوره، قال الجيش الإيراني إن إيران «ستواصل الدفاع عن استقلالها وأمنها ووحدة أراضيها»، مؤكداً أنه «لن يتغافل ولو للحظة عن الدفاع عن أهداف الثورة».

سجال سياسي

سياسياً، هاجم المتحدث باسم الخارجية الإيرانية، إسماعيل بقائي، وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو بعد اتهامه طهران بالسعي لاغتيال مسؤولين أميركيين.

وكتب بقائي على منصة «إكس»: «كل إنسان يرى الآخرين بعين نفسه»، مضيفاً أن «ادعاء لعب دور الضحية لا يمكن أن يبيض جرائم الحرب الوحشية والإبادة الجماعية والجرائم ضد الإنسانية التي ارتكبتموها بحق الشعب الإيراني».

وكان روبيو قد قال خلال جلسة استماع في الكونغرس إن إيران تسعى إلى اغتيال مسؤولين أميركيين، ضمن سلسلة اتهامات وجّهها إلى طهران.

وفي موازاة التصعيد العسكري، بقيت المفاوضات غير المباشرة بين واشنطن وطهران تراوح مكانها وسط تضارب واضح بشأن استمرار الاتصالات.

وقالت وكالتا «فارس» و«تسنيم»، التابعتان لـ«الحرس الثوري»، إن المفاوضين الإيرانيين أوقفوا التواصل مع الوسطاء بشأن تمديد وقف إطلاق النار، على خلفية التصعيد الإسرائيلي في لبنان.

روبيو يقدم إفادة للجنة العلاقات الخارجية بمجلس الشيوخ الثلاثاء (رويترز)

ونقلت «تسنيم» عن مصادر مطلعة قولها إن إيران لم ترد خلال الأيام الماضية على النص المقترح للتفاهم مع الولايات المتحدة، وإن تبادل الرسائل عبر الوسطاء «معلق عملياً» حتى تلبية الشروط الإيرانية المتعلقة بلبنان.

في المقابل، نفى الرئيس الأميركي دونالد ترمب توقف المحادثات، مؤكداً أن الاتصالات مع إيران مستمرة «قبل 4 أيام، و3 أيام، ويومين، ويوم واحد، واليوم».

وقال ترمب، في مقابلة، بُثت الأربعاء، إن إيران وافقت على عدم امتلاك سلاح نووي، وإن المرشد الإيراني مجتبى خامنئي «يشارك» في المفاوضات الجارية.

وأضاف: «وافقوا بالفعل على عدم امتلاك سلاح نووي»، معتبراً أن الملف الإيراني «يتطور بسرعة».

ضغوط المفاوضات

وتضغط واشنطن لإعادة فتح مضيق هرمز، الذي كان يمر عبره نحو خُمس شحنات النفط والغاز الطبيعي المسال العالمية قبل الحرب، فيما تسعى طهران إلى رفع الحصار الأميركي عن موانئها والحصول على إعفاءات نفطية ومليارات الدولارات من العائدات المجمدة، إضافة إلى استمرار نفوذها في المضيق.

كما تصرّ إيران على أن يشمل أي اتفاق أوسع وقف القتال في لبنان، بينما تريد إسرائيل الفصل بين المسارين.

وأشارت تقارير أميركية وإيرانية إلى أن الجانبين أحرزا خلال الأسابيع الماضية تقدماً أولياً نحو اتفاق مرحلي يتضمن إعادة فتح المضيق ووقف الأعمال القتالية، لكن الخلافات لا تزال قائمة بشأن مستقبل البرنامج النووي الإيراني، ورفع الحصار البحري، والملفات الإقليمية المرتبطة بلبنان و«حزب الله».

وفي حين تقول واشنطن إن أولويتها منع إيران من امتلاك سلاح نووي وإعادة حرية الملاحة في الخليج العربي، تؤكد طهران أن برنامجها النووي «سلمي»، وأنها لن تقبل أي تفاهم لا يتضمن وقف الضغوط العسكرية والاقتصادية عليها، ورفع القيود المفروضة على صادراتها النفطية وحركة سفنها في مضيق هرمز.


