معرض «أصداء الوجود»... حين تعبق رائحة الصنوبر في المتحف الوطني

في لقاء فنّي ينسج حواراً ثقافياً بين لبنان وإيطاليا

جيلبير الحلبي أمام إحدى لوحاته في معرض «أصداء الوجود» (الجهة المنظّمة)
جيلبير الحلبي أمام إحدى لوحاته في معرض «أصداء الوجود» (الجهة المنظّمة)
TT

معرض «أصداء الوجود»... حين تعبق رائحة الصنوبر في المتحف الوطني

جيلبير الحلبي أمام إحدى لوحاته في معرض «أصداء الوجود» (الجهة المنظّمة)
جيلبير الحلبي أمام إحدى لوحاته في معرض «أصداء الوجود» (الجهة المنظّمة)

تصطفُّ أعمال الفنانين التشكيليين جيلبير الحلبي وإنزو كوكي في معرض «أصداء الوجود»، المُقام في «جناح نهاد السعيد للثقافة» داخل المتحف الوطني في بيروت، فتنسج حواراً بصرياً يتّخذ من شجرة الصنوبر نقطة التقاء بين تجربتين فنيتين. التجربة الأولى لبنانية تنطلق من ذاكرة ضهور الشوير، مسقط الحلبي، والثانية إيطالية تستمد جذورها من روما، مدينة كوكي، فيتقاطع المكانان داخل اللوحة بلغة فنية واحدة.

افتُتح المعرض تحت رعاية وزارة الثقافة، بمبادرة من سفارة إيطاليا في لبنان، وإشراف المنسّقة الفنية موريال الأسمر، ويتمحور حول شجرة الصنوبر بوصفها رمزاً مشتركاً متجذراً في إيطاليا ولبنان. كما يتضمَّن بُعداً بيئياً من خلال إسهام وحدات الكارابينييري (قوات الدرك الوطني الإيطالية) للغابات والبيئة والقطاع الزراعي - الغذائي.

يتوزّع المعرض على 3 طبقات. في الطبقة العلوية من الجناح، يحضر تركيب جداري لإنزو كوكي، وهو أشبه بمخطوطة بصرية تتكوّن من رسومات أولية وشذرات أعمال، تحيط به منحوتتان. ويقابل هذا التركيب الجداري لوحة «صنين» لجيلبير الحلبي، وهي لوحة واسعة وتأملية رُسمت في روما، في قصر نارديني، وتستقرّ على الأرض بالقرب منها لوحة دائرية «توندو» يبلغ قطرها 3 أمتار، وهي بمثابة مرآة تعكس السماء، حيث تبدو أشجار الصنوبر وكأنها واقفة وتتنفّس.

جيلبير الحلبي أمام إحدى لوحاته في معرض «أصداء الوجود» (الجهة المنظّمة)

ويشير الفنان جيلبير الحلبي، في حديث لـ«الشرق الأوسط»، إلى أنه، رغم إقامته في إيطاليا منذ كان في الـ19 من عمره، بقيت شجرة الصنوبر التي طبعت طفولته ترافقه أينما حلَّ. ويقول: «إنها جزء من حياتي، اختزنتها ذاكرتي حتى أصبحت مزروعة في داخلي. الأرز هو رمز لبنان، لكن الصنوبر يبقى بالنسبة إليّ الشجرة الأقرب إلى وجداني».

يلحظ زائر المعرض إشارات بصرية تستحضر لبنان، من بينها ألوان العلم اللبناني، وإنما جيلبير الحلبي يقدّم شجرة الصنوبر برؤية معاصرة تتجاوز الصورة التقليدية. ويُعلّق: «هذه العصرنة كانت ضرورية، لكنها انطلقت من الجذور. فلا يكفي أن نتشبث بأرضنا، بل ينبغي أن ننفتح على آفاق أوسع من دون أن نفقد ارتباطنا بها».

أطلق حلبي على اللوحة اسم «صنين»، مستلهماً إياها من السلسلة الجبلية التي طالما شكّلت جزءاً من ذاكرته. ويقول إن المشهد الذي رسمه هو نفسه الذي كان يطل عليه من منزل العائلة في ضهور الشوير، حيث كانت جبال صنين، وفق تعبيره، «تدعوني دائماً إلى التحليق نحو آفاق أرحب».

