«خطوة مقابل خطوة» برعاية أميركية لـ«تفكيك حزب الله» وانسحاب إسرائيل

خبيران يتحدثان لـ«الشرق الأوسط» عن شراكة استراتيجية لاستعادة سيادة لبنان

جنود لبنانيون عند نقطة تفتيش في بيروت (إ.ب.أ)
جنود لبنانيون عند نقطة تفتيش في بيروت (إ.ب.أ)
TT

«خطوة مقابل خطوة» برعاية أميركية لـ«تفكيك حزب الله» وانسحاب إسرائيل

جنود لبنانيون عند نقطة تفتيش في بيروت (إ.ب.أ)
جنود لبنانيون عند نقطة تفتيش في بيروت (إ.ب.أ)

مع انتهاء الجولة الثالثة التي استمرت يومين من المفاوضات المباشرة بين لبنان وإسرائيل، بضيافة وزارة الخارجية الأميركية في واشنطن، حذر خبراء بارزون لدى مراكز الدراسات الأميركية من أن المحادثات لإحلال السلام بين الطرفين تواجه عقبة جوهرية تتمثل بـ«حزب الله»، في ظل تسريبات عن «خطط ملموسة» أعدتها إدارة الرئيس دونالد ترمب لـ«تفكيك» التنظيم الموالي لإيران.

وقال مدير برنامجي الاستراتيجية والأمن القومي لدى مؤسسة «راند» البروفسور رافاييل كوهين، لـ«الشرق الأوسط»، إن «القضية الأساسية هنا هي (حزب الله)، وهو ليس طرفاً في المفاوضات، بل إنه يعارضها بشدة». ولذلك، فإن المفاوضات تُخاطر بالانفصال عن الواقع الميداني. وأضاف: «لدينا عملية دبلوماسية منفصلة عن العنصر الأساسي في الصراع، وهو المواجهة بين إسرائيل و(حزب الله). ونتيجة لذلك، ليس من المستغرب أن المحادثات لم تُحقق بعد الاستقرار الذي كان الجميع يأمله في جنوب لبنان».

نازحون من الضربات الإسرائيلية في الجنوب يرفعون العلم اللبناني فوق خيامهم في بيروت (أ.ب)

فعلى الرغم من الجهود الدبلوماسية المتواصلة التي تبذلها إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب عبر السفيرين الأميركيين في لبنان ميشال عيسى وإسرائيل مايكل هاكابي، اللذين يعتبران مهندسي عملية السلام المنشودة بين الطرفين، تواصل القتال على نطاق واسع بين إسرائيل و«حزب الله» حتى بعد اتفاق وقف إطلاق النار، مما يثير شكوكاً حول إمكان تحقيق المحادثات نتائج ملموسة.

ولذلك، ينظر الزميل الرفيع لدى معهد الشرق الأوسط في واشنطن، نيكولاس نصار، إلى هذه العقدة من زاوية مختلفة؛ لأن استمرار الحرب على جانبي الحدود بين لبنان وإسرائيل أظهر «الحاجة الملحة» إلى المفاوضات الجادة، علماً بأن الإسرائيليين واللبنانيين «على حد سواء، يدركون أن هذه الحرب يجب أن تكون الأخيرة، لا مجرد هدنة مؤقتة أخرى تُؤجل الصراع وتُمهد الطريق لحرب أخرى»، على حد قوله لـ«الشرق الأوسط».

شراكة استراتيجية

الزميل الرفيع لدى معهد الشرق الأوسط في واشنطن نيكولاس نصار (أ.ب)

ويقر كوهين بأن للمفاوضات أهمية رمزية. وقال: «للمرة الأولى منذ مدة، نرى حكومة لبنانية تُبدي على الأقل انفتاحاً على إزاحة (حزب الله) سياسياً وعسكرياً. ومن منظور إقليمي، تُعدّ هذه خطوة إيجابية». لكنه حذر من أن هذه الرمزية وحدها لن تُغيّر على الأرجح موازين القوى داخل لبنان. وأضاف: «أما حول إذا كانت الحكومة اللبنانية قادرة فعلاً على إزاحة (حزب الله)، فهذه مسألة أخرى».

