عالم سحري مسكون بالدببة وطيور الأوريغامي الورقية في معرض لندني

«البيت السعيد» للفنانة الصينية هوايتسون تشانغ يفوح برائحة ذكريات الطفولة

«غابة الجوارب» وعائلة الدببة (المعرض - الفنانة)
«غابة الجوارب» وعائلة الدببة (المعرض - الفنانة)
TT

عالم سحري مسكون بالدببة وطيور الأوريغامي الورقية في معرض لندني

«غابة الجوارب» وعائلة الدببة (المعرض - الفنانة)
«غابة الجوارب» وعائلة الدببة (المعرض - الفنانة)

في أرجاء معرض «البيت السعيد» (Home Sweet Home)، المقام حالياً في صالات عرض «ذا مال غاليريز» بلندن، تتناثر ألعاب الأطفال الضخمة وطيور الأوريغامي الورقية والرسومات الطفولية على الحوائط. في غرفة نرى الدببة المحشوة، منها ما هو مستلقٍ على الأرض، ومنها ما يستند إلى حائط يحمل سلسلة من الرسومات، وأعلاه كتب بخط كبير «البيت السعيد»، ثم مقاطع من قصة للأطفال بعنوان «غابة الجوارب». ترافق العبارات لوحات ملونة لبعض أبطال القصة.

نتجول في المعرض ومن غرفة إلى أخرى نُفاجأ بالمزيد من الرسومات على الجدران وباللوحات والرسومات. كل غرفة مخصصة لقصة من قصص الكاتبة الصينية المعروفة هوايتسون تشانغ. أطلقت تشانغ عنان مخيلتها لتجذب الأطفال من الزوار غالباً، لدخول ذلك العالم السحري المسكون بالدببة وطيور الأوريغامي الورقية التي تطفو فوقنا، معلقة بخيوط متدلية من السقف أو على أغصان أشجار صغيرة موزعة في الغرفة.

تقول تشانغ، في كلمتها الافتتاحية، إن معرضها يفتح مجلد ذكرياتها في موطنها بالصين، تتحدث عن افتتانها بالمشي حافية القدمين على العشب والنظر إلى السماء الممتدة بلا نهاية في أثناء رحلاتها مع جدها. تقول: «ذات مرة قال لي جدي (إذا حاولت تسلق أعلى الجبال المغطاة بالثلج فلن أستطيع لمس السماء). وكنت كل يوم أركب على حصاني وأحاول القفز للاقتراب من السماء». تتحدث عن تلك الفتاة الصغيرة التي لا تزال تعيش داخلها وتقول إنها «ما زالت فضولية ومليئة بالخيال».

الكاتبة الصينية هوايتسون تشانغ (المعرض - الفنانة)

هواي-تسون تشانغ من أبرز الأصوات تميزاً في أدب الأطفال الصيني المعاصر، وتحتل مكانة محببة لدى الأطفال في الصين الذين يطلقون عليها لقب «ماما هواي-تسون». المؤلفة والفنانة الحاصلة على عدة جوائز لم تخرج في معرضها اللندني عن موضوعها الأثير، وهو تصوير ذكريات الطفولة التي عاشتها في الصين، وتنتقل عبرها إلى ذكريات ابنتها وحفيدتها، وتعدنا بأن الزائر أياً ما كان موطنه فالمعرض سيعيد إليه بعض ذكريات طفولته.

من ذكريات الطفولة إلى مفهوم الوطن لدى كل منا تأخذ تشانغ بيد الزائر لدخول عالم حميمي وتلقائي، وتشرح فكرتها الأساسية من العرض بقولها: «يُعدّ هذا المعرض رحلة فنية غامرة لاستكشاف معنى الوطن وكيف يشكّل عوالمنا الداخلية وتجاربنا الشخصية. لقد وُلدتُ في كنف عائلة تنتمي إلى قومية (تو/Tu)، ونشأتُ ابنةً للسهوب -تلك المراعي المنغولية الشاسعة في شمال غربي الصين- ثم انتقلتُ للعيش في هونغ كونغ ومنها إلى لندن. لطالما كان الوطن بالنسبة إليّ أشبه بقطار؛ دائم الحركة والترحال. وقد علمتني هذه التجربة إعادة النظر في مفهوم (الوطن)، لأدرك أنه ليس مجرد مكان، بل هو امتداد للذاكرة والمشاعر والثقافة».