ويضيف: «صنعت لنفسي أبجدية فنية خاصة أؤلف بها لوحاتي. اطلعت على أعمال كبار الفنانين التشكيليين اللبنانيين الذين حضرت شجرة الصنوبر في أعمالهم، لكنني سعيتُ إلى تقديمها بلغتي البصرية الخاصة».

ويؤكد الحلبي أنّ جميع لوحاته تنبع من طفولته، ودائماً ما يصورها مقسومة إلى قسمين. ويوضح: «الشجر يبادلنا العطاء، ولذلك رسمته بحيث أُظهر هذه العلاقة بيننا وبين شجرة الصنوبر. فالمطلوب منا الاهتمام بها لتعطينا الثمر المطلوب». ويقول إنه رسم عدداً من لوحاته في جزيرة مونتي كريستو، وعلى مدى 18 يوماً توالدت هذه الأشجار، جامعةً بين مناظر الغروب والشروق والمساء.

تغمر أجواء تأملية الطبقة السفليّة من «جناح نهاد السعيد للثقافة»، حيث تمتد غابة جيلبير الحلبي من أشجار الصنوبر عبر لوحات متفاوتة الأحجام، يروي من خلالها حكاياته مع هذه الشجرة التي رافقته منذ الطفولة. وهي تختزن الفرح والحلم والحنين إلى أحراج ضهور الشوير. في المقابل، تبدو شجرة الصنوبر في أعمال إنزو كوكي أكثر تجريداً، مرسومة بخطوط سريعة وحرّة تعكس رؤيته للحياة بما تحمله من حزن وتأمل وشوق. وفي الصالة نفسها نكتشف حواراً تاريخياً من خلال أعمال فنانين لبنانيين حديثين، مثل عمر الأنسي، ومصطفى فروخ، وسيزار الجميل، وعارف الريّس، الذين صوّروا الصنوبر في مناظرهم الطبيعية، ممّا يخلق جسراً بين التفسيرات الحديثة والمعاصرة للمناظر الطبيعية والهوية والذاكرة. هذا القسم من المعرض، الذي طُوِّر نتيجةً لبحث أجراه صالح بركات، يهدف إلى توسيع الحوار بين الأجيال، مسلطاً الضوء على كيفية استمرار شجرة الصنوبر رمزاً شعرياً ووطنياً في الثقافة البصرية اللبنانية.

مشهد من معرض «أصداء الوجود» الذي افتُتح برعاية السفارة الإيطالية في لبنان (الجهة المنظّمة)

ويشير جيلبير الحلبي إلى الاختلاف الواضح بين أعماله وأعمال إنزو كوكي، لافتاً إلى أن الأخير يميل في لوحاته إلى الأبيض والأسود، فيما تنبض أعماله هو بالألوان الدافئة. ويُعلّق: «هناك لغة حوار تجمع بيننا، فنحن صديقان. هو يرسم أشجار الصنوبر بطريقته، وأنا أتناولها بأسلوبي، لكن هذا الاختلاف لم يشكّل يوماً عائقاً أمام التواصل، بل أسهم في خلق حوار جميل بين أعمالنا». وعندما نسأله ماذا تعني له شجرة الصنوبر، يُجيب: «حرج الصنوبر الذي أمضيت فيه طفولتي في بلدتي ضهور الشوير. هناك كنت أحلم، وها هو الحلم يتحقق اليوم في قلب المتحف الوطني».

وفي الطبقة السفليّة من المعرض، تقف 10 منحوتات خشبية، كلّ منها من نوع مختلف من الأشجار الموجودة في إيطاليا، مثل حرّاس على تراث حيّ. وهو عرض بيئي تقدمه قيادة وحدات الكارابينييري للغابات والبيئة والقطاع الزراعي - الغذائي. وبالقرب من المنحوتات ألواح تعريفية تسلط الضوء على المهمة الحيوية للكارابينييري في حفظ الغابات وحماية التنوّع البيولوجي والنظم البيئية الطبيعية، مع التأكيد على الحاجة الملحّة لحماية تراثنا البيئي المشترك. وترافق المعرض أيضاً حزمة منشورات تضمّ 3 كتب مخصّصة للحوار الفني والتاريخي في قلب «أصداء الوجود»: الأول عن أعمال إنزو كوكي، والثاني عن أعمال جيلبير الحلبي، والكتاب الثالث عن حرج الصنوبر في الفن اللبناني، وهو مجموعة مختارة من الفن اللبناني الحديث أعدَّها صالح بركات. وتُنشر الكتب تحت الإشراف التحريري لماري تومب.

