صعيد منى... يقرّب المسافات ويحتضن الدعوات

رغم اختلاف اللهجات والتقاليد والعادات تبقى لغة الإيمان القاسم المشترك

قطع الحاج الجزائري آلاف الأميال عابراً البحر والبر ليلبّي النداء الذي انتظره طوال حياته (تصوير: بشير صالح)
قطع الحاج الجزائري آلاف الأميال عابراً البحر والبر ليلبّي النداء الذي انتظره طوال حياته (تصوير: بشير صالح)
TT

صعيد منى... يقرّب المسافات ويحتضن الدعوات

قطع الحاج الجزائري آلاف الأميال عابراً البحر والبر ليلبّي النداء الذي انتظره طوال حياته (تصوير: بشير صالح)
قطع الحاج الجزائري آلاف الأميال عابراً البحر والبر ليلبّي النداء الذي انتظره طوال حياته (تصوير: بشير صالح)

لم تكن المسافة الفاصلة بين مخيمات الحجاج في مشعر منى سوى خطوات معدودة، لكنها اختزلت آلاف الأميال التي قطعها حاجان؛ أحدهما جاء من أقصى مشرق العالم العربي، والآخر من أقصى مغربه. وتُعرف منى بـ«مدينة الخيام الكبرى» التي اكتمل وصول الحجاج إليها الاثنين، وهي أكبر مدينة خيام في العالم، تقع في وادٍ تحيط به الجبال على بُعد نحو 7 كيلومترات شمال شرقي المسجد الحرام في مكة المكرمة، وتُعد المحطة الأولى لرحلة الحج، حيث يقيم فيها الحجاج، معظم أيام الحج. وعلى جنبات وادي منى، حيث تذوب الفوارق وتتوحد القلوب، التقى صالح محمد القادم من اليمن مع محمد أبو سامح الوافد من الجزائر، ليجسدا معاً لوحة إيمانية حية تختصر مشهد الحج وقيمه.

على جنبات وادي منى تذوب الفوارق وتتوحد القلوب (تصوير: بشير صالح)

رحلة الشوق من اليمن السعيد

جلس صالح محمد (52 عاماً) في زاوية خيمته، يتأمل جموع الحجيج لحظة وصولهم إلى منى. لم تكن رحلته من اليمن إلى مكة المكرمة مجرد سفر عابر، بل كانت مخاضاً طويلاً من الصبر والدعاء وسط ظروف استثنائية يعيشها بلده. يقول صالح لـ«الشرق الأوسط»: «لقد ظل حلم الحج يراودني لسنوات طويلة، كنت أجمع تكلفة هذه الرحلة ريالاً فوق ريال، وفي كل خطوة خطوتها من قريتي المعلقة على قمم جبال اليمن حتى وصولي إلى المشاعر المقدسة، كنت أحمل معي هموم وطني، وأشواق عائلتي التي حمّلتني أمانة الدعاء بالسلام والازدهار لليمن السعيد». يحمل صالح تطلعات بسيطة لكنها عميقة؛ يتطلع إلى غدٍ أفضل، وإلى حياة مستقرة يملؤها الأمان، وقد وجد في رحاب منى الطمأنينة التي بحث عنها طويلاً.

منى تُعد المحطة الأولى لرحلة الحج حيث يقيم فيها الحجاج معظم أيام الحج (تصوير: بشير صالح)

من الجزائر... تلبية لنداء العمر

على بُعد مسافة قصيرة جداً، كان محمد أبو سامح (45 عاماً) يرتدي ملابس الإحرام البيضاء، وهو يتحدث بنبرة يملؤها التأثر والوقار، قطع أبو سامح آلاف الأميال من الجزائر، عابراً البحر والبر، ليلبي النداء الذي انتظره طوال حياته. يقول أبو سامح: «الحج بالنسبة لسكان المغرب العربي هو رحلة العمر التي يستعدون لها وجدانياً ومادياً قبل سنوات، يأتون من بلدانهم محملين بآمال عريضة، وأدعية لا تنتهي للأبناء والأحفاد، وللأمة جمعاء برغد العيش والوحدة». وأضاف والابتسامة ترتسم على وجهه: «أن تقف هنا في منى، وتجد نفسك بجوار أخ لك من دولة عربية أو من أي بقعة في الأرض، تشاركه السكن، والمشرب، والنسك، هو التجسيد الحقيقي لقيم الحج ومعانيه».

