معرض «أصداء الوجود»... حين تعبق رائحة الصنوبر في المتحف الوطني

في لقاء فنّي ينسج حواراً ثقافياً بين لبنان وإيطاليا

جيلبير الحلبي أمام إحدى لوحاته في معرض «أصداء الوجود» (الجهة المنظّمة)
جيلبير الحلبي أمام إحدى لوحاته في معرض «أصداء الوجود» (الجهة المنظّمة)
TT

معرض «أصداء الوجود»... حين تعبق رائحة الصنوبر في المتحف الوطني

جيلبير الحلبي أمام إحدى لوحاته في معرض «أصداء الوجود» (الجهة المنظّمة)
جيلبير الحلبي أمام إحدى لوحاته في معرض «أصداء الوجود» (الجهة المنظّمة)

تصطفُّ أعمال الفنانين التشكيليين جيلبير الحلبي وإنزو كوكي في معرض «أصداء الوجود»، المُقام في «جناح نهاد السعيد للثقافة» داخل المتحف الوطني في بيروت، فتنسج حواراً بصرياً يتّخذ من شجرة الصنوبر نقطة التقاء بين تجربتين فنيتين. التجربة الأولى لبنانية تنطلق من ذاكرة ضهور الشوير، مسقط الحلبي، والثانية إيطالية تستمد جذورها من روما، مدينة كوكي، فيتقاطع المكانان داخل اللوحة بلغة فنية واحدة.

افتُتح المعرض تحت رعاية وزارة الثقافة، بمبادرة من سفارة إيطاليا في لبنان، وإشراف المنسّقة الفنية موريال الأسمر، ويتمحور حول شجرة الصنوبر بوصفها رمزاً مشتركاً متجذراً في إيطاليا ولبنان. كما يتضمَّن بُعداً بيئياً من خلال إسهام وحدات الكارابينييري (قوات الدرك الوطني الإيطالية) للغابات والبيئة والقطاع الزراعي - الغذائي.

يتوزّع المعرض على 3 طبقات. في الطبقة العلوية من الجناح، يحضر تركيب جداري لإنزو كوكي، وهو أشبه بمخطوطة بصرية تتكوّن من رسومات أولية وشذرات أعمال، تحيط به منحوتتان. ويقابل هذا التركيب الجداري لوحة «صنين» لجيلبير الحلبي، وهي لوحة واسعة وتأملية رُسمت في روما، في قصر نارديني، وتستقرّ على الأرض بالقرب منها لوحة دائرية «توندو» يبلغ قطرها 3 أمتار، وهي بمثابة مرآة تعكس السماء، حيث تبدو أشجار الصنوبر وكأنها واقفة وتتنفّس.

جيلبير الحلبي أمام إحدى لوحاته في معرض «أصداء الوجود» (الجهة المنظّمة)

ويشير الفنان جيلبير الحلبي، في حديث لـ«الشرق الأوسط»، إلى أنه، رغم إقامته في إيطاليا منذ كان في الـ19 من عمره، بقيت شجرة الصنوبر التي طبعت طفولته ترافقه أينما حلَّ. ويقول: «إنها جزء من حياتي، اختزنتها ذاكرتي حتى أصبحت مزروعة في داخلي. الأرز هو رمز لبنان، لكن الصنوبر يبقى بالنسبة إليّ الشجرة الأقرب إلى وجداني».

يلحظ زائر المعرض إشارات بصرية تستحضر لبنان، من بينها ألوان العلم اللبناني، وإنما جيلبير الحلبي يقدّم شجرة الصنوبر برؤية معاصرة تتجاوز الصورة التقليدية. ويُعلّق: «هذه العصرنة كانت ضرورية، لكنها انطلقت من الجذور. فلا يكفي أن نتشبث بأرضنا، بل ينبغي أن ننفتح على آفاق أوسع من دون أن نفقد ارتباطنا بها».