مقالات ذات صلة

ترمب: نجري محادثات بنّاءة مع إيران ولن نهاجمها قبل الانتخابات

الولايات المتحدة​ الرئيس الأميركي دونالد ترمب يلوّح للصحافيين أثناء سيره في الحديقة الجنوبية عند وصوله إلى البيت الأبيض يوم 8 أكتوبر 2026 (أ.ب)

ترمب: نجري محادثات بنّاءة مع إيران ولن نهاجمها قبل الانتخابات

قال الرئيس الأميركي دونالد ترمب، الخميس، إن الولايات المتحدة تُجري محادثات مثمرة مع إيران ولن تشن هجوماً عليها قبل انتخابات التجديد النصفي للكونغرس الأميركي.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
المشرق العربي مشهد عام لسوق الشورجة في بغداد 7 أكتوبر 2026 (رويترز)

بغداد تتحرك لاحتواء «صدمة الدولار»... ودعوات للاحتجاج

حاولت الحكومة العراقية احتواء خفض قيمة الدينار، من خلال تأجيل استيفاء رسوم وضرائب على سلع أساسية، بينما تتواصل ردود الفعل السياسية الغاضبة من القرار.

حمزة مصطفى (بغداد)
الاقتصاد سفينة شحن راسية في ميناء الفجيرة (رويترز)

النفط يقفز 4 % إلى 104 دولارات مع تصاعد توترات الشرق الأوسط

قفزت أسعار النفط الخميس مع تصاعد التوترات في الشرق الأوسط، ما جدد المخاوف بشأن إمدادات الخام العالمية.

«الشرق الأوسط» (هونغ كونغ)
الاقتصاد ناقلة نفط تبحر عبر مضيق البوسفور من البحر الأسود باتجاه بحر مرمرة في إسطنبول (أ.ب)

النفط يرتفع مع تصاعد مخاطر الإمدادات وهجمات الشحن في الخليج

ارتفعت أسعار النفط في التعاملات المبكرة الخميس، مع استمرار المخاوف بشأن إمدادات الخام من منطقة الشرق الأوسط.

«الشرق الأوسط» (سنغافورة)
الاقتصاد خزانات التخزين في مصفاة لافيرا النفطية بمارتيغ - جنوب فرنسا (أ.ف.ب)

«الطاقة الدولية» تدفع لتسريع الإفراج عن 100 مليون برميل نفط وسط أزمة الوقود

اتفقت وكالة الطاقة الدولية، الأربعاء، على تسريع الإفراج عن مخزونات النفط المعلنة في مارس (آذار)، مع إعطاء الأولوية لمخزونات الديزل.

«الشرق الأوسط» (باريس)

اتهامات لنتنياهو بتزييف وثائق رسمية حول «7 أكتوبر»

متظاهر يضع قناعاً يمثل نتنياهو خلال تجمع بمناسبة مرور ألف يوم على هجوم 7 أكتوبر 2023 في تل أبيب يوليو 2026 (أ.ب)
متظاهر يضع قناعاً يمثل نتنياهو خلال تجمع بمناسبة مرور ألف يوم على هجوم 7 أكتوبر 2023 في تل أبيب يوليو 2026 (أ.ب)
TT

اتهامات لنتنياهو بتزييف وثائق رسمية حول «7 أكتوبر»

متظاهر يضع قناعاً يمثل نتنياهو خلال تجمع بمناسبة مرور ألف يوم على هجوم 7 أكتوبر 2023 في تل أبيب يوليو 2026 (أ.ب)
متظاهر يضع قناعاً يمثل نتنياهو خلال تجمع بمناسبة مرور ألف يوم على هجوم 7 أكتوبر 2023 في تل أبيب يوليو 2026 (أ.ب)

بعد اتهام السكرتير العسكري السابق لرئيس الوزراء الإسرائيلي، اللواء آفي غيل، الذي كان في منصبه صباح 7 أكتوبر (تشرين الأول) 2023 لدى مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بتزييف بروتوكولات ووثائق تتعلق بالحرب وغيرها، توجه رئيس حزب «يشار»، رئيس الأركان الأسبق للجيش، غادي آيزنكوت، إلى المستشارة القانونية للحكومة مطالباً بفتح تحقيق جنائي ضد نتنياهو ومساعديه.

وقال آيزنكوت، الذي ينافس نتنياهو على رئاسة الحكومة في الانتخابات القريبة المقبلة، إنه بغض النظر عن الانتخابات ومن دون أي علاقة بها، فإن أموراً خطيرة جرت وتجري تهدد أسس منظومة الحكم وأركان الدولة إذا لم تعالج مثل هذه التجاوزات الخطيرة بالشكل المناسب؛ فالحديث يجري عن «تحريف وثائق أو شهادات وتزوير الحقيقة وإعادة كتابة تاريخ أحداث ما قبل هجوم 7 أكتوبر».