ويتفق معه نصار مجادلاً بأن «الدبلوماسية لن تُفلح إلا إذا عالجت تحدِّيين أساسيين في آن: المنطقة الآمنة لإسرائيل في جنوب لبنان، وعجز الدولة اللبنانية عن فرض سيادتها وقراراتها بشأن نزع سلاح (حزب الله)». واعتبر أن «هنا يكمن دور الولايات المتحدة المحوري في توسيع نطاقه ليصير شريكاً استراتيجياً في استعادة السيادة اللبنانية وسلطة الدولة»، مضيفاً أن واشنطن «تتمتع بموقع فريد لا يقتصر على التوسط بين لبنان وإسرائيل، بل يمتد ليشمل توجيه ودعم عملية نزع سلاح جادة بقيادة الدولة تُعزز القوات المسلحة اللبنانية لتصير مؤسسة تُدافع عن سيادة» لبنان.

ويربط البعض هذا الكلام بتصورات وخطط وضعتها إدارة الرئيس ترمب للسماح لإسرائيل بمواصلة عملياتها الحربية، وكذلك لمساعدة السلطات اللبنانية على السيطرة على المنشآت العسكرية لـ«حزب الله» و«تفكيك» أجهزته الأمنية والعسكرية على الأراضي اللبنانية، من دون أن يتضح ما إذا كانت الولايات المتحدة ستضطلع بدور مباشر في هذه العملية.

ولم يشأ مسؤول أميركي الرد على أسئلة «الشرق الأوسط» حول ما إذا كانت الخطط الموضوعة أميركياً من قبل وكالة الاستخبارات المركزية «سي آي إيه» قد نوقشت خلال المحادثات اللبنانية - الإسرائيلية. غير أن نصار يشير إلى «معادلة واضحة» تختصر بأن «كل خطوة نحو الانسحاب الإسرائيلي يجب أن تُقابلها إجراءات إنفاذ لبنانية ملموسة على أرض الواقع. خطوة بخطوة، يتجه الطرفان نحو الهدف نفسه: لبنان تسيطر فيه الدولة - لا (حزب الله) ولا إيران - على أراضيها وحدودها ومستقبلها».

مساران غير منفصلين

مدير برنامجي الاستراتيجية والأمن القومي لدى مؤسسة «راند» البروفسور رافاييل كوهين (أ.ب)

وكان الرئيس دونالد ترمب أيد في البداية وقف إطلاق النار بين إسرائيل ولبنان، جزئياً بسبب الآمال المعقودة على إحراز تقدم مع إيران. غير أن تضاؤل ​​فرص التوصل إلى تسوية دبلوماسية أوسع مع إيران، خففت أيضاً من استعداد واشنطن للضغط بشدة على إسرائيل.

وفي وقت يسعى فيه الوسطاء الأميركيون إلى أن ترسخ المحادثات في نهاية المطاف «إطاراً لكيفية إدارة إسرائيل ولبنان لعلاقاتهما مستقبلاً، يستبعد كوهين أن تكون الدبلوماسية وحدها قادرة على تغيير موقف «حزب الله». وتساءل: «هل أعتقد أن هذه المحادثات وحدها ستُجبر (حزب الله) على نزع سلاحه أو تغيير موقفه بصورة جذرية؟ كلا». بل جادل بأن مستقبل الجبهة اللبنانية - الإسرائيلية «لا ينفصل» عن المواجهة الأوسع التي تشمل إيران. ورأى أنه «في نهاية المطاف، سيعتمد موقف (حزب الله) المستقبلي إلى حد كبير على ما سيحدث بين إسرائيل وإيران»، مضيفاً أن النفوذ الإيراني «يُهيمن على كل شيء آخر، بما في ذلك لبنان». ونبه إلى أن الولايات المتحدة تنظر إلى الوضع أيضاً من منظور الملف الإيراني.

ولذلك يبدو أن استعداد واشنطن للضغط على إسرائيل من أجل ضبط النفس مرتبط بآفاق المفاوضات الأوسع نطاقاً مع طهران. وقال: «لا أرى أي تحرك أميركي جاد لكبح جماح العمل العسكري الإسرائيلي بشكل كامل ما لم يُحرز تقدم أكبر من الموجود الآن في الملف الإيراني».

