الحصاد الاقتصادي لقمة ترمب وشي... ضجيج بلا طحن

أكبر الصفقات يحبط الأسواق... والنجاح الأكبر في «إدارة التوتر»

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يحيي مودعيه قبل مغادرة العاصمة الصينية عقب انتهاء القمة الأميركية - الصينية الجمعة (رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب يحيي مودعيه قبل مغادرة العاصمة الصينية عقب انتهاء القمة الأميركية - الصينية الجمعة (رويترز)
TT

الحصاد الاقتصادي لقمة ترمب وشي... ضجيج بلا طحن

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يحيي مودعيه قبل مغادرة العاصمة الصينية عقب انتهاء القمة الأميركية - الصينية الجمعة (رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب يحيي مودعيه قبل مغادرة العاصمة الصينية عقب انتهاء القمة الأميركية - الصينية الجمعة (رويترز)

اختتم الرئيس الأميركي دونالد ترمب قمة بكين مع نظيره الصيني شي جينبينغ، الجمعة، بإعلان ما وصفه بـ«صفقات تجارية رائعة»، لكن رد فعل الأسواق والمستثمرين كشف سريعاً عن أن الحصيلة الاقتصادية الفعلية للقمة جاءت أقل بكثير من التوقعات التي سبقتها، في وقت نجح فيه الجانبان سياسياً في تثبيت هدنة هشة بين أكبر اقتصادين في العالم دون معالجة الخلافات البنيوية العميقة بينهما.

القمة، التي انعقدت وسط اضطرابات عالمية متصاعدة بفعل الحرب الإيرانية وضغوط أسواق الطاقة والتباطؤ الاقتصادي العالمي، كانت تُعدّ اختباراً حقيقياً لقدرة واشنطن وبكين على إعادة ضبط علاقتهما الاقتصادية بعد سنوات من الرسوم الجمركية والعقوبات والقيود التكنولوجية المتبادلة.

وبالنسبة إلى ترمب، حملت الزيارة أهمية داخلية استثنائية؛ إذ سعى الرئيس الأميركي إلى العودة من بكين بإنجازات اقتصادية ملموسة تدعم شعبيته المتراجعة قبل انتخابات التجديد النصفي، خصوصاً مع الضغوط الناجمة عن ارتفاع أسعار النفط والتضخم وتداعيات الحرب في الشرق الأوسط.

أما الصين، فقد تعاملت مع القمة بوصفها فرصة لإظهار نفسها قوة استقرار اقتصادي عالمي في مواجهة الاضطرابات الدولية، مع السعي للحفاظ على الهدنة التجارية الحالية ومنع عودة المواجهة الاقتصادية المفتوحة مع الولايات المتحدة.

• أجواء ودية

وخلال القمة، طغت أجواء الود الشخصي والاستعراض الدبلوماسي على المشهد. فقد حرص ترمب على الإشادة المتكررة بشي جينبينغ، واصفاً إياه بأنه «قائد عظيم» و«صديق»، بينما تحدث شي عن «علاقة استراتيجية مستقرة وبنَّاءة» بين البلدين، عادَّاً الزيارة «محطة مفصلية» في العلاقات الثنائية. كما تبادل الزعيمان جولات خاصة وحديثاً مطولاً داخل حدائق مجمع تشونغنانهاي التاريخي في بكين.

الرئيس الأميركي دونالد ترمب ونظيره الصيني شي جينبينغ في حدائق مجمع تشونغنانهاي التاريخي في بكين (أ.ف.ب)

لكن، خلف هذا الدفء السياسي، جاءت النتائج الاقتصادية محدودة نسبياً مقارنة بالتوقعات الضخمة التي سبقت القمة، خاصة بعد مرافقة وفد كبير من كبار التنفيذيين الأميركيين للرئيس الأميركي، بينهم مسؤولون من «بوينغ» و«إنفيديا» وشركات طاقة ومال وتكنولوجيا كبرى.

وكانت الأسواق تراهن على اختراقات كبيرة في ملفات الطيران والذكاء الاصطناعي والطاقة والزراعة، إلى جانب احتمال تخفيف القيود الأميركية على صادرات التكنولوجيا المتقدمة إلى الصين... إلا أن معظم هذه الملفات انتهت بتفاهمات عامة أو وعود سياسية أكثر من كونها اتفاقات تفصيلية قابلة للتنفيذ الفوري.

