«المركزي» اللبناني يشترط سداد 25 مليار دولار من تمويلاته للدولة

ضمن مقاربة محدثة لرد الودائع نقداً وبسندات طويلة الآجال

البنك المركزي اللبناني في بيروت (مصرف لبنان المركزي)
البنك المركزي اللبناني في بيروت (مصرف لبنان المركزي)
TT

«المركزي» اللبناني يشترط سداد 25 مليار دولار من تمويلاته للدولة

البنك المركزي اللبناني في بيروت (مصرف لبنان المركزي)
البنك المركزي اللبناني في بيروت (مصرف لبنان المركزي)

حفلت المقترحات المحدثة المنسوبة إلى مصرف لبنان المركزي، والمستهدفة إعادة رسملة القطاع المصرفي وسداد الودائع، بالتباسات متجدّدة، بينها ما يخالف مبدأ العدالة في توزيع المسؤوليات التي سببت «الفجوة» المالية وأحمالها، وتتمدّد إلى تكريس مفهوم «الشطب» الذي تعهدت الحكومة الحالية بالتخلي عنه، واستعادة قاعدة الفصل بين المدخرات المؤهلة وغير المؤهلة، فضلاً عن الثغرة الحاكمة باشتراط اعتراف الدولة بجزء من ديونها الموثقة.

وريثما يتضح المقصد النهائي من تسريب نص ورقة العمل أو الملخص التنفيذي المقترح من السلطة النقدية، وتبنِّيه رسمياً، يظل القرار الحكومي كسلطة تنفيذية، ومجلس النواب كسلطة تشريعية، المرجع الفاصل في تقدير نجاعة المعالجات المطروحة، بمعزل عن توصيفها الأولي، حسب مسؤول كبير ومعني، بأنها استنساخ عقيم لمقاربات سابقة، ما لم يتم الإقرار بمساهمة الدولة في معالجة الخسائر الكامنة في ميزانية البنك المركزي، ليتمكن من الإيفاء التدريجي لتوظيفات المصارف لديه، وبما يلزمها برد حقوق المودعين العالقة.

ورغم التوصيف المبدئي للملخص بأنه محاولة تستهدف التكامل في مقاربة موحدة لإعادة هيكلة القطاع المالي المحلي وانتظامه، فإنه يظل -وفق المسؤول المطلع- بمنزلة حزمة مقترحات تستوجب جلاء الملابسات القانونية والمالية وطمأنة أصحاب الحقوق، وبالأخص لجهة الربط الحكمي بمدى استجابة الدولة للمشاركة المالية المحددة والواضحة، والتي تتطلب بدورها، تحقيق فوائض وازنة في الموازنة، والشروع في معالجة «فجوة» سندات الدين الدولية (يوروبوندز)، كسبيل شرطي للعودة إلى الأسواق المالية الدولية، وعقد اتفاق تمويلي مع صندوق النقد.

وليس خافياً -وفق المسؤول عينه الذي تواصلت معه «الشرق الأوسط»- أن الفشل المتكرر على مدار 7 سنوات متتالية، في تشريع القوانين الخاصة بنواة الأزمة، وفي مقدمها مشروع قانون الانتظام المالي ورد الودائع، ليس ناتجاً عن غياب الخطط والمقترحات التي تتوالى بنسخ متشابهة في عهدة حكومات متغيرة؛ بل بسبب اصطدامها المستمر بغموض غير بنَّاء ومتواصل، لجهة تحديد قيمة وحجم ومهل مشاركة القطاع العام في سداد ديونه، والاحتماء المتواصل بتوصية صندوق النقد الدولي بالتشدُّد في محدودية استخدام الأموال العامة.

ويشترط مصرف لبنان في مندرجات اقتراحاته المسرّبة، ضرورة اعتراف الدولة بمطالبة تتجاوز 25 مليار دولار لصالحه، موزعة بين مبلغ 16.5 مليار دولار، تم توثيق قيوده كتمويل مسحوب من ميزانيته وكسلفات خزينة، ومبلغ 8.4 مليار دولار، تم إلزامه بصرفه، تنفيذاً لقرارات السلطة التنفيذية في العهد الرئاسي السابق، وضمن برنامج لدعم مجموعة كبيرة من السلع الغذائية والاستهلاكية والمحروقات والدواء واللوازم الطبية؛ علماً بأن هذا البرنامج يخضع حالياً للتدقيق والمراجعة القضائية المعزّزة بالقرائن والوثائق حول شبهات الفساد والتهريب والإثراء غير المشروع.