ويؤكد نصار، في هذا السياق، أن «إيران لا تستطيع أن تُحقق مستقبلاً ذا سيادة للبنان؛ لأن طهران لم تُعامل لبنان قط كدولة ذات سيادة، بل كساحة معركة أمامية ضد إسرائيل»، موضحاً أن «هدفها اليوم ليس إنقاذ لبنان، بل إنقاذ ما تبقى من (حزب الله) كمعقل مسلح للقوة الإيرانية، حتى لو كان ذلك يعني إدانة الشعب اللبناني بحرب دائمة ودمار وخراب اقتصادي».

«الفيل الأكبر»

فتاة تبكي فوق نعش خلال تشييع في صيدا لعاملي إنقاذ قُتلا بغارة إسرائيلية في مدينة النبطية (أ.ف.ب)

وعما إذا كانت إيران هي «الفيل الأكبر» أم «حزب الله» أم كلاهما في غرفة المفاوضات اللبنانية - الإسرائيلية، يعتقد كوهين أن «(حزب الله) عامل رئيسي أيضاً بلا شك. لكن نعم، ما يحدث مع إيران يُلقي بظلاله على كل شيء آخر»، رافضاً فكرة إمكانية فصل المسارين اللبناني والإيراني دبلوماسياً. وينطلق من هذا المنطق ليشدد على أن «إحراز تقدم في الملف الإيراني سيُهيئ الحيز الدبلوماسي اللازم لمعالجة الملف اللبناني بجدية». ويقول: «يصعب عليّ تصور تسوية دائمة في لبنان دون تفاهم أوسع يشمل إيران».

وبينما يعتقد كل من نصار وكوهين أن الدبلوماسية مع إيران لا تزال ممكنة، حذرا من أن أي انفراجة ستستغرق وقتاً طويلاً. وانطلاقاً من ذلك لا يمكن لبنان أن «يبقى مكتوفاً في غرفة الانتظار». ويقول كوهين: «ما دام لم يحدث تقدم في الملف الإيراني، فسيكون من الصعب أيضاً حل الأزمة اللبنانية. لذا أعتقد أننا أمام فترة طويلة من عدم الاستقرار».

ولكن نصار يبدو أكثر إلحاحاً على ضرورة إخراج لبنان من المأزق الحالي. ويكرر أن «ما يريده الشعب اللبناني واضح تماماً: دولة بجيش واحد، وحكومة واحدة، وسلطة سيادية واحدة، وحق غير قابل للتصرف في تقرير مصيره». ويؤكد أنه «بإمكان الولايات المتحدة أن تُساعد في تحقيق ذلك. ليس باختيار مستقبل لبنان نيابة عنها، بل بتمكين الدولة اللبنانية لتكون مستقبل لبنان الوحيد». ويوضح أن «بإمكان واشنطن أن تُقدم ما لن تُقدمه طهران أبداً: السيادة. يجب أن يُحدد مستقبل لبنان في بيروت، لا في طهران».

ويبدو كوهين متشائماً حيال آفاق العلاقات بين لبنان وإسرائيل لأنه «من الصعب التفاؤل في الوقت الراهن».


مقالات ذات صلة

لبنان بين مسارين متعاكسين: تفاوض معلّق وميدان يتسارع

المشرق العربي جانب من إحدى جلسات المفاوضات بين إسرائيل ولبنان برعاية الولايات المتحدة في مقر وزارة الخارجية الأميركية (أرشيفية - أ.ف.ب)

لبنان بين مسارين متعاكسين: تفاوض معلّق وميدان يتسارع

تتسع في لبنان الفجوة بين مسار تفاوضي يتحرك ببطء وميدان تتسارع تطوراته، مع استمرار العمليات الإسرائيلية مقابل تعثر الترتيبات التي يفترض أن تقود إلى جولة جديدة.