وأضاف: «تشكيل لجنة تحقيق رسمية سيكون أول قرار للحكومة التي سنقيمها بعد الانتخابات، لأن كشف الحقائق ومحاسبة المسؤولين عن الإخفاقات هو ضرورة حيوية لاستعادة ثقة الجمهور بالقيادة التي سبقت 7 أكتوبر. ولكن في قضايا التزوير يجب محاسبة الجناة قضائياً».

وقد انضم إلى هذا الطلب أيضاً «مجلس أكتوبر»، الذي يضم غالبية العائلات التي ثكلت أبناءها وبناتها في 7 أكتوبر وخلال الحرب. وكشف هذا المجلس عن أن كبار المسؤولين في مكتب نتنياهو لم يكتفوا بالتزوير بل هددوا السكرتيرات، اللواتي يعملن في كتابة البروتوكولات واختزالها، واعترضن على بعض عمليات التزوير. وأكد أن هذه التصرفات جنائية ويجب التحقيق فيها في النيابة ومحاكمة جميع المسؤولين عنها.

نتنياهو يدلي بصوته داخل مركز الاقتراع الرئيسي لحزب «الليكود» بالقدس خلال الانتخابات التمهيدية قبل الانتخابات العامة الإسرائيلية... يوم 17 أغسطس 2026 (أ.ف.ب)

وكانت تقارير عديدة نشرها الإعلام العبري في اليومين الماضيين، تكشف عن الأساليب التي اتبعها نتنياهو وفريقه لكي تبعد عنه تهمة الاستخفاف بالتحذيرات التي تلقاها عن قرب هجوم من «حماس» على إسرائيل.

وأكدت أن عمليات التزوير كانت منظمة ومنهجية. وشملت البروتوكولات السرية التي توثق اجتماعات الكابنيت (المجلس الوزاري المصغر للشؤون السياسية والأمنية في الحكومة).

نتنياهو استخف بتحذيرات أمنية

ومن أبرز التقارير ما سينشر في ملحق السبت لصحيفة «يديعوت أحرونوت»، وتم نشر ملخص عنه الأربعاء، وما نشر في صحيفة «يسرائيل هيوم»، الخميس، ويتحدث كلاهما عن «قلق شديد في قيادة الجيش والمخابرات من عمليات تشويه الحقائق». ويستند التقريران إلى شهادة السكرتير العسكري، آفي غيل، وفيها يكشف عن «تحذيرات من أجهزة الأمن عن الوضع في قطاع غزة، التي تستوجب اتخاذ خطوات ضد قيادة (حماس)، واستخف بها نتنياهو ورفض المصادقة على اغتيالات لقادتها». وقد تبين أن البروتوكولات التي تتعلق بهذه التوصيات زُيفت، بينما تعرضت النسخة التي قدمها نتنياهو إلى المؤسسات الرسمية لعمليات «شطب وتحرير وتغيير»؛ فاختفت منها التحذيرات لغرض «تبرئة نتنياهو» من تهمة تقوية «حماس».

رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو يحمل إكليل ورد في احتفال لاستذكار ضحايا هجوم 7 أكتوبر في مقبرة بالقدس يوم 5 أكتوبر 2026 (أ.ف.ب)

وتشير الوثائق، حسبما جاء في تقرير «يديعوت أحرونوت» إلى أن مسؤولين أمنيين حذروا خلال أشهر الصيف والخريف، قبيل أكتوبر 2023، من اتساع التهديد واحتمال تداخل عدة جبهات، بينما ركز نتنياهو في توجيهاته على الحفاظ على الهدوء والاستقرار. وتقول الصحيفة: «هذه التحذيرات لا تعني أن أجهزة الأمن توقعت هجوم 7 أكتوبر تحديداً، ولا تعفيها من مسؤولية الإخفاق. لكنها تفضح حقيقة موقف نتنياهو».

أكاذيب كثيرة في الأجواء

وقال غيل، في مقابلة مع «يسرائيل هيوم»، نُشرت مقتطفات منها الخميس، على أن تُنشر كاملة يوم الجمعة، وفي مقابلة أخرى تنشر الليلة مع «القناة 12» للتلفزيون الإسرائيلي، وصحيفة «يديعوت أحرونوت»، إن هناك وثيقة قدمها نتنياهو إلى مراقب الدولة «هي جزء من الحقيقة، لكنها ليست الحقيقة كاملة»، مضيفاً: «هناك أكاذيب كثيرة جداً في الأجواء. كنت آمل أن تُقام لجنة تحقيق رسمية تحقق في كل شيء، وللأسف هذا لا يحدث، وأشك في أنه سيحدث».

