الجزائر: محاكمة «الوزير منظّر الليبرالية» تعيد ملفات الفساد إلى الواجهة

رئيس الشرطة الجزائرية مع خبراء بملف استرداد الأموال المنهوبة لدى وصولهم إلى باريس في 1 يونيو 2026 (وزارة الداخلية الجزائرية)
رئيس الشرطة الجزائرية مع خبراء بملف استرداد الأموال المنهوبة لدى وصولهم إلى باريس في 1 يونيو 2026 (وزارة الداخلية الجزائرية)
TT

الجزائر: محاكمة «الوزير منظّر الليبرالية» تعيد ملفات الفساد إلى الواجهة

رئيس الشرطة الجزائرية مع خبراء بملف استرداد الأموال المنهوبة لدى وصولهم إلى باريس في 1 يونيو 2026 (وزارة الداخلية الجزائرية)
رئيس الشرطة الجزائرية مع خبراء بملف استرداد الأموال المنهوبة لدى وصولهم إلى باريس في 1 يونيو 2026 (وزارة الداخلية الجزائرية)

يفتح القضاء الجزائري، يوم 8 يونيو (حزيران) الحالي، أحد أبرز ملفات الفساد المرتبطة بالفترة السابقة، ويتعلق الأمر بوزير الخصخصة الأسبق حميد طمار، الموجود في حالة فرار خارج البلاد منذ صيف 2018، قبيل أشهر من اندلاع الحراك الشعبي وسقوط رموز السلطة آنذاك.

وستعالج «محكمة سيدي أمحمد» المختصة بقضايا الفساد المالي بالعاصمة «ملف الوزير طمار وخصخصة مطاحن الدولة»، في غياب المتهم الرئيسي، وبحضور بقية المتهمين، ومن بينهم رجال أعمال ومسؤولون في أجهزة حكومية، وفق ما ذكره محامون يترافعون في القضية للصحافة.

رجال أعمال في السجن بتهمة غسل أموال (الشرق الأوسط)

خصخصة بـ«الدينار الرمزي»

كما يرد في القضية اسم صاحب شركة «إخلاص» للمطاحن والمواد الغذائية، إلى جانب عدد من المتهمين الآخرين الذين تابعهم القضاء بسبب تجاوزات قانونية مرتبطة بصفقة خصخصة «مطاحن تيارت» التابعة لمجمع «العقارية رياض»، والتي انتهت إلى التنازل عن حصص منها لصالح شركة «إخلاص» بالدينار الرمزي.

ويواجه المتهمون في القضية حزمة من التهم الثقيلة المنصوص عليها في «قانون مكافحة الفساد» (2006). بالنسبة للوزير الأسبق طمار فهو ملاحَق بـ«إساءة استغلال الوظيفة عمداً لخرق القوانين» و«منح امتيازات وتبديد أموال عمومية غير مبررة للغير في إطار عمليات الخوصصة».

ووُجّهت إلى بقية المتهمين ورجال الأعمال تهم «الاستفادة من تأثير أعوان الدولة للحصول على مزايا غير مستحقة»، و«تحريض موظفين عموميين على استغلال النفوذ»، وجنحة «غسل الأموال والاستفادة من عائدات إجرامية وإخفاء مصدرها غير المشروع ضمن جماعة إجرامية منظمة».

وتعد قضية الوزير السابق حميد طمار واحدة من أبرز ملفات الفساد التي ارتبطت بفترة حكم الرئيس الراحل عبد العزيز بوتفليقة (1999 - 2019)، وتحديداً بملف تسيير أملاك الدولة، وخصخصة الشركات العمومية، ومشاريع الاستثمار الكبرى. وقد ظلت هذه القضية تثير الكثير من الجدل نظراً لوجود الوزير الأسبق خارج البلاد منذ تنحيته في تعديل حكومي عام 2018، مما جعله يغيب عن كافة التحقيقات القضائية اللاحقة.

وتدور التهم الموجهة إلى طمار أساساً حول فترة إشرافه على الوزارة، حيث اتُّهم بمنح امتيازات غير مبررة للغير، وإبرام صفقات تخالف الأحكام التشريعية، وتسهيل حصول مستثمرين ورجال أعمال على العقار الصناعي والمشاريع الكبرى من دون وجه حق، فضلاً عن تبديد أموال عمومية وإساءة استغلال الوظيفة. وتتمحور هذه التجاوزات حول ملفات الخصخصة التي طالت مؤسسات عمومية خلال العقدين الماضيين، والتي أكدت التحقيقات أنها ألحقت خسائر فادحة بالخزينة العمومية.

