الجزائر: محاكمة «الوزير منظّر الليبرالية» تعيد ملفات الفساد إلى الواجهة

رئيس الشرطة الجزائرية مع خبراء بملف استرداد الأموال المنهوبة لدى وصولهم إلى باريس في 1 يونيو 2026 (وزارة الداخلية الجزائرية)
رئيس الشرطة الجزائرية مع خبراء بملف استرداد الأموال المنهوبة لدى وصولهم إلى باريس في 1 يونيو 2026 (وزارة الداخلية الجزائرية)
TT

الجزائر: محاكمة «الوزير منظّر الليبرالية» تعيد ملفات الفساد إلى الواجهة

رئيس الشرطة الجزائرية مع خبراء بملف استرداد الأموال المنهوبة لدى وصولهم إلى باريس في 1 يونيو 2026 (وزارة الداخلية الجزائرية)
رئيس الشرطة الجزائرية مع خبراء بملف استرداد الأموال المنهوبة لدى وصولهم إلى باريس في 1 يونيو 2026 (وزارة الداخلية الجزائرية)

يفتح القضاء الجزائري، يوم 8 يونيو (حزيران) الحالي، أحد أبرز ملفات الفساد المرتبطة بالفترة السابقة، ويتعلق الأمر بوزير الخصخصة الأسبق حميد طمار، الموجود في حالة فرار خارج البلاد منذ صيف 2018، قبيل أشهر من اندلاع الحراك الشعبي وسقوط رموز السلطة آنذاك.

وستعالج «محكمة سيدي أمحمد» المختصة بقضايا الفساد المالي بالعاصمة «ملف الوزير طمار وخصخصة مطاحن الدولة»، في غياب المتهم الرئيسي، وبحضور بقية المتهمين، ومن بينهم رجال أعمال ومسؤولون في أجهزة حكومية، وفق ما ذكره محامون يترافعون في القضية للصحافة.

رجال أعمال في السجن بتهمة غسل أموال (الشرق الأوسط)

خصخصة بـ«الدينار الرمزي»

كما يرد في القضية اسم صاحب شركة «إخلاص» للمطاحن والمواد الغذائية، إلى جانب عدد من المتهمين الآخرين الذين تابعهم القضاء بسبب تجاوزات قانونية مرتبطة بصفقة خصخصة «مطاحن تيارت» التابعة لمجمع «العقارية رياض»، والتي انتهت إلى التنازل عن حصص منها لصالح شركة «إخلاص» بالدينار الرمزي.

ويواجه المتهمون في القضية حزمة من التهم الثقيلة المنصوص عليها في «قانون مكافحة الفساد» (2006). بالنسبة للوزير الأسبق طمار فهو ملاحَق بـ«إساءة استغلال الوظيفة عمداً لخرق القوانين» و«منح امتيازات وتبديد أموال عمومية غير مبررة للغير في إطار عمليات الخوصصة».

ووُجّهت إلى بقية المتهمين ورجال الأعمال تهم «الاستفادة من تأثير أعوان الدولة للحصول على مزايا غير مستحقة»، و«تحريض موظفين عموميين على استغلال النفوذ»، وجنحة «غسل الأموال والاستفادة من عائدات إجرامية وإخفاء مصدرها غير المشروع ضمن جماعة إجرامية منظمة».

وتعد قضية الوزير السابق حميد طمار واحدة من أبرز ملفات الفساد التي ارتبطت بفترة حكم الرئيس الراحل عبد العزيز بوتفليقة (1999 - 2019)، وتحديداً بملف تسيير أملاك الدولة، وخصخصة الشركات العمومية، ومشاريع الاستثمار الكبرى. وقد ظلت هذه القضية تثير الكثير من الجدل نظراً لوجود الوزير الأسبق خارج البلاد منذ تنحيته في تعديل حكومي عام 2018، مما جعله يغيب عن كافة التحقيقات القضائية اللاحقة.

وتدور التهم الموجهة إلى طمار أساساً حول فترة إشرافه على الوزارة، حيث اتُّهم بمنح امتيازات غير مبررة للغير، وإبرام صفقات تخالف الأحكام التشريعية، وتسهيل حصول مستثمرين ورجال أعمال على العقار الصناعي والمشاريع الكبرى من دون وجه حق، فضلاً عن تبديد أموال عمومية وإساءة استغلال الوظيفة. وتتمحور هذه التجاوزات حول ملفات الخصخصة التي طالت مؤسسات عمومية خلال العقدين الماضيين، والتي أكدت التحقيقات أنها ألحقت خسائر فادحة بالخزينة العمومية.