ومع تجنب التطرق إلى بنود لا تقل أهمية في استجرار التمويل المفتوح من قبل الدولة، ولا سيما قطاع الطاقة والكهرباء، بحيث يمكن أن ترتفع قيود «استسهال» الاستدانة الإجمالية إلى ما يتعدّى 60 مليار دولار، لوحظ أن ورقة العمل المنسوبة إلى حاكمية البنك المركزي، طالبت بتخصيص ميزانيته بنسبة 25 في المائة من إجمالي أي عوائد خصخصة مرافق أو مؤسسات عامة، ما يشي بربط تلقائي لتدفقات مساهمة الدولة بعمليات سداد الودائع، وتحسين الملاءة المالية الضامنة لإصدار سندات آجلة لإيفاء الشرائح المتوسطة والأعلى للمدخرات.

ولا تختلف الآليات المقترحة في عمليات السداد الفعلي للودائع كثيراً عن سابقاتها، أو تلك المعتمدة بموجب تعاميم البنك المركزي السارية المفعول، ولا سيما لجهة تحديد الشريحة الأولى المضمونة بالإيفاء النقدي، بما يشمل الدفع الإلكتروني، بمبلغ مائة ألف دولار، تتم تسويته خلال 7 سنوات، ويجري تمويل تدفقاته بواقع 60 في المائة من قبل البنك المركزي، ونسبة 40 في المائة من قبل المصارف، علماً بأن المستفيدين حالياً من التعميم 158، يحصلون على ألف دولار شهرياً، بينما يحصل المستفيدون من التعميم 166 على حصة شهرية تبلغ 500 دولار.

لكن الرحلة الشائكة لا تلبث أن تظهر مطباتها وتعقيداتها بما يتعدَّى الحد المضمون الذي يقدَّر أن تصل تكلفته إلى نحو 23 مليار دولار، مع اقتضاء التنويه بوجود تباين محسوس في التقديرات جرَّاء عدم وضوح قاعدة الاحتساب، وإمكانية ضم مبالغ التعميمين المصروفة، ما يعني حكماً أن إجمالي الودائع العالقة بعد عزل قيود هذه الشريحة، لن يقل عن 57 مليار دولار، سنداً إلى أن إجمالي الودائع الحالية المسجلة يبلغ نحو 80 مليار دولار، حسب حصيلة البيانات المجمعة لودائع المقيمين وغير المقيمين، من الأفراد والشركات. وهو يماثل تقريباً إجمالي توظيفات البنوك لدى البنك المركزي.

ووفق المقاربة الواردة في بنود الملخص التنفيذي، والذي يتريث صندوق النقد في تقييمه بانتظار الصيغة الناجزة التي سيتم اعتمادها في خطة الحكومة المعدلة لمشروع قانون «الفجوة»، يتم استبعاد «شطب» نحو 15.5 مليار دولار من الودائع، تعود قيودها -حسب تصنيفات البنك المركزي- إلى حسابات يشتبه بارتباطها بتبييض الأموال، أو بمصادر الأموال غير المشروعة، وحسم «الفوائد المفرطة» قبل انفجار الأزمة، وحسابات الودائع الناتجة عن تحويل الليرة إلى الدولار، بعد اندلاع الأزمة في خريف عام 2019.

ومن المرجح أن يواجه هذا البند إشكاليات واعتراضات -حسب مراقبين ومعنيين- بسبب الحاجة إلى أحكام قضائية مبرمة تثبت «الشبهات»، وأولوية تحديد معدلات الفوائد «المقبولة» قبل الأزمة، وعدالة مراعاة تصفير الفوائد على إجمالي الودائع في السنوات السبع الماضية، بينما لا يمكن تبرير «معاقبة» كل المودعين الذين لاذوا بأهون الشرين، ومن دون مخالفة القوانين السارية، وقاعدة حرية الصرف، في تحويل مدخراتهم من الليرة إلى الدولار، وسط انهيارات نقدية تاريخية أفقدت العملة الوطنية ما يماثل 98 في المائة من قيمتها الشرائية.

