بعد عامين من التباعد... فرنسا والجزائر تقطعان خطوة جدية لتطبيع علاقاتهما

ماكرون أعاد سفير بلاده إلى مركزه... وكلف وزيرة شؤون القوات المسلحة بإنجاز مهمة تصالحية

وزيرة الدولة الفرنسية المكلّفة بالقوات المسلحة وشؤون المحاربين القدامى أليس روفو (إلى اليسار) ومسؤولون يضعون إكليلاً من الزهور وباقات ورد خلال مراسم إحياء ذكرى «مجازر سطيف 1945» في مدينة سطيف شرق الجزائر يوم 8 مايو 2026 (أ.ف.ب)
وزيرة الدولة الفرنسية المكلّفة بالقوات المسلحة وشؤون المحاربين القدامى أليس روفو (إلى اليسار) ومسؤولون يضعون إكليلاً من الزهور وباقات ورد خلال مراسم إحياء ذكرى «مجازر سطيف 1945» في مدينة سطيف شرق الجزائر يوم 8 مايو 2026 (أ.ف.ب)
TT

بعد عامين من التباعد... فرنسا والجزائر تقطعان خطوة جدية لتطبيع علاقاتهما

وزيرة الدولة الفرنسية المكلّفة بالقوات المسلحة وشؤون المحاربين القدامى أليس روفو (إلى اليسار) ومسؤولون يضعون إكليلاً من الزهور وباقات ورد خلال مراسم إحياء ذكرى «مجازر سطيف 1945» في مدينة سطيف شرق الجزائر يوم 8 مايو 2026 (أ.ف.ب)
وزيرة الدولة الفرنسية المكلّفة بالقوات المسلحة وشؤون المحاربين القدامى أليس روفو (إلى اليسار) ومسؤولون يضعون إكليلاً من الزهور وباقات ورد خلال مراسم إحياء ذكرى «مجازر سطيف 1945» في مدينة سطيف شرق الجزائر يوم 8 مايو 2026 (أ.ف.ب)

هل تتَّجه العلاقات الفرنسية - الجزائرية التي تشهد، دورياً، كثيراً من المطبات الهوائية العنيفة، نحو حالة من التطبيع بعد الأزمة الحادة التي تسبَّبت بها رسالة الرئيس إيمانويل ماكرون إلى العاهل المغربي، صيف عام 2024 وفيها يتبنَّى رؤية الرباط لمصير الصحراء الغربية؟

السؤال مطروح بقوة بعد أن كلف ماكرون الوزيرة المنتدبة لشؤون القوات المسلحة وقدامى المحاربين، أليس روفو، المقربة منه، بمهمة بالغة الحساسية، عنوانها تطبيع العلاقات المتقلبة مع الجزائر.

واللافت أنَّ ماكرون اختار تاريخ الثامن من مايو (أيار) الذي يرتدي أهميةً بالغةً بالنسبة للجزائريين، ولذاكرتهم، ولعلاقاتهم المُعقَّدة مع باريس لتكليف روفو بتمثيل بلاده في مدينة سطيف بمناسبة «إحياء ذكرى الأحداث المأساوية» التي شهدتها المدينة المذكورة، ومدينتان أخريان هما قالمة وخراطة.

وجاء في البيان الرئاسي ما حرفيته أنه «في الوقت الذي كان فيه الفرنسيون يحتفلون بتحرير بلادهم، استمرَّ قمع المظاهرات في مدن سطيف وقالمة وخراطة لأسابيع عدة، مخلِّفاً آلاف الضحايا. تلك هي حقيقة تاريخنا، ومن شرف فرنسا أن تواجهها بصدق».

ويقول الجزائريون إن 45 ألفاً سقطوا بسبب القمع الفرنسي الذي استُخدِمت فيه الطائرات لضرب المتظاهرين الذين كانوا يطالبون بالاستقلال.

جزائريون يشاركون في إحياء ذكرى ما تُعرف بـ«مجازر سطيف 1945» بتاريخ 8 مايو 2026 (أ.ف.ب)

وتنفيذاً لتعليمات الرئاسة، سارت روفو إلى جانب نظيرها الجزائري عبد الملك تشريف، المكلف بالمجاهدين وذوي الحقوق، في مسيرة شارك فيها مئات الأشخاص من مسؤولين وسكان، حمل بعضهم اللونين الأخضر والأبيض للعلم الجزائري. كذلك، وضع الوزيران أكاليل من الزهور أمام نصب تذكاري؛ تخليداً لذكرى بوزيد سعال، الذي أدى مقتله برصاص القوات الفرنسية إلى اندلاع أعمال شغب تمَّ قمعها بعنف.