وأوضح غيل أن غياب لجنة تحقيق رسمية مستقلة هو أحد الأسباب التي دفعته إلى الحديث علناً في هذه المرحلة.

وكشف غيل للمرة الأولى عن تفاصيل تتعلق بقضية الاشتباه بتغيير وتعديل بروتوكولات في مكتب رئيس الحكومة، وقال إنه لاحظ، بعد نحو أسبوعين من اندلاع الحرب، أن مقربين من نتنياهو يقومون بـ«جمع مواد بصورة غير متناسبة».

وأضاف: «قررت التوجه إلى المستشارة القضائية للحكومة. قلت لها إننا في حرب، وإنني لا أبحث عن مذنبين ولا أريد أن يتحول الأمر إلى مسألة شخصية. طلبت منها أن توضّح التعليمات بشأن ما يجوز وما لا يجوز فعله بالنصوص المفرغة والبروتوكولات، وهذا ما حدث».

فلسطينيون يحتفلون فوق دبابة إسرائيلية على الجدار العازل قرب خان يونس جنوب قطاع غزة يوم 7 أكتوبر 2023 (أ.ب)

وبعد توجه غيل إلى المستشارة القضائية للحكومة، شرعت الشرطة في التحقيق بشبهة محاولة مسؤولين كبار في مكتب نتنياهو تغيير بروتوكولات لاجتماعات المجلس الوزاري المصغر التي عقدت خلال الحرب، إلى جانب عمليات تفريغ لمكالمات هاتفية أجراها صناع القرار، بينهم نتنياهو، خلال الأيام الأولى للحرب.

ومن بين المشتبه بهم في القضية رئيس طاقم مكتب نتنياهو، تساحي برافرمان، وهو أكبر المقربين من نتنياهو. وقد اضطر إلى ترك منصبه، بعد فتح ملف تحقيق ضده، فقرر نتنياهو ترقيته بتعيينه سفيراً في لندن، لكن هذا التعيين يواجه عراقيل دبلوماسية من طرف بريطانيا.

وقال غيل بشأن ما جرى: «نتحدث عن نمط عمل إجرامي لأشخاص يعتقدون أن كل شيء مسموح لهم، ورئيس الطاقم تصرف كمن يعتقد أن كل شيء مباح له». وأضاف: «قد يكونون عملوا منذ ذلك الوقت على الرواية التي نراها اليوم، ومفادها أن رئيس الحكومة كان الوحيد الذي عمل عندما بدأت الفوضى، والدليل أنه أعطى منذ اللحظة الأولى جميع التعليمات. هذا سيناريو خطير، لكنه معقول. وهناك سيناريو آخر شديد الخطورة».

وتطرق غيل كذلك إلى التحذيرات التي سبقت 7 أكتوبر، لكنه لم يؤكد وجود تحذير مصري محدد بشأن تدهور الأوضاع الأمنية في المنطقة، تبدأ بهجوم ما لـ«حماس»، وتؤدي إلى حرب مدمرة.

وقال: «طائرة تابعة للاستخبارات المصرية هبطت في إسرائيل، وبقيت هنا أكثر بقليل من 60 دقيقة. هذه حقيقة. طائرة كهذه لا تأتي من دون سبب». وأضاف: «إما أن شخصاً وصل على متنها للقاء شخص ما، وإما أن شخصاً جاء بها لتسليم شيء؛ رسالة أو مغلف». وتابع: «شخص ما التقى بشخص ما، أو تلقى شيئاً، ولم يبلغ عن ذلك. وإذا حدث ذلك، ويبدو أنه حدث، فكان يجب الإبلاغ عنه. ومن التقى أو تلقى شيئاً يخفي ذلك حتى اليوم».

«ثقافة الكذب تتفكك»

وفي تعقيبه على تصريحات غيل، قال رئيس حزب «يَشار»، غادي آيزنكوت، إن «ثقافة الكذب لدى نتنياهو تفكك إسرائيل وتعرضها للخطر». وأضاف أن نتنياهو وصل إلى صباح 7 أكتوبر «وهو متعال أمام التحذيرات المتكررة التي تلقاها من الداخل والخارج، ويستخف بالتنبيهات وخطط الأجهزة الأمنية». وتابع: «خلال ذلك الصباح، وبينما كان سكان البلدات المحاذية لغزة يقاتلون على حياتهم، انشغل نتنياهو ومحيطه بصياغة واقع بديل ينظفه من المسؤولية عن أكبر إخفاق في تاريخ إسرائيل».

