الأمن السيبراني في الحج... حماية تمتد من التطبيقات إلى المرافق الحيوية

أصبح الأمن السيبراني ركناً أساسياً في جاهزية موسم الحج الرقمية واستمرارية خدماته الحيوية (الشركة)
أصبح الأمن السيبراني ركناً أساسياً في جاهزية موسم الحج الرقمية واستمرارية خدماته الحيوية (الشركة)
TT

الأمن السيبراني في الحج... حماية تمتد من التطبيقات إلى المرافق الحيوية

أصبح الأمن السيبراني ركناً أساسياً في جاهزية موسم الحج الرقمية واستمرارية خدماته الحيوية (الشركة)
أصبح الأمن السيبراني ركناً أساسياً في جاهزية موسم الحج الرقمية واستمرارية خدماته الحيوية (الشركة)

مع اتساع الاعتماد على التطبيقات والمنصات الذكية في موسم الحج، لم يعد الأمن السيبراني مجرد إجراء تقني، بل أصبح جزءاً مباشراً من استمرارية الخدمات وسلامة التشغيل. فالموسم الذي يجمع ملايين الحجاج في نطاق جغرافي وزمني محدد يعتمد اليوم على منظومة رقمية واسعة تدعم النقل، والصحة، والاتصالات، والخدمات البلدية، وإدارة الحشود، والمنصات المخصصة لضيوف الرحمن.

هذا التحوُّل يجعل حماية الأنظمة المتصلة شرطاً أساسياً لضمان عمل الخدمات بكفاءة. فكل تطبيق أو منصة، أو نظام مراقبة، أو بنية تشغيلية مرتبطة بالموسم يمكن أن تتحول إلى نقطة حساسة إذا لم تُحمَ بطريقة مناسبة. ومع اقتراب موسم الحج هذا العام، تبرز الحاجة إلى التعامل مع الأمن السيبراني بوصفه جزءاً من إدارة المخاطر التشغيلية، لا مجرد طبقة حماية إضافية.

منظومة شديدة الترابط

تزداد حساسية البيئة الرقمية في الحج بسبب طبيعتها المترابطة؛ فالمنظومة لا تقتصر على تطبيقات يستخدمها الحجاج، بل تشمل أنظمة النقل، والخدمات الصحية، والمراقبة، وإدارة المباني الذكية، ومرافق الطاقة، والتبريد، والمصاعد، والإضاءة، وأنظمة السلامة.

يقول معتصم الصوفي، مدير أول تطوير أعمال أمن التكنولوجيا التشغيلية في شركة «فورتينت السعودية» إن موسم الحج أصبح يعتمد على منظومة تقنية متكاملة تدير تفاصيل تشغيلية دقيقة، من قطار المشاعر المقدسة، والتطبيقات الذكية، والخدمات الصحية، إلى أنظمة إدارة المباني، والمولّدات الاحتياطية التي تضمن استمرار تشغيل المرافق الأساسية.

هذا الترابط يمنح الجهات المشغّلة قدرة أكبر على إدارة الخدمات، لكنه يرفع في الوقت نفسه مستوى المخاطر؛ فالخلل في نظام واحد قد لا يبقى محصوراً داخله إذا كانت الأنظمة مترابطة بشدة. لذلك تصبح سلامة البيانات، واستقرار الشبكات، وحماية أنظمة التشغيل، عناصر مؤثرة مباشرة في جودة التجربة المقدَّمة للحجاج.

معتصم الصوفي، مدير أول تطوير أعمال أمن التكنولوجيا التشغيلية في شركة «فورتينت السعودية» (الشركة)

حين يلتقي الرقمي بالتشغيلي

اللافت في موسم الحج أن التهديد السيبراني لا يبقى دائماً داخل حدود البيانات، أو التطبيقات. في بعض الحالات، قد يمتد أثره إلى أنظمة تشغيلية لها علاقة مباشرة بالحركة، والطاقة، والتبريد، والسلامة. وهذا ما يجعل الجمع بين حماية بيئات تقنية المعلومات وبيئات التكنولوجيا التشغيلية أمراً ضرورياً.

تقنية المعلومات تشمل الأنظمة المعتادة، مثل الشبكات، والتطبيقات، ومراكز البيانات، والمنصات الرقمية. أما التكنولوجيا التشغيلية فتشمل الأنظمة التي تتحكم في مرافق مادية، مثل التبريد، والطاقة، والمصاعد وبعض أنظمة النقل، والمراقبة. وفي بيئة مزدحمة، وحساسة، مثل الحج، لا يمكن التعامل مع هذين العالمين كمسارين منفصلين.

يحذر الصوفي من أن أي استهداف لشبكات النقل أو أنظمة الطاقة والتبريد قد ينعكس بصورة مباشرة على سلامة الحجاج واستمرارية الخدمات. لذلك لم تعد الحماية السيبرانية تركز فقط على منع سرقة البيانات، بل تشمل أيضاً ضمان عدم تعطل الأنظمة التي يعتمد عليها التشغيل اليومي للموسم.

تهديدات أكثر تعقيداً

تواجه الجهات المرتبطة بالحج مجموعة واسعة من المخاطر الرقمية، من أبرزها حملات التصيد الاحتيالي، التي تستهدف المستخدمين عبر رسائل وروابط مزيفة، والمنصات الرقمية الوهمية التي قد تستغل حاجة الحجاج إلى الخدمات، إضافة إلى برمجيات الفدية، ومحاولات سرقة البيانات، والهجمات التي تستهدف الأنظمة التشغيلية والبنية التحتية الحيوية.

تزداد هذه المخاطر مع توسع استخدام الذكاء الاصطناعي والأتمتة في الهجمات الرقمية. فالمهاجمون قادرون على إنتاج رسائل أكثر إقناعاً، وتخصيص محاولات الاحتيال، وتسريع عمليات المسح والاستهداف. وهذا يفرض على الجهات المشغّلة امتلاك آليات كشف واستجابة أسرع لا تعتمد فقط على التدخل البشري بعد وقوع الحادث.