صبحي أمهز
المشرق العربي تصاعد الدخان بعد قصف دبابات إسرائيلية لمبنى في منطقة وادي السلوكي... كما يُرى من قرية شقرا جنوب لبنان (إ.ب.أ)

لبنان: غارات إسرائيلية على كفررمان وعلي الطاهر وقصف وتدمير منازل بقرى جنوبية

شن الطيران الحربي الإسرائيلي صباح اليوم (السبت)، سلسلة غارات على دوحة كفررمان جنوب لبنان، كما شن غارة على محيط مرتفعات علي الطاهر.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام في زيارة للجنوب (الشرق الأوسط)

سلام يتفقد وحدات الجيش اللبناني جنوب الليطاني: نريده تحت سلطة واحدة

ربط رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام استعادة الدولة سلطتها في جنوب لبنان بمسار يتجاوز الانتشار العسكري، ليشمل تثبيت حضور المؤسسات والخدمات وإعادة الإعمار

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي رئيس الحكومة اللبناني نواف سلام خلال زيارته الجيش اللبناني في جنوب البلاد.. 21 أغسطس 2026 (الوكالة الوطنية للإعلام)

عودة الدولة إلى الجنوب اللبناني تتجاوز الانتشار الأمني... اختبار الخدمات والتعافي

تتقدم «عودة الدولة» إلى جنوب لبنان بوصفها عنواناً يتجاوز الانتشار الأمني والعسكري إلى استعادة حضور المؤسسات والخدمات، في مسار بدأت ملامحه تظهر عبر برامج للتعافي

صبحي أمهز (بيروت)
يوميات الشرق على جدار بيروت... للغياب ملامح (الشرق الأوسط)

«آلاف فُقدوا... وآلاف يُفتقَدون»: جدارية في بيروت ترسم وجع الانتظار

مرَّ زمن طويل على اختفاء كثيرين. كَبِرَ أبناؤهم وشاخ آباؤهم ومات بعض الذين انتظروا قبل أن يسمعوا الجواب...

فاطمة عبد الله (بيروت)

تحركات سورية وإسرائيلية لتهدئة التوتر

الشيباني والمبعوث الأميركي توم برَّاك يتوسطهما وزير خارجية فرنسا جان نويل بارو في باريس (سانا)
الشيباني والمبعوث الأميركي توم برَّاك يتوسطهما وزير خارجية فرنسا جان نويل بارو في باريس (سانا)
TT

تحركات سورية وإسرائيلية لتهدئة التوتر

الشيباني والمبعوث الأميركي توم برَّاك يتوسطهما وزير خارجية فرنسا جان نويل بارو في باريس (سانا)
الشيباني والمبعوث الأميركي توم برَّاك يتوسطهما وزير خارجية فرنسا جان نويل بارو في باريس (سانا)

التقى مسؤولون إسرائيليون وسوريون رفيعو المستوى، اليوم (الأحد)، في مسعى لخفض حدة التوتر بين البلدين، عقب قصفٍ حديثٍ استهدف قاعدة أبو الظهور الجوية، وذلك وفقاً لمصدرين مطلعين على الأمر تحدثا لموقع «أكسيوس» الأميركي، ولم يحدد المصدر مكان الاجتماع.

عُقد الاجتماع بين وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني، ومدير جهاز الاستخبارات الإسرائيلي (الموساد) رومان غوفمان، بعد أيام من غارة إسرائيلية على قاعدة جوية سورية أدت إلى تصعيد حاد في التوتر بين البلدين.

وامتنع مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي عن التعليق، كما لم يرُد المتحدث باسم الشيباني على الفور على طلب للتعليق.

وفي هذا الإطار، صرح مصدر مطلع لقناة i24NEWS بأن إسرائيل وسوريا عقدتا اجتماعاً رفيع المستوى بهدف تخفيف التوترات، واصفاً المحادثات بأنها «جيدة».

وفي مقابلة بدمشق مع وكالة «رويترز» نُشرت اليوم، بعد أيام من قصف إسرائيل لقاعدة أبو الظهور الجوية السورية، أكد الشيباني أيضاً أن أولوية دمشق هي وقف الهجمات الإسرائيلية، قائلاً إن من الضروري اتخاذ خطوات لبناء الثقة في هذا الاتجاه.