رئيس الحكومة السابق أحمد أويحيى (رئاسة الحكومة)

ونتيجة لاستقراره في الخارج وعدم امتثاله للاستدعاءات، أصدر القضاء الجزائري بحق طمار عدة أوامر بالقبض الدولي عبر «إنتربول». كما تمت محاكمته غيابياً في ملفات متعددة ارتبطت بقضايا رجال أعمال ووزراء سابقين، وصدرت بحقه أحكام غيابية ثقيلة بالسجن النافذ تراوحت بين 10 و15 سنة، مع تأييد أوامر القبض ومصادرة كافة أملاكه وعقاراته وأرصدته المالية داخل الوطن.

وفي نظر الصحافة والمحللين الاقتصاديين، لا تُختصر قضية حميد طمار في جانبها الجنائي الفردي فحسب، بل تُعتبر محاكمة للمنظومة الاقتصادية التي سادت في تلك الحقبة؛ إذ كان يُوصف بـ«مهندس الخصخصة» و«المنظّر الليبرالي» لحكومات بوتفليقة، في وقت يرى فيه منتقدوه أن السياسات التي انتهجها أسهمت مباشرة في تفكيك النسيج الصناعي العمومي لصالح كارتل من رجال الأعمال الذين انتهى بهم المطاف في السجون.

حملة المحاسبة تمتد لفرنسا

ومنذ سقوط بوتفليقة في 2 أبريل (نيسان) 2019 تحت ضغط الشارع، سجن قائد الجيش الراحل الفريق أحمد قايد صالح ثلاثة رؤساء حكومات هم: أحمد أويحيى وعبد المالك سلال ونور الدين بدوي، الذين دانتهم المحاكم بأحكام قاسية بتهمة «الفساد». كما سجن العشرات من الوزراء والمسؤولين التنفيذيين ورجال الأعمال. وتم إطلاق مذكرات توقيف دولية ضد العديد من المسؤولين المدنيين والعسكريين، أبرزهم قائد سلاح الدرك الجنرال غالي بلقصير، ووزير الصناعة سابقاً عبد السلام بوشوارب، ووزير الطاقة سابقاً شكيب خليل.

رئيس الحكومة السابق عبد المالك سلال (رئاسة الحكومة)

وتتصدر ملفات محاسبة مسؤولي المرحلة السابقة واسترداد الأموال المتأتية من الفساد والمحوَّلة إلى الخارج، خاصة إلى فرنسا، المباحثات التي سيجريها في باريس وزير الداخلية الجزائري، سعيد سعيود، خلال زيارته إلى فرنسا بدعوة من نظيره الفرنسي، لوران نونييز.

ورفعت الجزائر، عبر قنواتها القضائية والدبلوماسية، إلى فرنسا قائمة تضم وزراء سابقين ومسؤولين نافذين يقيمون على أرضها، تمهيداً لتسليمهم إلى الجزائر، والحجز على ودائعهم ومصادرة أملاكهم في مرحلة أولى، قبل استرجاعها إلى الجزائر في مرحلة ثانية.

ويتصدر هذه القائمة وزير الصناعة السابق عبد السلام بوشوارب، بعدما رفضت محكمة باريس، العام الماضي، طلب تسليمه بدعوى «عدم توافر شروط المحاكمة العادلة في الجزائر».

كما تضم القائمة المسؤول السابق في الدرك الوطني، الجنرال غالي بلقصير، الذي يقيم منذ أربع سنوات في جزيرة فانواتو بالمحيط الهادي، بحسب تقارير صحافية دولية، في حين توجد حساباته المصرفية في فرنسا.