في هذا السياق، تصبح الجاهزية اللحظية عاملاً حاسماً؛ فالهجوم الذي يستهدف خدمة عادية قد يكون مزعجاً في أي وقت، لكنه في موسم الحج قد يتحول إلى ضغط تشغيلي كبير بسبب كثافة الاستخدام وحساسية التوقيت. لذلك تحتاج الجهات المعنية إلى مراقبة مستمرة، وقدرة على العزل السريع، وخطط واضحة لاستمرار الخدمة.

يقلل وعي الحجاج والموظفين بالممارسات الآمنة فرص الاحتيال ويحمي البيانات والخدمات الرقمية (واس)

مراكز العمليات الأمنية

تلعب مراكز العمليات الأمنية دوراً مركزياً في حماية المواسم الكبرى؛ فهي تعمل على مراقبة الأنشطة الرقمية، وتحليل الإشارات الآتية من الشبكات، والأنظمة، ورصد السلوكيات غير الطبيعية قبل أن تتحول إلى حوادث مؤثرة. ويشير الصوفي إلى أن هذه المراكز تمثل أحد خطوط الدفاع الأساسية خلال المواسم التشغيلية الكبرى، لأنها توفر مراقبة على مدار الساعة، وتحليلاً مستمراً للأنشطة الرقمية. وتكمن أهميتها في القدرة على الربط بين الأحداث المتفرقة، حيث قد تبدو محاولة دخول فاشلة، أو حركة غير مألوفة داخل الشبكة حدثاً محدوداً، لكنها قد تكون جزءاً من نمط أكبر يستهدف خدمة أو نظاماً بعينه.

كلما كان الاكتشاف أسرع، زادت قدرة الفرق الفنية على احتواء الخطر قبل أن ينعكس على المستخدمين أو العمليات. ولهذا ترتبط فعالية الأمن السيبراني في الحج بسرعة الاستجابة بقدر ارتباطها بقوة الأنظمة نفسها.

العامل البشري

رغم التركيز على التقنيات المتقدمة، يبقى العنصر البشري أحد أكثر العوامل تأثيراً في الأمن السيبراني؛ فالكثير من الهجمات تبدأ برسالة احتيالية، أو رابط مزيف، أو مشاركة غير مقصودة لبيانات حساسة، أو استخدام غير آمن لشبكات عامة. ويشدد الصوفي على أن الوعي السيبراني يمثل جزءاً رئيساً من منظومة الحماية، إلى جانب الحلول التقنية. ويشمل ذلك تدريب الموظفين والكوادر الموسمية والمتعاقدين على اكتشاف الرسائل المشبوهة، والتعامل بحذر مع الروابط، وتجنُّب السلوكيات الرقمية غير الآمنة؛ ففي موسم يعتمد على عدد كبير من الجهات والفرق والمورّدين لا تكفي حماية الأنظمة المركزية إذا كانت الأطراف المتصلة بها تفتقر إلى الوعي اللازم. لذلك يصبح التدريب المستمر جزءاً من الاستعداد للموسم، وليس نشاطاً جانبياً.

يقول خبراء إن التهديدات السيبرانية قد تستهدف التطبيقات والمنصات الوهمية وأنظمة الطاقة والتبريد والنقل (واس)

حماية الحجاج رقمياً

لا تقتصر الحماية على المؤسسات، فالحجاج أنفسهم جزء من البيئة الرقمية للموسم، خصوصاً مع استخدام التطبيقات الرسمية والحجوزات وخدمات الدفع والمنصات الإرشادية. لذلك تزداد أهمية توجيه المستخدمين إلى الممارسات الآمنة. ومن أبرز هذه الممارسات الاعتماد على التطبيقات والمنصات الرسمية فقط، وتجنب الروابط مجهولة المصدر، وعدم مشاركة البيانات الشخصية، أو كلمات المرور، أو رموز التحقق لمرة واحدة. كما يُنصح بالحذر عند استخدام شبكات الإنترنت العامة، والتحقق من موثوقية قنوات الدفع قبل تنفيذ أي عملية مالية. هذه الإرشادات تبدو بسيطة، لكنها مهمة في موسم قد يستغله المحتالون لإنشاء صفحات أو رسائل تبدو مرتبطة بخدمات الحج. وكلما كان المستخدم أكثر وعياً، قلَّت فرص نجاح الهجمات التي تعتمد على الخداع بدلاً من اختراق الأنظمة مباشرة.

استعداد المؤسسات

بالنسبة إلى المؤسسات الخدمية، تتطلب الجاهزية السيبرانية مجموعة من الإجراءات المتكاملة. تشمل هذه الإجراءات التشفير، والمصادقة متعددة العوامل، وضوابط الوصول، والمراقبة المستمرة، وحماية البيانات، وخطط الاستجابة للحوادث، واختبار قدرة الأنظمة على الاستمرار تحت الضغط. الأهم أن هذه الإجراءات لا تعمل منفصلة؛ فالمصادقة القوية تقلل فرص الدخول غير المصرَّح به، والمراقبة تكشف السلوك غير الطبيعي، وخطط الاستجابة تحدد ما يحدث عند وقوع حادث، وضوابط الوصول تمنع اتساع الضرر إذا تم اختراق حساب أو جهاز. وفي بيئة الحج، حيث تتداخل جهات حكومية، وخدمية، وتقنية متعددة، يصبح التكامل بين فرق الأمن السيبراني، والعمليات التشغيلية، ومقدمي الخدمات جزءاً أساسياً من إدارة الموسم؛ فالحماية الفعالة لا تأتي من أداة واحدة، بل من تنسيق واضح بين الأنظمة والفرق والإجراءات.

