قال رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام، إن المفاوضات المباشرة مع إسرائيل برعاية الولايات المتحدة «ليست مضمونة النتائج، لكنها الطريق الأقل كلفة على وطننا وشعبنا، مقارنة بالخيارات الأخرى اليوم»، في إشارة إلى قتال «حزب الله»، لافتاً إلى أن «ما تقوم به إسرائيل ليس فقط انتهاكاً لسيادة لبنان ووحدة أراضيه، بل محاولة لاقتلاع ذاكرة المكان، ومحو تاريخ الناس».
وجاء تصريح سلام بعد ساعات على اجتماعه مع الرئيس اللبناني جوزيف عون لتقييم الوضع الدقيق الذي يمرّ به لبنان، خصوصاً «في ظل التصعيد الإسرائيلي الخطير وغير المسبوق خلال الأيام الأخيرة، وضرورة تكثيف الجهود السياسية والدبلوماسية، للوصول إلى وقف سريع وفعلي وثابت لإطلاق النار».
وقال سلام: «ما شهدناه في اليومَين الماضيَين ليس مجرد توسيع لنطاق الاعتداءات الإسرائيلية، ولا مجرد عبور إلى شمال نهر الليطاني، وصولاً إلى مشارف النبطية»، مضيفاً: «إسرائيل لم تعد تستهدف فقط مواقع أو مناطق محددة، بل أخذت تنفّذ سياسة تدمير شامل للمدن والبلدات ولكل مقوّمات الحياة فيها، وتمارس التهجير الجماعي الذي يرقى إلى العقاب الجماعي بحق أهلنا الآمنين. وهي السياسات المُدانة في كل الأعراف والشرائع الدولية».
وأكد سلام أن «هذه الحرب لم نخترها بل فُرضت علينا، كما يُعرف كم باتت كلفتها مرتفعة في الأرواح والأرزاق... لذلك نحن، اليوم مصممون ليس على وقف هذه الحرب فحسب، بل أيضاً على تحصين بلدنا وحماية مستقبل أبنائنا فيه، فنحول دون تحويل وطننا مجدداً إلى صندوق بريد لرسائل إقليمية أو دولية، أو السماح باستخدامه ساحة مفتوحة لحروب الآخرين وصراعاتهم». وتابع: «لذلك قررنا، بكل وعي ومسؤولية، الذهاب إلى الخيار الأنسب لحماية لبنان واللبنانيين في هذا الظرف، وهو خيار المفاوضات».

المفاوضات مع إسرائيل
وأشار سلام إلى أن المفاوضات «ليست مضمونة النتائج، لكنها الطريق الأقل كلفة على وطننا وشعبنا، مقارنة بالخيارات الأخرى اليوم»، نافياً أن تكون المفاوضات استسلاماً؛ «لأن أول بند على جدول أعمال الوفد المفاوض الذي يقوم بعمله بمهنية عالية هو تحقيق وقف إطلاق النار»، مشيراً إلى أن «الهدف الذي نعمل للوصول إليه من خلال المفاوضات، الذي لا يمكن المساومة عليه إطلاقاً، هو الانسحاب الكامل، وإطلاق الأسرى، بما يسمح بإعادة إعمار ما تهدّم وعودة الناس الآمنة والكريمة إلى أرضهم».
وتابع: «هذا الطريق ليس سهلاً، ولن يكون قصيراً، لكنه يصبح أقصر ونصبح فيه أكثر قوة عندما تتوحّد كل الجهود تحت سقف الدولة اللبنانية»، لافتاً إلى أن «ذلك يتطلّب الرجوع عن التفرد والتوقف عن المكابرة. فالدولة تخوض المفاوضات اليوم باسم جميع اللبنانيين، والحريّ بهم جميعاً أن ينضووا تحت لوائها، فيبقى قرار الحرب والسلم قراراً لبنانياً وطنياً، ليس عند فريق دون آخر، وألا يكون خارج الحدود».
وأكد أن «على إسرائيل أن تعلم أنها بسياسة الأرض المحروقة والعقاب الجماعي وتجريف القرى والبلدات لن تكسب لا أمناً ولا استقراراً، بل إنها تعمّق الهوة مع اللبنانيين، جميع اللبنانيين، وتترك جروحاً جديدة وعميقة في ذاكرتهم الجمعية». وأعرب عن ثقته بأن لبنان سيتجاوز «أصعب المحن التي مرّ بها في تاريخه الحديث»؛ وذلك «عندما نجتمع كلّنا تحت راية الدولة الواحدة صاحبة القرار الواحد والجيش الواحد».
اتصالات دبلوماسية
ويمضي لبنان في تكثيف اتصالاته الدبلوماسية لإنهاء «الاعتداءات الإسرائيلية والحد من اتساعها» في جنوب لبنان، بعد رفض إسرائيل الطلب اللبناني القاضي بوقف إطلاق النار، الذي قدمه لبنان خلال جلسة مفاوضات أمنية عُقدت في واشنطن، فيما يستعد لبنان للجلسة الثانية من المفاوضات السياسية يوم الثلاثاء المقبل.