• أبرز الصفقات أقل من التوقعات

الصفقة الأبرز التي أعلنها ترمب تمثلت في موافقة الصين على شراء 200 طائرة من شركة «بوينغ»، في أول طلبية صينية كبيرة للطائرات الأميركية منذ نحو عقد... لكن الأسواق كانت تتوقع رقماً أكبر بكثير، بعدما تحدثت تسريبات سابقة عن احتمال توقيع صفقة تصل إلى 500 طائرة. ولذلك؛ جاء رد فعل المستثمرين سلبياً، وتراجعت أسهم «بوينغ» بأكثر من 4 في المائة بعد الإعلان مباشرة.

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يحيي مودعيه قبل مغادرة العاصمة الصينية عقب انتهاء القمة الأميركية - الصينية الجمعة (رويترز)

كما أعلن ترمب أن الصين أبدت اهتماماً متزايداً بشراء النفط الأميركي وفول الصويا، في خطوة تهدف إلى تقليص اعتمادها على واردات الشرق الأوسط وتنشيط الصادرات الزراعية والطاقة الأميركية. وتمثل هذه النقطة أهمية خاصة بالنسبة للرئيس الأميركي؛ لأن صادرات الطاقة والزراعة ترتبط مباشرة بالولايات الأميركية التي تشكل قاعدة انتخابية رئيسية للحزب الجمهوري.

لكن حتى هذه التفاهمات بقيت حتى الآن في إطار النوايا السياسية أكثر من العقود التنفيذية الواضحة. فوزارة الخارجية الصينية امتنعت عن تأكيد تفاصيل الاتفاقات التجارية التي تحدث عنها ترمب؛ ما عزز حالة الحذر في الأسواق بشأن مدى جدية أو سرعة تنفيذها.

وفي ملف التكنولوجيا، جاءت النتائج أكثر تواضعاً. فعلى الرغم من مشاركة الرئيس التنفيذي لشركة «إنفيديا» جنسن هوانغ ضمن الوفد الأميركي، لم تظهر أي مؤشرات على انفراج حقيقي في أزمة الرقائق الإلكترونية المتقدمة والذكاء الاصطناعي.

ولا تزال واشنطن تمنع الشركات الصينية من الحصول على أكثر رقائق «إنفيديا» تطوراً، بحجة حماية الأمن القومي الأميركي ومنع الصين من تسريع قدراتها العسكرية والتكنولوجية. ومع ذلك، كشف وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت عن مناقشات أولية بين البلدين لوضع «ضوابط وقواعد» لاستخدامات الذكاء الاصطناعي، عادَّاً أن «القوتين العظميين في الذكاء الاصطناعي بدأتا الحوار»، لكن لم تُعلن أي تفاهمات عملية حتى الآن.

• الإنجاز الأكبر

وفي الواقع، بدا أن الإنجاز الاقتصادي الحقيقي للقمة لم يكن في الصفقات نفسها، بل في منع تدهور العلاقة الاقتصادية بين البلدين والحفاظ على الهدنة التجارية الحالية.

فمنذ اللقاء السابق بين الزعيمين في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، تم تعليق الرسوم الجمركية الأميركية المرتفعة على السلع الصينية، في حين تراجعت بكين عن تهديداتها المتعلقة بتقييد صادرات المعادن والعناصر الأرضية النادرة الحيوية للصناعات الأميركية.

وخلال القمة الحالية، لم يُحسم رسمياً بعد ما إذا كانت هذه الهدنة ستمدد بعد انتهاء مدتها لاحقاً هذا العام، لكن مجرد استمرارها يُعدّ بالنسبة للأسواق تطوراً إيجابياً في ظل هشاشة الاقتصاد العالمي الحالية.

ويرى محللون أن الطرفين يدركان أن العودة إلى الحرب التجارية المفتوحة ستكون مكلفة جداً في الظروف الراهنة. فالاقتصاد الصيني يواجه تباطؤاً ملحوظاً وضغوطاً في قطاع العقارات والاستثمار، في حين تواجه الولايات المتحدة مخاطر تضخم مرتفع وأسعار طاقة متقلبة وضغوطاً انتخابية داخلية.

ولهذا؛ بدا واضحاً أن القمة ركزت على «إدارة التنافس» أكثر من السعي إلى إعادة بناء شراكة اقتصادية عميقة كما كان الحال قبل سنوات.

