لبنان يُعيد جَمْع ذاكرته السينمائية المُبعثرة

«السينماتيك» يستعيد أفلاماً ووثائق ومعدّات فرّقها الإهمال والحروب

كاميرات نجت من الزمن لتروي ما بقي من صورة لبنان (الشرق الأوسط)
كاميرات نجت من الزمن لتروي ما بقي من صورة لبنان (الشرق الأوسط)
TT

لبنان يُعيد جَمْع ذاكرته السينمائية المُبعثرة

كاميرات نجت من الزمن لتروي ما بقي من صورة لبنان (الشرق الأوسط)
كاميرات نجت من الزمن لتروي ما بقي من صورة لبنان (الشرق الأوسط)

استعاد لبنان جزءاً من ذاكرته السينمائية بإعادة افتتاح «السينماتيك اللبنانية»؛ الأرشيف الوطني المُخصَّص لحفظ تاريخ الصورة المتحرّكة وصَوْن ما تبقّى من أثرها المادي والبصري. وجاءت الخطوة التي أُعلِنت في المكتبة الوطنية ببيروت، بينما تتقلَّص المساحات الآمنة في البلاد، وتُلقي الحرب الإسرائيلية بثقلها على مناطق واسعة، دافعةً أسئلة الثقافة والذاكرة إلى مواجهة مباشرة مع الخراب.

في القاعة الواسعة للمكتبة، خرجت السينما اللبنانية من عُلبها القديمة إلى الضوء. كاميرات عتيقة وُضعت على الطاولات مثل كائنات منسيَّة عادت من زمن آخر. بَكَرات أفلام تحمل أرقاماً مكتوبة باليد. مُلصقات سينمائية بألوان صارخة ووجوه نجوم من مرحلة شعبية. كُتب ومجلّات مفتوحة على صفحات اصفرَّت، وأجهزة مونتاج وتحرير تُعيد مشهد عصرٍ كانت فيه الصورة تُقَصّ وتُلصَق وتُحفَظ بملمس اليد. حتى اللافتة التي تطلب من الزائرين عدم لمس المقتنيات بدت جزءاً من معنى المعرض. فهذه ذاكرة قابلة للكَسْر وتحتاج إلى رعاية شبيهة بالتي يتطلّبها شريط سينمائي مُتعَب يوشك على الاهتراء.

شيء من ذاكرة الناس والمدينة والزمن (الشرق الأوسط)

أعاد وزير الثقافة غسّان سلامة إطلاق المشروع الذي سبق أن افتتحه حين كان وزيراً للثقافة في 10 أبريل (نيسان) 2002، وكان مقرّه يومها قرب قصر الأونيسكو. استعاد سلامة البدايات، مشيراً إلى أنّ الأرشيف لم يكن يضم آنذاك سوى 15 فيلماً «بالتمام والكمال»، ثم بدأ يتَّسع بفعل الهبات والتعاون، ومنها هبة إيطالية تمثَّلت في آلة مونتاج كانت من أوائل ما حصلت عليه السينماتيك.

وإنما المشروع الذي أُريد له أن يكون بيتاً لذاكرة السينما اللبنانية تعرَّض لاحقاً للإهمال والتفكُّك. قال سلامة إنه حين عاد وسأل عنه، قيل له إنّ السينماتيك انتهت، وتقاعُد العاملين الذين أمضوا أعمارهم في خدمتها تزامن مع تشتُّت محتوياتها. ورأى أنّ هذا الواقع «ليس مقبولاً»، مؤكداً أنّ من واجب الدولة اللبنانية أن تكون حافظة لذاكرة الوطن، وخصوصاً الذاكرة السينمائية التي تمتدّ إلى أفلام أنجزها لبنانيون منذ عشرينات القرن الماضي، وأعمال صُوِّرت في لبنان أو ارتبطت بفنّه وتاريخه، من بينها تسجيلات ومسرحيات لفيروز ووديع الصافي وصباح ونصري شمس الدين.