مقالات ذات صلة

الجزائر تواصل حربها على حرائق الغابات

شمال افريقيا حرائق مستعرة اندلعت في منطقة قالمة شرق الجزائر (الحماية المدنية)

الجزائر تواصل حربها على حرائق الغابات

أعلنت مصالح الحماية المدنية الجزائرية في بيان لها، اليوم الجمعة، عن الحالة العامة لحرائق الغطاء النباتي والمحاصيل الزراعية، المسجلة منذ أمس

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
شمال افريقيا تراجع معدل الإنجاب في البلدان المغاربية الثلاثة إلى أقل من النصف منذ السبعينات بسبب العزوف عن الإنجاب (أ.ف.ب)

التحولات الاجتماعية تهدد تونس والمغرب والجزائر بالشيخوخة

تشهد بلدان المغرب والجزائر وتونس انخفاضاً غير مسبوق في معدلات الإنجاب، تحت تأثير عوامل اقتصادية وتحولات اجتماعية، حيث يفضل كثيرون الحفاظ على «راحة البال». …

«الشرق الأوسط» (تونس)
شمال افريقيا الرئيس الجزائري مستقبلاً الاشتراكية الفرنسية سيغولين رويال في يناير الماضي (الرئاسة الجزائرية)

مرشحة لـ«رئاسيات» فرنسا تطالب بلادها بالتقارب مع الجزائر

انتقدت سيغولين رويال، مرشحةُ الانتخابات التمهيدية بالحزب الاشتراكي لانتخابات الرئاسة الفرنسية 2027، تأثر قادة البلاد بمواقف اليمين ووسائل الإعلام الموالية له...

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
شمال افريقيا صورة مركبة لرئيسي حكومتي الجزائر ومالي بمناسبة اتصال هاتفي بينهما

ترتيبات بين الجزائر وباماكو لحسم ملفات الحدود والإرهاب والمعارضة

يرتقب أن يعقد مسؤولون من الحكومتين الجزائرية والمالية اجتماعات مكثفة لترتيب زيارة رئيس الوزراء المالي عبد الله مايغا إلى الجزائر.

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
شمال افريقيا وفدا وزارتي العدل الجزائرية والفرنسية بحثا بالجزائر تسليم أعضاء «مافيا دي زاد» في مايو الماضي (وزارة العدل الجزائرية)

الجزائر تلاحق بارونين من شبكة «مافيا دي زاد» بتهم ثقيلة

وجَّه الادعاء الجزائري ثلاث تهم يشملها قانون العقوبات لعضوين قياديين من شبكة «مافيا دي زاد»، وأودعهما الحبس الاحتياطي في انتظار استكمال التحقيق.

«الشرق الأوسط» (الجزائر)

مخاوف بمصر بشأن تداعيات ارتفاع الدين العام وسط تصاعد التوترات الإقليمية

من جلسة سابقة لمجلس الوزراء المصري (المجلس)
من جلسة سابقة لمجلس الوزراء المصري (المجلس)
TT

مخاوف بمصر بشأن تداعيات ارتفاع الدين العام وسط تصاعد التوترات الإقليمية

من جلسة سابقة لمجلس الوزراء المصري (المجلس)
من جلسة سابقة لمجلس الوزراء المصري (المجلس)

على عكس خطط الحكومة المصرية التي تستهدف خفض الدين العام إلى 78 في المائة من الناتج الإجمالي المحلي خلال عام 2027، أشارت توقعات لصندوق النقد ببلوغ هذه النسبة 82.2 في المائة، وسط مخاوف خبراء اقتصاديِّين من تداعيات هذا الارتفاع، وتصاعد التوترات الإقليمية التي تنعكس سلباً على موارد العملة الأجنبية.

وكشفت وثائق «المراجعة السابعة» لبرنامج الإصلاح الاقتصادي المصري لدى «صندوق النقد الدولي»، عن توقُّع الصندوق تسجيل الدين العام معدل 82.2 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي في 2026 - 2027.

وتشير توقعات الصندوق في المقابل، إلى أنَّ هذا الصعود سيكون قابلاً للتراجع تدريجياً إلى 70.8 في المائة بحلول 2030 - 2031، بالتوازي مع توصيات بمواصلة الضبط المالي، وزيادة الإيرادات، وخفض الاحتياجات التمويلية، وتحسين إدارة الدين، بحسب ما نشرته وسائل إعلام محلية مصرية.

وكان رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي، كشف في تصريحات له خلال مؤتمر صحافي في شهر يونيو (حزيران) الماضي، عن أنَّ الحكومة تستهدف خفض نسبة الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي، إلى 78 في المائة بحلول يونيو 2027، مع مواصلة الاتجاه المنخفض لمستويات الدين العام خلال الفترة المقبلة.