وفي الخلفية، فرضت الحرب الإيرانية نفسها بقوة على المناقشات الاقتصادية، خصوصاً بسبب تأثيرها المباشر على أسواق النفط وسلاسل الإمداد العالمية. فقد أشار ترمب إلى أن شي أبدى استعداداً للمساعدة في إعادة فتح مضيق هرمز، الذي تمر عبره نسبة ضخمة من صادرات النفط والغاز العالمية.

وفي المحصلة، خرجت قمة بكين بنتيجة يمكن وصفها بأنها «استقرار مؤقت بلا اختراقات كبرى». فالجانبان نجحا في تهدئة الأجواء ومنع التصعيد الاقتصادي، لكنهما لم يقتربا فعلياً من حل الخلافات الجوهرية المتعلقة بالتكنولوجيا والتجارة والأمن الاقتصادي.

وبالنسبة للأسواق، فإن الرسالة الأهم من القمة ليست حجم الصفقات المعلنة، بل حقيقة أن واشنطن وبكين لا تزالان حريصتين على إبقاء المنافسة تحت السيطرة، حتى وإن بقيت العلاقة بينهما محكومة بمزيج معقد من التعاون الاقتصادي والصراع الاستراتيجي.

ولهذا؛ تبدو الهدنة الحالية أقرب إلى إدارة حذرة للتوتر، لا إلى مصالحة اقتصادية شاملة، في وقت يبقى فيه مستقبل الاقتصاد العالمي مرتبطاً إلى حد كبير بمسار العلاقة بين أكبر قوتين اقتصاديتين على الكوكب.


مقالات ذات صلة

تحت أنظار صندوق النقد... باكستان تطرح موازنة متشددة لمواجهة تداعيات الطاقة والتضخم

الاقتصاد عامل يسحب عربة محملة بالبضائع لتوصيلها إلى سوق قريبة في كراتشي بباكستان (رويترز)

تحت أنظار صندوق النقد... باكستان تطرح موازنة متشددة لمواجهة تداعيات الطاقة والتضخم

تستعد الحكومة الباكستانية لطرح موازنة جديدة للعام المالي 2026 - 2027، تتضمَّن إجراءات تقشفية وتشديداً مالياً يستهدفان بشكل رئيسي الطبقة الوسطى والشركات المسجلة.

«الشرق الأوسط» (إسلام آباد)
الاقتصاد مشاة أمام شاشة إلكترونية تعرض حركة الأسهم في جزيرة هونغ كونغ الصينية (أ.ف.ب)

أسهم الصين تتراجع بين خسائر التكنولوجيا وتوترات الشرق الأوسط

تراجعت أسهم الصين وهونغ كونغ يوم الخميس، مدفوعةً بانخفاض أسهم قطاع التكنولوجيا، متأثرةً بضعف أداء نظيراتها في المنطقة.

«الشرق الأوسط» (بكين)
الاقتصاد رجل يتابع شاشة تعرض حركة الأسهم وسط العاصمة اليابانية طوكيو (إ.ب.أ)

نيكي يغلق مستقراً بعد انتهاء الضربات الأميركية على إيران

أنهى مؤشر نيكي الياباني تداولات يوم الخميس دون تغيير يُذكر، حيث قيّم المستثمرون التطورات في الشرق الأوسط

«الشرق الأوسط» (طوكيو)
الاقتصاد يمر أحد المتعاملين أمام شاشة تعرض مؤشر «كوسبي» في غرفة تداول تابعة لبنك هانا في سيول (أ.ب)

الأسهم الآسيوية تتراجع تحت ضغط صراع «هرمز» وعاصفة التضخم

تحولت الأسهم الآسيوية نحو الانخفاض يوم الخميس بعد ارتفاع طفيف في بداية التعاملات، بضغط من موجة بيع في «وول ستريت».

«الشرق الأوسط» (هونغ كونغ)
الاقتصاد سفن وناقلات نفط في مضيق هرمز قبالة سواحل مسندم يوم 18 أبريل 2026 (رويترز)

حرب إيران« أخطر صدمة» لاقتصادات المنطقة منذ نصف قرن

أظهر تحليل لبيانات صندوق النقد الدولي منذ عام 1980 أن حرب إيران الحالية تمثل أخطر صدمة جيوسياسية لاقتصادات الشرق الأوسط وشمال أفريقيا منذ خمسة عقود على الأقل.