أطلق حلبي على اللوحة اسم «صنين»، مستلهماً إياها من السلسلة الجبلية التي طالما شكّلت جزءاً من ذاكرته. ويقول إن المشهد الذي رسمه هو نفسه الذي كان يطل عليه من منزل العائلة في ضهور الشوير، حيث كانت جبال صنين، وفق تعبيره، «تدعوني دائماً إلى التحليق نحو آفاق أرحب».

ويضيف: «صنعت لنفسي أبجدية فنية خاصة أؤلف بها لوحاتي. اطلعت على أعمال كبار الفنانين التشكيليين اللبنانيين الذين حضرت شجرة الصنوبر في أعمالهم، لكنني سعيتُ إلى تقديمها بلغتي البصرية الخاصة».

ويؤكد الحلبي أنّ جميع لوحاته تنبع من طفولته، ودائماً ما يصورها مقسومة إلى قسمين. ويوضح: «الشجر يبادلنا العطاء، ولذلك رسمته بحيث أُظهر هذه العلاقة بيننا وبين شجرة الصنوبر. فالمطلوب منا الاهتمام بها لتعطينا الثمر المطلوب». ويقول إنه رسم عدداً من لوحاته في جزيرة مونتي كريستو، وعلى مدى 18 يوماً توالدت هذه الأشجار، جامعةً بين مناظر الغروب والشروق والمساء.

تغمر أجواء تأملية الطبقة السفليّة من «جناح نهاد السعيد للثقافة»، حيث تمتد غابة جيلبير الحلبي من أشجار الصنوبر عبر لوحات متفاوتة الأحجام، يروي من خلالها حكاياته مع هذه الشجرة التي رافقته منذ الطفولة. وهي تختزن الفرح والحلم والحنين إلى أحراج ضهور الشوير. في المقابل، تبدو شجرة الصنوبر في أعمال إنزو كوكي أكثر تجريداً، مرسومة بخطوط سريعة وحرّة تعكس رؤيته للحياة بما تحمله من حزن وتأمل وشوق. وفي الصالة نفسها نكتشف حواراً تاريخياً من خلال أعمال فنانين لبنانيين حديثين، مثل عمر الأنسي، ومصطفى فروخ، وسيزار الجميل، وعارف الريّس، الذين صوّروا الصنوبر في مناظرهم الطبيعية، ممّا يخلق جسراً بين التفسيرات الحديثة والمعاصرة للمناظر الطبيعية والهوية والذاكرة. هذا القسم من المعرض، الذي طُوِّر نتيجةً لبحث أجراه صالح بركات، يهدف إلى توسيع الحوار بين الأجيال، مسلطاً الضوء على كيفية استمرار شجرة الصنوبر رمزاً شعرياً ووطنياً في الثقافة البصرية اللبنانية.

مشهد من معرض «أصداء الوجود» الذي افتُتح برعاية السفارة الإيطالية في لبنان (الجهة المنظّمة)

ويشير جيلبير الحلبي إلى الاختلاف الواضح بين أعماله وأعمال إنزو كوكي، لافتاً إلى أن الأخير يميل في لوحاته إلى الأبيض والأسود، فيما تنبض أعماله هو بالألوان الدافئة. ويُعلّق: «هناك لغة حوار تجمع بيننا، فنحن صديقان. هو يرسم أشجار الصنوبر بطريقته، وأنا أتناولها بأسلوبي، لكن هذا الاختلاف لم يشكّل يوماً عائقاً أمام التواصل، بل أسهم في خلق حوار جميل بين أعمالنا». وعندما نسأله ماذا تعني له شجرة الصنوبر، يُجيب: «حرج الصنوبر الذي أمضيت فيه طفولتي في بلدتي ضهور الشوير. هناك كنت أحلم، وها هو الحلم يتحقق اليوم في قلب المتحف الوطني».