وأوضح في ذلك الحين أنَّ الحكومة تعمل كذلك على خفض الدين الخارجي بقيمة تتراوح بين مليار ومليارَي دولار، في إطار جهودها المستمرة لتعزيز الاستدامة المالية وتحسين مؤشرات الاقتصاد الكلي.

ورغم أنَّ نسبة الدين العام إلى الناتج المحلي الإجمالي بلغت في العام المالي 2025 - 2026 نحو 91.1 في المائة، وبالتالي فإنَّ أرقام «الصندوق» تؤشر إلى التراجع، فإنَّ خبراء اقتصاديِّين تحدَّثوا لـ«الشرق الأوسط» عن مخاوفهم بشأن استمرار تسجيل الدين العام مستويات مرتفعة مقارنة بالناتج المحلي في ظلِّ الأوضاع الجيوسياسية المضطربة، ما سيخلق مزيداً من الصعوبات أمام الحكومة بشأن التوازن بين الإيرادات والمصروفات.

اجتماع سابق بين الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ومحافظ «البنك المركزي المصري» حسن عبد الله (الرئاسة المصرية)

وقبل أيام، أعلن «البنك المركزي المصري» ارتفاع إجمالي الدين الخارجي لمصر ليصل إلى نحو 164.776 مليار دولار بنهاية مارس (آذار) 2026، بزيادة طفيفة قدرها 865 مليون دولار مقارنة بالرُّبع السابق؛ نتيجة لزيادة الاقتراض الحكومي وقروض البنوك التجارية.

الخبيرة المصرفية سهر الدماطي قالت، إن الدين العام في مصر لا يزال مرتفعاً، والسبب الرئيسي يعود إلى أنَّ إجمالي المصروفات يتجاوز الإيرادات، التي تعتمد بشكل أساسي على الضرائب والجمارك، في الوقت الذي تتحمَّل فيه الدولة التزامات كبيرة تشمل قطاعَي التعليم والصحة، ورفع مستويات الدخل.

وأضافت أن «الدولة تلجأ إلى الاقتراض لتوفير التمويل اللازم لهذه الالتزامات، وفوائد الديون تمثل أحد أكبر البنود المؤثِّرة على الموازنة». وأكدت أنَّها لا تشعر بقلق كبير من ارتفاع الدين، عندما يوجَّه الإنفاق إلى مشروعات تحقق مردوداً اقتصادياً قوياً، لكنها أشارت إلى أنَّ هذه المشروعات تحتاج إلى فترة زمنية حتى تظهر نتائجها.

وحول جهود خفض الدين العام، أوضحت، أنَّ هناك محاولات للتحرك في هذا الاتجاه من خلال آليات جديدة، من بينها «صكوك الضرائب»، بوصفها أداةً يمكن من خلالها توفير موارد محلية، والمساهمة في إدارة الدين العام وخفضه مستقبلاً، إلى جانب تمويل احتياجات الدولة بصورة أكثر كفاءة، مشيرة إلى أنَّ مصر تمرُّ بمرحلة صعبة تتطلب تحقيق توازن مالي ونقدي في ظلِّ استمرار الحروب والتوترات الإقليمية، وما قد تترتب عليها من احتياجات إضافية للإنفاق.

وتتجه مصر إلى طرح صكوك ضريبية قالت إنه «سيتم تمويلها من جانب الممولين، وتخصم من التزاماتهم الضريبية المستقبلية على أن يكون العائد عليها بسعر جيد ومناسب بما يسهم في خفض الاحتياجات التمويلية»، وذلك عقب موافقة الرئيس عبد الفتاح السيسي على مقترح قدَّمته الحكومة.

وسبق أن أكد وزير المالية المصري أحمد كجوك، «العمل على تنويع مصادر وأدوات التمويل المحلية والدولية والتَّوسُّع في التمويلات الميسرة لخفض أعباء التمويل»، لافتاً إلى «الاستمرار في إصدار سند المواطن والصكوك مع استهداف أدوات جديدة تخاطب عدداً أكبر من المدخرين».