وتؤكد منسّقة المعرض، موريال أسمر، في حديثها لـ«الشرق الأوسط»، أن مهمّتها لم تكن صعبة بقدر ما كانت ممتعة، لأنها ارتكزت على بناء حوار فني بين تجربتين تنتميان إلى بلدين وثقافتين مختلفتين. وتقول: «بين الألوان القوية التي يستخدمها جيلبير الحلبي، والمفعمة بالاحتفاء بالحياة، وتلك التي يوظفها إنزو كوكي، التي تعكس مراحل الوجود الإنساني، برزت شجرة الصنوبر بوصفها القاسم المشترك والمحور الذي جمع أعمالهما». وتتابع: «ما يميّز هذا المعرض أنه يقيم حواراً بين الماضي والحاضر أيضاً. فمنذ مطلع القرن الـ20، حضرت شجرة الصنوبر في أعمال عدد من كبار الفنانين، وها هي تعود اليوم في لوحات معاصرة تحمل رؤى جديدة. إنها لغة بصرية تروي حكايات مشتركة عن لبنان وإيطاليا، وتؤكد أن هذه الشجرة ليست مجرّد عنصر من عناصر الطبيعة، بل رمز يحمل ذاكرة المكان والهوية والوجود».

ويختم جيلبير الحلبي حديثه معلناً أنّ أعمال معرض «أصداء الوجود» ستنتقل في يناير (كانون الثاني) 2027 إلى المتحف الوطني في روما. ويقول: «سأحمل الصنوبر اللبناني إلى هناك، ليواصل حكايته وينثر عبقه في محطة جديدة من هذا الحوار الفني بين لبنان وإيطاليا».


مقالات ذات صلة

كنوز المتحف اليوناني الروماني في الإسكندرية إلى النور

يوميات الشرق معروضات متنوعة في معرض المتحف اليوناني الروماني (وزارة السياحة والآثار)

كنوز المتحف اليوناني الروماني في الإسكندرية إلى النور

تحت عنوان «الإسكندرية... هوية وثقافة عبر الزمن»، نظم المتحف اليوناني الروماني بالإسكندرية أول معرض أثري مؤقت له منذ إعادة افتتاحه.

محمد الكفراوي (القاهرة )
يوميات الشرق محمد سهيل يفتّش في الجسد عن أثر الآخر (الشرق الأوسط)

محمد سهيل يُعيد رسم معنى الاكتمال

عالم مكتظّ بأجساد ناقصة، لكنه ليس عالماً مستسلِماً للنقص.

فاطمة عبد الله (بيروت)
يوميات الشرق ماهر عطّار وموريال واكد في معرض «خارج الإطار» للمصوّرين الناشئين (أرت ديستريكت)

بين البترون وبيروت... الفنّ التصويري والتشكيلي في تحية ومبادرة

المبادرة وُلدت من مبدأ بسيط: «إذا كنتَ لا تستطيع أن تزورنا، فنحن نزورك»...

فيفيان حداد (بيروت)
يوميات الشرق «الأبد هو الآن» يربط الحضارة بالفنون المعاصرة (لوحة من النسخة الماضية فيسبوك)

فنانات عالميات يتصدرن النسخة السادسة من «الأبد هو الآن»

يتعامل معرض «الأبد هو الآن» مع هضبة الجيزة بوصفها موقعاً أثرياً ومشهداً ثقافياً حياً يواصل إلهام البحث الفني والخيال المعاصر.

«الشرق الأوسط» (القاهرة )
يوميات الشرق فرح سلامة ترى أن لوحات المعرض تعبر عنها (الشرق الأوسط)

«هل لاحظت وجودي؟!»... دعوة لاقتناص السعادة وسط هموم الحياة

تبدو السمكة في لوحات فرح سلامة سيرة ذاتية مرسومة، ومرآة يرى فيها كلُّ مُتلقٍّ شيئاً من نفسه.

نادية عبد الحليم (القاهرة)

حوادث مروّعة تخلف صدمات متتالية لدى المصريين

النيابة العامة تحقِّق في حادث مقتل 4 من أسرة واحدة (فيسبوك)
النيابة العامة تحقِّق في حادث مقتل 4 من أسرة واحدة (فيسبوك)
TT

حوادث مروّعة تخلف صدمات متتالية لدى المصريين

النيابة العامة تحقِّق في حادث مقتل 4 من أسرة واحدة (فيسبوك)
النيابة العامة تحقِّق في حادث مقتل 4 من أسرة واحدة (فيسبوك)

شهد الشارع المصري خلال الأيام الأخيرة حوادث مروّعة عدّة، كان أحدثها قيام مهندس بقتل 4 من عائلته، وإصابة اثنين آخرين خلال جلسة صلح في مدينة 15 مايو (جنوب القاهرة).