«الشرق الأوسط» (لندن)

السعودية تقود النمو الإقليمي بـ3.1 %

 In this picture obtained from Iran's ISNA news agency on June 8, 2026, residents take a dip as cargo and commercial vessels lie at anchor in the Strait of Hormuz off Bandar Abbas. (Photo by Amirhossein KHORGOOEI / ISNA / AFP) /
In this picture obtained from Iran's ISNA news agency on June 8, 2026, residents take a dip as cargo and commercial vessels lie at anchor in the Strait of Hormuz off Bandar Abbas. (Photo by Amirhossein KHORGOOEI / ISNA / AFP) /
TT

السعودية تقود النمو الإقليمي بـ3.1 %

 In this picture obtained from Iran's ISNA news agency on June 8, 2026, residents take a dip as cargo and commercial vessels lie at anchor in the Strait of Hormuz off Bandar Abbas. (Photo by Amirhossein KHORGOOEI / ISNA / AFP) /
In this picture obtained from Iran's ISNA news agency on June 8, 2026, residents take a dip as cargo and commercial vessels lie at anchor in the Strait of Hormuz off Bandar Abbas. (Photo by Amirhossein KHORGOOEI / ISNA / AFP) /

تتصدّر السعودية توقعات النمو في المنطقة بنسبة 3.1 في المائة لعام 2026، مستندةً إلى مصدّات ماليّة وقدرة لوجستية على تحويل صادراتها عبر خط أنابيب «شرق - غرب» نحو البحر الأحمر، لتخالف بذلك تقديرات البنك الدولي القاسية، التي رجّحت هبوط نمو دول الخليج إلى مستويات تقارب الصفر جراء تعطّل مضيق هرمز، وتداعيات حرب إيران.

ورسم البنك الدولي مشهداً قاتماً للاقتصاد العالمي بتوقعه تراجع النمو نحو مستويات متدنية عند 2.5 في المائة، في ظل تزايد الضغوط التضخمية، وقفزات أسعار الطاقة، وتشديد السياسات النقدية. وانعكس ذلك على المنطقة؛ إذ رجّح التقرير أن يتعمّق الانهيار الحر في موازنات الكويت لتسجل انكماشاً بـ6.4 في المائة، وسقوط اقتصاد العراق في انكماش حاد بنسبة 8.9 في المائة، بالتوازي مع انزلاق قطر نحو انكماش بنسبة 5.7 في المائة.

في المقابل، ارتفعت توقعات مصر إلى 4.6 في المائة نتيجة التحوّل اللوجستي نحو ممرات البحر الأحمر وقناة السويس لتفادي شلل مضيق هرمز.


«العدل الأميركية» تستدعي أكبر البنوك للتحقيق في إغلاق حسابات بدوافع سياسية

المقر الرئيسي لـ«جي بي مورغان تشيس» في 270 بارك أفينيو بنيويورك (رويترز)
المقر الرئيسي لـ«جي بي مورغان تشيس» في 270 بارك أفينيو بنيويورك (رويترز)
TT

«العدل الأميركية» تستدعي أكبر البنوك للتحقيق في إغلاق حسابات بدوافع سياسية

المقر الرئيسي لـ«جي بي مورغان تشيس» في 270 بارك أفينيو بنيويورك (رويترز)
المقر الرئيسي لـ«جي بي مورغان تشيس» في 270 بارك أفينيو بنيويورك (رويترز)

كشفت صحيفة «وول ستريت» عن أن وزارة العدل الأميركية وجّهت مذكرات استدعاء واسعة النطاق إلى عدد من أكبر المصارف في الولايات المتحدة، وفي مقدمتها «جي بي مورغان تشيس» و«بنك أوف أميركا» و«ويلز فارغو»؛ لطلب معلومات تفصيلية حول ما إذا كانت هذه المؤسسات قد مارست عمداً سياسة «إلغاء الحسابات المصرفية» لعملائها، أو أغلقت حسابات مصرفية بشكل غير قانوني لدوافع سياسية.

وتأتي هذه التحركات الصادرة عن مكتب المدعي العام الأميركي في واشنطن، تحت قيادة المدعية العامة جينين بيرو، لتشكّل تصعيداً كبيراً في الحملة التي يقودها الرئيس الأميركي دونالد ترمب لاستئصال ما يصفه بـ«الأدلة على تمييز البنوك ضد المحافظين والصناعات المثيرة للجدل سياسياً»، بما في ذلك الحسابات التابعة لعائلته الشخصية وشركاته.