حديقة شيان الصغيرة (المعرض - الفنانة)

شيان بطلة الحكايات

في الرسومات واللوحات المتناثرة أمامنا طفلة ذات شعر أسود قصير، هي بطلة معظم الحكايات، ونعرف أنها شيان ابنة الفنانة، ونرى شيان الشابة أمامنا برفقة طفلتها «فريا» تتجولان في المعرض وكأننا نرى مصدر الإلهام الذي نهلت منه تشانغ في قصصها ولوحاتها.

لوحة «حديقة شيان الصغيرة» (المعرض - الفنانة)

في القاعة الأولى للعرض ندخل إلى عالم قصة «غابة الجوارب» التي تدور حول عائلة من الدببة تبحث عن جواربها، ونرى عبر سبع لوحات كبيرة عالماً بصرياً واسعاً من وحي القصص، ولكن العرض يهدف إلى التفاعل مع الأطفال عبر ربط اللوحات بخيط فسفوري متوهج يمكن رؤيته بوضوح عند إطفاء النور ويُدعى الأطفال لتتبع الخيط والمشاركة في ألعاب مستوحاة من القصص.

من غابة الجوارب نمر على قصص أخرى للمؤلفة والفنانة، معروضة عبر اللوحات والرسومات والمجسمات التي تمثّل شخصيات في القصص وأيضاً عبر الإضاءة، فهناك غرفة تحكي قصة «البيت الأحمر»، وأخرى بعنوان «مائة سرير للعنكبوت»، و«حديقة شيان الصغيرة».

جانب من المعرض (الشرق الأوسط)

في القاعة التي تصور قصة «البيت الأحمر» تنبعث روائح الخبز الطازج المخبوز حديثاً، وأخرى محببة مثل رائحة الكتب ورائحة الغابات، في حين نلمح مجسمات لحشرات نمل ضخمة، وكأن الزائر يمشي في أرجاء القصة وليس في عرض فني.

تقول تشانغ إن القصص كُتبت لطفلتها شيان، إلا أن الزوار قد يجدون فيها ما يلامس تجارب مألوفة لديهم: «قد تذكّر (الجوارب) أحدهم بمشاعر الرعاية والاهتمام في طفولته، وقد يبعث (البيت الأحمر) شعوراً بالأمان، وقد يستحضر (السرير) ذكريات دافئة للحظات تغطية الوالدين لأطفالهما عند النوم، فيما قد تذكّرنا (الحديقة) بالحرية واللعب وبراءة النشأة في كنف الطبيعة».

الرموز الصينية

يعتمد المعرض على مجموعة متنوعة من أساليب السرد والتقنيات الفنية الصينية، وذلك من خلال الأعمال المعروضة التي تشمل اللوحات الزيتية، والألوان المائية، ورسومات قلم الرصاص، والأعمال الفنية التركيبية. وإلى جانب ذلك يظهر تأثير الفلسفة والرموز الصينية، مثل مقولة «قطرات الماء المستمرة تثقب الصخر» في قصتها «مائة سرير للعنكبوت العجوز»، في حين تعكس الاستعارات في عمل «البيت الأحمر» المفهوم الصيني القائل إن «الأوراق المتساقطة تعود إلى جذورها».

ويُعد عمل «حارس الغابة» -وهو عبارة عن «فزاعة» معروضة في القاعة الشمالية- رمزاً للحياة الريفية الآخذة في الزوال في الصين المعاصرة، وتنتشر في أرجاء القاعة سلاسل من حلوى «الهاوثورن» الصينية التقليدية (المعروفة باسم «تانغ-هولو»)، التي تُعد واحدة من أكثر نكهات الطفولة تميزاً وشيوعاً في الصين.

وبالفعل لم يستطع أحد الأطفال مقاومة انتزاع قطعة من حلوى «الهاوثورن» الحمراء المنسقة على شكل باقات، في حين حاول والداه إقناعه بأن الحلوى المزيفة هي جزء من العرض.