طائرات تابعة للقوات الجوية السورية خرجت من الخدمة في قاعدة أبو الظهور الجوية العسكرية شرق إدلب في أعقاب استيلاء مقاتلي المعارضة السورية على المنطقة يوم السبت 7 ديسمبر 2024 (أ.ب)

وقال وزير الخارجية السوري، إن دمشق تتوقع استئناف المفاوضات قريباً مع إسرائيل، بشأن اتفاق أمني تأمل ​في أن يؤدي إلى انسحاب إسرائيل من الأراضي السورية، وحث إسرائيل على اغتنام «فرصة تاريخية»، مؤكداً أن الباب مفتوح أمام الدبلوماسية.

وقال الشيباني: «بعد الحرب الإيرانية الإسرائيلية تجمدت المفاوضات... ونتمنى أن تعود هذه المفاوضات في الفترة القريبة حتى نستكمل هذا الأمر».


عمليات عسكرية إسرائيلية تمهّد لمعركة في جنوب لبنان

جنود إسرائيليون ينظرون باتجاه الأراضي اللبنانية من نقطة مشرفة في شمال إسرائيل (رويترز)
جنود إسرائيليون ينظرون باتجاه الأراضي اللبنانية من نقطة مشرفة في شمال إسرائيل (رويترز)
TT

عمليات عسكرية إسرائيلية تمهّد لمعركة في جنوب لبنان

جنود إسرائيليون ينظرون باتجاه الأراضي اللبنانية من نقطة مشرفة في شمال إسرائيل (رويترز)
جنود إسرائيليون ينظرون باتجاه الأراضي اللبنانية من نقطة مشرفة في شمال إسرائيل (رويترز)

تأخذ التوغلات والغارات الإسرائيلية في جنوب لبنان طابعاً تمهيدياً لمعركة عسكرية؛ حيث تعمل على استهداف المرتفعات المشرفة على مناطق تواجدها في البلدات المحتلة، كما تستهدف المسالك والممرات باتجاه العمق، خصوصاً محيط مدينة بنت جبيل، حسبما قالت مصادر أمنية في جنوب لبنان لـ«الشرق الأوسط».

دبابات إسرائيلية تتحرك في وادي السلوقي على المسلك الغربي نحو مدينة بنت جبيل (إ.ب.أ)

وتتركز العمليات والغارات الإسرائيلية على ثلاثة محاور؛ ففي القطاع الشرقي، تستهدف الغارات والقصف المدفعي محيط مرتفعات «علي الطاهر الاستراتيجية» الواقعة شرق مدينة النبطية، والتي تسعى القوات الإسرائيلية للسيطرة عليها منذ 10 أسابيع. وفي القطاع الأوسط، تستهدف التوغلات والغارات أربع بلدات تُعدّ الممر إلى مدينة بنت جبيل، وأخيراً تحركات مشابهة وتفجيرات في بلدتي مجدل زون والمنصوري القريبتين من الساحل في جنوب غرب لبنان.

عزل «علي الطاهر»

قالت المصادر الأمنية في الجنوب إن هذه التحركات والتفجيرات والقصف «تبدو أنها تمهيد لعملية عسكرية في وقت لاحق»، بالنظر إلى أن الغارات «تستهدف كامل المرتفعات المحيطة بتلة (علي الطاهر)، وخصوصاً تلة الدبشة وتلة الطهرة»، وهما تلتان كانتا خاضعتين لسيطرة إسرائيلية قبل انسحاب الجيش الإسرائيلي من جنوب لبنان في عام 2000.

وأشارت المصادر إلى أن التركيز على التلال وتدمير المنازل في محيط «علي الطاهر»، يعني أن القوات الإسرائيلية «تحاول عزل المرتفع الاستراتيجي بالكامل عن محيطه، وتمنع الحركة في أطرافه، وتحاول إحداث مدى جغرافي لأكثر من ثلاثة كيلومترات بين المرتفع والمناطق الحيوية التي عاد إليها بعض السكان».