من جانبه، هاجم الليكود مقابلة غيل، واعتبرها «جزءاً من حملة دعائية كاذبة وسياسية ضد رئيس الحكومة نتنياهو والليكود، هدفها إسقاط حكم اليمين وقيادة حكومة يسارية تقيم دولة فلسطينية». وعاد الحزب إلى تكرار روايته بأن «رئيس الحكومة نتنياهو لم يتلقَ أي تحذير مسبق قبل 7 أكتوبر بشأن هجوم لـ(حماس) من قطاع غزة». وختم الليكود بالقول إنه «لو تم إبلاغ رئيس الحكومة نتنياهو في الوقت الحقيقي، لكان كل شيء قد بدا مختلفاً».


«الكردستاني» يسحب جميع مسلحيه من تركيا لتحفيز خطوات «السلام»

أعلن «حزب العمال الكردستاني» يوم 26 أكتوبر 2025 سحب 25 مسلحاً من تركيا في خطوة لتأكيد إنهاء النزاع المسلح (رويترز)
أعلن «حزب العمال الكردستاني» يوم 26 أكتوبر 2025 سحب 25 مسلحاً من تركيا في خطوة لتأكيد إنهاء النزاع المسلح (رويترز)
TT

«الكردستاني» يسحب جميع مسلحيه من تركيا لتحفيز خطوات «السلام»

أعلن «حزب العمال الكردستاني» يوم 26 أكتوبر 2025 سحب 25 مسلحاً من تركيا في خطوة لتأكيد إنهاء النزاع المسلح (رويترز)
أعلن «حزب العمال الكردستاني» يوم 26 أكتوبر 2025 سحب 25 مسلحاً من تركيا في خطوة لتأكيد إنهاء النزاع المسلح (رويترز)

أعلن «حزب العمال الكردستاني» سحب جميع مسلحيه من تركيا ومناطق قريبة منها؛ «للقضاء على أي ذريعة» لحكومتها لاستمرار التباطؤ في تنفيذ «القانون الإطاري» الذي يسمح بعودة أعضاء «الحزب» واندماجهم في المجتمع.

وقال «الحزب» إنه سحب، قبل أيام قليلة، جميع مسلحيه «الموجودين داخل الأراضي التركية والمناطق القريبة من الحدود، التي لم تكن تشكّل أي خطر لاندلاع نزاع»، عادّاً أنه يكون «بذلك قد نفذ جميع الخطوات المتعلقة بإنهاء الكفاح المسلح، والانتقال إلى العمل السياسي الديمقراطي» في إطار «عملية السلام» المعروفة بـ«عملية تركيا خالية من الإرهاب»؛ تنفيذاً لنداء زعيم الحزب السجين عبد الله أوجلان، الذي أطلقه في 27 فبراير (شباط) 2025 ودعا فيه إلى حل «الحزب» والتوجه إلى العمل السياسي في إطاري قانوني ديمقراطي.

وذكر «العمال الكردستاني»، في بيان الخميس نقلته وكالة «فرات» للأنباء القريبة منه، أنه أخلى أيضاً 4 أنفاق ومواقع عسكرية في متينا غرب زاب (شمال العراق) في الفترة ذاتها، على الرغم من بُعدها عن الحدود، حتى لا تعدّها الدولة التركية تهديداً، مضيفاً: «وبذلك تحققت متطلبات استراتيجيتنا لإنهاء الكفاح المسلح ضد تركيا وخوض نضال سياسي ديمقراطي بالكامل».

انتقادات لتركيا

وأشار إلى أن الحكومة التركية لم تتخذ، بعد إقرار «القانون الإطاري» - وهو «قانون تعزيز التضامن الوطني والاندماج الاجتماعي» الذي أقره البرلمان التركي في 10 أغسطس (آب) الماضي - الخطوات الضرورية لدفع العملية إلى الأمام، أو ضمان حرية أوجلان في العمل ولقاء الصحافيين ومختلف الفئات، رغم الخطوات التي اتخذها «الحزب» وأوجلان خلال المرحلة الماضية التي استمرت نحو عامين.