مرونة الخدمات الحيوية

تتجه المملكة ضمن برامج التحول الرقمي و«رؤية 2030» إلى رفع مستوى الجاهزية الرقمية، وتعزيز حماية الخدمات التقنية، خصوصاً في المواسم الكبرى. وفي حالة الحج، لا يعني الأمن السيبراني فقط منع الهجمات، بل ضمان استمرار الخدمات عند حدوث خلل أو محاولة استهداف. المرونة هنا تعني أن تكون الأنظمة قادرة على الاستمرار، أو العودة سريعاً إلى العمل، أو عزل الخلل قبل امتداده. ومع زيادة الاعتماد على الأنظمة الذكية في إدارة الحشود والمرافق والخدمات، تصبح هذه المرونة جزءاً من جودة التجربة وسلامة التشغيل. وبذلك يدخل الأمن السيبراني في صميم البنية التشغيلية للحج؛ فهو يحمي البيانات، ويدعم استمرارية الخدمات، ويقلل مخاطر التعطل، ويساعد الجهات المعنية على إدارة واحدة من أكثر البيئات الرقمية، والتشغيلية تعقيداً في العالم.


مقالات ذات صلة

«رشقات» إيران وإسرائيل أغلقت الممرات الجوية السورية وأربكت عودة الحجاج

المشرق العربي مزارعان سوريان بجانب صاروخ إيراني سقط بأرض زراعية في نجها بريف دمشق بعد أن اعترضته أنظمة الدفاع الجوي الإسرائيلية يوم 8 يونيو 2026 (أ.ف.ب)

«رشقات» إيران وإسرائيل أغلقت الممرات الجوية السورية وأربكت عودة الحجاج

أعلنت إدارة الحج والعمرة بوزارة الأوقاف السورية إعادة جدولة رحلتين مخصصتين لعودة الحجاج، الاثنين، وتحديد وجهتهما إلى «مطار الملكة علياء الدولي» في الأردن...

«الشرق الأوسط» (دمشق - لندن)
الخليج تتيح البوابات الإلكترونية في المطارات إنهاء إجراءات مغادرة ضيوف الرحمن «ذاتياً» (واس)

السعودية تتيح للحجاج إنهاء إجراءات مغادرتهم لبلدانهم «ذاتياً»

تتيح تقنية البوابات الإلكترونية (E-gates) في المطارات، إنهاء إجراءات مغادرة ضيوف الرحمن «ذاتياً» من خلال مطابقة البيانات الحيوية في ثوانٍ معدودة.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
الخليج خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز وولي العهد الأمير محمد بن سلمان (واس)

خادم الحرمين: الجهود المتميزة أسهمت في نجاح «الحج» رغم ظروف المنطقة

أعرب خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز، عن سروره بحرص وتفاني الجميع في نيل شرف خدمة ضيوف الرحمن.

«الشرق الأوسط» (جدة)
خاص حجاج إيرانيون خلال أداء مناسك الحج هذا العام (السفارة الإيرانية) p-circle

خاص عنايتي لـ«الشرق الأوسط»: بدء عودة 30 ألف حاج إيراني من السعودية جواً

قال السفير الإيراني لدى السعودية الدكتور علي رضا عنايتي إن نحو 30 ألف حاج وحاجة من إيران أدوا مناسك الحج هذا العام، وحظوا بحفاوة الاستقبال وكرم الضيافة.

عبد الهادي حبتور (الرياض)
الخليج فهد الجلاجل خلال اطمئنانه على صحة أحد الحجاج ضمن جولاته لمتابعة أعمال المستشفيات والمراكز الصحية في المشاعر المقدسة (الصحة السعودية)

إشادة أممية بنجاح السعودية في حماية الصحة العالمية خلال موسم الحج

أشادت منظمات دولية وعالمية، بالجاهزية الصحية المتقدمة التي وفرتها السعودية لضيوف الرحمن خلال أدائهم مناسك الحج ونجاحها الاستثنائي بإدارة أكبر التجمعات البشرية.

«الشرق الأوسط» (مكة المكرمة)

عيون ذكية تمنح السيارات ذاتية القيادة رؤية أقرب إلى الإنسان

يعتمد الابتكار على مكوّنات صغيرة تغيّر حساسيتها للضوء، بدلاً من الاعتماد على الكاميرات والخوارزميات فق (شاترستوك)
يعتمد الابتكار على مكوّنات صغيرة تغيّر حساسيتها للضوء، بدلاً من الاعتماد على الكاميرات والخوارزميات فق (شاترستوك)
TT

عيون ذكية تمنح السيارات ذاتية القيادة رؤية أقرب إلى الإنسان

يعتمد الابتكار على مكوّنات صغيرة تغيّر حساسيتها للضوء، بدلاً من الاعتماد على الكاميرات والخوارزميات فق (شاترستوك)
يعتمد الابتكار على مكوّنات صغيرة تغيّر حساسيتها للضوء، بدلاً من الاعتماد على الكاميرات والخوارزميات فق (شاترستوك)

تواجه السيارات ذاتية القيادة والروبوتات المتقدمة تحدياً أساسياً في كيفية تعاملها مع بيئات تتغير فيها الإضاءة بسرعة أو تتداخل فيها مستويات الضوء والظلام. فالكاميرات والخوارزميات والذكاء الاصطناعي تستطيع تحليل المشهد في ظروف كثيرة، لكنها قد تتعثر عندما يجتمع الضوء القوي مع الخلفيات المعتمة، كما يحدث مثلاً عند قيادة سيارة ليلاً وسط مصابيح أمامية قوية وسماء داكنة.

بحث جديد، شارك في قيادته مهندس من جامعة ولاية بنسلفانيا، يقترح طريقة مختلفة لمعالجة هذه المشكلة. بدلاً من الاعتماد فقط على تحسين الكاميرات أو تدريب الخوارزميات، اتجه الباحثون إلى محاكاة آلية عمل العين البشرية نفسها، عبر تطوير مكوّن صغير قادر على تعديل حساسيته للضوء تبعاً للبيئة المحيطة.