وتعود جذور الأزمة إلى العام الماضي، عندما أعلن ترمب أنه تم عزله مصرفياً وحُرم من فتح حسابات جديدة لدى «جي بي مورغان» و«بنك أوف أميركا» عقب انتهاء ولايته الأولى، والتي تزامنت مع أعمال الشغب العنيفة في مبنى الكابيتول، وفق الصحيفة الأميركية.

وفي أغسطس (آب) الماضي، وقّع ترمب أمراً تنفيذياً يوجّه المنظمين المصرفيين بالتحقيق في ارتكاب المؤسسات المالية ممارسات «إلغاء حسابات مسيّسة أو غير قانونية»، وتفويضهم بفرض عقوبات مالية مشددة. ورغم إرسال البنوك كميات هائلة من البيانات للمنظمين، فإن مكتب بيرو يطالب الآن بمعلومات أكثر عمقاً وحساسية تشمل قوائم الأشخاص المتضررين ومبررات الإغلاق.

دفاع المصارف

في المقابل، تدافع البنوك الكبرى عن موقفها مؤكدة أنها لا تغلق الحسابات لأسباب دينية أو سياسية؛ بل تشير إلى أن قرارات تجنب صناعات أو عملاء معينين تأتي امتثالاً للقوانين الصارمة التي تلزمها بفحص الأنشطة الإجرامية ومكافحة غسل الأموال، أو استجابة لضغوط رقابية أخرى تهدف إلى حماية النظام المصرفي والمالي.

وكانت هذه التحقيقات تدار حتى الآن بموجب تفويض من «مكتب مراقب العملة»، وهو مكتب تابع لوزارة الخزانة يشرف على أكبر البنوك. ومع ذلك، فإن الأمر التنفيذي لترمب سمح للمنظمين بإحالة القضايا إلى المدعي العام، ورغم أن «مكتب مراقب العملة» لم يرسل إحالات رسمية بعد، فإن مكتب المدعية جينين بيرو فتح تحقيقاته بشكل مستقل بالتنسيق مع مكتب المراقبة.

البحث عن مخرج قانوني

وتواجه النيابة العامة والمنظمون تحدياً قانونياً يتمثل في تحديد القوانين الدقيقة التي خرقتها البنوك بقطع علاقاتها مع عملاء تصنفهم «عالي المخاطر»؛ ففي حين تحظر قوانين الحقوق المدنية التمييز في الإقراض والتمويل، تتمتع الشركات والمصارف بصلاحيات تقديرية واسعة النطاق في اختيار من تقدم له خدماتها المصرفية اليومية.

ولمواجهة هذا التحدي، يدرس مكتب بيرو ما إذا كانت تصرفات البنوك قد انتهكت «قانون إصلاح المؤسسات المالية والتعافي والإنفاذ لعام 1989» (FIRREA)، وهو تشريع فضفاض استُخدم تقليدياً لمقاضاة الاحتيال المصرفي، واستعانت به وزارة العدل بعد أزمة 2008 لملاحقة المصارف التي ضللت الأسواق بشأن جودة الأوراق المالية المدعومة بالرهن العقاري.

معارك قضائية موازية و«أدلة أولية»

وكان «مكتب مراقب العملة» قد أصدر في ديسمبر (كانون الأول) الماضي تقريراً أولياً أفاد بوجود «أدلة مبكرة» على ممارسات إلغاء الحسابات من قِبل أكبر تسعة بنوك في البلاد. وأشار التقرير إلى أن الصناعات المتأثرة شملت: النفط والغاز، والفحم، ومصنعي الأسلحة النارية وقطاع الترفيه للبالغين، بربطها بمساعي البنوك للوفاء بالتزاماتها البيئية والاجتماعية وحرب المناخ.

يذكر أن ترمب أقام دعوى قضائية شخصية في يناير الماضي على بنك «جيه بي مورغان» ورئيسه التنفيذي جيمي ديمون، متهماً إياهما بإغلاق حساباته بدوافع سياسية، كما أقامت عائلة ترمب دعوى مماثلة العام الماضي على «كابيتال وان» لإغلاقه أكثر من 300 حساب لشركات تابعة للمجموعة منذ عام 2021.