وفي الطبقة السفليّة من المعرض، تقف 10 منحوتات خشبية، كلّ منها من نوع مختلف من الأشجار الموجودة في إيطاليا، مثل حرّاس على تراث حيّ. وهو عرض بيئي تقدمه قيادة وحدات الكارابينييري للغابات والبيئة والقطاع الزراعي - الغذائي. وبالقرب من المنحوتات ألواح تعريفية تسلط الضوء على المهمة الحيوية للكارابينييري في حفظ الغابات وحماية التنوّع البيولوجي والنظم البيئية الطبيعية، مع التأكيد على الحاجة الملحّة لحماية تراثنا البيئي المشترك. وترافق المعرض أيضاً حزمة منشورات تضمّ 3 كتب مخصّصة للحوار الفني والتاريخي في قلب «أصداء الوجود»: الأول عن أعمال إنزو كوكي، والثاني عن أعمال جيلبير الحلبي، والكتاب الثالث عن حرج الصنوبر في الفن اللبناني، وهو مجموعة مختارة من الفن اللبناني الحديث أعدَّها صالح بركات. وتُنشر الكتب تحت الإشراف التحريري لماري تومب.

وتؤكد منسّقة المعرض، موريال أسمر، في حديثها لـ«الشرق الأوسط»، أن مهمّتها لم تكن صعبة بقدر ما كانت ممتعة، لأنها ارتكزت على بناء حوار فني بين تجربتين تنتميان إلى بلدين وثقافتين مختلفتين. وتقول: «بين الألوان القوية التي يستخدمها جيلبير الحلبي، والمفعمة بالاحتفاء بالحياة، وتلك التي يوظفها إنزو كوكي، التي تعكس مراحل الوجود الإنساني، برزت شجرة الصنوبر بوصفها القاسم المشترك والمحور الذي جمع أعمالهما». وتتابع: «ما يميّز هذا المعرض أنه يقيم حواراً بين الماضي والحاضر أيضاً. فمنذ مطلع القرن الـ20، حضرت شجرة الصنوبر في أعمال عدد من كبار الفنانين، وها هي تعود اليوم في لوحات معاصرة تحمل رؤى جديدة. إنها لغة بصرية تروي حكايات مشتركة عن لبنان وإيطاليا، وتؤكد أن هذه الشجرة ليست مجرّد عنصر من عناصر الطبيعة، بل رمز يحمل ذاكرة المكان والهوية والوجود».

ويختم جيلبير الحلبي حديثه معلناً أنّ أعمال معرض «أصداء الوجود» ستنتقل في يناير (كانون الثاني) 2027 إلى المتحف الوطني في روما. ويقول: «سأحمل الصنوبر اللبناني إلى هناك، ليواصل حكايته وينثر عبقه في محطة جديدة من هذا الحوار الفني بين لبنان وإيطاليا».


مقالات ذات صلة

8 فنانات عربيات يُعدن اكتشاف أساطير المرأة والأرض

يوميات الشرق من أعمال الفنانة السعودية فاطمة النمر (الشرق الأوسط)

8 فنانات عربيات يُعدن اكتشاف أساطير المرأة والأرض

في معرض يستعيد أساطير المرأة والأرض، ويدمج الأماكن والشخوص في حالة فنية يتناغم فيها اللون مع التكوين، أعادت 8 فنانات اكتشاف أساطير المرأة والأرض.

«الشرق الأوسط» (القاهرة )
يوميات الشرق إبرة حفظت من أعمار العاملين ما لا تحفظه سجلات المصانع (الشرق الأوسط)

في آخر مصانع النسيج اللبنانية... خيوط الذاكرة لم تنقطع

القميص قطعة تجمع الأجيال والمهن والطبقات الاجتماعية بالليونة والبناء الهندسي...