كما يقتضي التنبه إلى أن نسبة كبيرة من هذه التحويلات ترتبط بمدخرات تعويضات نهاية الخدمة لعاملين في القطاعين العام والخاص، وصناديق تعاضدية لدى النقابات المهنية، وسيولة كبيرة تخص الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي.

استتباعاً، يرد في المقترحات إجراء تحويل طوعي بنحو 7 مليارات دولار من الودائع إلى أدوات رأسمالية (غير نقدية)، بحيث يحصل المشاركون على أسهم ممتازة قابلة للتحويل دون حق التصويت، وبذلك تنزل القيود المتبقية من نحو 80 إلى نحو 57 مليار دولار، يتم استيعابها عبر سندات مدعومة بأصول البنك المركزي، يجري توزيع استحقاقاتها (حسب المبالغ) على آجال 20 أو 25 أو 30 سنة، على أن يغطي البنك المركزي 80 في المائة من موجباتها، بينما تغطي البنوك نسبة 20 في المائة.

كذلك، تقدر ورقة المركزي حاجة القطاع المصرفي إلى نحو 2.26 مليار دولار من الرساميل الجديدة، باعتبار أن 41 مصرفاً يحتاج إلى زيادة رأس المال، بينما يحقق نحو 15 مصرفاً توازناً رأسمالياً مقبولاً. وتشترط المقترحات ضخ زيادات نقدية في الرساميل، ومن دون احتساب العقارات وحسابات الدولار المحلي (لولار) ضمن الأموال الخاصة الجديدة إلا بعد إنجاز إعادة تقييمها، وبواقع لا يتعدى 16.7 سنت للدولار الواحد. أما في حال رفض المساهمين الزيادة الرأسمالية، فيتم توجيه البنك إلى الدمج أو التصفية، وبحيث يمكن للمركزي ضخ رأس مال مؤقت، وتولي الإدارة المباشرة، ثم التخارج في مهلة أقصاها 5 سنوات.


مقالات ذات صلة

توغل إسرائيلي جديد يعرقل توسع انتشار الجيش اللبناني

المشرق العربي آلية عسكرية إسرائيلية تعبر بين الدمار في جنوب لبنان (أ.ف.ب)

توغل إسرائيلي جديد يعرقل توسع انتشار الجيش اللبناني

توغلت قوات الاحتلال الإسرائيلي، الأحد، إلى بلدة دير ميماس التي تسكنها أغلبية مسيحية في جنوب لبنان، في ثاني عملية من هذا النوع خلال يومين.

نذير رضا (بيروت)
المشرق العربي البطريرك الماروني بشارة الراعي خلال قداس في بلدة إيليج بشمال لبنان (البطريركية المارونية)

البطريرك الماروني: جنوب لبنان ليس ورقة تفاوض

أكد البطريرك الماروني بشارة الراعي أن «الجنوب ليس ورقة تفاوض»، مشدداً على أن حماية لبنان «تبدأ بحصر السلاح بيد الدولة وتكتمل بدولة واحدة وجيش قوي وسيادة كاملة».

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي العاهل الأردني الملك عبد الله الثاني والرئيسان الفرنسي إيمانويل ماكرون واللبناني جوزيف عون يلتقطون صورة قبل اجتماع «مسار العقبة» لدعم القوات المسلحة اللبنانية بمجمع «ليزانفاليد» في باريس (أ.ف.ب)

لبنان يطلب التمديد لـ«يونيفيل» بتعذر التوافق على البديل الأممي

يعلق لبنان أهمية قصوى على الاتصالات الدولية والعربية لمنع حصول فراغ أمني في الجنوب بانتهاء المهمة التي أوكلها مجلس الأمن الدولي لقوات «يونيفيل» لتطبيق «1701».

محمد شقير (بيروت)
المشرق العربي رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام مستقبلاً بعثة صندوق النقد الدولي برئاسة راميريز في وقت سابق (رئاسة الحكومة)

جهود حكومية لبنانية على خط الاستقرار ودعم المتضررين

تتواصل الجهود اللبنانية لتثبيت الاستقرار ومواكبة تداعيات الحرب، بالتوازي مع سعي لحشد الدعم الدولي للبنان.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي جرافات إسرائيلية تقوم بهدم منزل في بلدة المنصوري (رويترز)

تقوية الجيش اللبناني... شرط إسرائيلي جديد للانسحاب من الجنوب

من حماية مستوطنات الشمال إلى نزع سلاح «حزب الله»، وصولاً إلى قدرة الجيش اللبناني على تولّي الأمن، تتعدَّد الشروط التي تربط بها تل أبيب انسحابها من لبنان.