ذكريات الطفولة (المعرض - الفنانة)

تُعرف «هواي-تسون تشانغ» بأنها واحدة من أبرز الأصوات تميزاً في أدب الأطفال الصيني المعاصر. وقد نشرت حتى الآن ما يقرب من خمسين عملاً أدبياً، تتنوع بين المجموعات الشعرية والنثر وأدب الأطفال والكتب المصورة والكتب الفنية. ويُعدّ معرض «البيت السعيد» تتويجاً لمسيرتها الإبداعية حتى الآن، ورسالة حب شخصية تهديها إلى عائلتها وإلى تقاليد السرد البصري الصيني.

* معرض «البيت السعيد» (Home Sweet Home) في «ذا مال غاليريز» بلندن حتى 15 أغسطس (آب) المقبل

Your Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has ended


مقالات ذات صلة

«آرت بازل قطر» يعلن عن الفنانين والصالات المشاركة في دورته المقبلة

يوميات الشرق برحة مشيرب في الدوحة (آرت بازل)

«آرت بازل قطر» يعلن عن الفنانين والصالات المشاركة في دورته المقبلة

أعلن معرض «آرت بازل قطر» قائمة صالات العرض المشاركة في دورته الثانية التي ستقام في شهر يناير (كانون الثاني) من العام المقبل.

«الشرق الأوسط» (لندن)
يوميات الشرق أغلب الأعمال وُلدت من مواد أُعيد تدويرها (وزارة الثقافة)

«ربع تون»... معرض فني جديد للفنان العراقي نصير شمّة

يقوم المعرض على إعادة توظيف نشارة الأخشاب وبقايا صناعة آلة العود، وتحويلها من وظيفتها التقليدية إلى تكوينات تشكيلية تنبض بالمقام والإيقاع.

عمر البدوي (الرياض)
يوميات الشرق يهدي الفنان معرضه إلى الأطفال ذوي الاحتياجات الخاصة (الشرق الأوسط)

أحمد البحراني يستعيد ذاكرة الطفولة بـ«ضفاف الفرات»

كيف يمكن لقطعة خشب أنهت رحلتها في البحر أن تبدأ حياة جديدة؟ وأي ذاكرة تختبئ في طائر صغير، لا يحاكي الطبيعة بقدر ما يستعيد بيتاً بعيداً وطفولة لا تزال تسكن صاحبه

نادية عبد الحليم (القاهرة )
يوميات الشرق جانب من معرض «النزول إلى النهر» (الشرق الأوسط)

محمد عبلة يعيد اكتشاف «النهر» بالحركة الصاخبة والألوان

في معرضه «النزول إلى النهر» يعود الفنان التشكيلي المصري محمد عبلة إلى نهر الطفولة الذي تشكلت على ضفافه ذاكرته البصرية.

منى أبو النصر (القاهرة)
يوميات الشرق ستّ محاولات للاحتفاظ بأماكن لا يمكن اصطحابها (الشرق الأوسط)

جميل ملاعب: 50 عاماً بين السماء والأرض على جدران معرض

بيروت نقطة الانطلاق والعودة، لكنّ العودة في الرسم تختلف عن العودة الجغرافية...

فاطمة عبد الله (بيروت)

فضل شاكر يشعل مسرح الخبر بـ«يا غايب»... ونجله يقدمه في عودة لافتة

أحيا فضل شاكر الحفل على مسرح «الخبر أرينا» في المنطقة الشرقية (الشرق الأوسط)
أحيا فضل شاكر الحفل على مسرح «الخبر أرينا» في المنطقة الشرقية (الشرق الأوسط)
TT

فضل شاكر يشعل مسرح الخبر بـ«يا غايب»... ونجله يقدمه في عودة لافتة

أحيا فضل شاكر الحفل على مسرح «الخبر أرينا» في المنطقة الشرقية (الشرق الأوسط)
أحيا فضل شاكر الحفل على مسرح «الخبر أرينا» في المنطقة الشرقية (الشرق الأوسط)

في مشهد فني حمل الكثير من المشاعر، عاد الفنان اللبناني فضل شاكر إلى لقاء جمهوره على المسرح في مدينة الخبر، وسط استقبال جماهيري حافل، في حفل جمعه بنجله الفنان محمد شاكر، الذي تولى تقديم والده على المسرح، في لحظة لافتة شهدت تفاعلاً واسعاً من الحضور.