استهداف المنشآت

على مدى أسبوع، استهدفت غارات جوية متكررة المنازل قيد الإنشاء والقصور الواقعة في دوحة كفررمان (شمال علي الطاهر) والنبطية الفوقا (جنوب غرب المرتفع)، إضافة إلى مواصلة نسف وتفجير المنازل في بلدة كفرتبنيت الواقعة مباشرة غرب المرتفع. وبالموازاة، تواظب القوات الإسرائيلية على قصف المرتفع الذي يمتد من الجنوب إلى الشمال على مسافة 1.5 كيلومتر، بالقذائف المدفعية والفوسفورية، فضلاً عن إسقاط المتفجرات عليه عبر المحلقات وتفجيرها.

الدخان يتصاعد جراء غارات إسرائيلية استهدفت جنوب لبنان (رويترز)

وأفادت وسائل إعلام لبنانية الأحد، بأن قصفاً مدفعياً إسرائيلياً استهدف أطراف ميفدون بالتزامن مع تمشيط بالأسلحة الرشاشة، كما نفذ الطيران الحربيّ الإسرائيليّ فجراً، سلسلة غارات على مرتفع علي الطاهر عند أطراف النبطية الفوقا ودوحة كفررمان، بالتزامن مع قصف مدفعي متقطع لمحيط دوحة كفررمان وتلة الدبشة.

القطاع الأوسط

على الرغم من أن الأضواء تتركز على مرتفع «علي الطاهر» في ضوء التصريحات السياسية والعسكرية حوله، فإن العمليات الإسرائيلية تشمل منطقة القطاع الأوسط أيضاً؛ إذ تنفذ القوات الإسرائيلية توغلات في أربع بلدات لم تكن محتلة عند دخول اتفاق وقف إطلاق النار حيز التنفيذ في يونيو (حزيران) الماضي، وهي بيت ياحون وبرعشيت وحداثا وعيتا الجبل، وهي مسالك وطرقات رئيسية باتجاه مدينة بنت جبيل المحتلة، وتقع على خط القرى الثالث انطلاقاً من المدينة باتجاه العمق اللبناني في الجنوب.

دبابة وجرافة إسرائيليتان في وادي السلوقي كما تظهران من بلدة شقرا بجنوب لبنان (إ.ب.أ)

وقالت المصادر إن التحركات الإسرائيلية في القطاع الأوسط تحمل مخاطر من أن لا تقتصر أي عملية إسرائيلية في الجنوب، على مرتفعات «علي الطاهر» كما يقول الإعلام الإسرائيلي، بل «تؤشر إلى استعدادات لمعركة أوسع على أكثر من محور ومن ضمنه القطاع الأوسط»، مشيرة إلى أن التحركات في المنطقة «تمتد لنحو خمسة كيلومترات من برعشيت إلى حداثا، وذلك في محاولة لاستحداث منطقة عازلة أيضاً على تلك المساحة التي تتضمن مرتفعات، والإشراف منها على الوديان القريبة مثل وادي السلوقي».

23 موقعاً داخل الأراضي اللبنانية

لا تثبت القوات الإسرائيلية أي مواقع عسكرية في تلك المنطقة، بل استحدثت المواقع في العمق وبلغ عددها 17 موقعاً منذ استئناف الحرب في 2 مارس (آذار) الماضي، وتُضاف إلى 6 مواقع كانت استُحدثت داخل الأراضي اللبنانية بعد حرب عام 2024.

وإلى جانب التوغلات والغارات، يواظب الجيش الإسرائيلي على استهداف المنطقة بالقصف المدفعي وغارات المسيرات، إلى جانب تحليق متواصل للمسيّرات الإسرائيلية في المنطقة.

وأفادت وسائل إعلام لبنانية السبت، عن تحركات عسكرية بين بلدتي بيت ياحون وبرعشيت، فيما نفذ سلاح الجو الإسرائيلي غارات استهدفت بلدات صربين ورشاف وحاريص، إلى جانب تمشيط بالرصاص استهدف بلدة حداثا. ألقت مسيّرة إسرائيلية قنبلتين صوتيتين في اتجاه جرافة في بلدة ياطر.