وبحث الرئيس اللبناني جوزيف عون، ورئيس الحكومة نواف سلام، خلال اجتماع في قصر بعبدا، الأوضاع العامة في البلاد والتطورات الأمنية في الجنوب، في ظل استمرار الاعتداءات الإسرائيلية واتساعها لتشمل عدداً من المدن والقرى، ولا سيما في قضاءَي صور والنبطية، بالإضافة إلى عمليات تفجير المنازل وهدمها وتجريف الأراضي وتدمير المعالم التاريخية.
وأفادت الرئاسة اللبنانية بأن الرئيسين اتفقا على تكثيف الاتصالات لوضع حد لهذه الممارسات. كما قيّما نتائج الاجتماع الذي عُقد في واشنطن بين الوفود العسكرية اللبنانية والأميركية والإسرائيلية؛ حيث شدد الجانب اللبناني على تمسكه بأولوية وقف إطلاق النار.
كذلك تناول البحث التحضيرات للجولة المقبلة من المفاوضات المقررة في 2 و3 يونيو (حزيران) المقبل، بالإضافة إلى متابعة الأوضاع الأمنية وشؤون النازحين قسراً من منازلهم وممتلكاتهم.

ولم يثمر الاجتماع الأمني يوم الجمعة وقفاً لإطلاق النار، رغم أن الجلسة هي الأولى من نوعها منذ عقود. ورحّبت الولايات المتحدة، يوم الجمعة، بمحادثات «بناءة» بين الوفدَيْن العسكريين اللبناني والإسرائيلي في «البنتاغون». وقال نائب وزير الدفاع، إلبريدج كولبي، على منصة «إكس»: «استقبلتُ في (البنتاغون) وفوداً عسكرية من إسرائيل ولبنان في إطار الشق الأمني الرامي إلى دعم محادثات السلام الجارية بين البلدَين».
وأضاف: «كانت مناقشات بناءة (...) ستكون بمثابة الأساس للشق السياسي الذي ستقوده وزارة الخارجية الأسبوع المقبل».
وكان المتحدث باسم وزارة الخارجية الأميركية، طومي بيغوت، قد قال إن وزير الخارجية ماركو روبيو تحدث مع رئيس الجمهورية جوزيف عون.
Today at the Pentagon, I hosted military delegations from Israel and Lebanon for the security track supporting the ongoing peace talks between their two countries. We held productive military-to-military discussions which will inform the Department of State-led political track...
— Under Secretary of War Elbridge Colby (@USWPColby) May 29, 2026
وحسب بيان وزعته السفارة الأميركية في بيروت، «أشاد روبيو بشجاعة الرئيس عون ورؤيته في السعي إلى مفاوضات مباشرة مع إسرائيل، حتى في وقت يواصل فيه (حزب الله) محاولاته لعرقلة تلك المحادثات على حساب الشعب اللبناني».
وأعاد التأكيد أن «حزب الله» يتحمّل المسؤولية الكاملة عن القتال المستمر. وشدد على ضرورة أن يوقف «حزب الله» فوراً هجماته واستفزازاته من أجل إتاحة خفض التصعيد. كما أكد مجدداً أن الولايات المتحدة تدعم بشكل كامل حكومة لبنان في وقت تعمل فيه على اغتنام فرصة تاريخية لتحقيق السلام وإعادة الإعمار ومستقبل أفضل لشعبها.
«حزب الله»
ويرفض «حزب الله» الخطوات الحكومية والمسار التفاوضي الذي يسلكه الرئيس اللبناني جوزيف عون. وقال عضو كتلة الحزب البرلمانية (الوفاء للمقاومة)، النائب علي فياض، إن «القاعدة الثابتة التي يجب أن تظل حاضرة وواضحة للجميع، هي أن أي وجود إسرائيلي على أرضنا، مهما تكن طبيعته أو شكله أو حجمه، هو احتلال يجب أن يُقاوم ويواجه دون هوادة، حتى لو كان هناك اختلال في موازين القوى، لأن المقاومة في مرحلتها الراهنة هي مقاومة دفاعية صرف»، مضيفاً أن حزبه «يمارس الدفاع عن النفس وعن الوجود والأرض والأهل، وهذه الوظيفة بديهية وطبيعية، ويجب أن تكون خارج أي نقاش وأي انقسام وأي خلاف سياسي».
وقال: «هذه الوظيفة مطلوبة أيضاً بل ضرورية حتى في إطار المنطق التفاوضي؛ لأن المفاوض الذي لا يملك عوامل قوة ولا يستند إلى هذه العوامل هو يفاوض على انهزامه واستسلامه ورضوخه لشروط العدو، وهنا مقتل المفاوض اللبناني الذي نزع الغطاء القانوني عن المقاومة وتخلى عنها ودخل في خصام معها، قبل التفاوض وأثناءه، ودون أن يتمكن بالمقابل من تحقيق أي مكتسبات مطلقاً».