رئيس الحكومة السابق أحمد أويحيى (رئاسة الحكومة)

ونتيجة لاستقراره في الخارج وعدم امتثاله للاستدعاءات، أصدر القضاء الجزائري بحق طمار عدة أوامر بالقبض الدولي عبر «إنتربول». كما تمت محاكمته غيابياً في ملفات متعددة ارتبطت بقضايا رجال أعمال ووزراء سابقين، وصدرت بحقه أحكام غيابية ثقيلة بالسجن النافذ تراوحت بين 10 و15 سنة، مع تأييد أوامر القبض ومصادرة كافة أملاكه وعقاراته وأرصدته المالية داخل الوطن.

وفي نظر الصحافة والمحللين الاقتصاديين، لا تُختصر قضية حميد طمار في جانبها الجنائي الفردي فحسب، بل تُعتبر محاكمة للمنظومة الاقتصادية التي سادت في تلك الحقبة؛ إذ كان يُوصف بـ«مهندس الخصخصة» و«المنظّر الليبرالي» لحكومات بوتفليقة، في وقت يرى فيه منتقدوه أن السياسات التي انتهجها أسهمت مباشرة في تفكيك النسيج الصناعي العمومي لصالح كارتل من رجال الأعمال الذين انتهى بهم المطاف في السجون.

حملة المحاسبة تمتد لفرنسا

ومنذ سقوط بوتفليقة في 2 أبريل (نيسان) 2019 تحت ضغط الشارع، سجن قائد الجيش الراحل الفريق أحمد قايد صالح ثلاثة رؤساء حكومات هم: أحمد أويحيى وعبد المالك سلال ونور الدين بدوي، الذين دانتهم المحاكم بأحكام قاسية بتهمة «الفساد». كما سجن العشرات من الوزراء والمسؤولين التنفيذيين ورجال الأعمال. وتم إطلاق مذكرات توقيف دولية ضد العديد من المسؤولين المدنيين والعسكريين، أبرزهم قائد سلاح الدرك الجنرال غالي بلقصير، ووزير الصناعة سابقاً عبد السلام بوشوارب، ووزير الطاقة سابقاً شكيب خليل.

رئيس الحكومة السابق عبد المالك سلال (رئاسة الحكومة)

وتتصدر ملفات محاسبة مسؤولي المرحلة السابقة واسترداد الأموال المتأتية من الفساد والمحوَّلة إلى الخارج، خاصة إلى فرنسا، المباحثات التي سيجريها في باريس وزير الداخلية الجزائري، سعيد سعيود، خلال زيارته إلى فرنسا بدعوة من نظيره الفرنسي، لوران نونييز.

ورفعت الجزائر، عبر قنواتها القضائية والدبلوماسية، إلى فرنسا قائمة تضم وزراء سابقين ومسؤولين نافذين يقيمون على أرضها، تمهيداً لتسليمهم إلى الجزائر، والحجز على ودائعهم ومصادرة أملاكهم في مرحلة أولى، قبل استرجاعها إلى الجزائر في مرحلة ثانية.

ويتصدر هذه القائمة وزير الصناعة السابق عبد السلام بوشوارب، بعدما رفضت محكمة باريس، العام الماضي، طلب تسليمه بدعوى «عدم توافر شروط المحاكمة العادلة في الجزائر».

كما تضم القائمة المسؤول السابق في الدرك الوطني، الجنرال غالي بلقصير، الذي يقيم منذ أربع سنوات في جزيرة فانواتو بالمحيط الهادي، بحسب تقارير صحافية دولية، في حين توجد حساباته المصرفية في فرنسا.


مقالات ذات صلة

تشكيلة الجزائر للمونديال دون مفاجآت

رياضة عربية المدرب فلاديمير بيتكوفيتش في المؤتمر الصحافي لإعلان تشكيلة محاربي الصحراء (إ.ب.أ)

تشكيلة الجزائر للمونديال دون مفاجآت

خلت تشكيلة المنتخب الجزائري لنهائيات مونديال 2026 التي أعلن عنها، الأحد، المدرب البوسني-السويسري فلاديمير بيتكوفيتش من المفاجآت.