يطوّر الباحثون مستشعرات ضوئية تحاكي قدرة العين البشرية على التكيف مع اختلافات الضوء والظلام (شاترستوك)

مشكلة الضوء المختلط

تعمل أنظمة الرؤية الاصطناعية عادة بشكل جيد عندما تكون ظروف الإضاءة مستقرة، سواء كانت قوية أو ضعيفة. لكن المشكلة تظهر عندما يكون المشهد مختلطاً، مثل جزء شديد السطوع، وآخر منخفض الإضاءة، وتفاصيل صغيرة يجب تمييزها وسط هذا التباين.

هذا النوع من البيئات ليس نادراً حيث تحتاج السيارة ذاتية القيادة إلى تمييز إشارة حمراء وسط انعكاسات قوية، أو رؤية مشاة عند حافة طريق مظلم مع وجود أضواء مركبات مقابلة. والروبوت في مصنع قد يتحرك بين مناطق بها ضوء وأخرى أكثر ظلمة. في هذه الحالات، لا يكفي أن تكون الكاميرا عالية الدقة؛ يجب أن يكون النظام قادراً على التكيّف مع الضوء كما تفعل العين البشرية.

مكوّن يحاكي العين

المكوّن الذي طوّره الباحثون ينتمي إلى فئة تعرف باسم «الفوتوممريستور»، وهي نسخة ضوئية من الممريستور. والممريستور جهاز كهربائي صغير يستطيع تخزين معلومات عن حالته السابقة، حتى بعد إزالة مصدر الطاقة. أما الفوتوممريستور، فيضيف إلى ذلك القدرة على استشعار الضوء وتحويله إلى تيار كهربائي.

في العين البشرية، تساعد الخلايا العصوية والمخروطية على التعامل مع مستويات الإضاءة المختلفة. في الظلام، تتيح الخلايا العصوية تمييز التفاصيل، بينما تتأثر أصباغها في الضوء الساطع قبل أن تتجدد تدريجياً. هذه العملية ألهمت الباحثين لتصميم مكوّن يتغير سلوكه تبعاً للإضاءة، بدلاً من أن يبقى مضبوطاً على حالة واحدة.

استخدم الفريق مادتين رئيسيتين في بناء الجهاز، الأولى عبارة عن مادة بلاستيكية هلامية موصلة تعرف باسم «بيدوت» ( PEDOT) وثاني أكسيد التيتانيوم. يلتقط ثاني أكسيد التيتانيوم الضوء من البيئة ويحوّله إلى تيار كهربائي، ثم يؤثر ذلك في قدرة المادة البلاستيكية على امتصاص الماء أو طرده من بنيتها. في الظلام، يمتص المكوّن الماء بسرعة. وفي الضوء، يطرده ويجف تدريجياً. هذه الحركة بين الامتصاص والطرد تسمح للجهاز بتنظيم حساسيته للضوء بشكل ديناميكي.

لا تزال التقنية في مرحلة البحث لكنها قد تمهّد لجيل جديد من أنظمة الرؤية الاصطناعية الأكثر تكيفاً وكفاءةً (شاترستوك)

تكيّف أسرع من العين البشرية

اختبر الباحثون المكوّنات الجديدة بتعريضها لمستويات مختلفة من الأشعة فوق البنفسجية. وأظهرت النتائج أنها تستطيع رصد شدة الضوء بكفاءة ودقة، مع الحفاظ على قراءات مستقرة حتى عندما تختلف الرطوبة الخارجية.

ورغم أن كل مكوّن صغير جداً، بحجم يقارب نصف ملم، يمكن توصيل عدة مكوّنات معاً لتكوين مصفوفة أكبر من دون الحاجة إلى زيادة حجم كل وحدة. لاختبار الفكرة، صنع الفريق مصفوفة من 4 في 4 مكونات وربطها بشبكة عصبية، في نظام رؤية بسيط يحاكي ما قد تستخدمه السيارات أو الروبوتات.

في التجربة، وضع الباحثون أضواء «ليد» ( LED) على شكل حرف «F» أمام خلفية ضوئية يمكن تغيير سطوعها. كان المطلوب من النظام تمييز الحرف رغم اختلاف الإضاءة بين الشكل والخلفية. وبعد سبع دورات تدريبية فقط، تمكن النظام من التعرف على الأنماط بدقة تجاوزت 95 في المائة في بيئة ضوئية مختلطة.

اللافت أن الباحثين يقولون إن العين البشرية قد تحتاج إلى 20 أو 30 دقيقة للتكيف الكامل مع اختلافات الإضاءة، بينما استطاعت هذه المكوّنات التكيّف خلال ثوانٍ، مع الاحتفاظ بقدرتها على التقاط تفاصيل من البيئة المحيطة.

يطوّر الباحثون مستشعرات ضوئية تحاكي قدرة العين البشرية على التكيف مع اختلافات الضوء والظلام (شاترستوك)

أهمية البحث للسيارات والروبوتات

لا يعني هذا البحث أن السيارات ذاتية القيادة ستحصل قريباً على «عين بشرية» كاملة. التقنية لا تزال في إطار بحثي، وتحتاج إلى تطوير واختبارات أوسع قبل دخول التطبيقات التجارية. لكن أهميتها تكمن في الاتجاه الذي تشير إليه: بدلاً من جعل أنظمة الرؤية أكثر اعتماداً على المعالجة البرمجية وحدها، يمكن تحسين المكوّنات نفسها لتصبح أكثر ذكاءً وتكيفاً عند مستوى الاستشعار.