وعلى وقع أغنيته الشهيرة «يا غايب» وهتافات الجمهور، أحيا فضل شاكر الحفل على مسرح «الخبر أرينا» في المنطقة الشرقية، في ليلة تزامنت مع الإعلان عن انطلاق موسم الخبر الثاني، وجمعت بين عودة الفنان اللبناني والأجواء الاحتفالية التي شهدتها المدينة.

الحفل جمع الفنان فضل شاكر بنجله الفنان محمد شاكر الذي تولى تقديم والده إلى المسرح (الشرق الأوسط)

واستهل محمد شاكر الأمسية الغنائية بأداء أغنية «يا غايب»، قبل أن يضيف إليها عبارة «محتاجك يا فضول ترعاني»، ثم دعا والده إلى المسرح بكلمات عفوية عبّر فيها عن محبته قائلاً: «والدي حبيب قلبي»، وسط تصفيق وترحيب كبيرين من الجمهور.

بدوره، استقبل فضل شاكر الحاضرين قائلاً: «أهل الخبر نورتوني، يسعد مساكم، إن شاء الله أقدر أسعدكم اليوم»، قبل أن يبدأ وصلته الغنائية التي قدم خلالها مجموعة من أبرز أعماله، من بينها «إلا وأنا معاك»، وسط تفاعل لافت من الجمهور.

وحافظت «يا غايب» على حضورها بوصفها أبرز محطات الأمسية، إذ أعاد فضل شاكر أداءها أكثر من مرة استجابة لطلبات الجمهور، الذي تفاعل مع كلماتها، ورددها معه، في مشهد عكس مكانة الأغنية لدى محبيه.

الفنان محمد شاكر خلال مشاركته في الحفل (الشرق الأوسط)

وشهد الحفل الإعلان عن انطلاق موسم الخبر الثاني، إيذاناً ببدء برنامج جديد من الفعاليات والتجارب الترفيهية التي تستضيفها المدينة، في إضافة احتفالية إلى الأمسية الغنائية التي استقطبت حضوراً جماهيرياً كبيراً.

وقبل مغادرته المسرح، وجّه فضل شاكر رسالة شكر إلى جمهور المنطقة الشرقية، قائلاً: «أكرمتوني، شكراً لكم»، مختتماً أمسية طغت عليها أجواء المحبة والتفاعل بينه وبين الحاضرين.

ونظمت الحفل شركة «بنش مارك» بالشراكة مع «إكس بي» (XP)، ضمن جهودهما لتقديم تجارب فنية وترفيهية تستقطب نجوم الغناء العربي، وتعزز تنوع الفعاليات الفنية في السعودية، بما يواكب تطلعات الجمهور ومستهدفات «رؤية السعودية 2030».

الحفل شهد الإعلان عن انطلاق موسم الخبر الثاني إيذاناً ببدء برنامج جديد من الفعاليات والتجارب الترفيهية (الشرق الأوسط)

وكان فضل شاكر ونجله محمد قد استهلا محطتهما الفنية في السعودية من العاصمة الرياض، على مسرح «أبو بكر سالم»، قبل انتقالهما إلى الخبر، على أن تكون محطتهما المقبلة في مدينة جدة، الخميس المقبل، على مسرح «عبادي الجوهر أرينا».


الليلة التي اختفى فيها هوديني... إلى الأبد

100 عام على وفاة هاري هوديني أبرز لاعب خفّة ومحطّم قيود في القرن الـ20 (ويكيبيديا)
100 عام على وفاة هاري هوديني أبرز لاعب خفّة ومحطّم قيود في القرن الـ20 (ويكيبيديا)
TT

الليلة التي اختفى فيها هوديني... إلى الأبد

100 عام على وفاة هاري هوديني أبرز لاعب خفّة ومحطّم قيود في القرن الـ20 (ويكيبيديا)
100 عام على وفاة هاري هوديني أبرز لاعب خفّة ومحطّم قيود في القرن الـ20 (ويكيبيديا)

ليلة هالوين في مدافن ماكبيلاه في منطقة كوينز في نيويورك لا تُشبه سواها في أي مكان آخر. يتجمّع الناس كل سنة هناك لإحياء ذكرى أبرز لاعب خفّة، وأبرَع هارب من القيود، هاري هوديني.