صندوق النقد يخفّض توقعات نمو منطقة اليورو مجدداً ويرفع تقديرات التضخم

مديرة صندوق النقد الدولي كريستالينا غورغييفا تتحدث إلى مراسلين اقتصاديين في بروكسل حول آفاق منطقة اليورو (إكس)
مديرة صندوق النقد الدولي كريستالينا غورغييفا تتحدث إلى مراسلين اقتصاديين في بروكسل حول آفاق منطقة اليورو (إكس)
TT

صندوق النقد يخفّض توقعات نمو منطقة اليورو مجدداً ويرفع تقديرات التضخم

مديرة صندوق النقد الدولي كريستالينا غورغييفا تتحدث إلى مراسلين اقتصاديين في بروكسل حول آفاق منطقة اليورو (إكس)
مديرة صندوق النقد الدولي كريستالينا غورغييفا تتحدث إلى مراسلين اقتصاديين في بروكسل حول آفاق منطقة اليورو (إكس)

حذر صندوق النقد الدولي، يوم الخميس، من أن صدمة أسعار الطاقة الناجمة عن حرب إيران الدائرة حالياً في شهرها الرابع، ستؤدي إلى سحب نمو منطقة اليورو نحو مستويات أدنى مما كان متوقعاً في السابق، بالتوازي مع دفع معدلات التضخم إلى مزيد من الارتفاع.

وأوضح الصندوق أنه حتى لو كانت قفزات أسعار النفط والغاز «مؤقتة»، فإن ثقة المستهلكين ستشهد ضعفاً ملحوظاً وسط الاضطرابات المستمرة في أسواق الطاقة، مما يرفع من مخاطر تراجع الإنفاق الاستهلاكي.

وبناءً على هذه المعطيات، خفّض صندوق النقد الدولي توقعاته لنمو منطقة اليورو خلال هذا العام ليصل إلى 0.9 في المائة، تراجعاً من تقديراته السابقة في أبريل (نيسان) البالغة 1.1 في المائة، قبل أن يرتد صعوداً إلى 1.2 في المائة في عام 2027.

وعلى الجانب الآخر، توقع الصندوق أن يصل التضخم في منطقة اليورو إلى 2.8 في المائة هذا العام، وهو أعلى من توقعات أبريل البالغة 2.6 في المائة. ويمثل هذا الرقم زيادة قدرها 0.8 نقطة مئوية مقارنة بالمستويات التي سبقت الهجمات الأميركية الإسرائيلية ضد إيران في أواخر فبراير (شباط) الماضي.

اختناقات مضيق هرمز تزيد الضغوط

وتسببت الحرب بفعالية في إغلاق مضيق هرمز أمام شحنات النفط والغاز الخليجية المنقولة بحراً. وأفاد مسؤولون بأن الأضرار التي لحقت ببعض منشآت الإنتاج قد تسفر عن استمرار قيود الإمدادات لعدة أشهر قادمة.

وأشار صندوق النقد الدولي إلى أن «حدوث صدمة طاقة أكثر استمراراً قد يدفع التضخم وتوقعاته نحو الأعلى، حتى في الوقت الذي قد يؤدي فيه تراجع الثقة أو الضغوط المالية إلى إضعاف مستويات الطلب».

ولفت التقرير إلى حجم التحدي الكبير الذي يواجه البنك المركزي الأوروبي، والذي تحرك بالفعل برفع سعر الفائدة القياسي إلى 2.25 في المائة، محاولاً الحد من الضربة الاقتصادية، وكبح جماح التضخم في آنٍ واحد.

وكان المركزي الأوروبي قد خفّض بدوره توقعاته للنمو لعام 2026 إلى 0.8 في المائة (من 0.9 في المائة)، في حين رفع تقديراته للتضخم إلى 3 في المائة، وهو ما يتجاوز بكثير مستهدفه الرسمي البالغ 2 في المائة.

وأكد صندوق النقد الدولي أن «الأولوية الفورية للحكومات هي إبقاء توقعات التضخم مقيدة، وتخفيف تأثير الصدمة ضمن المساحة المالية المتاحة، تلافياً لأي إنفاق حكومي مفرط قد يزيد من عجز الموازنة العامة».

ورغم قرار رفع الفائدة الصادر، يتوقع الصندوق أن يُقدم البنك المركزي الأوروبي على زيادة إضافية بمقدار ربع نقطة مئوية (25 نقطة أساس) في سعره القياسي بحلول نهاية هذا العام.