فاطمة عبد الله (بيروت)
يوميات الشرق لوحة بالمعرض تدمج الواقع بالأسطورة (قطاع الفنون التشكيلية)

«سرديات الأرض السوداء»... لوحات تقتفي أثر المصريين القدماء

تنطوي التجربة التي يقدمها الفنان التشكيلي المصري محمد عيد في معرضه الأحدث «سرديات الأرض السوداء» على ملامح شيقة من الحضارة المصرية القديمة.

محمد الكفراوي (القاهرة )
يوميات الشرق يجمع المعرض نخبةً من 34 فناناً و69 عملاً فنياً (مسك للفنون)

«على امتداد الطريق»... 34 فناناً يُعيدون رسم معنى السفر في الرياض

يفتح معرض فني فريد في العاصمة السعودية أبوابه لتأمل موضوع السفر في تجلياته المتعددة، حيث أطلق معهد «مسك» للفنون معرضه الفني «على امتداد الطريق» في الرياض.

عمر البدوي (الرياض)
يوميات الشرق للذاكرة أصابع تعيد رسم ما محته المسافات (الشرق الأوسط)

زينة عاصي تُحمّل الأشياء العادية أثقال الذاكرة والحرب

تُعيد الفنانة النظر في الطريقة التي يستمرّ بها المكان داخل الإنسان بعد مغادرته...

فاطمة عبد الله (بيروت)

بلال البدر: قصصنا المحليَّة طريقنا إلى العالمية

المخرج والمصور السينمائي السعودي بلال البدر (الشرق الأوسط)
المخرج والمصور السينمائي السعودي بلال البدر (الشرق الأوسط)
TT

بلال البدر: قصصنا المحليَّة طريقنا إلى العالمية

المخرج والمصور السينمائي السعودي بلال البدر (الشرق الأوسط)
المخرج والمصور السينمائي السعودي بلال البدر (الشرق الأوسط)

عاد المخرج والمصوِّر السينمائي السعودي بلال البدر من لوس أنجليس عام 2017، وفي ذهنه درسٌ ظلَّ يرافقه طيلة 5 سنوات من العمل في هوليوود: لا تكفي المعدات الجيدة لصنع فيلم جيد؛ فلا بدّ، أولاً، من قصة يعرف صانعُها عالمَها وتفاصيلَها. وحين أنجز «علكة» بعد نحو عامين من الكتابة والتحضير، اختبر ذلك الدرس بحكاية سعودية راهن فيها على الإنسان قبل الصورة.

شكسبير يكتب «شيلة»

مشروع بلال المقبل سيكون نابعاً من قصص سعودية يمكن إيصالها إلى العالم (الشرق الأوسط)

أول قاعدة تعلّمها البدر خلال دراسته في لوس أنجليس هي أن القصة، أو السيناريو، تسبق كل شيء. ويقول: «منذ بداية دراستي السينما، كان التركيز على اتصال الفنان بذاته وثقافته، وأن يروي القصص التي يعرفها ويشعر بها».

ويضيف: «أتذكّر أول درس في مبادئ الإخراج، حين قال الأستاذ: أنا لا أستطيع أن أُخرج فيلماً يابانياً؛ لأنني لم أزر اليابان ولا أتحدث لغتها. بقيتْ هذه الجملة معي؛ لأنني أؤمن بأن السينما، في أبسط تعريفاتها، هي أن تروي قصة بالضوء. ولا تستطيع أن تروي قصة لا تعرف تفاصيلها، أو كما أحب أن أقول: ما تجيب (تُحضر) شكسبير يكتب (شيلة)».

ويؤكد البدر أنه خلال 5 سنوات قضاها في هوليوود، وجد أن كثيراً من الأفلام التي عمل فيها كانت تُصنع بمعدات واستوديوهات أقلّ بكثير مما هو متاح محلياً اليوم، لكن الاهتمام الأكبر كان بالكتابة والقصة. ويضيف: «عندنا أحياناً يحدث العكس؛ نبدأ بالكاميرا والاستوديو والتقنية، ثم نبحث عن القصة».