مساعٍ لرأب الصدع

تندرج البادرة الفرنسية في إطار المساعي التي أطلقها ماكرون منذ سنوات عدة من أجل «مصالحة الذاكرتين»، الفرنسية والجزائرية. إلا أن ما تريده باريس أبعد من ذلك، فقد نصَّ بيان الإليزيه على أنَّ الهدف «إقامة علاقات قائمة على الثقة وواعدة للمستقبل، بما يخدم مصلحة الشعبَين، الفرنسي والجزائري».

لذا، سيكون على روفو أن تبحث مع الجانب الجزائري «المراحل المقبلة لتعزيز علاقاتنا الثنائية» وإيصال رغبة الرئيس الفرنسي «في تعزيز النتائج التي تمَّ تحقيقها بالفعل، واستعادة حوار فعّال يحترم المصلحة الوطنية لكل طرف؛ خدمةً لمصلحتنا المشتركة».

أليس روفو الوزيرة الفرنسية المكلّفة بشؤون المحاربين القدامى (يسار) إلى جانب وزير المجاهدين وذوي الحقوق الجزائري عبد المالك تشريف خلال مراسم إحياء ذكرى «مجازر سطيف 1945» في مدينة سطيف شرق الجزائر بتاريخ 8 مايو 2026 (أ.ف.ب)

وبكلام آخر، تأمل باريس استخدام التحسُّن الذي طرأ في علاقاتها مع الجزائر، في الأشهر القليلة الأخيرة، للذهاب سريعاً نحو حال من التطبيع التي لن تحصل ما لم تُسوَّ المشكلات التي ما زالت قائمةً بينهما. وكترجمة لهذه الرغبة، فإنَّ ماكرون طلب من السفير الفرنسي في الجزائر ستيفان روماتيه، الذي استدعاه قبل عام، العودة إلى ممارسة مهامه الدبلوماسية وهو ما سارع إلى القيام به. وطلب «الإليزيه» من روماتيه أن «يعمل على جميع جوانب التعاون الثنائي، بروح من المعاملة بالمثل».

مقدمات الزيارة

ما كان لهذه الزيارة أن تتم وفق هذه الروحية من غير «المقدمات» التي مرَّت بها في الأشهر الثلاثة الأخيرة. وتجدر الإشارة إلى أن رحيل برونو روتايو، وزير الداخلية، ورئيس حزب «الجمهوريون» اليميني عن الحكومة في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي أسهم بشكل تلقائي في تخفيف الاحتقان بين العاصمتين باعتبار أنه جعل من عملية لي الذراع مع الجزائر أحد محاور سياسته المغاربية. وسبق له أن هدَّد بإعادة النظر بالاتفاقات القائمة بين البلدين، والتي عدّها لصالح الجزائر وغير عادلة بالنسبة لباريس.

كذلك عمد إلى اتباع سياسات متشددة في مسائل الهجرة، والإسلام، ومنح التأشيرات، مفضِّلاً انتهاج سياسة «تصادمية »، مبرراً إياها بتمنع الجزائر عن التعاون في المسائل القنصلية، ورفض استعادة مواطنيها الذين يفقدون حقَّ الإقامة على الأراضي الفرنسية.

أليس روفو الوزيرة الفرنسية المكلّفة بشؤون المحاربين القدامى (يسار) إلى جانب وزير المجاهدين وذوي الحقوق الجزائري عبد المالك تشريف خلال مراسم إحياء ذكرى «مجازر سطيف 1945» في مدينة سطيف شرق الجزائر بتاريخ 8 مايو 2026 (أ.ف.ب)

وأسهم اعتقال الصحافي الرياضي الفرنسي كريستوف غليز في مايو 2024 بتهمة «تمجيد الإرهاب» ثمَّ القبض على الكاتب الجزائري بوعلام صنصنال في نوفمبر (تشرين الثاني) من العام نفسه، وتوجيه الاتهام في ربيع العام الماضي لموظف قنصلي جزائري يُشتبه في تورطه في اختطاف المؤثر الجزائري أمير دي، كل ذلك وغيره كثير، في تأجيج الحملات السياسية والإعلامية من على جانبي المتوسط وأسهم في إرساء ما يشبه القطيعة بين الطرفين، وصلت إلى حدِّ تبادل طرد دبلوماسيين معتمَدين في كلا العاصمتين.