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
شمال افريقيا وزير الداخلية الجزائري مستقبِلاً نظيره الفرنسي بمقر الوزارة في 16 فبراير الماضي (وزارة الداخلية الجزائرية)

وزير جزائري يبحث في فرنسا «أزمة المعارضين» و«أموال الفساد»

يبحث وزير الداخلية الجزائري سعيد سعيود الاثنين والثلاثاء بباريس ملفات عالقة بين البلدين تخص التعاون في مجال مكافحة الإرهاب وقضية شبكة «مافيا دي زاد» الإجرامية.

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
شمال افريقيا رئيس أركان الجيش السعيد شنقريحة (وزارة الدفاع)

رئيس أركان الجيش الجزائري يدعو لإنجاح الانتخابات التشريعية

دعا رئيس أركان الجيش الجزائري مختلف القيادات العسكرية ومصالح الأمن المختلفة إلى السهر على إنجاح الانتخابات التشريعية المقررة في الثاني من يوليو (تموز) المقبل.

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
شمال افريقيا صورة أرشيفية للرهبان السبعة التقطت لهم عام 1996 في تيبحيرين (أ.ف.ب)

بعد 30 عاماً على مقتلهم... الغموض ما زال يلف قضية رهبان تيبحيرين بالجزائر

يصادف السبت 30 من مايو (أيار)، ذكرى العُثور على رؤوس سبعة رهبان من تيبحيرين على طريق في الجزائر سنة 1996.

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
شمال افريقيا من جلسة سابقة لمصادقة النواب على قانون الانتخابات (البرلمان)

الجزائر: مقصلة «المال الفاسد» تلتهم مزيداً من المترشحين للبرلمان

تواجه الأحزاب الجزائرية المشاركة بانتخابات البرلمان المقررة في الثاني من يوليو المقبل صعوبات كبيرة باستخلاف العشرات من مرشحيها

«الشرق الأوسط» (الجزائر)

بعد 45 عاماً... مصر تُكرِّم 3 ضحايا في حادث اغتيال السادات

الرئيس المصري الأسبق محمد أنور السادات (أرشيفية- الرئاسة المصرية)
الرئيس المصري الأسبق محمد أنور السادات (أرشيفية- الرئاسة المصرية)
TT

بعد 45 عاماً... مصر تُكرِّم 3 ضحايا في حادث اغتيال السادات

الرئيس المصري الأسبق محمد أنور السادات (أرشيفية- الرئاسة المصرية)
الرئيس المصري الأسبق محمد أنور السادات (أرشيفية- الرئاسة المصرية)

بعد 45 عاماً على حادث اغتيال الرئيس الأسبق محمد أنور السادات، قررت مصر إدراج 3 من ضحايا الحادث ضمن صندوق تكريم شهداء وضحايا ومفقودي ومصابي العمليات الحربية والإرهابية والأمنية وأُسَرهم.

وأصدر رئيس مجلس الوزراء، مصطفى مدبولي، قراراً يقضي بإضافة 3 ضحايا في «حادث المنصة» الشهير بالقاهرة عام 1981 إلى «صندوق الشهداء»، ونُشر القرار في الجريدة الرسمية، الاثنين.

​وبموجب المادة الأولى من القرار، سيتم إدراج الثلاثة رسمياً تحت مظلة «الصندوق»، وهو ما «يضمن لأُسَرهم الحصول على حزمة الرعاية والمزايا والخدمات المتكاملة» تقديراً لتضحياتهم وتخليداً لذكراهم بعد عقود من الحادث الأليم.

وتم إنشاء صندوق تكريم شهداء وضحايا ومفقودي ومصابي العمليات الحربية والإرهابية والأمنية وأُسَرهم سنة 2018، ويُعد «هيئة عامة خدمية» تتبع رئيس مجلس الوزراء. ويهدف «الصندوق» إلى «تكريم الشهداء ومن في حكمهم، وضحايا ومفقودي ومصابي العمليات الحربية والإرهابية والأمنية وأُسَرهم، ودعمهم ورعايتهم في كافة النواحي الاجتماعية والصحية والتعليمية وغيرها، وصرف التعويضات المستحقة لهم».