الخبير الاقتصادي كريم العمدة، شدَّد على «ضرورة التعامل مع ملف الدين بحذر شديد، في ظلِّ استمرار الضغوط الاقتصادية والمالية».

وأضاف في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أنَّ الصفقات العقارية الكبرى التي أبرمتها مصر أسهمت في توفير موارد ساعدت على سدِّ جانب من الاحتياجات التمويلية، إلا أنَّ الجزء الأكبر من هذه الموارد تم توجيهه للتعامل مع الالتزامات المرتبطة بالدين الخارجي.

وأكد العمدة أن «الدين المحلي يمثِّل مصدر قلق أيضاً، إلا أنَّ القضية الأكثر إلحاحاً في المرحلة الحالية تتمثل في خفض الدين الخارجي، أو على الأقل وقف زيادته»، عادّاً أن «الحفاظ على استقرار مستويات الدين الخارجي، يُعدُّ أولويًة مهمةً بالنسبة للاقتصاد المصري».


محافظ «المركزي» الليبي يتمسك بثلاثة شروط للعدول عن استقالته

ناجي عيسى في اجتماع مع لجنة المالية بالبرلمان الليبي الأربعاء الماضي (صفحة المصرف المركزي)
ناجي عيسى في اجتماع مع لجنة المالية بالبرلمان الليبي الأربعاء الماضي (صفحة المصرف المركزي)
TT

محافظ «المركزي» الليبي يتمسك بثلاثة شروط للعدول عن استقالته

ناجي عيسى في اجتماع مع لجنة المالية بالبرلمان الليبي الأربعاء الماضي (صفحة المصرف المركزي)
ناجي عيسى في اجتماع مع لجنة المالية بالبرلمان الليبي الأربعاء الماضي (صفحة المصرف المركزي)

قال مصدر مسؤول في مصرف ليبيا المركزي، السبت، إن محافظ المصرف ناجي عيسى يتمسك بثلاثة شروط رئيسية للعدول عن استقالته، التي قدمها إلى مجلسي «النواب» و«الأعلى للدولة» في 10 أغسطس (آب) الحالي، في وقت تتصاعد فيه الضغوط على الاقتصاد الليبي، مع تراجع سعر صرف الدينار وشح السيولة.

محافظ المصرف المركزي خلال لقاء رئيس المجلس الأعلى للدولة محمد تكالة في طرابلس الأربعاء الماضي (الصفحة الرسمية للمصرف)

وكان عيسى قد أعلن الاثنين الماضي عن استقالته من منصبه، من دون أن يكشف عن الأسباب التي دفعته إلى طلب الإعفاء، مكتفياً بالإشارة في رسالة وجهها إلى مجلسي «النواب» و«الأعلى للدولة» إلى «حساسية» تلك الأسباب، وتداولت وسائل إعلام ومنصات محلية نص الرسالة.

وأوضح المصدر لـ«الشرق الأوسط» أن الشرط الأول لعدول محافظ المصرف المركزي عن الاستقالة يتمثل في تسريع تنفيذ اتفاق «الإنفاق الموحد»، الذي وقعه ممثلون عن مجلسي «النواب» و«الدولة» في أبريل (نيسان) الماضي، مشيراً إلى أن «تنفيذ بنوده شهد تباطؤاً ملحوظاً خلال الأشهر الماضية».

واجهة البنك المركزي بطرابلس (رويترز)

ويهدف الاتفاق، الذي جرى التوصل إليه برعاية أميركية، إلى وضع إطار موحد لإدارة الإنفاق العام وتوزيع الموارد، بما يحد من ازدواجية الإنفاق، التي عمقت الانقسام المالي في البلاد. ويشمل الاتفاق أبواب الإنفاق الرئيسية، بما فيها الرواتب والتسيير والتنمية والدعم، إلى جانب مخصصات المؤسسة الوطنية للنفط، في مسعى لإرساء قدر أكبر من الانضباط والشفافية المالية.

ناجي عيسى خلال لقاء سابق مع مديري مصارف تجارية ليبية في طرابلس (صفحة المصرف)

أما الشرط الثاني، وفق المصدر، فيتعلق بوقف الزيادات في الرواتب التي أقرتها جهات حكومية، والتي يرى المحافظ أنها «لا تتناسب مع حجم الإيرادات العامة، وتزيد من أعباء الإنفاق، وتفاقم الضغوط على المالية العامة». فيما يتمثل الشرط الثالث في إقرار إجراءات ضمن السياسة التجارية لحماية موارد الدولة واحتياطياتها، والحد من تهريب السلع والمحروقات، بما يسهم في حماية الاقتصاد، وتقليص الضغوط على النقد الأجنبي.