تعاون أمني رغم الخلافات

إذا كانت الزيارات الرسمية بين الجانبين قد توقفت، فإنَّ التواصل البعيد عن الأضواء، إن مباشرة أو بالوساطة لم يتوقف. كذلك فإنَّ التعاون الأمني - المخابراتي ومحاربة الإرهاب بقي قائماً بالنظر لأهميته لمصالح الطرفين. يضاف إليه قلق الجهتين تجاه التطورات التي تشهدها بلدان الساحل الأفريقي (مالي وبوركينا فاسو والنيجر)، وما لها من تبعات جيوسياسية وجيواستراتيجية عليهما معاً. ونجحت الوساطة الألمانية التي توسلتها باريس لدى الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون في إقناعه بإصدار عفو عن صنصال.

كذلك تتمنى فرنسا أن تفضي التطورات الإيجابية الحديثة في العلاقات مع الجزائر إلى الإفراج عن كريستوف غليز، خصوصاً أنَّ الأخير قرَّر مع محاميه التخلي عن الطعن الصادر بحقه أمام محكمة التمييز؛ ما قد يسهِّل حصوله على عفو رئاسي.

شكَّلت زيارة وزير الداخلية الفرنسي الجديد، لوران نونيز، إلى الجزائر في شهر فبراير (شباط) الماضي محطةً إيجابيةً مهَّدت لتحسُّن علاقات الطرفين. الوزير الجديد اعتمد مقاربةً براغماتيةً بعيدةً عن الاستفزازات؛ ما انعكس أيضاً على علاقاته بالجالية الجزائرية في فرنسا؛ حيث قبل دعوة للإفطار من مسجد باريس الكبير الذي تديره الجزائر.

والتقى نونيز الرئيس تبون، وعاد من الجزائر بوعد لاستئناف التعاون القنصلي لجهة ترحيل الجزائريين الصادرة بحقهم مذكرات إبعاد. ومؤخراً، كلف ماكرون رئيسة «معهد العالم العربي» ومستشارته لشؤون الشرق الأوسط والعالم العربي سابقاً آن - كلير لو جاندر، القيام بمهمة في الجزائر بحيث تعد زيارة الوزيرة روفو امتداداً لها. وقامت الوزيرة السابقة سيغولين رويال بزيارتين للجزائر لـ«تليين» العلاقات رغم أنَّها لم تعد تحمل صفةً رسميةً.

منعطف جديد

خلاصة الأمر أنَّ علاقات الطرفين دخلت اليوم منعطفاً جديداً، لكنه لا يعني أبداً استبعاد انزلاقة مستقبلية نحو التوتر والتشدد. ذلك أن أي تصريح أو تدبير تشعر الجزائر بأنهما مسيئان لها قد يفجران أزمات جدية. كذلك، فإنَّ الطرف الجزائري لم يتجاوز، حقيقة، تأييد باريس للمقاربة المغربية لملف الصحراء. وثمة ملفات خلافية قد تتفجر، منها ما يتناول الذاكرة المشتركة، أو ما تطالب به الجزائر من تعويضات وإجراءات بخصوص التجارب الذرية التي أجرتها فرنسا في الصحراء الجزائرية.

وليس سراً أنه ليست هناك علاقات ثنائية بين باريس والجزائر أو بين باريس والرباط، إذ إن أي تطور في هذه العلاقة أو تلك ينعكس حكماً على العلاقة المقابلة. وفي أي حال، فإن زلزال الاصطفاف الفرنسي وراء الرباط كانت له نتائج اقتصادية وتجارية على العلاقة مع الجزائر.

كما أنَّ الأزمة التي يعيشها العالم في قطاع الطاقة؛ بسبب حرب الخليج الجديدة تطرح على فرنسا وعلى الأوروبيين تحديات كبرى ستكون إحدى نتائجها إعادة النظر في العلاقات مع الجزائر. ولا شك أن عفواً رئاسياً جزائرياً عن الصحافي الفرنسي سيكون مؤشراً قوياً إلى ما وصلت إليه العلاقات الجديدة بين الجانبين.