أما في القطاع الغربي، فقد نفّذ الجيش الإسرائيلي عملية تفجير في مشاع بلدة المنصوري في قضاء صور، وألقت مسيرة قنبلة بين بلدتي الحنية والقليلة، بالتزامن مع استهداف دبابة «ميركافا» لبلدة المنصوري.


مصادر لـ«الشرق الأوسط»: «فتح» تلغي اجتماعاً مع «حماس» في مصر حول الانتخابات

الدخان يتصاعد بعد غارة إسرائيلية استهدفت منطقة المغازي وسط غزة يوم الأحد (أ.ف.ب)
الدخان يتصاعد بعد غارة إسرائيلية استهدفت منطقة المغازي وسط غزة يوم الأحد (أ.ف.ب)
TT

مصادر لـ«الشرق الأوسط»: «فتح» تلغي اجتماعاً مع «حماس» في مصر حول الانتخابات

الدخان يتصاعد بعد غارة إسرائيلية استهدفت منطقة المغازي وسط غزة يوم الأحد (أ.ف.ب)
الدخان يتصاعد بعد غارة إسرائيلية استهدفت منطقة المغازي وسط غزة يوم الأحد (أ.ف.ب)

أكدت 3 مصادر من «حماس» تلقي الحركة إفادة بإلغاء حركة «فتح» اجتماعاً كان سيعقد في مدينة العلمين المصرية، لبحث ملفات عدة أهمها ملف الانتخابات التشريعية المقرر إجراؤها في الثامن والعشرين من نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل.

وقالت المصادر الثلاثة في إفادات منفصلة لـ«الشرق الأوسط»، إن اجتماعاً ثنائياً تم الترتيب له بجهود مصرية لعقده يوم غد الاثنين، إلا أنه تم إلغاؤه بطلب من حركة «فتح»، ولم تقدم المصادر تفسيرات واضحة لأسباب الإلغاء.

وكان وفد قيادي من حركة «فتح» قد توجه السبت إلى القاهرة للقاء مسؤولين مصريين، وبشكل خاص لقاء مسؤولين وممثلين عن الفصائل الفلسطينية، لبحث ملف الانتخابات التشريعية. ويضم الوفد نائب رئيس حركة «فتح»، نائب الرئيس الفلسطيني حسين الشيخ، إلى جانب عضو اللجنة المركزية ماجد فرج، ورئيس المجلس الوطني روحي فتوح.

نائب الرئيس الفلسطيني حسين الشيخ خلال مسيرة لإحياء ذكرى النكبة في رام الله بالضفة الغربية المحتلة يوم الثلاثاء (رويترز)

ووفقاً لمصدر قيادي بارز من «حماس»، فإن مسؤولين مصريين هم من أبلغوا قيادة حركته بإلغاء اللقاء بشكل مفاجئ، من دون تقديم توضيحات. فيما قال مصدر آخر من الحركة إن «فتح» منذ بداية الحرب على قطاع غزة تراجعت عن عقد لقاءات مماثلة كان تم التنسيق لها عدة مرات سابقاً.

وعبر مصدران من «حماس» عن أن الحركة ما زالت مستعدة للقاء والتوصل إلى تفاهمات بشأن الانتخابات التشريعية المقبلة بما يضمن مشاركة كل الفصائل الفلسطينية على «قاعدة الشراكة السياسية».

فتح: اللقاء لم يكن مدرجاً

لكن منذر الحايك، المتحدث باسم حركة «فتح»، قال في تصريح لإذاعة محلية فلسطينية، إن اللقاء مع حركة «حماس» لم يلغَ؛ لأنه لم يكن من الأساس مدرجاً ضمن أجندة اللقاءات التي ستعقد في القاهرة، مؤكداً أن اللقاء مع جميع الفصائل ممكن ويبقى الباب مفتوحاً أمام ذلك، كما أن الوفد سيبحث في القاهرة بشكل أساسي إنجاح العملية الانتخابية بغزة.

وشدد الحايك على أن القاعدة الجماهيرية لحركة «فتح» ترغب في أن تكون للحركة قائمة رئيسية واحدة دون تحالف، وأنها ترفض رفضاً قاطعاً التحالف مع «حماس».