وأكدت تقارير أمنية بمحافظة القاهرة، نشرتها وسائل إعلام محلية، أنَّه تمَّ العثور على 4 جثث وجريحين بعد مشاجرة بين الجاني وزوجته ووالدتها وأولاده، حيث أطلق المهندس النار عشوائياً على الحضور.

وقبل ذلك بأيام، شهدت منطقة القاهرة الجديدة واقعة قتل زوج وزوجته وابنتيه، وفق ما ذكرت النيابة العامة في تقرير لها، مؤكدة أنَّ الجاني هو صديق لرب الأسرة، وأقرَّ بأنَّه قتلهم لمحاولته اقتراض مبلغ مالي من المجني عليه، وحين رفض عقد العزم على قتله والاستيلاء على أمواله ومصاغه الذهبي، واستدرج زوجته وابنتيه وقتلهن.

وفي واقعة أخرى بمحافظة المنوفية (دلتا مصر)، تمكَّنت قوات الأمن من ضبط شخص قتل شقيقه بقرية سماليج؛ بسبب خلافات بينهما.

وترى أستاذة علم الاجتماع الدكتورة هدى زكريا، أن «الجريمة ظاهرة موجودة في المجتمعات كلها، لكن هناك جرائم تصيب المجتمع بالفزع، وغالباً ما يكون مرتكبوها مرضى نفسياً، وهم نتاج طبيعي لأمراض اجتماعية تفشَّت في الآونة الخيرة؛ بسبب التفاوت بالمظاهر والتفاوت الطبقي وانتشار (السوشيال ميديا) التي أصبح لها تأثير كبير في ترسيخ الصدمة الاجتماعية، خصوصاً مع قدرتنا حالياً على معرفة الجريمة بعد وقوعها بفترة قصيرة لا تتعدى أحياناً ساعة».

وتضيف لـ«الشرق الأوسط»: «مثل هذه الجرائم المروعة سواء الأب الذي حوَّل جلسة صلح إلى مجزرة، أو الصديق الذي قتل صديقه وأسرته طمعاً في أمواله، تشير إلى أمراض اجتماعية يجب مواجهتها بحذر وحسم. طبعاً هذه الجرائم لا تتكرَّر كثيراً ولكنها تحمل دلالات على الخلل الاجتماعي الذي يجب أن يتدخل لإصلاحه كثير من المؤسسات مثل الإعلام والتعليم، وعلماء النفس والاجتماع وغيرهم من الأشخاص المعنيِّين بطرح القيم المثالية في المجتمع، ومعالجته من أمراضه التي تتفشى بطريقة مفزعة».

وترى الخبيرة القانونية والناشطة الحقوقية، هبة عادل أن «خطورة هذه الحوادث لا تكمن في وقوع الجريمة وحدها، وإنما في تفاعلها مع مجتمع يواجه ضغوطاً اقتصادية ونفسية واجتماعية متزايدة، مع محدودية مساحات الاحتواء والتدخل المبكر لحل النزاعات».

وتضيف لـ«الشرق الأوسط»: «في الوقت ذاته تنتشر أخبار هذه الحوادث بسرعة كبيرة في بيئة رقمية تستطيع خلال ساعات تحويل الجريمة إلى محتوى واسع الانتشار، بما يحمله ذلك أحياناً من تطبيع للعنف، أو ترويج غير مباشر لأساليب ارتكاب الجرائم، أو منح الجاني مساحة من الشهرة والاهتمام، وهو ما قد يزيد مخاطر المحاكاة لدى بعض الفئات القابلة للتأثر».

وتشدِّد الخبيرة القانونية على «ضرورة الالتزام الصارم بالقواعد القانونية والمهنية المُنظِّمة لنشر أخبار الجرائم والتحقيقات، وتفعيل قرارات حظر النشر في الحالات التي تستوجبها طبيعة القضية، ومنع نشر الصور والمشاهد الصادمة والتفاصيل التي لا تخدم حقَّ الجمهور في المعرفة، وإنما قد تؤثر في التحقيقات أو حقوق الضحايا أو تسهم في خلق بيئة تسمح بمحاكاة السلوك الإجرامي. وقد وضع المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام بالفعل قواعد واضحة في هذا الشأن، من بينها التحذير من أنَّ النشر غير المسؤول قد يؤدي إلى محاكاة وتكرار السلوك الإجرامي».