في السيارات ذاتية القيادة، قد تساعد مثل هذه المكوّنات مستقبلاً في تحسين الرؤية في ظروف صعبة مثل الليل، والأنفاق، والانعكاسات، أو الانتقال المفاجئ بين الظل والضوء. وفي الروبوتات، قد تساعد على العمل بشكل أكثر موثوقية في المصانع أو البيئات المتغيرة، حيث لا تكون الإضاءة دائماً مثالية أو ثابتة.

نحو حواس اصطناعية أكثر تكاملاً

يخطط الفريق البحثي لتطوير هذه المكوّنات ضمن نظام استشعار أكبر قادر على الجمع بين الرؤية واللمس. الفكرة أن الروبوتات والآلات المستقبلية قد لا تعتمد على نوع واحد من البيانات، بل على مزيج من الحواس الاصطناعية التي تعمل معاً بكفاءة أكبر واستهلاك طاقة أقل. قد يكون الاستخدام المباشر في السيارات والروبوتات هو الأقرب، لكنّ الباحثين يشيرون أيضاً إلى احتمال أن تسهم هذه التكنولوجيا على المدى البعيد في أنظمة بصرية تساعد ضعاف البصر. ومع ذلك يبقى هذا الاحتمال بعيداً، ويحتاج إلى مراحل طويلة من التطوير. ما يطرحه البحث هو أن الرؤية الاصطناعية قد لا تصبح أفضل فقط عبر ذكاء اصطناعي أقوى، بل عبر أجهزة استشعار تتعلم من واحدة من أقدم وأدق التقنيات في الطبيعة: العين البشرية.


«آي أو إس 27» يرفع أداء «آيفون» ويضيف مزايا ذكاء اصطناعي وتحسينات واسعة للنظام

«أبل» أطلقت النسخة التجريبية من iOS 27 للمطورين (أبل)
«أبل» أطلقت النسخة التجريبية من iOS 27 للمطورين (أبل)
TT

«آي أو إس 27» يرفع أداء «آيفون» ويضيف مزايا ذكاء اصطناعي وتحسينات واسعة للنظام

«أبل» أطلقت النسخة التجريبية من iOS 27 للمطورين (أبل)
«أبل» أطلقت النسخة التجريبية من iOS 27 للمطورين (أبل)

كشفت شركة «أبل» خلال مؤتمر المطورين العالمي (WWDC 2026) عن نظام التشغيل الجديد «آي أو إس 27» (iOS 27) بنسخته التجريبية الأولى، الذي يجلب مجموعة كبيرة من المزايا الجديدة والتحسينات المنتشرة في مختلف أجزاء النظام، مع تركيز واضح على الذكاء الاصطناعي والأداء وتجربة الاستخدام اليومية.

ورغم أن «أبل» سلطت الضوء خلال المؤتمر على المساعد الرقمي «سيري» (Siri) الجديدة ومنظومة الذكاء الاصطناعي من «أبل» (Apple Intelligence)، فإن النسخة التجريبية الأولى كشفت أيضاً عن عشرات المزايا الأخرى التي تمتد إلى الصور والكاميرا والرسائل والخرائط والمحفظة الرقمية، إلى جانب تحسينات كبيرة في سرعة النظام واستجابته.

المساعد الرقمي «سيري» الجديدة

حصل المساعد الرقمي «سيري» (Siri) على أكبر تحديث له منذ إطلاقه؛ إذ أصبح أكثر قدرة على فهم اللغة الطبيعية ومتابعة سياق المحادثة وتنفيذ الأوامر المتعددة بصورة أكثر ذكاءً. كما بات قادراً على فهم المحتوى الظاهر على شاشة الهاتف والتفاعل معه؛ ما يسمح بتنفيذ مهام أكثر تعقيداً دون الحاجة إلى إعادة شرح الطلب في كل مرة.

وأضافت «أبل» تطبيقاً مستقلاً لـ«سيري»، يتيح للمستخدم إجراء محادثات متواصلة مع المساعد الرقمي والرجوع إلى المحادثات السابقة، في خطوة تقرب تجربة الاستخدام من تطبيقات الذكاء الاصطناعي الحديثة. كما يمكن لـ«سيري» تنفيذ سلسلة من المهام داخل تطبيقات مختلفة والتعامل مع المعلومات الشخصية والمحتوى الموجود على الجهاز بصورة أكثر سلاسة من السابق.

تحسينات كبيرة على «سيري» تجعل التفاعل أكثر طبيعية (أبل)

«سيري» عبر الكاميرا

أضافت «أبل» إمكانية استخدام «سيري» مع الكاميرا للتعرف على الأشياء المحيطة بالمستخدم. ويمكن توجيه الكاميرا نحو كتاب أو منتج أو جهاز أو معلم سياحي ثم سؤال «Siri» عنه للحصول على معلومات فورية، وتمثل هذه الميزة واحدة من أبرز محاولات «أبل» لدمج الذكاء الاصطناعي مع الاستخدام اليومي للهاتف.

«سيري» أصبحت قادرة على فهم ما تراه الكاميرا والإجابة عنه (أبل)

إعادة تكوين الصور وتوسيع الخلفيات

حصل تطبيق الصور على ميزتين جديدتين تعتمدان على الذكاء الاصطناعي، هما «إعادة تكوين الصور» (Reframe) و«توسيع الخلفيات» (Extend). وتتيح الأولى للمستخدم تغيير زاوية وتكوين الصورة بعد التقاطها وكأنها التُقطت من إطار مختلف منذ البداية، من خلال إعادة ضبط المشهد وتحريك موضع العناصر وإبراز التفاصيل المهمة داخل الصورة. أما ميزة (Extend) فتسمح بتوسيع حدود الصورة وإنشاء أجزاء جديدة من الخلفية تتناسب مع المشهد الأصلي؛ ما يساعد على تحويل الصور إلى مقاسات مختلفة وتجهيزها للنشر أو الاستخدام خلفيات للشاشة دون الحاجة إلى قص أجزاء مهمة من الصورة.