كارولين عاكوم (بيروت)

«ساما» لـ«الشرق الأوسط»: مشاركتنا في «إم بريدج» انتهت في 2025

مبنى «البنك المركزي السعودي» في العاصمة الرياض (الشرق الأوسط)
مبنى «البنك المركزي السعودي» في العاصمة الرياض (الشرق الأوسط)
TT

«ساما» لـ«الشرق الأوسط»: مشاركتنا في «إم بريدج» انتهت في 2025

مبنى «البنك المركزي السعودي» في العاصمة الرياض (الشرق الأوسط)
مبنى «البنك المركزي السعودي» في العاصمة الرياض (الشرق الأوسط)

أكّد البنك المركزي السعودي (ساما) أن مشاركته في مشروع «إم بريدج» (mBridge) للعملات الرقمية للبنوك المركزية المخصصة للمؤسسات المالية انتهت في عام 2025، موضحاً أنه أكمل تجربة إثبات المفهوم (PoC) في 13 مايو (أيار) من ذلك العام، وأن التجربة نُفذت في بيئة اختبارية دون معاملات مالية حقيقية، وفقاً للنطاق المخطط لمشاركته في المشروع منذ انضمامه إليه.

وجاء توضيح «ساما»، في تصريح خاص لـ«الشرق الأوسط»، عقب تقرير نشرته صحيفة «فاينانشال تايمز» البريطانية، يوم الأحد، أفاد بانسحاب السعودية من منصة «إم بريدج». ووصفت الصحيفة هذه المنصة بأنها مشروع تقوده الصين، وأنه يأتي ضمن جهود بكين لتطوير نظام للمدفوعات العابرة للحدود أقل اعتماداً على الدولار.

وقال «ساما» لـ«الشرق الأوسط» إن البنك المركزي انضم إلى مشروع بنك التسويات الدولية «إم بريدج» كعضو مراقب في 11 يونيو (حزيران) 2023، إلى جانب أكثر من 25 بنكاً مركزياً ومنظمة دولية أخرى، من بينها البنك المركزي الأوروبي، ومركز نيويورك للابتكار التابع للاحتياطي الفيدرالي (NYIC)، وبنك إيطاليا، وصندوق النقد الدولي، والبنك الدولي.

شعار البنك المركزي السعودي في أحد المؤتمرات (الشرق الأوسط)

وفي 5 يونيو 2024، أصبح البنك المركزي السعودي مشاركاً ضمن نطاق محدود في المشروع بهدف إجراء تجربة إثبات مفهوم (PoC)، أي اختبار عملي لمدى جدوى الفكرة والتقنية، إلى جانب اختبار منتج الحد الأدنى (MVP)، وهو النسخة الأولية من المنصة التي تتضمن وظائفها الأساسية.

وأوضح «ساما» أن التجربة نُفذت في بيئة اختبارية دون معاملات مالية حقيقية، وجرى خلالها فحص وظائف المنصة لتقييم جدوى استخدام العملات الرقمية للبنوك المركزية المخصصة للمؤسسات المالية (Wholesale CBDC) في تحسين كفاءة المدفوعات العابرة للحدود وعمليات التسوية بين البنوك التجارية.

وأضاف البنك أنه، وفقاً للنطاق المخطط لمشاركته منذ انضمامه إلى المشروع، أكمل تجربة إثبات المفهوم في 13 مايو 2025، وباكتمال التجربة انتهت مشاركة البنك المركزي السعودي في المشروع، ولم ينضم بعدها إلى مراحله التالية.

وأوضح «ساما» أن هذه الخطوة تأتي استكمالاً لجهوده المستمرة الرامية إلى دراسة الاستخدامات المحتملة للعملات الرقمية للبنوك المركزية وتقنيات الترميز واختبارها، بما يشمل بحث المسائل والتحديات المرتبطة بالسياسات والجوانب القانونية والفنية التي تواجهها البنوك المركزية والتجارية فيما يتعلق باستخدام العملات الرقمية للبنوك المركزية المخصصة للمؤسسات المالية في المدفوعات العابرة للحدود، إضافة إلى تقييم انعكاساتها المحتملة على مستقبل أنظمة المدفوعات والبنى التحتية للأسواق المالية.