وأشارت إلى أن «أخطر ما يمكن أن يحدث ليس فقط تكرار الجرائم، وإنما أن يصبح تكرارها مألوفاً، وأن تتحوَّل الجريمة إلى محتوى يومي قابل للاستهلاك والتداول والمحاكاة. ولذلك فإنَّ حماية المجتمع تقتضي مواجهة العنف قبل وقوعه، وتطبيق القانون بحسم بعد وقوعه، وفي الوقت نفسه عدم منح الجريمة منصة مجانية تجعلها قابلة للترويج أو التقليد».


كنوز المتحف اليوناني الروماني في الإسكندرية إلى النور

معروضات متنوعة في معرض المتحف اليوناني الروماني (وزارة السياحة والآثار)
معروضات متنوعة في معرض المتحف اليوناني الروماني (وزارة السياحة والآثار)
TT

كنوز المتحف اليوناني الروماني في الإسكندرية إلى النور

معروضات متنوعة في معرض المتحف اليوناني الروماني (وزارة السياحة والآثار)
معروضات متنوعة في معرض المتحف اليوناني الروماني (وزارة السياحة والآثار)

تحت عنوان «الإسكندرية... هوية وثقافة عبر الزمن»، نظم المتحف اليوناني الروماني في الإسكندرية أول معرض أثري مؤقت له منذ إعادة افتتاحه. يضم المعرض 21 قطعة أثرية مختارة من مقتنيات المتحف المحفوظة بمخازنه، تُعرض للجمهور لأول مرة، من خلال سيناريو عرض متحفي يسلط الضوء على ثراء التراث الحضاري لمدينة الإسكندرية وتنوعه، ويبرز أهمية النقوش والكتابات اليونانية والرومانية في توثيق جوانب متعددة من الحياة اليومية في المدينة عبر العصور.

وبحسب بيان لوزارة السياحة والآثار، فإن «القطع المعروضة تتنوع بين عملات أثرية، ومسارج، وأوانٍ فخارية، وقطع أثرية مغمورة بالمياه مستخرجة من خليج أبو قير، بالإضافة إلى برديات وأوستراكا وبطاقات مومياوات تحمل نصوصاً باللغة اليونانية».

ويأتي المعرض الذي يستمر حتى نهاية شهر سبتمبر (أيلول) 2026 في إطار حرص قطاع المتاحف على إتاحة مقتنيات المتاحف المصرية للجمهور، بما يسهم في إثراء تجربة الزائر وإتاحة الفرصة للتعرف على جوانب أخرى من تاريخ مصر وحضارتها، وفق تصريحات صحافية لرئيس قطاع المتاحف بالمجلس الأعلى للآثار الدكتور أحمد حميدة الذي اعتبر المعرض بداية لسلسلة من المعارض المؤقتة التي سيتم تنظيمها بالمتحف، بما يتيح تقديم مجموعاته الأثرية بصورة متجددة، وإبراز ما تزخر به من قطع متميزة.

جانب من الآثار في المعرض المؤقت (وزارة السياحة والآثار)

في حين أوضحت رئيسة الإدارة المركزية لمتاحف وجه بحري وسيناء هبة حمدي أن «اختيار 21 قطعة أثرية من مقتنيات المتحف اليوناني الروماني... يقدم صورة متكاملة عن جوانب من الحياة اليومية والاقتصادية والاجتماعية والجنائزية في الإسكندرية خلال العصور اليونانية والرومانية».

وأشارت مديرة المتحف اليوناني الروماني الدكتورة ولاء مصطفى إلى أن المعرض يعتمد بالكامل على مقتنيات المتحف المحفوظة بمخازنه، بما يعكس ثراء مجموعاته وتنوعها.

كتابات يونانية قديمة تحكي تاريخ الإسكندرية (وزارة السياحة والآثار)

وقالت لـ«الشرق الأوسط» إن «المتحف يقدم من خلال هذا المعرض 21 قطعة أثرية مختارة من مخازنه، ويهدف من خلالها إلى إتاحة الفرصة للمواطن السكندري والزائرين عموماً للتعرف على تراث المدينة، ودعم التوعية الأثرية، وتعزيز الوعي المجتمعي بأهمية الحفاظ على الآثار واستدامتها، وتأكيد دور المتحف كمركز ثقافي يخدم المجتمع».