مقالات ذات صلة

الجزائر تواصل حربها على حرائق الغابات

شمال افريقيا حرائق مستعرة اندلعت في منطقة قالمة شرق الجزائر (الحماية المدنية)

الجزائر تواصل حربها على حرائق الغابات

أعلنت مصالح الحماية المدنية الجزائرية في بيان لها، اليوم الجمعة، عن الحالة العامة لحرائق الغطاء النباتي والمحاصيل الزراعية، المسجلة منذ أمس

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
شمال افريقيا تراجع معدل الإنجاب في البلدان المغاربية الثلاثة إلى أقل من النصف منذ السبعينات بسبب العزوف عن الإنجاب (أ.ف.ب)

التحولات الاجتماعية تهدد تونس والمغرب والجزائر بالشيخوخة

تشهد بلدان المغرب والجزائر وتونس انخفاضاً غير مسبوق في معدلات الإنجاب، تحت تأثير عوامل اقتصادية وتحولات اجتماعية، حيث يفضل كثيرون الحفاظ على «راحة البال». …

«الشرق الأوسط» (تونس)
شمال افريقيا الرئيس الجزائري مستقبلاً الاشتراكية الفرنسية سيغولين رويال في يناير الماضي (الرئاسة الجزائرية)

مرشحة لـ«رئاسيات» فرنسا تطالب بلادها بالتقارب مع الجزائر

انتقدت سيغولين رويال، مرشحةُ الانتخابات التمهيدية بالحزب الاشتراكي لانتخابات الرئاسة الفرنسية 2027، تأثر قادة البلاد بمواقف اليمين ووسائل الإعلام الموالية له...

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
شمال افريقيا صورة مركبة لرئيسي حكومتي الجزائر ومالي بمناسبة اتصال هاتفي بينهما

ترتيبات بين الجزائر وباماكو لحسم ملفات الحدود والإرهاب والمعارضة

يرتقب أن يعقد مسؤولون من الحكومتين الجزائرية والمالية اجتماعات مكثفة لترتيب زيارة رئيس الوزراء المالي عبد الله مايغا إلى الجزائر.

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
شمال افريقيا وفدا وزارتي العدل الجزائرية والفرنسية بحثا بالجزائر تسليم أعضاء «مافيا دي زاد» في مايو الماضي (وزارة العدل الجزائرية)

الجزائر تلاحق بارونين من شبكة «مافيا دي زاد» بتهم ثقيلة

وجَّه الادعاء الجزائري ثلاث تهم يشملها قانون العقوبات لعضوين قياديين من شبكة «مافيا دي زاد»، وأودعهما الحبس الاحتياطي في انتظار استكمال التحقيق.

«الشرق الأوسط» (الجزائر)

تحرير رهينة أميركي من «داعش» يفجر جدلاً في ليبيا

المبشر الأميركي خلال رحلة سابقة إلى النيجر (وسائل إعلام أميركية)
المبشر الأميركي خلال رحلة سابقة إلى النيجر (وسائل إعلام أميركية)
TT

تحرير رهينة أميركي من «داعش» يفجر جدلاً في ليبيا

المبشر الأميركي خلال رحلة سابقة إلى النيجر (وسائل إعلام أميركية)
المبشر الأميركي خلال رحلة سابقة إلى النيجر (وسائل إعلام أميركية)

خلَّف الإفراج عن المبشر الأميركي كيفن رايدوت، الذي كان محتجزاً لدى جماعة تابعة لتنظيم «داعش» في منطقة الساحل بغرب أفريقيا، جدلاً حاداً في ليبيا، بعدما أُعلن عن مساعدة السلطات في شرق البلاد، الخاضعة لسيطرة قائد الجيش الوطني المشير خليفة حفتر، في تأمين إطلاق سراحه، وسط تضارب حول طبيعة الدور الذي لعبته قواته.

وتباينت الروايات التي نقلتها وكالة «رويترز» بشأن الدور الليبي في العملية، لتتحول القضية سريعاً إلى سجال بين مؤيدي حفتر ومعارضيه، في بلد يعيش انقساماً سياسياً وعسكرياً منذ أكثر من عقد بين شرق البلاد وغربها.