الحقيل: سوق إدارة المرافق في السعودية تتجاوز 50 مليار دولار

وزير البلديات والإسكان في كلمته الافتتاحية للمعرض والمؤتمر الدولي لإدارة المرافق (الشرق الأوسط)
وزير البلديات والإسكان في كلمته الافتتاحية للمعرض والمؤتمر الدولي لإدارة المرافق (الشرق الأوسط)
TT

الحقيل: سوق إدارة المرافق في السعودية تتجاوز 50 مليار دولار

وزير البلديات والإسكان في كلمته الافتتاحية للمعرض والمؤتمر الدولي لإدارة المرافق (الشرق الأوسط)
وزير البلديات والإسكان في كلمته الافتتاحية للمعرض والمؤتمر الدولي لإدارة المرافق (الشرق الأوسط)

أكد وزير البلديات والإسكان، ماجد بن عبد الله الحقيل، أن سوق إدارة المرافق في المملكة يتجاوز حجمها 50 مليار دولار، مشيراً إلى أن حجم المنظومة يعكس الفرص المتاحة لتعظيم قيمة الأصول، ورفع كفاءة المدن، وتطوير قطاع وطني قادر على المنافسة عالمياً.

وافتتح وزير البلديات والإسكان ماجد بن عبد الله الحقيل، اليوم، أعمال المؤتمر والمعرض الدولي الثالث لإدارة المرافق 2026، الذي يُقام تحت شعار «مرافق ذكية... مدن ذكية»، بمشاركة نخبة من المختصين والخبراء والجهات الحكومية والخاصة والمهتمين بقطاع إدارة المرافق.

وأوضح أن انعقاد المؤتمر يأتي في مرحلة تتوسع فيها المدن السعودية وتتنامى أصولها وخدماتها، بالتزامن مع استحقاقات وطنية وعالمية كبرى، في مقدمتها «إكسبو الرياض 2030» و«كأس العالم 2034»، ما يعزز الحاجة إلى تطوير أساليب إدارة الأصول والمرافق ورفع كفاءتها.

تشغيل المرافق

وأشار وزير البلديات والإسكان إلى أن إدارة المرافق أصبحت عنصراً مؤثراً في قدرة المدن على الحفاظ على مواردها وتحسين خدماتها واتخاذ القرارات في الوقت المناسب، مؤكداً أهمية الانتقال من تشغيل المرفق إلى إدارة قيمة الأصل طوال دورة حياته، ومن معالجة الأعطال بعد وقوعها إلى التنبؤ بالاحتياج قبل حدوثها.

وبيّن أن البيانات والذكاء الاصطناعي والتوائم الرقمية توفر أدوات عملية لرفع كفاءة إدارة الأصول، من خلال قراءة أدائها، والتنبؤ باحتياجاتها، ودعم اتخاذ القرار، بما يسهم في تقديم خدمات أكثر موثوقية، ورفع كفاءة الأصول، وتعزيز كفاءة استخدام الموارد.

ولفت إلى أن الوزارة تركز في هذا المجال على أولويتين رئيسيتين؛ تتمثل الأولى في إدارة الأصول بالبيانات والنتائج، من خلال ربط إدارة الأصل بمراحل التصميم والتخطيط والتشغيل والصيانة والتحسين، وتطوير عقود تربط مقدم الخدمة بالنتائج، ومؤشرات أداء تقيس القيمة الفعلية.

الابتكار والاستثمار

فيما تتمثل الأولوية الثانية في بناء سوق سعودية تنافسية تصنع الحلول والمهارات، بما يتيح للشركات الوطنية النمو، ويعزز فرص الابتكار والاستثمار في القطاع الخاص، ويدعم تأهيل الكفاءات السعودية في مجالات الهندسة والتقنية وإدارة الأصول وتحليل البيانات.

الوزير الحقيل خلال جولته في المعرض المرافق للمؤتمر (الشرق الأوسط)

وبحسب الوزير الحقيل، فإن دور وزارة البلديات والإسكان يتمثل في تطوير بيئة تنظيمية واضحة ومحفزة، وتعزيز الشراكات التي تسهم في رفع مستوى الممارسة وتوسيع أثرها، لافتاً إلى أن تطوير قطاع إدارة المرافق مسؤولية مشتركة بين الجهات الحكومية والقطاع الخاص والجامعات ومراكز المعرفة والخبراء.