منى هي أكبر مدينة خيام في العالم على بعد نحو 7 كيلومترات شمال شرقي المسجد الحرام (تصوير: بشير صالح)

ورغم اختلاف اللهجات والتقاليد والعادات، فإن لغة الإيمان هي القاسم المشترك الذي ألغى المسافات بين صالح ومحمد، التقيا عند مدخل الخيام، وتبادلا التحية والتهاني ببلوغ هذه الأيام الفضيلة، وتشاركا حديثاً عفوياً يفيض بالأخوّة. وقف الحاجان، صالح بأشجانه وتطلعاته اليمنية، وأبو سامح بطموحاته وآماله الجزائرية، على صعيد واحد، يرفعان أكفهما بالدعاء في مشعر منى الذي يضم ملايين الحكايا والقلوب.

بهذا المشهد، تحوّلت المسافة الجغرافية الهائلة بين صنعاء والجزائر إلى خطوة واحدة تختصر وحدة بشرية في أقدس البقاع. ومع استعداد الحجيج لصعود عرفات (الثلاثاء) واستكمال مناسكهم، يبقى لقاء صالح وأبو سامح شاهداً على أن الحج يظل دائماً الجسر الأكبر الذي يربط وجدان المسلمين من مشرق الأرض إلى مغربها، حيث تتلاشى الهموم الفردية لتذوب في دعاء جماعي واحد.


مقالات ذات صلة

«الحج» السعودية تطلق «بوابة رقمية» للتكامل بين الجهات المحلية والدولية

يوميات الشرق تهدف «البوابة» إلى تنظيم عمليات التكامل وتوحيد إجراءاتها ضمن إطار موحد (واس)

«الحج» السعودية تطلق «بوابة رقمية» للتكامل بين الجهات المحلية والدولية

أطلقت وزارة الحج والعمرة السعودية، الأربعاء، «بوابة التكاملات» لتكون حلاً رقمياً موحداً لإدارة وتنسيق التكامل مع الجهات الحكومية والخاصة محلياً ودولياً.

«الشرق الأوسط» (جدة)
المشرق العربي مزارعان سوريان بجانب صاروخ إيراني سقط بأرض زراعية في نجها بريف دمشق بعد أن اعترضته أنظمة الدفاع الجوي الإسرائيلية يوم 8 يونيو 2026 (أ.ف.ب)

«رشقات» إيران وإسرائيل أغلقت الممرات الجوية السورية وأربكت عودة الحجاج

أعلنت إدارة الحج والعمرة بوزارة الأوقاف السورية إعادة جدولة رحلتين مخصصتين لعودة الحجاج، الاثنين، وتحديد وجهتهما إلى «مطار الملكة علياء الدولي» في الأردن...

«الشرق الأوسط» (دمشق - لندن)
الخليج تتيح البوابات الإلكترونية في المطارات إنهاء إجراءات مغادرة ضيوف الرحمن «ذاتياً» (واس)

السعودية تتيح للحجاج إنهاء إجراءات مغادرتهم لبلدانهم «ذاتياً»

تتيح تقنية البوابات الإلكترونية (E-gates) في المطارات، إنهاء إجراءات مغادرة ضيوف الرحمن «ذاتياً» من خلال مطابقة البيانات الحيوية في ثوانٍ معدودة.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
الخليج خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز وولي العهد الأمير محمد بن سلمان (واس)

خادم الحرمين: الجهود المتميزة أسهمت في نجاح «الحج» رغم ظروف المنطقة

أعرب خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز، عن سروره بحرص وتفاني الجميع في نيل شرف خدمة ضيوف الرحمن.

«الشرق الأوسط» (جدة)
خاص حجاج إيرانيون خلال أداء مناسك الحج هذا العام (السفارة الإيرانية) p-circle

خاص عنايتي لـ«الشرق الأوسط»: بدء عودة 30 ألف حاج إيراني من السعودية جواً

قال السفير الإيراني لدى السعودية الدكتور علي رضا عنايتي إن نحو 30 ألف حاج وحاجة من إيران أدوا مناسك الحج هذا العام، وحظوا بحفاوة الاستقبال وكرم الضيافة.

عبد الهادي حبتور (الرياض)