وأشارت إلى أن المعرض يأتي في إطار الاحتفال بالعيد القومي لمحافظة الإسكندرية واليوم العالمي للترجمة.

ولفتت إلى أن «المعرض لا يعرض قطعاً فقط، بل يروي قصة مدينة كانت دوماً جسراً بين الحضارات القديمة، ويؤكد التزام المتحف بإتاحة كنوزه للجمهور».

ويعد المتحف اليوناني الروماني من المتاحف الأثرية الشهيرة بمدينة الإسكندرية، وهو المتحف الوحيد المتخصص في آثار وحضارة مصر في العصرين اليوناني والروماني، وافتتحه الخديو عباس حلمي الثاني في 17 أكتوبر (تشرين الأول) 1892، بتصميم معماري مميز، وشهد مراحل تطوير متعددة استؤنفت عام 2015 إلى أن تم افتتاحه في أكتوبر عام 2023.


«الغارق»... فيلم موزمبيقي يراهن على خيال طفولي لاستحضار الغائبين

وجد المخرج صعوبات عدة في تحضيرات الفيلم (الشركة المنتجة)
وجد المخرج صعوبات عدة في تحضيرات الفيلم (الشركة المنتجة)
TT

«الغارق»... فيلم موزمبيقي يراهن على خيال طفولي لاستحضار الغائبين

وجد المخرج صعوبات عدة في تحضيرات الفيلم (الشركة المنتجة)
وجد المخرج صعوبات عدة في تحضيرات الفيلم (الشركة المنتجة)

حين يغيب شخص في الحرب لا ينتهي حضوره بالضرورة؛ فقد يتحول غيابه إلى طيف مقيم في ذاكرة أفراد عائلته، وإلى أسئلة لا تجد إجابات. من هذه المساحة بين الفقد والانتظار والذاكرة، تنطلق حكاية الفيلم الموزمبيقي القصير «الغارق» للمخرج أرييل آنيز، الذي يتخذ من عائلة واحدة متأثرة بالحرب في كابو ديلغادو مدخلاً للتأمل في آثار الصراع على الإنسان، بعيداً عن صور المعارك المباشرة.

يختفي «أماريلدو» في أثناء القتال، وسرعان ما تنتشر شائعات بأنه انشق وانضم إلى المتمردين، في حين يعود شقيقه «سيرجيو» إلى المنزل لإبلاغ العائلة بالنبأ المأساوي، لكن ما يبدو في البداية قصة عن اختفاء رجل يتحول تدريجياً إلى مواجهة مع حضور مختلف لهذا الغائب، حين يكتشف أن ابن شقيقه «بيرسيو»، البالغ من العمر عشرة أعوام، لا يزال يرتبط بوالده المفقود بعلاقة غامضة وعميقة في خياله الطفولي.

يقول مخرج الفيلم أرييل آنيز لـ«الشرق الأوسط»، في مقابلة عبر «زووم»، إن فكرة «الغارق» بدأت عام 2023، لكنها لم تكن في صورتها الأولى كما ظهرت على الشاشة، موضحاً أن «الأفكار السينمائية تتغير باستمرار خلال الكتابة وإعادة صياغة السيناريو».

مخرج الفيلم أرييل آنيز (الشركة المنتجة)

وأضاف أن «المشروع بدأ بقصة مختلفة تماماً عن رجل في كنيسة يتجول في المدينة ويُلقي عظاته، قبل أن تظهر شخصية عائلة لديها طفل تربطه بوالده علاقة من خلال الأحلام»، لافتاً إلى أن هذه الجزئية بدأت تدريجياً الاستحواذ على اهتمامه، ومع إعادة كتابة السيناريو أصبحت العلاقة بين الطفل ووالده هي قلب القصة ومحورها الأساسي.

وأشار آنيز إلى أن «هذا التحول يعكس طبيعة عملية الكتابة نفسها، إذ قد يبدأ صانع الفيلم بفكرة محددة، ثم تواصل الشخصيات والأحداث يدفع القصة في اتجاهات غير متوقعة»، على حد تعبيره، مؤكداً أن المنتج النهائي ليس بالضرورة الفيلم الذي يعتقد المخرج في البداية أنه سيصنعه، لأن الفكرة تُعيد تشكيل نفسها خلال مراحل الكتابة والتطوير، وهو ما حدث تحديداً مع «الغارق».