وأعاد المصدر التذكير بتحذيرات سابقة أطلقها عيسى بشأن تصاعد المخاطر الاقتصادية والمالية، في ظل اتساع الإنفاق العام، وتزايد الالتزامات المالية للدولة، مشيراً إلى أن معالجة هذه الاختلالات تتطلب إجراءات أكثر سرعة وحسماً.

وتأتي شروط المحافظ في وقت تتزايد فيه الدعوات السياسية إلى بقائه في منصبه. وقد أعلن رئيس المجلس الرئاسي محمد المنفي، الأسبوع الماضي، رفضه استقالة عيسى، مؤكداً «دعمه استقلال مصرف ليبيا المركزي واستقراره، وضرورة استمرار المحافظ في أداء مهامه». كما دعا إلى تفعيل «اللجنة العليا المشتركة لتنسيق إدارة الموارد والإنفاق العام»، وتعزيز الشفافية والإفصاح في عقود تسويق النفط، ومراجعة سياسات وترتيبات المؤسسة الوطنية للنفط منذ عام 2023.

في السياق ذاته، أبدت «لجنة التخطيط والمالية والموازنة العامة» بمجلس النواب رفضها طلب استقالة عيسى، وحثته على الاستمرار في أداء مهامه، مؤكدة دعمها له في مواجهة الصعوبات والتحديات، والعمل على إعداد خطة اقتصادية شاملة للإصلاح.

كما عبّر رئيس المجلس الأعلى للدولة محمد تكالة، ونائباه ناجي مختار وعمر بوشاح عن رفضهم استقالة المحافظ، مؤكدين «ضرورة انتظام عمل مصرف ليبيا المركزي، وصون استقلاله المهني والمؤسسي، بعيداً عن التجاذبات السياسية التي قد تمس استقرار السياسة النقدية».

مسؤولو المجلس الأعلى للدولة شددوا على أهمية تحقيق الانسجام بين السياسات المالية والاقتصادية (المجلس)

وشدد مسؤولو المجلس الأعلى للدولة على أهمية تحقيق الانسجام بين السياسات المالية والاقتصادية، وترشيد الإنفاق العام، وسد منافذ الهدر والفساد، وحماية المال العام وموارد الدولة، وتعزيز الشفافية والمساءلة.

واتفقوا كذلك على أهمية تشكيل لجنة فنية مشتركة بين مجلسي «النواب» و«الدولة»، بالتنسيق مع مصرف ليبيا المركزي والجهات المعنية، لإعداد حزمة متكاملة من الإصلاحات الاقتصادية والمالية، ومتابعة تنفيذها، بما يضمن معالجة الاختلالات القائمة على أسس مؤسسية وعلمية.

وتعيش ليبيا منذ أكثر من عقد انقساماً بين سلطات ومؤسسات متنافسة في شرق البلاد وغربها، في ظل تداعيات الفوضى التي أعقبت سقوط نظام الرئيس السابق معمر القذافي عام 2011.

وتولى عيسى منصبه عام 2024، عقب اتفاق مجلسي «النواب» و«الدولة» على تعيينه في محاولة لإنهاء أزمة السيطرة على مصرف ليبيا المركزي، التي انتهت بإطاحة المحافظ السابق الصديق الكبير.


إسبانيا تستنفر قواتها تخوفاً من اقتحام جديد لسبتة من قبل المهاجرين

إسبانيا عززت وجود الشرطة والجيش في ‌جيب سبتة تحسباً لمحاولة اختراق جماعي آخر للحدود السبت (إ.ب.أ)
إسبانيا عززت وجود الشرطة والجيش في ‌جيب سبتة تحسباً لمحاولة اختراق جماعي آخر للحدود السبت (إ.ب.أ)
TT