ويتابع: «إن كان هناك شيء واحد بقي معي من تلك التجربة، فهو أن الوصول إلى العالمية لا يكون بتقليد الآخر، ولا بجعل الآخر يروي قصصنا. العالمية تأتي عندما نحكي قصصنا نحن؛ من ثقافتنا وهويتنا، وهذا ما فعلته السينما الكورية حين جعلت قصصها محلية في أصولها، لكنها عالمية في وصولها».

«علكة»... رهان على الإنسان

«علكة» كان المحطة التي نقلته من تنفيذ الصورة إلى امتلاك مشروع سينمائي (الشرق الأوسط)

يرى بلال البدر في فيلم «علكة» المحطة التي نقلته من تنفيذ الصورة إلى امتلاك مشروع سينمائي. أنتج الفيلم على نفقته، ويسمّي الأمر «زكاة الفن»، وأمضى نحو عامين في إعداده.

واختار لبطولة قصة الحب طفلاً من ذوي «متلازمة داون»، وحرص على تقديمه بطلاً يقود الأحداث؛ لا حالة تستدعي شفقة المشاهد. يقول: «ركّزت عليه بصفته بطل فيلم سينمائي»، مضيفاً: «كان هو من يقود سرد القصة».

ويقول: «أعتقد أن (علكة)، الذي حصد 7 جوائز وأكثر من 35 ترشيحاً مهرجانياً، نجح في الوصول إلى العالم، لكنه لم ينجح بالقدر نفسه في إيصال رسالته إلى قطاع الأفلام في السعودية: أنك تستطيع الوصول إلى العالم بإمكانات بسيطة، إذا ركّزت على القصة وقدّمت شيئاً حقيقياً نابعاً من ثقافتك وهويتك».

امتد اهتمام المخرج السعودي بالإنسان؛ من شخصيات أفلامه إلى من يقفون أمام كاميرته... ففي «حكاية إنسان»، حقّقت حلقة ظهر فيها مندوب توصيل أكثر من مليون مشاهدة خلال أقل من 24 ساعة. ثم اتصل المندوب طالباً حذفها، رغم أنه وافق على التصوير، فاستجاب البدر فوراً.

ويقول إن فريقه أعدّ، في مناسبة أخرى، مادة تضمّ مندوبي توصيل تحدّثوا معه، لكنه امتنع عن نشرها بعدما رفضوا الظهور فيها. ويفسّر ذلك بقوله: «الإنسان أهم من المحتوى، ولا أريد أن أستغل أحداً لصناعة حلقة أو تحقيق مشاهدات».

صورة تخدم الحكاية

في «سِوار» كانت رواية القصة بإيقاع درامي هادئ وحركة الكاميرا محسوبة (الشرق الأوسط)

لا يمنح البدر الكاميرا حقّ قيادة الفيلم. ففي «سِوار»، الذي تولّى تصويره سينمائياً، يربط محدودية حركة الكاميرا بإيقاع القصة الهادئ. يقول: «في (سِوار) كنا نروي القصة بإيقاع درامي هادئ، ولذلك كانت حركة الكاميرا محسوبة ومحدودة. السؤال بالنسبة إليّ ليس: لماذا تتحرك الكاميرا؟ بل: لماذا تتحرك الآن؟».

ويضيف: «منذ بداية الفيلم كان الأسلوب البصري واضحاً؛ الكاميرا توثّق القصة، ولا تقترب منها كثيراً ولا تبتعد كثيراً إلا عندما يكون هناك دافع في القصة. تحرّكت الكاميرا عندما كان هناك حدث يستدعي الحركة، وثبتت عندما كان دورها أن تراقب. كثرة حركة الكاميرا تفقد الحركة معناها».