وأكمل أن المؤتمر والمعرض الدولي الثالث لإدارة المرافق 2026 يستهدف الانتقال من تبادل الأفكار إلى شراكات ومشروعات وحلول قابلة للتوسع، بما يعزز تطور القطاع ويرفع جاهزيته للمرحلة المقبلة.

المدن الذكية

واختتم وزير البلديات والإسكان كلمته بالتأكيد على أن المدن الذكية تُبنى بقدرتها على تحويل البيانات إلى قرار، والقرار إلى خدمة، والخدمة إلى قيمة يشعر بها الإنسان، مبيناً أن مستقبل إدارة المرافق في المملكة يقوم على التقنية بوصفها أداة، والبيانات كونها أساساً، والاستثمار بصفته محركاً، والكفاءة كونها معياراً، والإنسان اعتباره غاية.

وشهد المؤتمر، الذي تنظمه جمعية إدارة المرافق السعودية، مشاركة أكثر من 200 جهة حكومية وخاصة في نسخة 2026، إلى جانب حضور دولي من خبراء ومتخصصين وأساتذة جامعات، يناقشون مستقبل قطاع إدارة المرافق، ويستعرضون أبرز التجارب والممارسات والحلول والتقنيات الحديثة في هذا المجال.


«وول ستريت» تتوقع اقتراض واشنطن نحو تريليون دولار من الدين القصير

يسير الناس على طول شارع وول ستريت في الحي المالي بنيويورك (أ.ف.ب)
يسير الناس على طول شارع وول ستريت في الحي المالي بنيويورك (أ.ف.ب)
TT

«وول ستريت» تتوقع اقتراض واشنطن نحو تريليون دولار من الدين القصير

يسير الناس على طول شارع وول ستريت في الحي المالي بنيويورك (أ.ف.ب)
يسير الناس على طول شارع وول ستريت في الحي المالي بنيويورك (أ.ف.ب)

تتجه الولايات المتحدة إلى زيادة اعتمادها على أذون الخزانة قصيرة الأجل لتمويل احتياجاتها القياسية من الاقتراض، في وقت ترتفع فيه كلفة الدين طويل الأجل، ما يوفر للخزانة تمويلاً أرخص في الأجل القريب، لكنه يزيد في المقابل تعرض المالية العامة لمخاطر إعادة التمويل وتقلب أسعار الفائدة.

وذكرت صحيفة «فاينانشال تايمز» أن بنوك «وول ستريت» تتوقع أن تصل إصدارات أذون الخزانة إلى نحو تريليون دولار خلال العام المقبل. ويقدّر «بنك أوف أميركا» الإصدارات بنحو 1.07 تريليون دولار خلال السنة المالية المنتهية في سبتمبر (أيلول) 2027، باستثناء المبالغ المستخدمة لإعادة تمويل الديون المستحقة، فيما توقع «جي بي مورغان» نحو 1.09 تريليون دولار خلال عام 2027، مقابل 961 مليار دولار وفق تقديرات «غولدمان ساكس».

وتأتي هذه التوقعات مع ارتفاع عوائد السندات الأميركية طويلة الأجل إلى أعلى مستوياتها منذ 2007، وسط زيادة الدين العام، وتنامي احتياجات الشركات إلى الاقتراض لتمويل استثمارات الذكاء الاصطناعي، إلى جانب تحسن توقعات النمو الاقتصادي.

تريليون دولار إضافية

ويؤدي الاعتماد المتزايد على أذون الخزانة، التي تستحق خلال عام أو أقل، إلى رفع حجم الدين القصير القائم إلى نحو 8 تريليونات دولار، أو ما يعادل 24.3 في المائة من إجمالي الدين القابل للتداول بحلول سبتمبر 2027 وفق تقدير «بنك أوف أميركا».

ويقترب ذلك من المستويات المرتفعة التي سُجلت خلال جائحة «كوفيد-19»، ويتجاوز المستوى الذي تستهدفه لجنة استشارية تابعة لوزارة الخزانة، والبالغ نحو 20 في المائة من إجمالي الدين على المدى الطويل، باعتباره توازناً بين كلفة الفائدة ومخاطر تقلب تكاليف التمويل وإعادة تدوير الدين.