فلسطينية تلوّح بعَلم «فتح» خلال مشاركتها بالمؤتمر الثامن للحركة في جامعة الأزهر بمدينة غزة يوم 14 مايو 2026 (رويترز)

وقال أحد المصادر من «حماس» إن التحالف الانتخابي الفصائلي الذي يضم «الجهاد الإسلامي» و«التيار الإصلاحي الديمقراطي» الذي يتزعمه محمد دحلان، و«لجان المقاومة»، لا يهدف إلى إقصاء أي طرف فلسطيني؛ وإنما يهدف إلى «توسيع أكبر كتلة وطنية ستخوض الانتخابات بشخصيات من الكفاءات والأكاديميين مدعومةً ببعض الشخصيات السياسية الوطنية»، وفق قوله.

وحتى إعداد التقرير ما زالت الجبهتان الشعبية والديمقراطية لتحرير فلسطين تفضلان العمل معاً أو ضمن تحالف ديمقراطي، مع إمكانية دراسة انضمامهما للتحالف التنظيمي.

وفعلياً ما زالت حركة «الجهاد الإسلامي» تدرس إمكانية دخول الانتخابات التشريعية أو دعم قائمة التحالف عن بعد، فيما ما زال يدرس «تيار دحلان» عدة خيارات، ولم يحسم مشاركته الأكيدة ضمن التحالف الانتخابي. كما علمت «الشرق الأوسط» من مصدرين في الفصيلين.

قائمة واحدة لـ«فتح»

ومن المقرر أن يلتقي وفد حركة «فتح» الذي يقوده حسين الشيخ، بمسؤولين مصريين، وكذلك ممثلين عن فصائل فلسطينية بينهم «الجبهة الشعبية»، وكذلك «تيار دحلان»، إلى جانب إمكانية عقد لقاءات أخرى مع فصائل إضافية.

وأكد الشيخ في لقاء مع الصحافيين الفلسطينيين برام الله قبل مغادرته إياها إلى القاهرة، أن هناك اتصالات مع عدة فصائل وجهات، ومنها «تيار دحلان» لإعادته إلى الحركة، مشدداً على أن «فتح» ستخوض الانتخابات بقائمة واحدة تحمل اسمها.

ورأى الشيخ أنه لا يحق لحركة «حماس» المشاركة في الانتخابات باسمها الحالي أو بشخصياتها القيادية المعروفة، وقال إن هذا ما أكدته الحركة للمسؤولين الأميركيين و«مجلس السلام» خلال التفاهمات الأخيرة بالقاهرة.

غير أن المصدر القيادي من «حماس» قال لـ«الشرق الأوسط» إن المعلومات التي قدمها الشيخ حول عدم خوضها الانتخابات «غير دقيقة»، مؤكداً حقها في ممارسة العمل السياسي والمشاركة في العملية الانتخابية، مشيراً إلى أن هناك «خيارات عدة لدى حركته للمشاركة في الانتخابات، منها بقائمة تحت مسمى معين كما جرى في انتخابات عام 2006 باسم قائمة «التغيير والإصلاح»، أو من خلال قائمة وطنية واسعة كما تم الاتفاق على ذلك مع بعض الفصائل».

عباس أثناء المؤتمر العام الثامن لحركة «فتح» بمدينة رام الله مايو الماضي (إ.ب.أ)

وتأتي هذه التطورات السياسية الفلسطينية على وقع استمرار التصعيد الإسرائيلي في قطاع غزة الذي يخشى معه السكان إفشال أي عملية سياسية مستقبلية بشأن القطاع.

وأغارت طائرة مسيرة إسرائيلية، الأحد، على شاب كان يسير على قدميه في منطقة دير البلح وسط القطاع، ما أدى إلى مقتله على الفور، فيما قصفت طائرات حربية لاحقاً مخزناً طلبت إخلاءه ببلدة الزوايدة وسط القطاع، ما أدى إلى إصابة عدد من المواطنين المتجمهرين، قبل أن يعلن عن مقتل طفل متأثراً بجروحه. وقتل ناشط ميداني في «كتائب القسام»، يوم السبت، في غارة استهدفته في فناء منزله ببلدة الزوايدة وسط القطاع.