ويشير «حادث المنصة» إلى واقعة اغتيال الرئيس السادات عام 1981 خلال الاحتفال بذكرى حرب 6 أكتوبر (تشرين الأول) 1973؛ إذ قام خالد الإسلامبولي، المتهم الرئيسي في عملية الاغتيال، و3 آخرون، بإطلاق النار على السادات خلال الاستعراض العسكري.

وشمل القرار: سمير حلمي إبراهيم، الذي كان يشغل منصب رئيس «الجهاز المركزي للمحاسبات» في الفترة بين 1978 و1981، والذي كان حاضراً في الاستعراض العسكري بصفته من قيادات الدولة، وتلقى خلال الحادث رصاصة أودت بحياته.

وكذلك الأنبا صموئيل (سعد عزيز إبراهيم) الذي كان أحد ممثلي الكنيسة المصرية خلال الاستعراض العسكري بحضور الرئيس الأسبق، كما كان ضمن «اللجنة الخماسية» التي شكلها الرئيس الراحل للقيام بالمهام البابوية، عقب عزل البابا شنودة من منصبه. وتم دفن صموئيل في الكاتدرائية.

«حادث المنصة» في مصر عام 1981 (أرشيفية- متداولة)

وشمل القرار أيضاً محمد يوسف رشوان، المصور الخاص للرئيس الراحل؛ وكان يرافقه في كل الاحتفالات، وقُتل في «حادث المنصة» خلال محاولة أحد الجناة الأربعة الدخول إلى المنصة من ناحية اليمين التي تصادَف وجود المصور فيها؛ فألقى عليه الأخير الكاميرا الخاصة به في محاولة لإعاقته عن الوصول للرئيس السادات، فضُرب من قِبَل الجاني بالسلاح الآلي وسقط قتيلاً.

الخبير في مكافحة الإرهاب، العقيد حاتم صابر، تحدَّث عن «حادث المنصة»، قائلاً لـ«الشرق الأوسط» إنه خُطِّط له على يد «تنظيم الجهاد»، وأسفر عن اغتيال الرئيس السادات ومعه 7 من كبار الشخصيات والضيوف، إلى جانب سقوط عدد كبير من المصابين.

وأضاف صابر: «الواقعة لم تكن مجرد اغتيال سياسي؛ بل حادثة وقعت داخل نطاق عسكري خاضع للأحكام العسكرية؛ حيث كان العرض العسكري مهمة رسمية منظمة بقرارات تصدر مباشرة عن وزير الدفاع، تحدد توقيتات البدء والانتهاء والتدريبات»، لافتاً إلى أن «جميع المشاركين، سواءً كانوا ضباطاً أو مدنيين في الخدمة، عُدُّوا في مهمة عسكرية، ومن ثم فإن أي إصابة أو استشهاد يقع خلال هذه المهمة يندرج قانوناً تحت بند مصابي أو شهداء العمليات الحربية، وهو ما يُبرر إدراجهم ضمن صندوق تكريم الشهداء».

ورأى أن القرار الأخير بتكريم ضحايا «حادث المنصة» يحمل رسائل عدة؛ فهو يؤكد أن «الدولة لا تنسى شهداءها»، كما أن صدور القرار في هذا التوقيت «يعزز الشعور بالوطنية، إلى جانب ما يحمله القرار من تقديم مزايا مادية وخدمات اجتماعية لأُسَرهم».

ويقوم صندوق تكريم شهداء وضحايا ومفقودي ومصابي العمليات الحربية وأُسَرهم بصرف التعويض المادي الواجب صرفه لمرة واحدة بقيمة 100 ألف جنيه، للمستفيدين من أسرة الشهيد (الأب والأم والأرملة والأبناء)، وللمصاب طبقاً لنسبة العجز، وفي حالة وفاة المصاب يتم الصرف للمستحقين من أسرته، وفق وزارة الدفاع المصرية.