ورداً على سؤال عن أول قرار سيتخذه لو عاد إلى بداياته، يقول البدر: «سألغي محاولة ملاحقة (الترند) وتقليد نجاحات الآخرين. سأبدأ من ثقافتي وهويتي، ومن القصص الإنسانية التي تحرّكني وتشبهني، وأبحث عن الحكايات القريبة مني؛ عن الناس والتفاصيل التي أعرفها وأشعر بها، ثم أحاول أن أرويها بطريقتي».

يخطط البدر لأن يكون مشروعه المقبل نابعاً من قصص سعودية يمكن إيصالها إلى العالم. يقول: «أريد أن أصنع فيلماً يشبهنا، ويحمل ثقافتنا، وفي الوقت نفسه يكون قادراً على المنافسة في شباك التذاكر والوصول إلى الجمهور العالمي».

ويرى أن المملكة تضمّ اليوم جيلاً جديداً من صنّاع الأفلام، ومواهب درست السينما وعاشت تجارب مختلفة، إلى جانب جمهور تغيّر كثيراً.


8 فنانات عربيات يُعدن اكتشاف أساطير المرأة والأرض

من أعمال الفنانة السعودية فاطمة النمر (الشرق الأوسط)
من أعمال الفنانة السعودية فاطمة النمر (الشرق الأوسط)
TT

8 فنانات عربيات يُعدن اكتشاف أساطير المرأة والأرض

من أعمال الفنانة السعودية فاطمة النمر (الشرق الأوسط)
من أعمال الفنانة السعودية فاطمة النمر (الشرق الأوسط)

في معرض يستعيد أساطير المرأة والأرض، يدمج الأماكن والشخوص في حالة فنية يتناغم فيها اللون مع التكوين، أعادت 8 فنانات من مصر والسعودية وفلسطين ولبنان وسوريا اكتشاف أساطير ارتبطت بالمرأة وبفكرة الأرض، على أكثر من مستوى، سواء أكان أسطورياً أو حياتياً أو شعبياً أو الانتماء والتشبث بالوطن.

المعرض الذي يقام في غاليري «آزاد» بالزمالك، تحت عنوان «على أرضها» يضم أعمالاً للفنانة الفلسطينية دينا مطر، والسعودية فاطمة النمر، واللبنانية منى نحلة، والسورية هلا الجعفري، والفنانات المصريات هيام عبد الباقي، وأمل نصر، ونورهان خورشيد، وعائشة الحريري.

لوحة للفنانة هلا الجعفري (الشرق الأوسط)

وفي مجموعتها «أن اللؤلؤ في الصدف مصون»، تستعيد الفنانة السعودية فاطمة النمر المثل الشعبي انطلاقاً من علاقتها بالبيئة البحرية للخليج، لتبني من اللآلئ والصدف والمنسوجات والحُلي مفردات تتقاطع من خلالها ذاكرة البحر مع ذاكرة المرأة. فاللؤلؤة التي تتكون ببطء في عمق الصدفة، لا تظهر بوصفها زينة فحسب، وإنما كجوهر تصنعه طبقات الزمن والصبر والرعاية.

وتظهر المرأة في هذا العالم بوصفها حاملة للذاكرة وفاعلة في استمرارها؛ تحفظ المعرفة والعادات والقيم، لكنها لا تنقلها كما تسلمتها بالضرورة، بل تعيد منحها معنى في زمنها الخاص، ومن هنا يكتسب احتضان الصدفة للؤلؤة دلالة تتجاوز الحماية، ليصبح فعلاً من أفعال الصون الذي يسمح لما يحمله من إرث بأن ينمو ويتغير ويستمر. وفق الكلمة التعريفية بمجموعتها الفنية.

ولا تتعامل الفنانة مع الأصالة باعتبارها عودة إلى الماضي، بل باعتبارها علاقة متجددة بالجذور. وبين أثر اليد وذاكرة البحر وحضور المرأة، يصبح الموروث في أعمالها مادة حية، يحمل ما كان، ويتشكل في الحاضر، ثم يعبر إلى ما سيأتي.