لا يتجمهرون حول قبره لأنّ ليلة هالوين مخصصة لاستذكار الموتى فحسب، بل لأنّ هوديني فارق الحياة في مثل تلك الليلة، وتحديداً في 31 أكتوبر (تشرين الأول) من عام 1926. تكتسب الذكرى هذا العام بالتالي أهمية خاصة، بما أنّ مُحبّيه يحيون المئويّة الأولى لرحيله، الذي ما زالت الألغاز وعلامات الاستفهام تلفُّه حتى اليوم.

في ليلة هالوين من كل عام يتجمّع محبّو هوديني حول مدفنه في منطقة كوينز في نيويورك (ويكيبيديا)

هوديني.. لغزٌ في حياته وموته

رغم انقضاء 100 سنة على وفاة الساحر هوديني بسبب التهابٍ حادّ ناتج عن انفجار الزائدة الدوديّة، فإنّ السيناريوهات الخاصة بأيامه الأخيرة لا تزال تشغل بال كثيرين. حتى أن صحيفة «نيويورك تايمز» نبشت الأرشيف قبل أيام، محاورةً طبيبة نشرت كتاباً حول لغز موته، وشكّكت في أسبابه المُعلَنة.

ليس هوديني عابرَ تاريخٍ اعتيادياً، فالرجلُ المولود تحت اسم إريك فايز في بودابست عام 1874 عاش لغزاً، ومات لغزاً. أذهلَ العالم بعروض الخفّة التي كان يتقنها، والقائمة بمعظمها على التحرّر من القيود، والخروج من أماكن مغلقة بأساليب خارقة، وأشبَه بالسِّحر.

طفلٌ يبيع الوهم

الفقر هو الذي أخذَ هوديني إلى عالم بيع الوهم. في الـ9 من عمره، وبعد أن غرق والده في أزمات ماليّة، بدأ القيام بعروض بهلوانيّة. لاحقاً جرّب حظّه مع ألعاب الخفّة والسحر، لكنه لم يكن مُقنِعاً بما يكفي. في الـ22 من عمره اتضحت ملامح موهبته، وهي قدرتُه على التخلّص من الأصفاد المقفلة حول يدَيه.

مع مرور السنوات وانتقاله من عروض الشوارع إلى مسارح أميركا، وأوروبا، ما عاد يكتفي هوديني بالتخلّص من الأصفاد، بل اشتُهر بتحرير نفسه من كل أشكال القيود، بدءاً بالحبال، والسلاسل الحديديّة، وقمصان التقييد المستخدمة في المستشفيات، مروراً بالهروب من أوعية مغلقة، ومملوءة بالماء، أو الحليب، وصولاً إلى التقييد داخل صناديق تُرمى في النهر، وليس انتهاءً بعروض الخروج من تحت التراب بعد الدفن حياً.

عام 1912 هوديني مستعداً للدخول مقيّداً في صندوق يُرمى في المياه (ويكيبيديا)

هوديني يُدفَن حياً ومكبّلاً

في الهواء الطلق، معلّقاً من الأبنية الشاهقة، والجسور، وفي المسارح العريقة على حدٍ سواء، جمع هوديني حوله الجماهير المذهولة. وضع خلفه الطفلَ البهلوان الذي كانه، وصار من بين فناني الترفيه الأعلى أجراً في العالم.

الربع الأول من القرن الـ20 كان زمن هوديني بامتياز. كلّما تضاعفت شهرته، رفع منسوب التحدّي، ووضع نفسه في مواقف كادت أن تسلبه حياته. المرة الأولى التي جرّب فيها حيلة الدفن حياً والخروج من تحت التراب، انتهى به الأمر على شفير الاختناق، والموت المحتّم.

في سنواته الأخيرة، اشتهر هوديني بعَرض «زنزانة التعذيب المائي الصينيّة». كان يعلَّق مقلوباً داخل صندوق مغلق مصنوع من الزجاج، والفولاذ، ومملوء بالمياه، حيث يحبس أنفاسه لأكثر من 3 دقائق، ثم يخلّص نفسه من القيود، ويخرج من المياه، والصندوق.