مصر تدعو لـ«منفعة متبادلة» بين دول حوض النيل

وزير الخارجية المصرية خلال مشاركته في الاجتماع الوزاري الكوري - الأفريقي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصرية خلال مشاركته في الاجتماع الوزاري الكوري - الأفريقي (الخارجية المصرية)
TT

مصر تدعو لـ«منفعة متبادلة» بين دول حوض النيل

وزير الخارجية المصرية خلال مشاركته في الاجتماع الوزاري الكوري - الأفريقي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصرية خلال مشاركته في الاجتماع الوزاري الكوري - الأفريقي (الخارجية المصرية)

دعت مصر دول حوض نهر النيل إلى تحقيق «منفعة متبادلة» ومصالح مشتركة، بما يضمن استعادة التوافق بين الدول المشاطئة، مجددةً رفضها لـ«الإجراءات الأحادية»، في إشارة إلى «سد النهضة» الإثيوبي.

الرسالة المصرية المتكررة جاءت على لسان وزير الخارجية بدر عبد العاطي، خلال مشاركته في الاجتماع الوزاري الأول «الكوري - الأفريقي»، الاثنين، وخلال محادثات ثنائية مع نظيريه في كينيا وتنزانيا.

ومصر في نزاع ممتد منذ 15 عاماً مع إثيوبيا بشأن «سد النهضة»، الذي أنشأته أديس أبابا على الرافد الرئيسي لنهر النيل، وتخشى القاهرة أن يؤثر على حصتها المائية، ويعتقد مراقبون مصريون أن «القاهرة تتبنى خطاباً دبلوماسياً تصالحياً وتعاونيّاً، بما يحفظ حقوقها المائية من نهر النيل»، وأشاروا لـ«الشرق الأوسط» إلى أن «الحكومة المصرية تفرق في مسارات تعاونها مع دول حوض النيل الجنوبي، وبين أزمتها مع أديس أبابا، للتأكيد على أنها ليست ضد التنمية في تلك الدول، لكنها ترفض أي مساس بأمنها المائي».

وزير الخارجية المصري مع نظيره الكيني في العاصمة الكورية سيول (الخارجية المصرية)

وخلال الاجتماع الوزاري الكوري - الأفريقي، بالعاصمة الكورية الجنوبية، سيول، جدد عبد العاطي التأكيد على أن «الأمن المائي يشكل تحدياً وجودياً لبلاده، ويرتبط ارتباطاً وثيقاً بأمنها القومي»، وشدد على أهمية «الالتزام بقواعد القانون الدولي المنظمة لإدارة الموارد المائية العابرة للحدود، بما يحقق المصالح المشتركة ويعزز التعاون بين الدول»، حسب بيان لوزارة الخارجية.

وأشار وزير الخارجية إلى «أهمية التعاون في مجالات الإدارة المستدامة للموارد المائية، باعتباره أحد المحاور الواعدة للشراكة الأفريقية الكورية».

وخلال محادثات ثنائية مع نظيريه التنزاني محمود ثابت كومبو، والكيني موساليا مودافادي، على هامش الاجتماع، أكد عبد العاطي «أهمية التعاون والتكامل في نهر النيل لتحقيق المنفعة المشتركة والمصالح المتبادلة لدول حوض النيل»، وشدد على ضرورة «التمسك بروح التوافق والأخوة لاستعادة الشمولية بمبادرة حوض النيل».

وترتبط جميع دول حوض نهر النيل، في إطار مبادرة «حوض النيل» التي تأسست عام 1999، بهدف «المشاركة في تنمية المصادر المائية لتلك الدول، وضمان كفاءة إدارة المياه، والاستخدام الأمثل لها»، وعلقت مصر والسودان عضوتيهما في المبادرة عام 2010، اعتراضاً على توقيع 6 دول منابع على الاتفاقية الإطارية حول نهر النيل المعروفة بـ«عنتيبي».

وشدد وزير الخارجية المصري لنظيريه الكيني والتنزاني على «رفض الإجراءات الأحادية على نهر النيل»، ورحب بالتطورات الإيجابية في العملية التشاورية لمبادرة حوض النيل لاستعادة الشمولية وفقاً للقانون الدولي، وبما يحقق المنفعة المتبادلة لجميع دول حوض النيل.

وتتبنى القاهرة خطاباً دبلوماسياً تعاونيّاً وتصالحياً مع دول حوض النيل لتعزيز المصالح المشتركة، وفق مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق للشؤون الأفريقية، السفير محمد حجازي، وقال إن «الحكومة المصرية تؤكد أنها لا تمانع من إقامة مشاريع تنموية في دول الحوض، لكنها ضد أي أعمال تؤثر على حقوقها المائية التاريخية».