«السينماتيك اللبنانية» ليست فقط مستودعاً للأفلام. إنها محاولة لاستعادة سردية بلد لطالما عاشت صورته بين التمزُّق والغياب. فبكرات «Safety Film» المعروضة تحمل دلالة خاصة في تاريخ حفظ الأفلام، إذ اعتُمدت هذه التقنية لتفادي احتراق الأشرطة السينمائية القديمة، في محاولة مُبكرة لحماية الصورة من التلف والضياع. ومن خلال أجهزة المونتاج التناظري ووحدات التحرير التلفزيوني المعروضة، يمكن تتبُّع التحولات التقنية التي مرّت بها صناعة الصورة في لبنان، من قَصّ الأشرطة يدوياً إلى الانتقال التدريجي نحو عصر الفيديو.

وشدَّد سلامة خلال المؤتمر الصحافي على أنّ الظروف الدامية لا تعفي المؤسّسات من مسؤولياتها. قال: «المسؤولية لا تنتفي إذا كانت الأحوال متقلِّبة وصعبة»، مضيفاً أنّ «الحرب تُلقي بثقلها علينا لكنها لن تمنعنا من ممارسة مسؤولياتنا».

جهد طويل لحماية الذاكرة من الضياع (الشرق الأوسط)

وتعمل الوزارة، وفق سلامة، على استجماع ما كان في حوزة السينماتيك من كاميرات وأفلام ووثائق وكتابات، بالتعاون مع فريقها ومؤسّسات أكاديمية، منها «جامعة الروح القدس - الكسليك» و«جامعة سيدة اللويزة»، اللتان أسهمتا في ترميم عدد من الأفلام القديمة بموجب عقود مع الوزارة. كما شكر الحكومة الفرنسية على مساهمة تجاوزت 130 ألف يورو لتأمين آلات وتقنيات إضافية لإعادة إطلاق المشروع.

المعرض المُرافق للافتتاح أتاح للجمهور أن يرى السينما اللبنانية من خلف الشاشة أيضاً وليس فقط من أمامها. ملصقات أفلام مثل «أنت عمري»، و«الليالي الحلوة»، و«زوجتي من الهيبز»، تكشف عن ذائقة حقبة بكاملها، بنجومها ومبالغاتها وخفّتها الشعبية ومخيّلتها التجارية. كما تُظهر الكتب والصحف والقصاصات المعروضة كيف شكّلت السينما اللبنانية جزءاً من المشهد الثقافي والإعلامي في تلك المرحلة.

ذاكرة بصرية خرجت من العلب القديمة لتُواجه النسيان (الشرق الأوسط)

ولا ينحصر المشروع في الحفظ الأرشيفي. فقد أشار سلامة إلى خطّة لجعل السينماتيك مساحة تفاعلية للبحث والمُشاهدة، تتيح للمهتمّين العودة إلى الأفلام القديمة ودراستها، مع طُموح لإنشاء نادٍ سينمائي وصالة عرض عندما تسمح الظروف. وعبر هذه الرؤية، تستعيد السينماتيك دورها حلقةَ وصلٍ تربط الأجيال بتاريخ الصورة في لبنان وبالتحولات التي عكستها السينما منذ اندلاع الحرب الأهلية عام 1975، حين تحوَّلت الكاميرا إلى أداة لتوثيق مدينة تتغيَّر تحت العنف، ومجتمع يبحث عن صورته وسط الانقسامات والخسارات المُتراكمة.

ومع تعرُّض المكتبات العامة في الجنوب ومناطق أخرى للتدمير، كما أشار الوزير، تبدو إعادة افتتاح السينماتيك خطوة مضاعَفة الدلالة. فحفظ الأرشيف السينمائي يتجاوز مسألة التوثيق الثقافي لارتباطه بمحاولة حماية ذاكرة بلد. ذاكرة احتفظت على الشريط السينمائي بملامح مدنه وأصوات ناسه وتحولات مجتمعه، وكلّ ما مرَّ عليه من أحلام وانكسارات.


مقالات ذات صلة

ساندرا هولر: لا أرفض أي فيلم أراه جيداً

يوميات الشرق الممثلة الألمانية ساندرا هولر في جلسة تصوير فيلم «وطن» بمهرجان «كان» (أ.ف.ب)

ساندرا هولر: لا أرفض أي فيلم أراه جيداً

التمثيل المسرحي شكل أرضية مهمة للألمانية ساندرا هولر لتكوين هويتها الفنية وتعليمها أن التمثيل ليس ترفيهاً فحسب، بل مسؤولية.