وأكد أن هدفه من الفيلم كان أخذ تجربة شخصية جداً في جوهرها، وهي فقدان شخص عزيز، وربطها بتجربة الحرب في شمال موزمبيق وتأثيراتها على الناس والعائلات، ثم تحويلها إلى قصة يمكن أن يجد الجمهور العالمي نفسه داخلها، موضحاً أن الإنسان، في النهاية، يعرف معنى فقد شخص يحبه، ولذلك رأى أن هذه النقطة المشتركة يمكن أن تكون الجسر الذي يصل من خلاله المشاهد إلى قضية قد لا يعرف عنها الكثير.

وأشار المخرج إلى أن أحد دوافعه أيضاً كانت الرغبة في تعريف الجمهور بما يحدث في موزمبيق، مؤكداً أن الأخبار المتعلقة ببلاده لا تحظى دائماً باهتمام واسع خارجها، لذا فإن الفيلم يمنح المشاهد مدخلاً إلى قضية ربما لم يكن يعرف عنها شيئاً، ومن خلال الحكاية الشخصية يمكن أن يبدأ اكتشاف المزيد عن موزمبيق وثقافتها وتاريخها والظروف التي يعيشها سكان شمال البلاد.

اختار المخرج التركيز على جوانب متنوعة (الشركة المنتجة)

وأوضح آنيز أن «تنفيذ الفيلم في ظروف إنتاج مريحة كان يحتاج إلى موارد، لكن واقع الصناعة السينمائية في موزمبيق يجعل الحصول على هذه الموارد أمراً صعباً، في ظل محدودية الدعم الذي تقدمه المؤسسات»، وقال إن «صناع السينما يضطرون إلى أن يكونوا عمليين ومستقلين إلى حد كبير، وإن جزءاً مهماً من عملية الإنتاج يعتمد على المجتمع المحيط بهم، سواء من خلال العلاقات المهنية أو الصداقات داخل الوسط السينمائي».

وكشف آنيز عن أن المنتج الذي كان مشاركاً في المشروع منذ مرحلة ما قبل الإنتاج انسحب قبل التصوير بأسبوع تقريباً، بعد أن كانت أموال الفيلم قد حُوّلت إلى حسابه لإدارة النفقات.

عُرض الفيلم القصير في العديد من المهرجانات (الشركة المنتجة)

وهو ما شكّل، حسب وصفه، «أكبر صعوبة واجهت المشروع»، لافتاً إلى أنهم اضطروا إلى إيجاد طريقة للتعامل مع الأزمة، وتمكنوا في النهاية من تصوير الفيلم وإنجازه رغم فقدان الموارد التي كانوا يعتمدون عليها في البداية.

وحول مشاركته في المهرجانات الدولية، قال آنيز إن «هذه الفعاليات تمثّل بلا شك فرصة مهمة على المستوى المهني، خصوصاً أن بعض المهرجانات المرموقة يمكن أن يكون لها تأثير كبير في مسيرة المخرج». لكنه أكد أن القيمة الحقيقية لهذه التجارب بالنسبة إليه لا تتوقف عند الجانب المهني، وإنما تكمن أيضاً في فرصة الالتقاء مع أشخاص يشتركون معه في الرؤية نفسها للسينما، والتعرف إلى سينمائيين لديهم الاهتمامات والطموحات ذاتها.

وعدّ وجود فيلم موزمبيقي في مهرجانات دولية يمنح بلاده حضوراً على الخريطة، لأن المشاهد الذي يتعرف إلى الفيلم قد يبدأ بعدها البحث عن ثقافة موزمبيق وتاريخها، وهو ما يعدّه آنيز مكسباً مهماً للسينما المحلية.

وعن واقع صناعة السينما في موزمبيق، قال المخرج إن «الصعوبات لا تختلف كثيراً عن التحديات الموجودة في أجزاء أخرى من أفريقيا، لكن المشكلة الأساسية في بلاده تتمثل في أن الصناعة لا تزال غير متطورة بما يكفي، ولم تترسخ بنيتها بصورة كاملة، إلى جانب ضعف الدعم الذي يأتي من المؤسسات المختلفة، سواء الحكومية أو الخاصة».

Your Premium trial has endedYour Premium trial has ended