الرئيسة المشاركة لـ«اتحاد مجتمعات كردستان» ويسي هوزات تقدمت 30 مسلحاً من «العمال الكردستاني» في مراسم رمزية لإحراق الأسلحة شمال العراق يوم 11 يوليو 2025 (رويترز)

ولفت إلى أن مجموعة تضم الرئيسة المشاركة للمجلس التنفيذي لـ«اتحاد المجتمعات الكردستانية»، بيسي هوزات، و30 شخصاً آخرين، أحرقوا أسلحتهم في مراسم رمزية عند سفح جبل قنديل بالسليمانية يوم 11 يوليو (تموز) 2025، في خطوة مثّلت إرادة إنهاء الكفاح المسلح ضد تركيا، كما سُحبت يوم 26 أكتوبر (تشرين الأول) 2025 مجموعة قوامها 25 مسلحاً من الأراضي التركية إلى «مناطق الدفاع الإعلامي» في شمال العراق، بوصف ذلك إعلاناً «لإنهاء الكفاح المسلح والتوجه إلى النضال السياسي الديمقراطي».

وأكد البيان أن عدم تنفيذ «القانون الإطاري»، رغم التنازلات التي قدمها «الحزب»، سيعني استمرار سياسات الإنكار والإقصاء، وأن إطالة أمد العملية بهدف إضعاف «حزب العمال الكردستاني» ستكون «أكبر خطأ في تاريخ تركيا».

وترهن الحكومة التركية تنفيذ «القانون الإطاري» بالتأكد من نزع أسلحة «حزب العمال الكردستاني» وحله بشكل تام.

نزع أسلحة «الكردستاني»

وتوقع الرئيس المشارك لحزب «الديمقراطية والمساواة للشعوب» التركي المؤيد للأكراد، تونجر باكيرهان، أن يعلَن عن انتهاء نزع الأسلحة تماماً في 27 نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل، استناداً إلى القراءات الميدانية والمعلومات التي تلقاها حزبه من شمال العراق.

الرئيس المشارك لحزب «الديمقراطية والمساواة للشعوب» المؤيد للأكراد تونجر باكيرهان (حساب الحزب على إكس)

وقال باكيرهان، في مقابلة تلفزيونية، إن «عملية السلام» تقترب تدريجاً من نهايتها، مؤكداً أن هناك ثقة حقيقية بها مقارنة بالعملية التي أُجريت بين عامي 2013 و2015.

في السياق ذاته، أكد نائب رئيس حزب «العدالة والتنمية» المتحدث باسمه، عمر تشيليك، أنه يجري العمل بأقصى طاقة من أجل اتمام الخطوات القانونية اللازمة في إطار «عملية تركيا خالية من الإرهاب» (عملية السلام)، نافياً مزاعم بعض قيادات «العمال الكردستاني» بأن «القانون الإطاري» دخل حيز التنفيذ لكنه لا يُطبّق.

المتحدث باسم حزب «العدالة والتنمية» الحاكم في تركيا عمر تشيليك (حسابه على إكس)

وقال تشيليك، في مؤتمر صحافي عقب اجتماع «لجنة القرار المركزي» في الحزب برئاسة الرئيس رجب طيب إردوغان، ليل الأربعاء - الخميس، إن تسليم الأسلحة بالكامل، ووقف جميع أنشطة «المنظمة الإرهابية» (العمال الكردستاني)، وتجمع أعضائها في مواقع تحددها آلية مشتركة، هي شروط ضرورية لتنفيذ «القانون الإطاري».

فضيحة «صناديق الاستثمار»

من ناحية أخرى، أعلن السكرتير العام لحزب «العدالة والتنمية»، أيوب قادر إينان، فصل نائبة رئيس الحزب المستقيلة، فاطمة بتول صايان كايا، من الحزب، بعد استقالتها من جميع مناصبها فيه، على خلفية تورطها وزوجها، إلياس كايا، في الحصول على مبالغ ضخمة من أموال صناديق استثمار تكشفت فضيحة التلاعب بها في سبتمبر (أيلول) الماضي.

وقال إينان إنه «تماشياً مع توجيهات رئيسنا (إردوغان) ونتائج تحقيقات الجهات المختصة، اتخذنا الإجراءات اللازمة، ولم تعد السيدة فاطمة بتول عضواً في حزبنا، ولا تربطها به أي صلة».

فاطمة بتول صايان كايا وزوجها إلياس كايا (إعلام تركي)

وأدلت صايان كايا وزوجها بإفادتيهما مساء الأربعاء، في إطار التحقيق الذي يجريه «مكتب مكافحة جرائم الإرهاب وغسل الأموال» بالنيابة العامة في إسطنبول، حيث أجابا، كلٌ على حدة، عن أسئلة تتعلق بمعاملاتهما في أسهم شركة «أوزاتا دينيزجيليك» لبناء السفن التي اشترياها في 25 أبريل (نيسان) الماضي بمبلغ 163 مليون ليرة تركيا، وباعاها خلال أغسطس وسبتمبر الماضيين بمبلغ 2.2 مليار ليرة، وما إذا كان البيع جرى بإيعاز من أحد، حيث أنكرا أن يكون بيع الأسهم وسحب أموالهما جرى بتوجيه من أي أحد.