محمد رُضا‬ (كان)
يوميات الشرق الممثلة السودانية إسلام مبارك (حسابها على فيسبوك)

إسلام مبارك لـ«الشرق الأوسط»: دوري في «أسد» ساعدني إنسانياً

قالت الممثلة السودانية إسلام مبارك إن مشاركتها في الفيلم المصري «أسد» جاءت بعد مرحلة مهمة في مشوارها الفني.

أحمد عدلي (القاهرة)
يوميات الشرق خافيير بارديم وفيكتوريا لوينغو في «المحبوبة» (ملف مهرجان برلين)

«الشرق الأوسط» في «مهرجان كان»: فيلمان في واحد... كلاهما رائع

هو فيلم عن تصوير فيلم، كما كانت حالة عدد من الأفلام السابقة.

محمد رُضا (كان)
يوميات الشرق الفنان عادل إمام والمخرج وائل إحسان في الكواليس (الشرق الأوسط)

«متواضع» و«منضبط» و«أستاذ»... فنانون يتذكرون كواليسهم مع عادل إمام

يحتفل الفنان المصري عادل إمام، الملقَّب بـ«الزعيم»، بعيد ميلاده الـ86، الذي يوافق 17 مايو.

داليا ماهر (القاهرة)
يوميات الشرق توفيق الدقن في لقطة من أحد أعماله (أرشيفية)

الوسط الفني المصري يُجدد المطالبة بحق «الأداء العلني»

جدد فنانون مصريون مطالبتهم بحق الأداء العلني وحماية حقوق الملكية الفكرية، ليستفيد منها جميع المبدعين، لا سيما في ظل تعدد قنوات العرض والمنصات الرقمية.

انتصار دردير (القاهرة)

هيام أبو شديد... مع «الحكي بيناتنا» توصل صوت اللبنانيين في بلاد الهجرة

تُعطي دروساً في التمثيل بمدارس كندية (إنستغرام)
تُعطي دروساً في التمثيل بمدارس كندية (إنستغرام)
TT

هيام أبو شديد... مع «الحكي بيناتنا» توصل صوت اللبنانيين في بلاد الهجرة

تُعطي دروساً في التمثيل بمدارس كندية (إنستغرام)
تُعطي دروساً في التمثيل بمدارس كندية (إنستغرام)

منذ نحو 3 سنوات، حزمت الإعلامية والممثلة هيام أبو شديد حقائبها متخذة قرار الهجرة من لبنان. وكانت كندا وجهتها الجديدة، حيث تقيم اليوم في مدينة مونتريال.

لم تحتج وقتاً طويلاً للانخراط في مجتمع يعيش بأمان ويطبّق القوانين. نظمت محترفات فنية في المدارس، وسجلت في نقابة الفنانين بعد معادلة شهاداتها الجامعية. انضمت بصفتها مبتدئة لتصبح اليوم عضواً محترفاً. لم تشأ أن تتخلّى عن مهنة التمثيل، فاستمرت في العمل من هناك في أفلام ومسلسلات لبنانية، وشاركت في فيلم كندي بعنوان «السيدة البيضاء». كما تبث برنامجاً إذاعياً مرتين أسبوعياً عبر إذاعة «الشرق الأوسط»، لتبني جسور التواصل بين لبنان والمغتربين.

هاجرت هيام أبو شديد إلى كندا منذ نحو 3 سنوات (إنستغرام)

تستضيف هيام أبو شديد في برنامجها «الحكي بيناتنا» أبناء الجاليات العربية من سوريين، ومصريين، ومغاربة، ولبنانيين، وغيرهم. وتوضح لـ«الشرق الأوسط»: «يشكِّل البرنامج منبراً حرّاً للمغتربين للتعبير عن همومهم ومشاعرهم بعيداً عن أوطانهم. تصلني تعليقات كثيرة عبر وسائل التواصل الاجتماعي، يصفه بعضهم بأنه صوتهم في بلاد الغربة يوقظ فيهم الحنين، في حين يعدُّه الوافدون الجدد إلى كندا بارقة أمل تشجعهم على الانخراط في المجتمع الغربي وتخفف عنهم شعور الوحدة في بداياتهم».