إسبانيا تستنفر قواتها تخوفاً من اقتحام جديد لسبتة من قبل المهاجرين

إسبانيا عززت وجود الشرطة والجيش في ‌جيب سبتة تحسباً لمحاولة اختراق جماعي آخر للحدود السبت (إ.ب.أ)
إسبانيا عززت وجود الشرطة والجيش في ‌جيب سبتة تحسباً لمحاولة اختراق جماعي آخر للحدود السبت (إ.ب.أ)

عزّزت إسبانيا وجود الشرطة والجيش في جيب سبتة، الذي تحتله شمال المغرب، في ظل انتشار رسائل على مواقع التواصل الاجتماعي تحث المهاجرين على محاولة اختراق جماعي جديد للحدود، السبت، وذلك بعد مرور أسبوعين على اندفاع عشرات الآلاف إلى المدينة، وفق تقرير لوكالة «رويترز».

استنفار أمني كبير عند مدخل سبتة تحسباً لاقتحام جديد للمهاجرين (رويترز)

وارتدى جنود ​الزي الرسمي، ووقفوا لحراسة المتاجر الكبرى والمباني الرسمية منذ مساء الجمعة، في حين كانت سيارات الشرطة تقوم بدوريات مكثفة في الشوارع الرئيسية للمنطقة. ومع ذلك، كانت المقاهي الخارجية مكتظة بالرواد، وساد الهدوء وسط المدينة مقارنة بالمشاهد المتوترة التي سادت في الأيام التي أعقبت التدافع الذي وقع في 30 يوليو (تموز) الماضي، وأسفر عن سقوط قتلى.

وعلى الجانب الآخر من الحدود، كان العشرات من أفراد الأمن المغاربة، الذين يرتدون ملابس سوداء يراقبون الشاطئ في مدينة الفنيدق التي انطلق منها كثير من المهاجرين، الذين ‌سبحوا حول الحاجز ‌البحري في منطقة تاراخال في سبتة. ولقي ما ​لا ‌يقل ⁠عن 96 ​شخصاً ⁠حتفهم في تلك المحاولة، في حين تمكن أكثر من 72 ألفاً من دخول سبتة، وفقاً لتقديرات الحكومة الإسبانية.

ورغم أن الغالبية العظمى منهم عادت طواعية إلى المغرب بعد ذلك بوقت قصير، فإن الأزمة أثارت انقساماً داخل الاتحاد الأوروبي، وأججت الخطاب المعادي للهجرة بين أحزاب اليمين المتطرف في جميع أنحاء العالم. ومنذ ذلك الحين، أقامت إسبانيا حاجزاً بحرياً، وأرسلت أكثر من 500 فرد إضافيين من قوات الأمن من البر الرئيسي. وأعلنت وزارة ⁠الداخلية أنهم سيبقون هناك ما دامت الحالة استدعت ذلك.

وقال وزير الداخلية ‌الإسباني، فرناندو جراندي-مارلاسكا، للصحافيين في سبتة يوم ‌الخميس: «سنواصل نشر أي عدد من الأفراد يكون ضرورياً لاستعادة ​الوضع الطبيعي في أقرب وقت ‌ممكن، ومنع تكرار أحداث مثل تلك التي وقعت في 30 يوليو».

وأضاف الوزير أن ‌نحو 5000 مهاجر لا يزالون في سبتة. في وقت بدأت فيه السلطات في فحص حالات البالغين، وبتت في أكثر من 500 طلب لجوء، تم رفض معظمها.

وأضاف جراندي-مارلاسكا أن الأشخاص الذين دخلوا بشكل غير قانوني لن يُسمح لهم بالبقاء في الجيب، أو السفر إلى البر الرئيسي لإسبانيا، أو ‌الحصول على وضع قانوني، إلا في الحالات التي تشمل الأشخاص الأكثر ضعفاً. وقال إن إسبانيا ستُعيد إلى المغرب أولئك ⁠الذين لا يحق لهم ⁠البقاء.

إجراءات مشددة في المغرب

في وقت سابق من هذا الأسبوع، أعلن المغرب أنه يراقب تداول منشورات ورسائل على وسائل التواصل الاجتماعي، مجهولة المصدر، تدعو إلى عبور جماعي في 15 أغسطس (آب)، محذراً من أنه سيلاحق المنظمين والمشاركين قضائياً.