ويُتوقع أن ترفع «هيئة أسواق المال» التركية دعوى جنائية ضد الزوجين كايا في إطار التحقيق الجاري.


واشنطن تستعد لاستئناف قتال واسع ضد إيران

سفينة تقل عناصر من مشاة البحرية الأميركية من حاملة الطائرات «يو إس إس جورج إتش دبليو بوش» إلى رصيف قرب ميناء فوكيت البحري خلال استراحة بعد انتشار طويل في الشرق الأوسط (رويترز)
سفينة تقل عناصر من مشاة البحرية الأميركية من حاملة الطائرات «يو إس إس جورج إتش دبليو بوش» إلى رصيف قرب ميناء فوكيت البحري خلال استراحة بعد انتشار طويل في الشرق الأوسط (رويترز)
TT

واشنطن تستعد لاستئناف قتال واسع ضد إيران

سفينة تقل عناصر من مشاة البحرية الأميركية من حاملة الطائرات «يو إس إس جورج إتش دبليو بوش» إلى رصيف قرب ميناء فوكيت البحري خلال استراحة بعد انتشار طويل في الشرق الأوسط (رويترز)
سفينة تقل عناصر من مشاة البحرية الأميركية من حاملة الطائرات «يو إس إس جورج إتش دبليو بوش» إلى رصيف قرب ميناء فوكيت البحري خلال استراحة بعد انتشار طويل في الشرق الأوسط (رويترز)

بين استعداد البنتاغون لاستئناف عمليات قتالية واسعة ضد إيران، وقدرة طهران على تهديد القواعد والسفن بأسلحة منخفضة التكلفة، خصوصاً المسيّرات، يواجه الرئيس الأميركي دونالد ترمب معضلة تتجاوز موعد الضربة.

فالولايات المتحدة تحتفظ بتفوقها الهجومي، لكن حماية انتشارها العسكري وضمان ترجمة القصف إلى مكاسب سياسية يبدوان أكثر تعقيداً. ومع اقتراب انتخابات التجديد النصفي، يتداخل حساب الردع مع أسعار الطاقة وسلامة القوات، فيما تكشف تقارير جديدة الفجوة بين خطاب الإدارة بشأن إضعاف إيران واستمرار قدرتها على فرض تكلفة عسكرية واقتصادية.

استعداد ينتظر القرار

وكشف موقع «أكسيوس»، نقلاً عن مسؤولين أميركيين، أن البنتاغون طلب من القيادة المركزية (سنتكوم) قبل أيام، استكمال الاستعدادات لاستئناف عمليات قتالية كبرى ضد إيران. لكن التوجيه لم يُحدد موعداً، ولم يتخذ ترمب قراراً نهائياً بتنفيذ الهجوم، غير أن تجهيز الخيارات العسكرية لا يعني صدور أمر باستخدامها، لكنه يمنح الرئيس قدرة أسرع على التحرك.

وحسب المصادر، قد تشمل العمليات قصفاً واسعاً لمنشآت الطاقة والبنية التحتية والأهداف النووية، بمشاركة إسرائيلية مرجحة. ويأتي ذلك بعد اجتماع لفريق الأمن القومي في كامب ديفيد، واتصال بين ترمب وبنيامين نتنياهو، الأربعاء، هو الثاني خلال أيام. غير أن الرواية الأميركية المعلنة للاتصال ركّزت على إحياء ذكرى ضحايا هجوم السابع من أكتوبر (تشرين الأول)، من دون إعلان اتفاق على عملية مشتركة.

احتمالات مفتوحة

ويعكس الخطاب الرسمي إبقاء الاحتمالات مفتوحة، فمسؤول في البنتاغون قال إن مهمة الوزارة إعداد الخيارات العسكرية وعرضها على الرئيس، فيما أكد مسؤول بالبيت الأبيض أن جميع الخيارات متاحة، وأن ترمب «يمسك بكل الأوراق». ووصف وزير الخارجية ماركو روبيو اجتماع كامب ديفيد بأنه مخصص للتخطيط الخارجي طويل الأمد.