وتمسك معسكر المؤيدين للجيش الوطني برواية «رويترز»، التي نقلت عن مصدر عسكري، أن «قوة نخبة من الجيش الوطني نفذت مداهمة داخل الأراضي المالية، قبل نقل رايدوت جواً إلى بنغازي».

ورغم أن الوكالة لم تتمكن من التحقق بشكل مستقل من تفاصيل الرواية، فإن الإعلام الموالي للقيادة العامة ركز عليها، باعتبارها مؤشراً على قدرة قوات حفتر على تنفيذ عمليات تتجاوز الحدود الليبية.

وقال الناشط السياسي عمر بوسعيدة، المقرب من القيادة العامة، إن الإفراج عن الرهينة يجعل المواطن الليبي «يفتخر بجيشه»، في تعبير عن الاحتفاء بالرواية التي نسبت العملية إلى قوات حفتر.

القائد العام للجيش الوطني المشير خليفة حفتر (إعلام القيادة العامة)

في المقابل، تمسكت أوساط معارضة للجيش الوطني بروايات أخرى، نقلتها «رويترز»، بينها أن الجهود الأخيرة لتأمين الإفراج عن رايدوت قادها شريف ولد طاهر، وهو رجل أعمال مالي من أصول عربية، تربطه صلات بجماعات مسلحة وشبكات تهريب في المنطقة. وقالت إحدى الروايات إن «الجانب الليبي دفع فدية مقابل إطلاق سراحه، بينما لم يتضح ما إذا كان قد جرى تبادل أموال، أو أي مقابل آخر».

وشكك الناشط فيصل الشريف، أحد معارضي القيادة العامة، في رواية تدخل قوات خاصة تابعة لحفتر، مستبعداً أن تكون قوة ليبية «تخطت النيجر وحررت رهينة أميركياً في مالي». وهكذا لم تعد قضية رايدوت مجرد عملية لتحرير رهينة، بل تحولت إلى اختبار لروايات متنافسة حول مدى نفوذ حفتر وقدرته على التحرك خارج الحدود.

وبينما تصاعد السجال، التزمت المؤسسة العسكرية في شرق ليبيا الحذر. وامتنع مسؤول عسكري بارز في الجيش الوطني عن التعليق لـ«الشرق الأوسط» على قضية الإفراج عن المبشر الأميركي، متحفظاً على الخوض في ملابساتها.

وقد يكون هذا الصمت من جانب «الجيش الوطني» مقصوداً أكثر مما يبدو، وفق محللين، رأوا أنه إذا كانت العملية تفاوضية، فإن كشف تفاصيلها قد يضر بشبكات الوساطة، التي أتاحت الوصول إلى الخاطفين. أما إذا كانت عسكرية بالفعل، فإن تأكيد تنفيذ قوة ليبية عملية داخل الأراضي المالية يفتح أسئلة سياسية وقانونية وعسكرية، تتجاوز قضية الرهينة نفسها.

وينظر إلى أهمية القضية بالنسبة إلى حفتر في علاقته بواشنطن. فهو يسعى منذ سنوات إلى تقديم قواته باعتبارها شريكاً محتملاً في مكافحة الإرهاب وتأمين الحدود، وقد أصبح، بحسب رواية «رويترز»، طرفاً في تحرير مواطن أميركي، كانت إدارة الرئيس دونالد ترمب تعدُّ استعادته أولوية أمنية.

وإذا تأكد الدور العسكري، فإن العملية ستعني، حسب مراقبين، أن القدرات الأمنية والعسكرية وشبكات العلاقات، التي بناها حفتر في جنوب ليبيا ومنطقة الساحل، تجاوزت نطاق الصراع الليبي الداخلي إلى ملف ذي صلة مباشرة بالأمن القومي الأميركي. أما إذا كان الإفراج قد تم عبر وسطاء، فإن ذلك يكشف بدوره عن شبكة علاقات غير رسمية، يمكن أن تمنح حفتر نفوذاً يتجاوز الأدوات العسكرية التقليدية.

وفي الحالتين، يرى مراقبون أن طريقة تحرير الرهينة تبدو أكثر حساسية من النتيجة نفسها. فعملية عسكرية داخل دولة أخرى تحمل دلالات قانونية وسياسية مختلفة تماماً عن اتفاق جرى عبر وسطاء محليين، كما أن كشف تفاصيل أي مسار تفاوضي قد يضر بقنوات الاتصال، التي أدت إلى إطلاق سراحه.