هوديني يؤدي خدعة «زنزانة التعذيب المائي الصينية» (مكتبة الكونغرس)

يوم انفجرَ بطن هوديني

في 22 أكتوبر 1926، وفيما كان هوديني جالساً في حجرته داخل أحد مسارح مونتريال في كندا استعداداً لعرضه، تلقّى زيارةً من ثلاثة طلّاب جامعيين مهتمّين بشخصه. وفق أحدِهم، الذي تحوّل لاحقاً إلى شاهد في القضية، فإنّ زميله المدعو جوسلين غوردون وايتهيد توجّه إلى هوديني بسؤال: «هل صحيح أنّ اللكمات على المعدة لا تؤلمك؟». أجاب هوديني قائلاً إنّ معدته قادرة على تحمّل الكثير. فما كان من وايتهيد إلّا أن بدأ توجيه ضربات قوية للغاية تحت حزام الرجل. ووفق الشاهد، فإنّ هوديني كان ينكمش على نفسه مع كل لكمة، ثم أومأ فجأةً إلى الشاب بالتوقّف فوراً.

في تلك الليلة، قدّم هوديني عرضه تحت وطأة الألم الشديد، وفي الأيام التي تلت الحادثة ارتفعت حرارته إلى 40 درجة مئوية ليتبيّن أنه مصاب بالتهاب الزائدة الحاد. رغم ذلك، فهو تَجاهلَ طلبَ الطبيب الخضوع لجراحة فوريّة متابعاً عروضه في مدينة ديترويت الأميركية، مغمياً عليه مرات عدة على الخشبة.

بعد عرضه الأخير في 24 أكتوبر، نُقل هوديني إلى المستشفى في ديترويت، حيث خضع لجراحة فوريّة تَبيّنَ على أثرها أنّ زائدته منفجرة، وأنّ بطنه مليء بالقَيح. تفاقمت حالتُه بشكلٍ دراماتيكي رغم جراحةٍ ثانية أُجريت له، وتوفّي في 31 أكتوبر 1926 عن 52 عاماً.

هوديني وزوجته بياتريس (بيس) التي كانت تشارك في بعض عروضه (مكتبة الكونغرس)

تعدّدت النظريات وموت هوديني واحد

حتى اليوم، وبعد مرور قرنٍ على وفاة هوديني، لم يُعرَف ما إذا كان وايتهيد قد تَعمّدَ أذيّتَه، أم أنّ الأمر كان مجرّد لعبة تحوّلت إلى سوء تفاهم.

المؤكّد هو أنّ كثيرين لم يستوعبوا ذلك الرحيل الصادم لرجلٍ ظنّوه محصّناً ضدّ الخطر، أمضى حياته وهو يمازح الموت. كيف قضت الزائدة المنفجرة على هوديني؟ سؤالٌ تكرّر لسنوات، وأحاطت به أجوبة متعدّدة.

من بين عشرات السيناريوهات التي جرى تداولها أنّ مجموعة من الأقزام العاملين في السيرك تسلّلت خلسةً إلى غرفة هوديني في الفندق ودسّت له سمّ الزرنيخ في كوب الشاي. فيما طرح آخرون فرضيّة أن يكون هوديني قد قضى وهو يحاول الهروب من خزّان مقفل خلال عرض «زنزانة التعذيب المائي». ووفق اعتقاد البعض، فإنّ هوديني اغتيل على يد أتباع المذهب الروحاني بسبب محاربته نظريّتهم القائمة على إمكانية التواصل مع الموتى.

تبقى النظريّة الأقرب إلى المنطق، والواقع، احتمال أن تكون لكمات وايتهيد على بطن هوديني قد أيقظت التهاباً كان نائماً في الزائدة الدوديّة لديه.