وتشير هيام إلى أن البرنامج يضم شهادات حيّة وقصص نجاح لمغتربين لبنانيين وعرب، قائلة: «أقدِّمه منذ 4 أشهر، ولم يتبقَّ سوى أيام قليلة على ختام موسمه الأول».

وعن أكثر ما لفتها في ضيوفها، ترد: «شعرت بأنهم يتمتعون بوعي كبير وذكاء عاطفي، وهو أمر ليس سهلاً بناؤه في الشخصية. كما أن الجاليات العربية تهتم ببعضها بعضاً وتساند أبناءها الذين يخوضون تجربة الاغتراب. وأنا شخصياً تلقيت دعماً وتشجيعاً كبيرين من أبناء الجالية اللبنانية».

أما عن قرار الهجرة، فتوضح أن الظروف الصعبة في لبنان كانت العامل الأساسي وراء اتخاذها هذه الخطوة، إلى جانب وجود أولادها وأحفادها في كندا. وتضيف: «الأزمات المتراكمة في لبنان تشعر الإنسان بالتعب والإحباط، كما أن وجود أولادي شجعني على الانتقال، فأصبحت قريبة منهم ومن أحفادي الذين كنت أشتاق لاحتضانهم».

وتؤكِّد أن الحنين إلى لبنان لا يفارقها: «نحن نشتاق إلى لبنان حتى ونحن نعيش فيه. نشتاق إليه بعيداً عن الحروب والأزمات، ونأمل أن يعود يوماً كما عرفنا».

في برنامجها «الحكي بيناتنا» تمد جسر التواصل بين لبنان المقيم والمغترب (إنستغرام)

وتصف تجربتها مع «الحكي بيناتنا» بأنها فتحت أمامها آفاقاً واسعة للتعرف إلى ثقافات وحضارات مختلفة، مشيرة إلى أن هموم اللبنانيين في الاغتراب تختلف عن تلك الموجودة في الوطن: «وجع الفراق صعب، لكنهم يعيشون هنا في أجواء من السلام والطمأنينة».

وتتابع: «أستمتع بالحوارات التي أجريها لا سيما أن كثيرين يتفاعلون معي ويمدونني بتعليقاتهم وانطباعاتهم الإيجابية. فيسرّون لي بأن البرنامج هو بمثابة نسمة من بلادهم تبرّد قلوبهم».

وتؤكد أن قرارها بالعمل في كندا نابع من رغبتها في البقاء منتجة ومستقلة، موضحة: «لم أرغب في أن أكون عبئاً على أولادي، لذلك بحثت عن فرصة عمل منذ وصولي».

تحنُّ إلى لبنان حتى وهي تعيش فيه (إنستغرام)

وعن الهجرة، تقول: «لا أستطيع أن أشجع أو أعارض، فلكل شخص ظروفه الخاصة. اتبعت إحساسي ببساطة ولم أحاول الاستفهام عن هذه الخطوة أو ما ينتظرني بعدها. لم يشجعني أحد على اتخاذها، بل فعلت ما رأيته مناسباً وصائباً بالنسبة إليّ. الأهم أن يكون صاحب القرار جاهزاً لتنفيذه».

وتختم حديثها بالتأكيد أنها تعيش اليوم بهدوء في كندا وتزور لبنان بين الحين والآخر، كما أن المرأة والرجل متساويان في خوض تجربة الاغتراب: «لم أؤمن يوماً بالتمييز بينهما، ومن يجتهد يصل. أكثر ما أحببته في كندا هو احترام القوانين وحصول الجميع على حقوقهم من دون تفرقة. بينما نفتقد في لبنان أننا نعيش وسط فوضى تحرمنا متعة الحياة».