ويرى حجازي في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، أن «طرح الدبلوماسية المصرية لقضية الأمن المائي، في المحافل الدولية والإقليمية، من الإجراءات المهمة والمطلوبة، لإظهار إشكالية السد الإثيوبي على حقيقتها»، مشيراً إلى أن «القاهرة ليست ضد التنمية في أديس أبابا، لكنها ضد إقامة مشروع السد بشكل أحادي، دون اتفاق قانوني ملزم، ينظم عملية تشغيله، بما لا يضر بمصالح دولتي المصب مصر والسودان المائية».

وباعتقاد حجازي، أن الحكومة المصرية تعمل على تنويع مجالات التعاون مع دول حوض النيل، بحيث لا تكون المياه المجال الوحيد للتعاون، مشيراً إلى ضرورة «تبني مقاربة قائمة على الجمع بين الطاقة والمياه والتنمية في هذه الدول، بما يعود بالنفع على جميع الدول».

وزير الخارجية المصري مع نظيره التنزاني في العاصمة الكورية سيول (الخارجية المصرية)

وخلال لقاءيه أشاد وزيرا خارجية مصر وتنزانيا بتطور العلاقات، وأكدا أن «مشروع سد (جوليوس نيريري)، الذي تنفذه شركات مصرية، يمثل نموذجاً ناجحاً للشراكة الاستراتيجية والتكامل التنموي بين البلدين». ومع نظيره الكيني شدد عبد العاطي على ضرورة «تعزيز الاستثمارات المصرية في كينيا، تحديداً في قطاعات البنية التحتية والزراعة والدواء والطاقة والإنشاءات وتكنولوجيا المعلومات».

ودعا إلى «استفادة الجانب الكيني بآلية تمويل مشروعات دول حوض النيل الجنوبي التي دشنتها مصر وبحث آفاق التعاون في مجالات النقل البحري والاقتصاد الأزرق»، حسب الخارجية المصرية.

ورأى رئيس جمعية رجال الأعمال المصريين الأفارقة، يسري الشرقاوي، أن «الحكومة المصرية تولي ملف التنمية أولوية في علاقات التعاون مع دول حوض النيل»، وقال إن «الإدارة المصرية لأمنها المائي قائمة على تنويع الشراكات مع الدول المطلة على النهر»، مشيراً إلى أن «هذه السياسة يتم تنفيذها على أمر الواقع بالفعل من خلال مشروعات تنموية عديدة يتم تنفيذها في دول الحوض».

وأوضح شرقاوي، في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، أن «هناك استثمارات من القطاع الخاص المصري، يتم تنفيذها في عدد من دول حوض النيل بالفعل، مثل تنزانيا وكينيا وأوغندا».

Your Premium trial has endedYour Premium trial has ended


ما وراء الصمت الليبي حيال محاكمة «أبو عجيلة» و«البكوش» في أميركا؟

الليبي الزبير البكوش على الطائرة قبل وصوله إلى أميركا (مدير مكتب التحقيقات الفيدرالي الأميركي كاش باتيل فبراير الماضي «إكس»)
الليبي الزبير البكوش على الطائرة قبل وصوله إلى أميركا (مدير مكتب التحقيقات الفيدرالي الأميركي كاش باتيل فبراير الماضي «إكس»)
TT

ما وراء الصمت الليبي حيال محاكمة «أبو عجيلة» و«البكوش» في أميركا؟

الليبي الزبير البكوش على الطائرة قبل وصوله إلى أميركا (مدير مكتب التحقيقات الفيدرالي الأميركي كاش باتيل فبراير الماضي «إكس»)
الليبي الزبير البكوش على الطائرة قبل وصوله إلى أميركا (مدير مكتب التحقيقات الفيدرالي الأميركي كاش باتيل فبراير الماضي «إكس»)

بات الصمت الرسمي سمة بارزة في تعامل حكومة «الوحدة الوطنية» المؤقتة مع ملفات الليبيين الملاحقين أمام القضاء الأميركي؛ إذ لم تعلّق على مجريات محاكمة ضابط الاستخبارات السابق، أبو عجيلة المريمي، في قضية «لوكربي».