من أعمال الفنانة هيام عبد الباقي (الشرق الأوسط)

وتقدم الفنانة المصرية هيام عبد الباقي لغة بصرية خاصة، تستند إلى التعبيرية وتتقاطع مع الفكر الصوفي عبر لوحات تشهد زخماً في الألوان والتفاصيل الدقيقة عن قرية متخيلة.

وفي قلب تجربتها، تبني هيام قرية متخَيَّلة تنطلِق من مقولة تتكرّر في عالمها: «الناس بيوت والبيوت ناس»، وفق ما تشير الكلمة التعريفية بأعمالها، وتتداخل الشخصيات والعمارة في تكوينات متشابكة؛ تتراصّ البيوت رأسياً وتمتدّ أفقياً، فيما تتجاوز الضفائر والخطوط أحياناً حدود اللوحة، وكأن هذا العالم يستمر خارج إطارها. ورغم غياب الملامح الفردية الواضحة عن شخوصها، فإنها تحمل إحساساً عميقاً بالألفة والانتماء.

أما الفنانة الفلسطينية دينا مطر، فتقدم أعمالها انطلاقاً من الذاكرة الشخصية وتفاصيل الحياة اليومية، لتَبني عالماً بصرياً تتجاور فيه قسوة الواقع مع كثافة اللون.

وتستعيد الفنانة في لوحاتها التي تتميز بألوانها النابضة لحظات يهددها الفقد والغياب، ليتحوّل اللون إلى فعل مقاومة، والجمال إلى مساحة للأمل.

وتحتلّ المرأة قلب هذا العالم؛ فهي الأم والجدة ونساء الذاكرة، وتتجاوز حضورها الفردي لتصبح رمزاً للوطن والأرض. وتبرز في أعمالها الرموز والموتيفات المعبرة عن فلسطين وعن المرأة الفلسطينية ورمزية الأرض والبحث عن مساحة للسلام.

من أعمال الفنانة أمل نصر (الشرق الأوسط)

كما تقدم الفنانة المصرية أمل نصر تجربة فريدة في مجموعة لوحات تعبر عن عوالم أسطورية تتوسطها المرأة في الغالب، لتقدم لنا مزيجاً سحرياً بين الفن المرتبط بالواقعية السحرية والسريالية المستمدة من أساطير شتى، كلها تضع الإنسان في مركز الحدث وتجعل من الأرض مسرحاً ممتداً للأساطير.

جانب من أعمال الفنانة منى نحلة (غاليري آزاد)

وتنطلق الفنانة اللبنانية منى نحلة في أعمالها من العلاقة بين الشكل والذاكرة، ومن المسافة الملتبسة بين ما فُقد وما تبقى، وبين الغياب والحضور، والواقع وما يستمر في الذاكرة. تظهر في أعمالها شخصيات وبيوت ممتلئة، لا بوصفها عناصر سردية مستقلة، بل بوصفها حوامل لتجارب داخلية. وتتحول البيوت في لوحاتها إلى أوعية شبه مقدسة للذكرى، وأماكن قد لا تكون قائمة في العالم المادي، لكنها تواصل وجودها داخل الإنسان. لا تظهر المنازل بوصفها فضاءات معمارية فحسب، بل كأجساد عاطفية تختزن أثر الحياة التي مرت بها. وتتجاور في أعمال الفنانة ملامح الشخصيات مع البنى المعمارية والعناصر المختلفة، فتبدو الأجساد والبيوت وكأنها تنتمي إلى ذاكرة واحدة لا يمكن الفصل بينهما.

وتظهر المرأة كموضوع أساسي تعتمد عليه الفنانة في تقديم رؤى جمالية تحمل أبعاداً حداثية من خلال عناصر عدة سواء التكوينات أو الألوان أو المنظور.