وكان رايدوت قد اختُطف في النيجر في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، في أثناء توجهه إلى مطار نيامي، قبل أن يُعتقد أنه نُقل إلى مالي، حيث تنشط جماعات مسلحة مرتبطة بتنظيمي «داعش» و«القاعدة».

وسبق أن وضعت إدارة ترمب استعادته بين أولوياتها في منطقة الساحل، واتخذت واشنطن خطوات لتسهيل عمليات البحث عنه، من بينها رفع عقوبات عن مسؤولين ماليين كبار، بهدف تأمين مرور الطائرات الأميركية في المجال الجوي المالي.

ولم تؤكد الولايات المتحدة دور حفتر في العملية، واكتفى ترمب بالإعراب عن تطلعه إلى الترحيب بعودة رايدوت إلى بلاده، بينما امتنعت وزارة الخارجية الأميركية عن التعليق، ولم يرد «البيت الأبيض» على طلب للتعليق بشأن مشاركة قوات حفتر، وفق ما أوردت «رويترز».

ولم يكن رايدوت مجرد مواطن أميركي وقع ضحية اختطاف عابر؛ فقد عاش في النيجر قرابة عقدين مع أسرته، وعمل طياراً لدى منظمة إنجيلية، ونقل فرقاً تبشيرية بين نيامي ومناطق أخرى، كما شارك مع زوجته في مشروعات إنسانية، شملت حفر الآبار وتوفير المياه، ومساعدة اللاجئين وبرامج محو الأمية.

وخطف ثلاثة مسلحين رايدوت من خارج منزله في نيامي، واقتادوه باتجاه منطقة تيلابيري غرب البلاد، قبل أن يُعتقد أنه نُقل إلى مالي، ووقع في أيدي جماعة مرتبطة بـ«داعش».


تصعيد جديد من المعارضة في الكونغو الديمقراطية لإحباط ترشح رئيس الدولة لولاية ثالثة

رئيس الكونغو الديمقراطية (صفحة الرئاسة على إكس)
رئيس الكونغو الديمقراطية (صفحة الرئاسة على إكس)
TT

تصعيد جديد من المعارضة في الكونغو الديمقراطية لإحباط ترشح رئيس الدولة لولاية ثالثة

رئيس الكونغو الديمقراطية (صفحة الرئاسة على إكس)
رئيس الكونغو الديمقراطية (صفحة الرئاسة على إكس)

فتحت مشاورات وتجمعات حاشدة للمعارضة في الكونغو الديمقراطية باب التصعيد لرفض مشروع قانون يسمح بتعديل الدستور والسماح بولاية ثالثة للرئيس فيليكس تشيسكيدي، في البلد الأفريقي الغارق منذ سنوات في مواجهات مسلحة مع متمردين شرقي البلاد، ويعاني منذ أشهر من تفشي وباء «الإيبولا».

واستبق تشيسكيدي تحركات المعارضة بطلب للبرلمان بإعادة المداولة بشأن القانون المثير للانتقادات بالبلاد، وهذه الخطوة يراها خبير في الشؤون الأفريقية تحدث لـ«الشرق الأوسط»، مناورة سياسية لإحباط تنامي الاحتجاجات والتصعيد الجديد من المعارضة.

وبدأ تشيسكيدي (62 عاماً) ولايته الأولى في يناير (كانون الثاني) 2019، واستمرت حتى 2023، قبل انتخابه لولاية ثانية من 2024 إلى 2029، ويُفترض أن تنتهي، وفق الدستور في نهاية عام 2028.

ويُقيد الدستور الحالي، الصادر عام 2006، الرئاسة بفترتين فقط، مدة كل منهما 5 سنوات، ما يعني عدم قدرته على الترشح لولاية ثالثة إلا بعد تعديل دستوري يتطلب موافقة أغلبية البرلمان وإجراء استفتاء شعبي، تسعى له الموالاة، وقد قوبل هذا المسار برفض واسع من المعارضة على مدار الأشهر الماضية.

وبث المساعد السابق لرئيس جمهورية الكونغو الديمقراطية وزعيم المعارضة جان مارك كابوند، السبت، لقطات عبر صفحته بـ«فيسبوك» وسط حشود، قبيل اجتماع لدراسة خيارات مواجهة عدم تحديد السلطة موعداً للحوار الوطني.