كما لم يصدر عنها حتى الآن أي موقف بشأن الليبي الزبير البكوش، بعد إعلان واشنطن توقيفه على خلفية اتهامات مرتبطة بالهجوم على القنصلية الأميركية في بنغازي عام 2012.

أبو عجيلة المريمي ضابط الاستخبارات الليبية السابق (أرشيفية من «رويترز»)

وأعاد هذا الغياب الحكومي فتح باب التساؤلات بشأن أسباب هذا الصمت وحدود التعاطي مع القضايا ذات الأبعاد السيادية والقانونية، لا سيما بعد إعلان فريق الدفاع عن المريمي، الأحد، أن محكمة أميركية أسقطت في 26 مايو (أيار) إحدى التهم الثلاث الموجهة إليه، والمتعلقة بإتلاف أو محاولة إتلاف مبنى أو مركبة أو أي ممتلكات عقارية أو منقولة باستخدام النار أو المتفجرات، وفق ما نقلته وسائل إعلام محلية.

ويقول متابعون إن حالة الصمت الرسمي تعكس ما يوصف بـ«حرج سياسي» متزايد لدى السلطات في غرب ليبيا في التعامل مع الملفات المرتبطة بالولايات المتحدة، خصوصاً في ظل استمرار الانقسام الداخلي واعتماد الحكومات المتعاقبة على الدعم الدولي في عدد من الملفات السياسية والأمنية.

ولا يجد المحامي محمد بن دردف، رئيس فريق الدفاع عن المريمي، تفسيراً لهذا الصمت سوى «الحذر في التعامل مع هذه القضايا شديدة الحساسية، لا سيما مع التعقيدات التي قد تحيط أي تحرك حكومي رسمي يُفهم باعتباره معارضاً للمصالح الأميركية».

وأوضح بن دردف لـ«الشرق الأوسط»، أن هناك «انطباعاً متراكماً بوجود تحفظ واضح لدى أطراف ليبية رسمية إزاء الخوض في ملفات تكون الولايات المتحدة طرفاً فيها، حتى لو تعلقت بإجراءات قضائية أو بقضايا تعويضات أو بمحاكمة شخصيات ليبية تتم خارج البلاد».

كما يلحظ «أن تفاعلات الشارع الليبي ومنصات التواصل الاجتماعي تلعب أحياناً دوراً مؤثراً في إعادة بعض الملفات إلى واجهة الاهتمام، قبل أن يتراجع الزخم مجدداً مع انشغال الليبيين بالأزمات الاقتصادية والمعيشية اليومية»، بحسب بن دردف.

والمريمي ضابط سابق بجهاز الأمن الخارجي (الاستخبارات)، يبلغ من العمر 75 عاماً. وقد اختطفه مسلحون من منزله منتصف نوفمبر (تشرين الثاني) 2022، ومنذ ذلك الحين يخضع للمحاكمة في أميركا.

وكان رئيس حكومة «الوحدة الوطنية» المؤقتة عبد الحميد الدبيبة، أقر لاحقاً بتسليمه إلى الولايات المتحدة، واصفاً إياه بأنه «إرهابي متهم بتصنيع المتفجرات التي أودت بحياة أكثر من 200 شخص بريء» في تفجير طائرة «بان أميركان 103» فوق لوكربي عام 1988.

الطائرة بعد سقوطها في بلدة لوكربي الاسكوتلندية (أ.ف.ب)

وبعد أكثر من 3 أعوام ونصف العام، لا تزال نتائج التحقيق الذي فتحه النائب العام الليبي، الصديق الصور، بشأن ملابسات تسليم المريمي غائبة عن الرأي العام، رغم تأكيده آنذاك أن العملية تمت «من دون علم السلطة القضائية ولا وكلاء النيابة».

وفي حين أوكلت السلطات القضائية الأميركية فريقاً أميركياً للدفاع عنه، يواصل فريق الدفاع الليبي المتطوع لمساندته قانونياً انتقاد ما يصفه بـ«الصمت الرسمي وغياب أي دعم من السلطات في شرق البلاد وغربها تجاه محاكمة مواطن ليبي أمام القضاء الأجنبي».