الواقع الافتراضي يمنح «غيرنيكا» حياة جديدة في باريس

«غيرنيكا»... بكاء العالم على نفسه (صور المعرض)
«غيرنيكا»... بكاء العالم على نفسه (صور المعرض)
TT

الواقع الافتراضي يمنح «غيرنيكا» حياة جديدة في باريس

«غيرنيكا»... بكاء العالم على نفسه (صور المعرض)
«غيرنيكا»... بكاء العالم على نفسه (صور المعرض)

ثمة دائماً طرائق جديدة لتقديم روائع الفنون القديمة والمعاصرة. ولم يعد المعرض مكاناً لتأمُّل لوحات معلقة على جدران هذه الصالة أو تلك، بل مغامرة تجريبية متجدّدة تُعيد وضع العمل الفنّي في موقعه من تطوّر الزمن وثورة التقنيات الحديثة.

وتنطبق هذه النظرة على المعرض المُقام حالياً في متحف بيكاسو حتى السادس من سبتمبر (أيلول) المقبل، بعنوان «تحولات غيرنيكا». وهي تجربة فريدة من نوعها للواقع الافتراضي تدور حول إحدى أشهر التحف الفنّية في القرن العشرين.

ويتيح المعرض فرصة مبتكرة وغير مسبوقة للغوص في أعماق جدارية بابلو بيكاسو الشهيرة، «غيرنيكا»، متتبّعاً تاريخها منذ تكليف الفنان برسمها لمعرض باريس الدولي عام 1937، وصولاً إلى تحوّلها إلى رمز عالمي للسلام.

وفور دخول الزائر، يجد نفسه مدعواً إلى رحلة تمر بمحطات أساسية في تاريخ اللوحة، من الجناح الجمهوري الإسباني حيث عرضت للمرة الأولى، إلى أطلال مدينة غيرنيكا الباسكية بعد القصف الذي ألهم الفنان رسمها، مروراً بمرسم بيكاسو الباريسي في شارع «غراند أوغسطين» حيث ولدت الجدارية، وصولاً إلى رحلاتها المتعدّدة قبل استقرارها النهائي في متحف الملكة صوفيا.

الواقع الافتراضي يعيد رسم الطريق إلى «غيرنيكا» (صور المعرض)

ويرافق الزائر في هذه التجربة صوتا شاهدين أساسيين: الكاتب خوان لاريا، عضو الوفد الجمهوري الإسباني، ودورا مار، الفنانة السريالية وشريكة بيكاسو، التي لعب التزامها بمناهضة الفاشية دوراً محورياً في ولادة العمل. وهي أيضاً مَن وثَّقت مراحل رسم الجدارية عبر سلسلة من الصور الفوتوغرافية الشهيرة.

ومَن يُشاهد صور بيكاسو خلال العمل على اللوحة يلاحظ ظهوره بكامل أناقته، مرتدياً سروالاً أسود وقميصاً أبيض وربطة عنق قاتمة، وكأنه يشارك في جنازة الأبرياء الذين قضوا تحت أنقاض منازلهم نتيجة قصف القوات الألمانية لبلدة غيرنيكا الإسبانية.

وفي تجربة حسية تجمع بين تاريخ الفن والانغماس العاطفي، يقدم معرض «تحولات غيرنيكا» منظوراً جديداً لفهم هذا العمل ذي الصدى العالمي، مستعيناً بدراسات أولية ووثائق أرشيفية وأعمال مرتبطة مباشرة بولادة الجدارية.

ورغم مئات الدراسات التي تناولت «غيرنيكا» عبر العقود، يرى القائمون على المعرض أن استحضارها اليوم بتقنيات الواقع الافتراضي يمنحها حياة جديدة، خصوصاً أنّ رسالتها المناهضة للحروب لا تزال تنسجم مع الزمن الراهن.

ومن المعروف أنّ بيكاسو رسم جداريته الشهيرة، التي يبلغ حجمها 349 في 776 سنتيمتراً، بين مايو (أيار) ويونيو (حزيران) 1937 مستخدماً الأسلوب التكعيبي، بناءً على طلب الحكومة الجمهورية الإسبانية لعرضها في الجناح الإسباني بمعرض باريس الكوني.

وجاءت اللوحة بمثابة صرخة إدانة للقصف الذي تعرضت له بلدة غيرنيكا خلال الحرب الأهلية الإسبانية، قبل أن تُحفظ في الولايات المتحدة خلال فترة الحكم الديكتاتوري بطلب من الفنان نفسه، ثم تعود إلى إسبانيا عام 1981.