سيناريوهات خياليّة أحاطت بوفاة هوديني عن 52 عاماً (مكتبة الكونغرس)

أما الطبيبة لاريان جيليسبي، والتي اهتمّت بالقضية إلى درجة تأليفها كتاباً عن وفاة هوديني، فبرّأت وايتهيد كلياً، مستبعدةً أن تكون اللكمات هي سبب الوفاة. لفتت جيليسبي إلى انسدادٍ في أمعاء هوديني ناجمٍ عن كتلةٍ ليفيّة بسبب طعامٍ صينيّ كان قد تناوله. وبعد مراجعتها الدقيقة للسجلّات الطبية، وإفادات الشهود، خَلُصت إلى أنّ الوثائق قد خضعت للتعديل المتعمّد.

لا إجابة واضحة حتى اليوم حول رحيل هوديني الذي لفّ الغموض حياته ومماته. لكن تبقى حكاية اللكمات والزائدة المنفجرة الأكثر تداولاً، وقد دفع ذلك بوايتهيد إلى الانكفاء عن المجتمع، وإلى عزلةٍ طويلة، ووفاةٍ مبكرة بسبب سوء التغذية، رغم عدم توجيه أي تهمة مباشرة له.


«بوليفارد وورلد»... رحلة بين حضارات متعددة ضمن «موسم الرياض»

«بوليفارد وورلد» تتيح لزوارها استكشاف وجهات عالمية متنوعة (واس)
«بوليفارد وورلد» تتيح لزوارها استكشاف وجهات عالمية متنوعة (واس)
TT

«بوليفارد وورلد»... رحلة بين حضارات متعددة ضمن «موسم الرياض»

«بوليفارد وورلد» تتيح لزوارها استكشاف وجهات عالمية متنوعة (واس)
«بوليفارد وورلد» تتيح لزوارها استكشاف وجهات عالمية متنوعة (واس)

افتتحت منطقة «بوليفارد وورلد»، الجمعة، أبوابها مُجدَّداً للزوار ضمن النسخة السابعة من «موسم الرياض»، مُستندةً في عودتها للعام الخامس على التوالي إلى حضورها البارز والإقبال الكبير عليها من الجمهور داخل السعودية وخارجها.

وتستقبل «بوليفارد وورلد» زوارها برحلة بين ثقافات وحضارات متعددة، عبر مناطق مستوحاة من دول العالم، تتجسَّد فيها ملامح التراث والثقافة من خلال التصاميم المعمارية والأسواق والمطاعم والحرف التقليدية والعروض الفنية، لتتيح للزوار استكشاف وجهات عالمية متنوعة.

ويتنقَّل الزوار بين وجهات تمثل السعودية والكويت وتركيا وإيران واليابان والصين وفرنسا وإيطاليا والمغرب واليونان والمكسيك ومصر والولايات المتحدة والهند وكوريا الجنوبية وإندونيسيا وإسبانيا.

وتتضمن «بوليفارد وورلد» مناطق مستوحاة من ثقافات أفريقيا وآسيا وبلاد الشام، وتضم كل وجهة مطاعم ومتاجر وعروضاً حية تعكس طابعها الثقافي، لتتنوع تجربة الزيارة بين المذاقات والتسوق والفنون.

وجهات «بوليفارد وورلد» تضم مطاعم ومتاجر وعروضاً حية تعكس طابعها الثقافي (واس)

كما تجمع خيارات ترفيهية تناسب مختلف الأعمار، من بينها اللعبة المائية «Amazonia Awakens»، وسينما «Vuz Dome» بعروضها المحيطية بزاوية 360 درجة، وألعاب «BLVD Pier»، و«التلفريك» الذي يتيح مشاهدة المنطقة من الأعلى، وتجارب المغامرات، والألعاب التفاعلية، والسباقات.

وتبرز «البحيرة» بوصفها إحدى أبرز محطات الزيارة في «بوليفارد وورلد»، بما توفره من تجارب مائية تشمل التاكسي المائي والقوارب المتنوعة، كما تتيح منطقة أفريقيا تجارب مشاهدة الحيوانات والتفاعل معها، إلى جانب مناطق الألعاب والأنشطة العائلية المخصصة للأطفال.

ومنذ انطلاقها عام 2022، رسَّخت «بوليفارد وورلد» مكانتها ضمن أبرز وجهات «موسم الرياض»، بما حققته من إقبال جماهيري خلال الأعوام الماضية، وما تجمعه من خيارات ترفيهية متنوعة في وجهة واحدة.