وكان ائتلاف المعارضة في جمهورية الكونغو الديمقراطية، المعروف باسم «الائتلاف 64» حدد أواخر يوليو (تموز) الماضي، مهلة تنتهي في 15 أغسطس (آب) 2026 كي يدعو تشيسكيدي رسمياً إلى حوار وطني شامل، حسب ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية» وقتها.

وحذر الائتلاف من أنه «إذا لم ينعقد في الموعد المحدد، أو بقيت التعهدات دون ترجمة ملموسة، فإنه سيدعو الكونغوليين إلى استئناف التحركات المدنية السلمية». ودعا إلى تنظيم مظاهرة حاشدة في 15 أغسطس الحالي احتجاجاً على مشروع تعديل الدستور، بعد نحو شهرين من تصعيد مماثل في يونيو (حزيران) الماضي شهد فض المظاهرات بالقوة من الشرطة.

ويرى المحلل السياسي التشادي، الخبير في الشؤون الأفريقية صالح إسحاق عيسى، أن طلب تشيسكيدي إعادة المداولة في قانون تنظيم الاستفتاء، «لا يبدو في ضوء توقيته ومضمونه تراجعاً عن مسار إعادة صياغة قواعد اللعبة السياسية، بقدر ما يبدو تراجعاً تكتيكياً ومدروساً لتخفيف الضغط وإعادة ترتيب المسار».

وجاء الطلب قبل يوم فقط من انتهاء المهلة التي حددها ائتلاف المعارضة، وتلويحه بتعبئة الشارع إذا لم يتراجع الرئيس عن مشروع الإصلاح الدستوري ويفتح حواراً وطنياً شاملاً.

ولذا يعد عيسى ذلك «عدم تراجع، خاصة أنه لم يطلب سحب قانون الاستفتاء، بل إعادته إلى البرلمان لمداولة جديدة في ضوء ملاحظات المحكمة الدستورية. وهذا الفارق مهم؛ لأن المحكمة الدستورية أقرت القانون في 28 يوليو الماضي، مع إبداء تحفظات على عدد من مواده، ما يجعل إعادة المداولة أقرب عملياً إلى تصحيح النص وإعادة تحصينه قانونياً منها إلى التخلي عن فكرة الاستفتاء».

الرئيس تشيسكيدي خلال ترؤسه اجتماعاً للحكومة (صفحة الرئاسة على إكس)

ومن المقرر أن يعود الملف إلى البرلمان خلال دورة سبتمبر (أيلول) المقبل، وهذا يراه الخبير في الشؤون الأفريقية، «يمنح الرئاسة هامشاً زمنياً لاحتواء التوتر ومراقبة ردود فعل المعارضة والشارع، لذلك يمكن اعتباره تراجعاً أمام الضغوط، وجساً للنبض السياسي أو مناورة سياسية أكثر منها تغييراً في الاتجاه أو تراجعاً عن الهدف النهائي».

«وسيترقب تشيسكيدي نبض الشارع، فإذا هدأت الاحتجاجات يمكن استئناف المسار في سبتمبر المقبل من موقع أقوى، وإذا تصاعدت يمكن استخدام إعادة المداولة كبادرة حسن نية وفتح باب التفاوض، وإذا نجح في تعديل القانون بما يبدد التحفظات القانونية، فسيكون قد حافظ على أداة أساسية لإعادة تشكيل قواعد اللعبة»، وفق عيسى.

ويضيف: «ستكون الاحتجاجات المسار الأرجح في مواجهة ترشح فيليكس تشيسكيدي لولاية ثالثة»، ويشير إلى أنه في هذه الحالة، تتعدد السيناريوهات.

وتتمثل أبرز الاحتمالات، بحسب عيسى، «في تصاعد الاحتجاجات واتساع نطاقها، ورفع مستوى التوتر بين الشارع وقوات الأمن، وقد تتجه الأزمة كذلك إلى مواجهة سياسية ومؤسساتية، مع استمرار الأغلبية البرلمانية في دعم مسار التعديل مقابل رفض المعارضة، لينتقل الصراع إلى البرلمان والمحكمة الدستورية والمؤسسات الانتخابية... والسيناريو الثالث هو الحوار والتسوية السياسية، عبر تقديم السلطة ضمانات بشأن الانتخابات المقبلة وحدود الولايات الرئاسية لاحتواء الاحتقان».