عناصر الأمن المغربي تحرس الطرقات المؤدية إلى سبتة (إ.ب.أ)

وأظهرت وسائل الإعلام المحلية تعزيزات أمنية بالقرب من الحدود مع سبتة ومليلية، الجيب الآخر الذي تحتله إسبانيا شمال المغرب، بما في ذلك تركيب أسلاك شائكة جديدة على الأسوار التي تفصل بين الأراضي.

ومنعت السلطات عدة مجموعات من ركوب القطارات والحافلات المتجهة شمالاً في مدن، مثل الدار البيضاء وفاس والقنيطرة.

ومع ذلك، قال شهود لـ«رويترز»، إن بعض المجموعات القادمة من أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى كانت تتجنب التفتيش الأمني على الطريق المؤدي ​إلى الفنيدق، بعد أن سلكت بدلاً من ​ذلك طرقاً جبلية. وقال أحد الشهود إن المدارس في الفنيدق تحوَّلت إلى مهاجع لقوات الأمن المنتشرة بالقرب من الحدود.

الشرطة المغربية خلال توقيف عدد من المهاجرين الأفارقة في طريقهم إلى سبتة (إ.ب.أ)

إسبانيا تجاهلت التحذيرات

في سياق ذلك، كشف تقرير أنه في الأسابيع التي ‌سبقت تدفق أكثر من 70 ألف مهاجر إلى جيب سبتة، حذّر عاملون في مراقبة الحدود الحكومة الإسبانية المركزية من وصول أعداد ​متزايدة من الأشخاص بحراً، مدفوعين بما ينشر على وسائل التواصل الاجتماعي، وأضافوا أنهم كانوا يخشون حدوث تصعيد.

وقالوا لـ«رويترز» إن الحكومة الإسبانية لم تستجب لهذه التحذيرات، ولم تتخذ سوى إجراءات محدودة.

وجاء في حكم قضائي إسباني، نشر في 29 يونيو (حزيران) الماضي، أنه لا يمكن إعادة المهاجرين فوراً عند محاولتهم دخول سبتة إلا إذا اجتازوا حاجزاً مادياً، موضحاً أن من ‌يصلون إلى ‌الجيب سباحة لا ينطبق عليهم ذلك.

وشجعت الأنباء ​المتعلقة ‌بهذا ⁠الحكم ​ومقاطع الفيديو، ⁠التي أظهرت مهاجرين ينجحون في دخول سبتة، أعداداً متزايدة على خوض التجربة.

عمال يقومون بتعزيز الحاجز الأمني الفاصل بين المغرب ومليلية (إ.ب.أ)

وألقت الحكومة الإسبانية باللوم في التدفق الذي وقع يومي 29 و30 يوليو الماضي، وشهد سقوط قتلى، على معلومات مضللة بشأن الحكم نشرتها شبكات إجرامية.

لكن تحذيرات علنية وأخرى داخلية أصدرتها نقابات تمثل العاملين على الحدود، واطلعت عليها «رويترز»، ⁠تبرز أن السلطات الإسبانية تلقّت قبل أسابيع تحذيرات ‌من احتمال تصاعد أعداد الوافدين ‌إلى سبتة، وجرى ​حثها على التحرك بسرعة.

مزيج ‌متفجر

وقال رشيد صبيحي، المتحدث باسم «نقابة الحرس المدني الإسباني» في سبتة، إنه لم يكن بوسع ⁠أحد أن ⁠يتخيل حجم ما حدث في 30 يوليو الماضي. وأضاف لـ«رويترز»: «أدركنا أن الحكم سيؤدي إلى زيادة أعداد الوافدين، فالحكم القضائي والعصابات الإجرامية وشبكات التواصل الاجتماعي شكّلت مزيجاً متفجراً».

ورداً على تعليقات مفادها أن إسبانيا لم تتحرك في الوقت المناسب، قال متحدث باسم وزارة الداخلية الإسبانية إن السلطات درست عدة خيارات بعد صدور الحكم القضائي، قبل أن تركب حاجزاً عائماً في البحر في الأول من أغسطس الحالي.

وأضاف في بيان مكتوب لـ«رويترز»: «أتاح هذا العمل التقييمي والتحليلي المسبق ​وضع الحاجز العائم خلال ​48 ساعة فقط من اتخاذ قرار تركيبه، وذلك عقب التدفق الجماعي للمهاجرين في 30 يوليو» الماضي.