شقيقان يتسابقان حول العالم... ثم يكتشفان نفسيهما على الشاشة

أحياناً نكتشف أنفسنا متأخّرين... على شاشة تلفزيون (إنستغرام)
أحياناً نكتشف أنفسنا متأخّرين... على شاشة تلفزيون (إنستغرام)
TT

شقيقان يتسابقان حول العالم... ثم يكتشفان نفسيهما على الشاشة

أحياناً نكتشف أنفسنا متأخّرين... على شاشة تلفزيون (إنستغرام)
أحياناً نكتشف أنفسنا متأخّرين... على شاشة تلفزيون (إنستغرام)

كشف الشقيقان هاريسون وكايتي ديفاين، المُشاركان في أحدث مواسم برنامج «ريس أكروس ذا وورلد» (سباق حول العالم) الذي تبثّه «بي بي سي»، عن التجربة الغريبة التي يعيشانها خلال مشاهدة نفسيهما على الشاشة، وذلك قبيل عرض الحلقة الأخيرة من البرنامج.

وسيظهر هاريسون، البالغ 24 عاماً، وشقيقته كايتي، 21 عاماً، وهما من مدينة مانشستر، في المرحلة النهائية من البرنامج، حيث يخوض المتسابقون مغامرة شاقّة في السفر من دون استخدام الهواتف المحمولة وبميزانية محدودة.

ووثَّق هذا الموسم رحلة الفرق المشاركة وهي تتسابق لمسافة تزيد على 12 ألف كيلومتر عبر أوروبا وآسيا.

وقال هاريسون، الذي يعمل مساعداً مالياً: «إنه شعور غريب... يبدو الأمر كأنك تُشاهد شخصاً آخر». وأضاف: «أنت تدرك أنّ مَن تراه على الشاشة هو أنت بالفعل، لكن الأمر يعود إلى مرحلة مضى عليها وقت طويل، كما أنّ كثيراً يحدث خلال يوم واحد لدرجة أنك لا تتذكر كلّ ما تراه على الشاشة». وتابع: «تقول أحياناً لنفسك: هل قلت ذلك فعلاً؟».

وأوضح أنّ مشاعره تتراوح بين الإحراج والضحك على نفسه، مضيفاً: «هذه تجربة غريبة جداً، وليست شيئاً معتاداً بالنسبة إلينا».

وتنطلق رحلة المتسابقين من مدينة باليرمو في جزيرة صقلية الإيطالية، وصولاً إلى قرية هاتغال النائية الواقعة على ضفاف بحيرة هوفسغول في شمال منغوليا، وذلك سعياً للفوز بالجائزة المالية البالغة 20 ألف جنيه إسترليني.

أما كايتي، التي تعمل مديرة حسابات، فقالت إنّ مشاهدة البرنامج أعادت إليها كثيراً من الذكريات. وأضافت: «عندما أشاهد الحلقات، أجد نفسي أضحك دائماً، لأنني لا أتذكر أن الأمور كانت تبدو بهذا الشكل». وتابعت: «أشعر أنّ الأحداث تبدو أكثر طرافة عند مشاهدتها لاحقاً».

وأوضحت أنّ التوتّر كان يرافقهم طوال مدّة التصوير، لكنها ترى الآن أنها تستطيع الاستمتاع بالتجربة بشكل كامل عند مشاهدتها مجدداً، قائلة: «في تلك اللحظات، ثمة كثير من الضغط النفسي، لكن عندما تُشاهد الأمر لاحقاً تستطيع أن تستمتع فعلاً بكلّ ما عشناه».

وكانت كايتي قد تحدَّثت سابقاً عن أن قضاء كل يوم مع شقيقها كان في الواقع الجزء الأسهل من التجربة. وقالت: «نعرف بعضنا بعضاً بشكل جيد جداً، وكأنّ كلاً منا امتداد للآخر».

وترى أنّ المشاحنات بينهما قد تكون في الواقع عاملاً إيجابياً يُساعدهما،

وأضافت أنّ بعض الأشقاء قد يعدُّون ذلك نوعاً من الشجار، لكنّ الأمر بالنسبة إليهما مختلف تماماً، موضحةً: «كلّما كنا أكثر قسوة مع بعضنا، أصبحت علاقتنا أقوى».