مصر والصين تعززان تعاونهما العسكري بمناورات جوية جديدة

محادثات الرئيس المصري ونظيره الصيني في بكين مايو 2024 (الرئاسة المصرية)
محادثات الرئيس المصري ونظيره الصيني في بكين مايو 2024 (الرئاسة المصرية)
TT

مصر والصين تعززان تعاونهما العسكري بمناورات جوية جديدة

محادثات الرئيس المصري ونظيره الصيني في بكين مايو 2024 (الرئاسة المصرية)
محادثات الرئيس المصري ونظيره الصيني في بكين مايو 2024 (الرئاسة المصرية)

تعزز مصر والصين تعاونهما العسكري بمناورات جوية جديدة. ووفق إفادة لوزارة الدفاع الصينية، فإن «القوات الجوية الصينية والمصرية ستجري تدريبات مشتركة بعنوان (نسور الحضارة 2026) في مصر، خلال الفترة من منتصف أغسطس (آب) الحالي إلى أوائل سبتمبر (أيلول) المقبل».

وفي مايو (أيار) الماضي، احتفلت مصر والصين بالذكرى السبعين لتأسيس علاقاتهما الدبلوماسية، التي انطلقت في 30 مايو (أيار) 1956، حين بادرت مصر لتكون أول دولة عربية وأفريقية تقيم علاقات رسمية مع الصين، فاتحة بذلك صفحة جديدة في تاريخ التعاون الدولي بين دول العالم النامي.

وقال متحدث وزارة الدفاع الصينية تشن شي، إن «التدريبات الصينية - المصرية ستركز على موضوعات مثل تكتيكات القتال الجوي، وعمليات التفوق الجوي، وعمليات البحث والإنقاذ القتالية، وتدريبات على استخدام القوات».

وأكد خلال تصريحات، الجمعة، أن هذه التدريبات المشتركة، التي تُعد النسخة الثانية من نوعها، «ستعزز الثقة المتبادلة والصداقة التاريخية، وتعمق التعاون الجوهري بين الجيشين الصيني والمصري، وتسهم في تحقيق السلام والاستقرار الإقليميين».

وأجرت مصر والصين في أبريل (نيسان) 2025، أول تدريبات جوية مشتركة تحت اسم «نسور الحضارة 2025»، على مدار أيام بإحدى القواعد الجوية المصرية، وبمشاركة عدد من الطائرات المقاتلة المتعددة المهام من مختلف الطرازات.

جانب من تدريب «نسور الحضارة 2025» في مصر (الهيئة العامة للاستعلامات بمصر)

وبحسب إفادة لـ«الهيئة العامة للاستعلامات» بمصر، حينها تم «تنفيذ عدد من المحاضرات النظرية لتوحيد المفاهيم وصقل المهارات والتنسيق على إدارة العمليات المشتركة بمختلف أساليب القتال الجوي الحديث». كما «قامت المقاتلات المتعددة المهام من الجانبين بتنفيذ العديد من الطلعات الجوية المشتركة للتدريب على مهاجمة الأهداف المعادية والدفاع عن الأهداف الحيوية بكفاءة واقتدار».

وشمل التدريب المصري - الصيني وقتها الذي اختتم في مايو 2025 «التزود بالوقود في الجو، كما نفذت مجموعة من المقاتلات المشاركة بالتدريب تشكيلاً جوياً فوق (الأهرامات) أبرز الدقة والكفاءة اللتين يتمتع بهما الطيارون من كلا الجانبين».

وأعلن الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ونظيره الصيني شي جين بينغ، في بكين، في مايو 2024 تدشين عام «الشراكة المصرية – الصينية» بمناسبة مرور 10 سنوات على إطلاق «الشراكة الاستراتيجية الشاملة».

وشهد الرئيسان حينها مراسم التوقيع على عدد من اتفاقيات ومذكرات التعاون المشترك في كثير من المجالات، ومن بينها خطة «التطوير المشترك لمبادرة (الحزام والطريق)»، وتعزيز التعاون في مجال الابتكار التكنولوجي وتكنولوجيا الاتصالات.

كما شهدت العاصمة الصينية بكين نهاية 2024 عقد الجولة الرابعة من «آلية الحوار الاستراتيجي بين مصر والصين» على مستوى وزراء الخارجية.