حتى الآن لا يُقدم المسار الدبلوماسي مخرجاً واضحاً، فالوسطاء القطريون، وفق «أكسيوس»، ينتظرون ردّاً إيرانياً على مقترح أميركي يتضمن تنازلات نووية. وطالب نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس بخفض ملموس لقدرة إيران على التخصيب يتجاوز التعهدات المستقبلية. وردّ مسؤول إيراني بأن المطالب الأميركية تتعارض مع مطالب طهران، ما يوضح استمرار الفجوة حول شروط إنهاء الحرب.

تفوق تحت الضغط

في هذا الوقت، رسم تقرير في «بوليتيكو» صورة مختلفة عن تكلفة المواجهة، فالمسيّرات الإيرانية الرخيصة، إلى جانب الصواريخ البالستية، تفرض تحديات على منظومة عسكرية صممت لإسقاط أهداف الخصم، لكنها تحتاج أيضاً إلى حماية قواعدها ومخازنها ومراكز قيادتها على امتداد مساحات واسعة.

ويبرز نقل القاذفات الأميركية من قاعدة «فيرفورد» البريطانية مثالاً على اتساع التهديد. وبرر ترمب الخطوة بوجود تهديدات، وبالحاجة إلى تغيير مواقع الطائرات. ولا يثبت الإخلاء وحده عجز الدفاعات، لكنه يكشف أن حماية الأصول مرتفعة القيمة تستدعي تعديل الانتشار حتى بعيداً عن مسرح القتال المباشر.

A photo published yesterday by CENTCOM of an F-35 fighter jet launching from the USS Boxer aircraft carrier in the region (CENTCOM)

وحسب «بوليتيكو»، ألحقت هجمات صاروخية وبالمسيّرات أضراراً بمرافق القيادة والاتصالات والإمداد في البحرين، واضطرت عناصر أميركية للعمل من الولايات المتحدة. كما انتقل عسكريون من قاعدة في قطر إلى كارولاينا الجنوبية. وينقل التقرير أن التهديدات تعقّد استخدام الموانئ الصديقة، وتزيد الاعتماد على خطوط إمداد بعيدة، بينها قاعدة «دييغو غارسيا».

ضغط غير متكافئ

وتظهر هذه المفارقة طبيعة الضغط غير المتكافئ، فإيران لا تحتاج إلى مضاهاة حاملات الطائرات أو القاذفات، بل إلى إبقاء منشآت الدعم مهددة، بما يرفع تكلفة التشغيل والحماية، ويستهلك مخزونات الدفاع الجوي. فاستمرار القدرة الأميركية على القصف لا يضمن بقاء شبكة الإسناد بمنأى عن الاستنزاف.

وتطرح الباحثة ستايسي بيتيجون في مركز الأمن الأميركي الجديد أسئلة عن تحصين القواعد، وتقليل القوات المنتشرة فيها، وتحديد المواقع الضرورية. أما إنشاء قيادة متخصصة بحرب المسيّرات، فلا يُقدم حلاً فورياً، إذ يبقى تطوير الوسائل المضادة وإنتاجها بأعداد كافية تحدياً مستقلاً.

تكلفة التوقيت

هذه الثغرات تجعل توقيت التصعيد قراراً سياسياً واقتصادياً أيضاً، فاستهداف منشآت الطاقة الإيرانية قد يزيد الضغط على طهران، لكنه قد يدفعها إلى توسيع الرد على الملاحة والقواعد وإسرائيل، بما يعقد احتواء الحرب قبل الانتخابات الأميركية.

حاملة الطائرات الأميركية «يو إس إس جورج واشنطن» تعبر مضيق ملقة يوم 13 أغسطس 2026 (رويترز)

وظهرت حساسية الأسواق، الخميس؛ حيث أفادت «رويترز» بارتفاع خام برنت نحو 5 في المائة إلى قرابة 105 دولارات للبرميل، وسط مخاوف الإمدادات وهجمات الشحن وتهديد إعصار للإنتاج الأميركي. وأشارت إلى أن تقارير الاستعداد لضرب إيران أسهمت في القلق، رغم عدم تأكّدها من صحة تقرير «أكسيوس» من مصادر مستقلة.

ولا يبدو التقدير الإسرائيلي حاسماً؛ حيث يستبعد مسؤول، تحدّث إلى «أكسيوس»، ارتفاع احتمال الهجوم قبل الانتخابات، من دون نفيه، مرجحاً زيادة الاحتمال بعدها. أما استفادة نتنياهو انتخابياً من التصعيد فتبقى احتمالاً سياسياً، يقابله خطر تعرض إسرائيل لوابل صاروخي.