ويبدي بن دردف، استغرابه من «غياب الدعم المالي لفريق الدفاع» في إطار ما يصفه بـ«واجب الدولة السيادي تجاه أحد مواطنيها، بصرف النظر عن طبيعة الاتهامات الموجهة إليه» رغم حديثه بأن الحكومة المكلفة من البرلمان قدمت خلال مراحل سابقة دعماً مالياً لعائلة المريمي.

ويرى قانونيون أن الجدل الدائر حول محاكمة الليبيين في الخارج يتجاوز البعد القانوني، ليعكس أزمة تتعلق بصورة الدولة الليبية نفسها ومدى قدرتها على استعادة مؤسساتها السيادية وفرض اختصاصها القضائي، في بلد لا يزال يعيش انقساماً ممتداً منذ أكثر من عقد.

وترسخ هذا الاعتقاد لدى قانونيين منذ إعلان واشنطن توقيف المواطن الليبي الزبير البكوش بموجب مذكرة دولية قبل نحو 4 أشهر، لمواجهة اتهامات تتعلق بـ«القتل والإرهاب والحرق العمد».

ويواجه البكوش اتهامات تتعلق بـ«الهجوم على القنصلية الأميركية في بنغازي عام 2012»، في حين لم تصدر «الوحدة الوطنية» أي تعليق رسمي بشأن ملابسات اعتقاله أو تسليمه إلى واشنطن في فبراير (شباط) الماضي.

وفي هذا الإطار، عدّ الدبلوماسي وأستاذ القانون الدولي، محمد الزبيدي، الصمت الذي تبديه السلطات في طرابلس تجاه قضية البكوش، ومن قبله المريمي، يمثل «تكتماً على فعل مُجرَّم بالقانون المحلي والقانون الدولي، وإقراراً ضمنياً بالشراكة فيه».

وقال الزبيدي لـ«الشرق الأوسط»، إن تسليم مواطن ليبي إلى واشنطن تم «بتواطؤ مع الجانب الأميركي»، معتبراً أن هذا الإجراء يتعارض مع المبادئ القانونية التي تمنع تسليم المواطنين الليبيين إلى أي دولة أخرى مهما كانت طبيعة الاتهامات الموجهة إليهم.

ويستند منتقدو تسليم الليبيين إلى الخارج إلى قانون الإجراءات الجنائية الليبي، التي تشترط لقبول طلبات التسليم «ألا يتعلق الطلب بليبي»، وهو ما يعدّه قانونيون حظراً صريحاً لتسليم المواطنين الليبيين إلى سلطات قضائية أجنبية.

وأضاف الزبيدي أن تسليم أو خطف مطلوبين ليبيين خارج إطار القضاء الوطني بات أمراً مكرراً، مستشهداً بحالات سابقة مثل أبو أنس الليبي وأحمد أبو ختالة، معتبراً أن ذلك يعكس وضع ما وصفها بأنها «دولة مخترقة ومنزوعة السيادة».

وكانت القوات الأميركية قد اعتقلت أبو أنس الليبي في طرابلس عام 2013، قبل نقله إلى الولايات المتحدة بتهم مرتبطة بتفجيرات سفارتي واشنطن في كينيا وتنزانيا عام 1998، حيث توفي لاحقاً في السجن عام 2015. كما اعتقلت أحمد أبو ختالة عام 2014، ونقلته إلى واشنطن لمحاكمته في قضية الهجوم على المجمع الدبلوماسي الأميركي في بنغازي.

ويؤكد الزبيدي أنه لا يبرر أي اتهامات موجهة إلى هؤلاء الأشخاص، لكنه يشدد على أن الاختصاص الأصيل يبقى للقضاء الليبي، وأن محاكمتهم يجب أن تتم داخل البلاد لا عبر «الخطف والنقل إلى الخارج».

كما رأى الزبيدي أن الحكومات الليبية المتعاقبة منذ 2011، بما فيها حكومة الدبيبة، منحت المجتمع الدولي انطباعاً بـ«عجز القضاء المحلي»، مستشهداً بمنح اختصاص للمحكمة الجنائية الدولية حتى نهاية عام 2027، رغم أن اختصاصها ـ بحسب وصفه ـ «تكميلي وليس أصيلاً». وحذر من أن استمرار هذا النهج قد يرتب على ليبيا تعويضات مالية جديدة وفتح قضايا أخرى خاصة بالنظام السابق.