اعتاد الرسام اللبناني الراحل نبيل قانصوه زيارة وطنه كلّما سنحت له الفرصة. فمنذ استقراره في الولايات المتحدة عام 1966، كان يعبُر الأطلسي باستمرار ليحتضن تراب لبنان ويتفقّد أفراد عائلته. وإنما حلمه بإقامة معرض لأعماله في بلده بقي مؤجّلاً. فالظروف الأمنية وعدم الاستقرار حالا دون تحقيقه، ليظلّ غصّة رافقته حتى رحيله.
اليوم، يتحقّق جزء من الحلم بمبادرة من «ملتقى دلول»، الذي يقيم الجزء الأول من معرض استعادي لأعماله بعنوان «الظلام والنور»، في عودة رمزية للفنان إلى وطنه، على أن يُستكمل بجزئه الثاني في «مؤسّسة دلول للفنون»، حيث تُعرض مجموعة أخرى نادرة من أعماله.
وفي أجواء صُمِّمت لتنسجم مع روح المعرض، يحتضن «ملتقى دلول» مجموعة من أشهر أعمال قانصوه، بينها لوحات من سلسلة «انشطار الحياة». وتضمّ المجموعة أعمالاً بينها «هدول الظلال» و«لبنان 1983» و«آلام متراكمة»، لتكون بمثابة بيان سلمي مناهض للحرب. وضمن سلسلة «الكويت عاصفة الصحراء»، يرسم «الأم والطفل»، و«آلام المواجهة»، و«من الداخل والخارج».

للوهلة الأولى، يشعر زائر المعرض كأنه يدخل قاعة متحف تتوزَّع على جدرانها لوحات زيتية ضخمة تستحضر ظلمة الحروب وتبحث عن نور السلام. تقف أمامها مأخوذاً بفلسفتها البصرية، التي تمتزج فيها الرؤية الإنسانية والتجربة الشخصية لفنان حمل وطنه معه أينما ذهب.
تناول قانصوه في أعماله الحرب اللبنانية بكل مآسيها، فرسم انقسام الطوائف، ووثّق مجازر «صبرا وشاتيلا»، واستوحى سلسلتي «قارب النجاة» و«دوامات الغضب» من حرب الجنوب. في المقابل، لم تغب عن ريشته إشارات الأمل، فأنجز أعمالاً عن بزوغ الفجر والربيع وكسوف الشمس ضمن سلسلة «القيامة»، التي استلهمها من الكتاب المقدس، لا سيما من سفر دانيال وسفر الرؤيا، ليترجمها إلى رؤية معاصرة للظلمة والخوف وانكشاف الإنسان.

ويطغى اللون الأحمر على معظم أعماله، إذ كان يرمز بالنسبة إليه إلى دم الحروب وغضب الإنسانية. بينما تقدّم سلسلة «ساحة الشهداء» مَشاهد من الحياة اليومية اللبنانية، منفَّذة بألوان مائية، في مقاربة مختلفة لذاكرة المكان.
لطالما شكَّل قانصوه أحد أبرز الأصوات المؤثّرة في الفن المعاصر، إذ مزج بين التجربة الشخصية والقضايا الكونية، وجعل من لوحاته مساحة للتأمُّل في الصمود والعدالة والعاطفة الإنسانية. وكلّما تعمّق المشاهد في تفاصيل أعماله، اتّسعت دائرة الأسئلة التي تطرحها.
ويؤكد مدير «ملتقى دلول»، الدكتور باسل دلول، في حديث إلى «الشرق الأوسط»، أنّ هذا المعرض يمثّل أول عودة فعلية لنبيل قانصوه إلى لبنان عبر أعماله. ويقول: «إنه فنان كبير جسَّد مآسي الحروب العربية والانقسامات التي مزقت مجتمعاتنا». ويضيف: «حين نتأمّل لوحاته العملاقة وموضوعاتها الإنسانية، نشعر كأنها تتحدث عن واقعنا اليوم، وأنجزت للتو، لما تحمله من رؤية استباقية».
ويشير دلول إلى أنّ الجزء الثاني من المعرض تستضيفه «مؤسّسة دلول للفنون» ابتداءً من 30 يوليو (تموز) حتى 25 سبتمبر (أيلول) المقبل، ويحمل عنوان «يغادرون مسرح الحرب»، ويضم أعمالاً أنجزها الفنان بين عامَي 1980 و1992، وهي أكثر تجاربه اكتمالاً في توثيق الحرب والشهادة الإنسانية.
وعن الأعمال المعروضة، يوضح: «يضمّ المعرض 4 لوحات من مجموعة (مؤسّسة دلول الفنية)، من بينها أعمال تتناول حرب الكويت ومجزرة (صبرا وشاتيلا). واستُقدمت بقية اللوحات من الولايات المتحدة بالتعاون مع عائلة نبيل قانصوه». ويختم: «كان رجلاً استثنائياً، انعكست طبقات شخصيته وفلسفته بوضوح في أعماله».
وشكّلت زيارة قانصوه للبنان مطلع عام 1975 محطة مفصلية في مسيرته الفنية. فخلال تجوّله بين بيروت والجبل، عاين من قرب بدايات الانقسام والاستعدادات العسكرية، ورأى كيف تحوّلت الطائفية إلى أداة للعنف. ومنذ تلك الزيارة، تبدّلت لغته التشكيلية، وصار اللون الأحمر يُهيمن على لوحاته رمزاً لدماء الحروب.

ومع اشتداد الحرب اللبنانية، أنجز عدداً من الأعمال تحت عنوان «الفنّ في خدمة السلام». وكان أبرزها الجدارية الشهيرة «العقاب الإلهي». كما رسم أعمالاً مستوحاة من مآسٍ إنسانية عالمية، بينها لوحة «دقيقة فوق هيروشيما وناغازاكي».
ومن أقواله التي اختزلت علاقته بوطنه: «إنه لأمر محزن أن ترى وطنك ينحدر إلى قاع الهاوية. ومع هذا الانحدار تشعر بأنك دفنت ذكرياتك وطموحاتك. إنّ ما رأيته في لبنان يشبه كوابيس الأفلام المزعجة».
من جهته، يشير نجله دانيال قانصوه، في حديث إلى «الشرق الأوسط»، إلى أنّ والده كان شديد الاهتمام بعائلته، رغم انغماسه ساعات طويلة في الرسم داخل ورشته الفنية. ويقول: «كبرنا بين لوحاته، وكان يحرص على إشراكنا في عالمه الفنّي، يستمع إلى آرائنا ويحاورنا باستمرار، مثل أيّ أب يشارك أبناءه تفاصيل يومه».
وعن المشهد الأكثر رسوخاً في ذاكرته، يضيف: «كنت أراقبه ساعات وهو يرسم بشغف، ولا تزال رائحة الألوان عالقة في ذاكرتي. أشعر بسعادة كبيرة لعودة أعماله إلى لبنان بهذا المعرض، فقد كان يتمنّى أن يتحقّق حلمه. فوطنه كان مُلهمه ولم ينسه يوماً. وأعتقد أنه لو كان بيننا اليوم لفرح كثيراً بهذه اللحظة، ولأعجبه أيضاً أسلوب توزيع اللوحات، لأنها جاءت بطريقة تُشبه ترتيبها في ورشته».