إعادة تكوين الصور وتوسيع الخلفيات بالذكاء الاصطناعي (أبل)

حفظ صورة من الفيديو

من أكثر المزايا التي لاقت اهتماماً بين المستخدمين إمكانية استخراج أي لقطة من مقطع فيديو وحفظها صورةً مستقلة وبجودتها الأصلية. وتوفر هذه الميزة طريقة أسهل للحصول على صور عالية الجودة من مقاطع الفيديو دون الحاجة إلى استخدام لقطات الشاشة التقليدية.

يمكنك حفظ أي إطار من الفيديو وتحويله صورةً بسهولة (أبل)

الكلمات المفتاحية للصور

أصبح بإمكان المستخدم إضافة كلمات مفتاحية (Keywords) للصور ومقاطع الفيديو داخل تطبيق الصور؛ ما يتيح تصنيف المحتوى بطريقة أكثر مرونة وتنظيماً. وتساعد هذه الميزة على الوصول إلى الصور والفيديوهات بسرعة أكبر عبر البحث بالكلمات التي يحددها المستخدم بنفسه، مثل أسماء الأشخاص أو الأماكن أو المناسبات أو نوع المحتوى؛ وهو ما يجعل إدارة مكتبة الصور الضخمة أكثر سهولة وفاعلية.

إضافة كلمات مفتاحية للصور والفيديو لتسهيل العثور عليها (أبل)

بحث أكثر ذكاءً داخل الصور

حصل تطبيق الصور على محرك بحث أكثر تطوراً يعتمد على فهم محتوى الصورة بدلاً من الاعتماد فقط على التاريخ أو الموقع. وأصبح بالإمكان البحث باستخدام أوصاف طبيعية، مثل «غروب شمس» أو «سيارة حمراء» للوصول إلى الصور المطلوبة بسرعة أكبر.

تحسين إزالة العناصر من الصور

واصلت «أبل» تطوير أداة إزالة العناصر غير المرغوب فيها داخل تطبيق الصور، لتصبح أكثر ذكاءً ودقة في التعامل مع الأشخاص والأجسام والعناصر التي تظهر في خلفية الصور. وتعتمد الأداة على الذكاء الاصطناعي لتحليل المشهد وفهم تفاصيله قبل إزالة العنصر المحدد، ثم إعادة بناء الأجزاء المحيطة به بطريقة تتناسب مع الخلفية الأصلية. ونتيجة لذلك؛ أصبحت الصور المعدلة تبدو أكثر واقعية من السابق، مع تقليل الأخطاء والتشوهات التي كانت تظهر أحياناً بعد إزالة العناصر، خصوصاً في الصور المعقدة التي تحتوي على تفاصيل كثيرة أو خلفيات مزدحمة.

أداة المسح أصبحت أدق في إزالة العناصر من الصور (أبل)

مشاركة الألبومات بدقتها الأصلية

أدخلت «أبل» تحسينات على الألبومات المشتركة، تتيح مشاركة الصور بجودتها الأصلية مع تحسين تجربة الوصول والمشاركة بين المستخدمين.

التحكم بشفافية الواجهة

أضافت «أبل» خياراً جديداً يتيح للمستخدم التحكم بدرجة شفافية واجهة (Liquid Glass)، بحيث يمكن تقليل أو زيادة التأثيرات الزجاجية حسب التفضيل الشخصي. وتأتي هذه الإضافة استجابة لملاحظات بعض المستخدمين الذين رأوا أن الشفافية المرتفعة قد تؤثر على وضوح النصوص والعناصر؛ ما يمنحهم مرونة أكبر في تحقيق توازن أفضل بين المظهر الجمالي وسهولة القراءة والاستخدام اليومي.

يمكنك التحكم بدرجة التأثير الزجاجي عبر السحب يميناً ويساراً (أبل)

خلفيات أكثر ذكاءً

حصلت شاشة القفل في «آي أو إس 27» على مزيد من خيارات التخصيص، أبرزها إمكانية تصغير الساعة ووضعها بجانب التاريخ بدلاً من الشكل التقليدي الذي تتوسط فيه الشاشة؛ ما يمنح المستخدم حرية أكبر في ترتيب عناصر شاشة القفل وفق تفضيلاته الشخصية. كما أضافت «أبل» ميزة جديدة تعتمد على الذكاء الاصطناعي تتيح توسيع خلفية الصورة وإكمال الأجزاء غير الظاهرة منها تلقائياً، بحيث يمكن استخدام الصور بمختلف أبعادها كخلفيات للشاشة دون الحاجة إلى اقتصاصها أو فقدان أجزاء مهمة منها. وتساعد هذه الإضافة على منح شاشة القفل مظهراً أكثر انسجاماً، خصوصاً عند استخدام الصور الشخصية أو الصور الملتقطة بوضع عمودي، حيث يقوم النظام بإنشاء امتدادات طبيعية للخلفية تتناسب مع المشهد الأصلي.

الخلفيات أصبحت أكثر ذكاءً مع إمكانية توسيع أجزاء الصورة (أبل)

AirDrop أسرع

حصلت خدمة «إير دروب» (AirDrop) على واحدة من أبرز تحسينات الأداء في iOS 27، إذ تقول «أبل» إن سرعة نقل الملفات أصبحت أسرع بنسبة تصل إلى 80 في المائة مقارنة بالإصدارات السابقة. ويظهر هذا التحسن بشكل خاص عند مشاركة مقاطع الفيديو عالية الدقة والملفات كبيرة الحجم بين أجهزة «أبل»؛ ما يجعل عملية النقل أسرع وأكثر سلاسة ويقلل الوقت اللازم لإرسال واستقبال المحتوى بين الأجهزة.

تطويرات المحفظة

أضافت «أبل» تحسينات جديدة إلى تطبيق «Wallet»، من بينها إمكانية إنشاء بعض البطاقات الرقمية باستخدام الكاميرا مباشرة. كما حصلت واجهة «Apple Pay» على تطويرات تجعل إدارة البطاقات وعمليات الدفع أكثر سهولة.