مصير مجهول لـ«أبشع مبنى» في باريس بعد رفض مشروع تجديده

برج مونبارناس كما يبدو من كاتدرائية نوتردام في باريس في 19 سبتمبر 2025 (أ.ف.ب)
برج مونبارناس كما يبدو من كاتدرائية نوتردام في باريس في 19 سبتمبر 2025 (أ.ف.ب)
TT

مصير مجهول لـ«أبشع مبنى» في باريس بعد رفض مشروع تجديده

برج مونبارناس كما يبدو من كاتدرائية نوتردام في باريس في 19 سبتمبر 2025 (أ.ف.ب)
برج مونبارناس كما يبدو من كاتدرائية نوتردام في باريس في 19 سبتمبر 2025 (أ.ف.ب)

بات «برج مونبارناس»، أعلى ناطحة سحاب في باريس ويوصف بأنه «أبشع مبنى» فيها، أمام مصير مجهول بعدما صوّتت غالبية مالكيه ضد مشروع طال انتظاره لتأهيله وتجديده، وفق «وكالة الصحافة الفرنسية».

ورفض المالكون في جمعية عمومية استثنائية عقدت الأربعاء، مشروعاً مطروحاً منذ عام 2015 بشأن البرج الواقع في جنوب العاصمة الفرنسية، بحسب ما أفاد أحد المستثمرين «وكالة الصحافة الفرنسية» طالباً عدم كشف اسمه.

وكانت الخطة الضخمة المقدرة كلفتها بـ800 مليون يورو، تلحظ تحويل المبنى المؤلف من 59 طبقة، إلى برج زجاجي يتضمن شرفات مزروعة وفندقاً ومتاجر، إضافة إلى دفيئة زراعية على السطح.

برج مونبارناس في باريس في 14 يوليو 2017 (أ.ف.ب)

ويبلغ ارتفاع البرج 210 أمتار، واكتمل بناؤه عام 1973. إلا أنه يبقى مادة للتهكم في العاصمة الفرنسية المعروفة بمبانيها التاريخية والأثرية، وحيث تندر المباني العالية الحديثة التصميم. كما أطلق سكان باريس بحقه دعابة تفيد بأن سطح «مونبارناس» هو المكان الوحيد في المدينة الذي لا يمكن رؤية البرج منه.

ورفض المالكون إعادة تأهيل تشمل إزالة مادة الأسبستوس العازلة والخطرة صحياً، وتجريد الداخل، وإزالة جزء من الواجهة. وكان اجتماع الأربعاء الفرصة الأخيرة لإطلاق المشروع قبل انتهاء صلاحية رخصة البناء الممنوحة لتجديده في نهاية نوفمبر (تشرين الثاني).

وأثار المشروع توترات بين المالكين، ومنهم صناديق استثمار وشركات تأمين فرنسية، ومخاوف بشأن الكلفة.

إلا أن أربعة منهم أيّدوا المضي في مشروع تأهيل أصغر حجماً. وجاء في بيان مشترك أصدروه «نود أن يجتمع جميع المشاركين في ملكية المبنى، والشركاء الماليون، والسلطات العامة قريباً لبحث كل الحلول الممكنة».

برج مونبارناس في باريس في 19 ديسمبر 2016 (أ.ف.ب)

ودعا فيليب غوجون، رئيس البلدية اليميني للدائرة الخامسة عشرة في باريس حيث يقع البرج، إلى إعادة النظر في رفض الخطة.

وقال: «على الجميع أن يعودوا إلى رشدهم... أرفض أن يُلقى مشروع استغرق تطويره عشرة أعوام في سلة المهملات».

ووصفت صحيفة «لو باريزيان» هذا التراجع بأنه «إخفاق ذريع».

أما برنامج الأخبار الصباحي على قناة «تي إف 1» التلفزيونية، فقد اختار البرج «وجه اليوم»، قائلاً إنه «قبيح»، وسيبقى كذلك «لوقت طويل».