وتشير بيانات تاريخية إلى أن نسبة أذون الخزانة تجاوزت ربع إجمالي الدين القابل للتداول خلال فترات استثنائية، أبرزها الجائحة والأزمة المالية العالمية في 2008. أما متوسطها منذ ثمانينات القرن الماضي فيبلغ نحو 22.4 في المائة.

ويرى محللون أن استراتيجية التمويل القصير تمنح وزارة الخزانة ميزة واضحة في الوقت الحالي، إذ يبلغ عائد أذون الخزانة لأجل عام نحو 4.4 في المائة، مقارنة بنحو 5 في المائة للسندات لأجل 10 سنوات ونحو 5.3 في المائة للسندات لأجل 30 عاماً.

لكن انخفاض الكلفة الحالية يأتي مقابل الحاجة إلى إعادة تمويل هذه الديون بوتيرة أسرع. وحذر محللون، وفق «فاينانشال تايمز»، من أن زيادة الاعتماد على الآجال القصيرة تجعل فاتورة خدمة الدين أكثر تقلباً إذا ارتفعت أسعار الفائدة، فيما وصف آخرون ذلك بأنه زيادة في «مخاطر تدوير الدين»، وفق «فاينانشال تايمز».

تعرض الشاشات مؤتمراً صحافياً لرئيس الاحتياطي الفيدرالي كيفين وارش في قاعة بورصة نيويورك (أ.ب)

استراتيجية بيسنت

وتكتسب هذه السياسة أهمية إضافية في ظل مساعي وزير الخزانة سكوت بيسنت للحد من ارتفاع عوائد السندات طويلة الأجل. وكانت وزارة الخزانة قد فاجأت الأسواق الشهر الماضي بخطط لتوسيع مشترياتها من السندات التي تتراوح آجالها بين 10 و30 عاماً، في خطوة تهدف إلى المساعدة في احتواء تكاليف الاقتراض طويلة الأجل.

وفي الوقت نفسه، تواصل الوزارة زيادة إصدارات الدين القصير لتلبية احتياجات الحكومة التمويلية الكبيرة. ويأتي ذلك رغم أن بيسنت كان قد انتقد في السابق وزيرة الخزانة السابقة جانيت يلين بسبب زيادة الاعتماد على الدين القصير، معتبراً أن تلك السياسة ساهمت في تخفيف شروط التمويل قبل انتخابات 2024.

وتجد الخزانة الأميركية في المقابل قاعدة واسعة من المشترين لأذونها. وتبلغ أصول صناديق سوق النقد الأميركية نحو 8 تريليونات دولار، فيما اشترى الاحتياطي الفيدرالي نحو 250 مليار دولار من أذون الخزانة خلال النصف الأول من العام، وفق «فاينانشال تايمز». كما ينظر بيسنت إلى العملات المستقرة المرتبطة بالدولار باعتبارها مصدراً إضافياً للطلب على أدوات الدين القصيرة.

عجز مرتفع

وتأتي زيادة الاعتماد على الدين القصير في وقت لا تزال فيه المالية الأميركية تواجه عجزاً كبيراً. ويتوقع مكتب الموازنة في الكونغرس أن يبقى العجز عند نحو 6 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي طوال أفق توقعاته لعشر سنوات، وهو مستوى يزيد كثيراً على هدف بيسنت البالغ 3 في المائة بنهاية الولاية الثانية للرئيس دونالد ترمب.

ويراهن بيسنت على احتواء الإنفاق وتعزيز النمو الاقتصادي كوسيلة لتخفيف عبء الدين، وقال في وقت سابق من الشهر إن المشكلة الرئيسية في الولايات المتحدة تتعلق بالإنفاق وليس بالإيرادات، وإن تحقيق نمو عند 3 في المائة يمكن أن يساعد البلاد على «النمو للخروج» من عبء الدين.

لكن ارتفاع أسعار الفائدة يضع هذا الرهان أمام اختبار مزدوج: فالنمو الأقوى قد يدعم الإيرادات ويخفف نسبة الدين إلى الناتج، فيما يؤدي ارتفاع العوائد إلى زيادة كلفة خدمة الدين، خصوصاً إذا اضطرت الخزانة إلى إعادة تمويل جزء أكبر من محفظتها بوتيرة أسرع.