تحسينات جديدة على المحفظة وطرق الدفع داخل النظام (أبل)

البحث باللغة الطبيعية في الخرائط

أصبح تطبيق الخرائط أكثر قدرة على فهم اللغة اليومية أثناء البحث. وبدلاً من كتابة اسم المكان بشكل دقيق، يمكن للمستخدم وصف ما يبحث عنه ليقوم التطبيق بعرض النتائج المناسبة.

«سفاري» أسرع وأكثر كفاءة

شهد متصفح Safari تحسينات متعددة تشمل سرعة تحميل الصفحات وإدارة التبويبات وتحسين استهلاك الطاقة. كما أصبح أكثر كفاءة في تشغيل تطبيقات الويب الحديثة وتقليل استهلاك موارد الجهاز أثناء التصفح.

تحسينات الأداء

إلى جانب المزايا الجديدة، ركزت «أبل» بشكل كبير على تحسين الأداء العام للنظام. ووفقاً للشركة، أصبحت التطبيقات تفتح بسرعة تصل إلى 30 في المائة أسرع مقارنة بالإصدارات السابقة، بفضل تحسين آليات تحميل البيانات وإدارة الموارد داخل النظام. كما أصبحت الصور الجديدة تظهر داخل تطبيق الصور بسرعة تصل إلى 70 في المائة أسرع من السابق؛ ما يقلل الوقت اللازم لمعالجة الصور وإضافتها إلى المكتبة بعد التقاطها. وأكدت «أبل» أيضاً أن النظام يتضمن تحسينات على إدارة المعالج والذاكرة؛ ما ينعكس على سرعة التنقل بين التطبيقات وتقليل التأخير أثناء الاستخدام اليومي.

تحسينات البطارية

أدخلت «أبل» مجموعة من التحسينات على إدارة الطاقة في iOS 27، تهدف إلى تقليل استهلاك البطارية في الخلفية وتحسين توزيع موارد الجهاز بين التطبيقات والمهام المختلفة. كما حصل وضع توفير الطاقة على تطويرات جديدة تسمح بالحفاظ على عمر البطارية لفترات أطول مع تقليل التأثير على الأداء اليومي، إلى جانب تحسينات أخرى تقلل استهلاك الطاقة أثناء استخدام الكاميرا وبعض العمليات التي كانت تستهلك قدراً أكبر من البطارية في الإصدارات السابقة.

ويُعدّ «آي أو إس 27» من أكبر تحديثات «آيفون» في السنوات الأخيرة؛ إذ يجمع بين مزايا الذكاء الاصطناعي والتحسينات العملية المنتشرة في مختلف أجزاء النظام، بدءاً من أدوات الصور الجديدة وتحسينات الأداء ووصولاً إلى «سيري» (Siri) ومنظومة الذكاء الاصطناعي من أبل (Apple Intelligence). ومع ذلك، لا تزال مزايا الذكاء الاصطناعي لا تدعم اللغة العربية بشكل كامل حتى الآن، كما أن بعضها يتطلب أجهزة حديثة محددة؛ ما يعني أن بعض المزايا الجديدة قد لا تكون متاحة أو تعمل على جميع أجهزة «آيفون» المدعومة بالتحديث.


100 ألف محاكاة حاسوبية تتوقع اسم المنتخب الفائز بكأس العالم لكرة القدم

100 ألف محاكاة حاسوبية تتوقع اسم المنتخب الفائز بكأس العالم لكرة القدم
TT

100 ألف محاكاة حاسوبية تتوقع اسم المنتخب الفائز بكأس العالم لكرة القدم

100 ألف محاكاة حاسوبية تتوقع اسم المنتخب الفائز بكأس العالم لكرة القدم

عندما كنا نرغب في الماضي في معرفة الفريق الفائز بكأس العالم، كنا نلجأ إلى العرّافين، أو نقرأ أوراق الشاي، أو ننتظر أن يخبرنا الأخطبوط «بول» بما سيحدث. لكن علم البيانات الحديث يوفر بديلاً أفضل.

وبصفتي عضواً في فريق من الإحصائيين، فقد ساعدتُ في تطوير وتدريب خوارزمية تعلم آلي، للتنبؤ بالمسار الأكثر ترجيحاً للبطولة، كما كتب الدكتور أكيم زيليس (*).

التنبؤات الاحتمالية... والحظ

تعمل الخوارزمية التي طورناها على مرحلتين. في المرحلة الأولى، تُدمج نماذج إحصائية متطورة مع رؤى الخبراء من مكاتب المراهنات وأسواق الانتقالات الرياضية لتحديد نقاط قوة جميع الفرق ولاعبيها. أما في المرحلة الثانية، فتُقرر خوارزمية التعلم الآلي أفضل طريقة لدمج تقديرات القوة مع معلومات أخرى عن الفرق.

ينتج عن ذلك تنبؤ احتمالي لكل مباراة محتملة في البطولة. يمكن تشبيه الأمر بزوج من زهر الطاولة في لعبة النرد المُعدَّل: فبدلاً من أن تحمل الأرقام من 1 إلى 6 احتمالات متساوية، يحمل هذان النردان المُعدَّلان احتمالات مختلفة لعدد الأهداف التي يسجلها كل فريق.

مثال: المكسيك ضد جنوب أفريقيا

على سبيل المثال، وفقاً لتوقعاتنا، يُظهر النرد أن المكسيك ستسجل 1.9 هدف في المتوسط ​​في المباراة الافتتاحية، بينما يبلغ متوسط ​​أهداف جنوب أفريقيا 0.7 هدف فقط. لكن هذا لا يعني بالضرورة فوز المكسيك. بل إن فوز المكسيك هو النتيجة الأكثر ترجيحاً بنسبة 65 في المائة. أما التعادل فهو أقل ترجيحاً (21 في المائة)، وفوز جنوب أفريقيا هو النتيجة الأقل ترجيحاً (14 في المائة).

100 ألف عملية محاكاة

وباستخدام أزواج مختلفة من زهر الطاولة المُعدَّل، يمكن محاكاة نتيجة كل مباراة في كأس العالم. وقد أخذنا في الاعتبار قرعة البطولة الرسمية وجميع قواعد «فيفا»، بما في ذلك إمكانية اللجوء إلى الوقت الإضافي وركلات الترجيح. أجرينا المحاكاة 100000 مرة لتحديد المسار الأكثر ترجيحاً للبطولة.

إسبانيا المرشحة الأبرز بالفوز

تُظهر النتائج أن إسبانيا هي المرشحة الأبرز للفوز باللقب بنسبة 14.5 في المائة، تليها إنجلترا وفرنسا بنسبة 12.4 في المائة لكل منهما، ثم ألمانيا بنسبة 11.2 في المائة.

ونظراً لتوسيع البطولة - حيث تضم هذه البطولة من كأس العالم 48 منتخباً وخمس جولات في الأدوار الإقصائية - فإن المنافسة بين المرشحين للفوز متقاربة للغاية. كما أن للبرتغال والأرجنتين فرصاً جيدة للفوز باللقب، بنسبة 8.9 في المائة، و8.2 في المائة على التوالي.

أما الولايات المتحدة، فلديها فرصة جيدة لبلوغ دور الـ32 بنسبة 78 في المائة، وهي الأعلى في مجموعتها التي تضم ثلاثة فرق أخرى. إلا أن احتمالات تأهل المنتخب الأميركي في الأدوار الإقصائية، حيث كل مباراة مصيرية، تتضاءل بسرعة نسبية. وتبلغ احتمالية فوز المنتخب الأميركي على أرضه في المباراة النهائية على ملعب ميتلايف في نيوجيرسي في 19 يوليو (تموز) واحداً في المائة.

نظرة معمقة على آلية عمل النظام

تعتمد خوارزمية التعلم الآلي لدينا، وما يتبعها من عمليات محاكاة، على البيانات وخبرات الخبراء والنماذج الإحصائية.

* أولاً قوة الفرق: تُشكّل جميع مباريات المنتخبات الوطنية خلال السنوات الثماني الماضية أساساً لتقدير «استرجاعي» لقوة الفرق.

* ثانياً تقديرات مستقبلية: يُستخلص تقدير «مستقبلي» لقوة الفرق من احتمالات الفوز المعلنة من مختلف وكلاء المراهنات الدوليين، ما يعكس آراء خبرائهم حول البطولة المقبلة.

* ثالثاً تصنيف اللاعبين: يُصنّف اللاعبون بناءً على مساهماتهم في تسجيل الأهداف على مستوى الأندية والمنتخبات الوطنية.

* رابعاً إمكانات اللاعبين: تعكس الجودة الحالية والإمكانات المستقبلية للاعبين في قيمهم السوقية المتوقعة. هذه القيم متاحة على موقع «Transfermarkt» الإلكتروني، الذي يستخدم أسلوب «حكمة الجمهور» لتقدير القيم السوقية الحقيقية غير المعروفة.

مُدخلات إضافية

تُدمج هذه المتغيرات الأربعة مع مجموعة واسعة من المدخلات الأخرى ذات الصلة التي تعكس الوضع الحالي للفرق المختلفة والدول التي تنتمي إليها. ويشمل ذلك تفاصيل خاصة بكل فريق، مثل تصنيفه في «فيفا» وعدد اللاعبين في نصف نهائي دوري أبطال أوروبا لهذا العام. أخذنا في الاعتبار أيضاً العوامل الاجتماعية والاقتصادية الخاصة بكل دولة، مثل نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي.

تدريب الخوارزمية

ولتحديد مدى أهمية هذه العوامل في نتائج كأس العالم، وكيفية تأثيرها، استخدمنا خوارزمية تعلّم آلي. في هذه الخوارزمية، يتم تدريب ما يُسمى «الغابة العشوائية»، وهي عبارة عن مجموعة من أشجار القرار التي تُغطي مجموعات فرعية مختلفة قليلاً من البيانات. وقد تم تدريب الخوارزمية على جميع المباريات التي أجريت في بطولات كرة القدم الكبرى منذ كأس العالم 2006. وبذلك، تربط الخوارزمية بين قوة الفريق وقيمته السوقية وعوامل أخرى وعدد الأهداف المُسجلة في مباريات كأس العالم. هذه هي المعلومات التي تُشكّل أساس عمليات المحاكاة لدينا.

توقعات سابقة

ليست هذه المرة الأولى التي نتعاون فيها أنا وفريقنا، الذي يضم أندرياس غرول وروفين ميشيلز والزملاء في جامعة دورتموند التقنية بألمانيا، ولارس ماغنوس هفاتوم من جامعة مولده بالنرويج، وغونتر شاوبرغر من جامعة ميونيخ التقنية، للتنبؤ بنتائج كأس العالم.

في كأس العالم للسيدات 2019، توقعنا فوز الولايات المتحدة بشكل صحيح. أما في كأس العالم للسيدات 2023 وكأس العالم للرجال 2022، فلم يكن الفائزان - إسبانيا والأرجنتين على التوالي - من بين المرشحين المفضلين لدينا، مع أننا توقعنا أنهما من أبرز المنافسين.

خلاصة القول إن التوقعات تعتمد على الاحتمالات، إذ لن يتنبأ برنامجنا بالفائز بنسبة 100 في المائة، لكنه قد يكون أكثر دقة من الأخطبوط ذي الأطراف الثمانية.

* أستاذ في الإحصاء بجامعة إنسبروك - مجلة «فاست كومباني»