بعد 30 عاماً على مقتلهم... الغموض ما زال يلف قضية رهبان تيبحيرين بالجزائر

الجريمة ظلت لسنوات طويلة موضوعاً بالغ الحساسية في العلاقات بين باريس والجزائر

صورة أرشيفية للرهبان السبعة التقطت لهم عام 1996 في تيبحيرين (أ.ف.ب)
صورة أرشيفية للرهبان السبعة التقطت لهم عام 1996 في تيبحيرين (أ.ف.ب)
TT

بعد 30 عاماً على مقتلهم... الغموض ما زال يلف قضية رهبان تيبحيرين بالجزائر

صورة أرشيفية للرهبان السبعة التقطت لهم عام 1996 في تيبحيرين (أ.ف.ب)
صورة أرشيفية للرهبان السبعة التقطت لهم عام 1996 في تيبحيرين (أ.ف.ب)

يصادف السبت 30 من مايو (أيار)، ذكرى العُثور على رؤوس سبعة رهبان من تيبحيرين على طريق في الجزائر سنة 1996؛ وهو ما أثار صدمة كبيرة، في حين لا يزال الغموض يكتنف قضية مقتلهم التي يواصل القضاء الفرنسي التحقيق فيها حتى الآن، والتي تُعدّ موضوعاً بالغ الحساسية في العلاقات بين باريس والجزائر.

كانت فرنسواز بويجا، ابنة أخت أحد الضحايا، وهو الأخ بول فافر-ميفيل، تبلغ 29 عاماً عندما علمت باختطافهم عبر الراديو، ولا تزال تتذكر ذلك بوضوح بعد ثلاثة عقود. تقول بويجا لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»: «سمعتُ أن الرهبان قد اختُطفوا. وفهمت على الفور أنها كانت جماعة تيبحيرين حيث كان يعيش خالي».

صورة لواجهة دير سيدة الأطلس في تيبحيرين (أ.ف.ب)

اختُطف الرهبان السبعة من الرهبنة السيسترسية ليلة 26 -27 مارس (آذار) 1996 من دير سيدة الأطلس في تيبحيرين، في التلال المطلة على مدينة المدية الواقعة على بعد نحو 80 كيلومتراً جنوب الجزائر العاصمة. وكانت الجزائر آنذاك غارقة في الحرب الأهلية. وقد شكّل ذلك فاتحة مرحلة انتظار مؤلمة للعائلات.

جاء أول إعلان للمسؤولية بعد شهر موقّعاً من أمير الجماعة الإسلامية المسلحة، جمال زيتوني، في 26 أبريل (نيسان). وبعد شهر آخر، صدر بيان يفيد بأن الرهبان الترابيست قُتلوا ذبحاً في 21 مايو، وعُثر على رؤوسهم في 30 من الشهر، لكن لم يُعثر على جثثهم.

لا تزال العائلات تتمسك بأمل ضعيف في معرفة من قتل الرهبان، في حين أن النظرية الرسمية للسلطات الجزائرية بشأن مسؤولة الجماعة الإسلامية المسلحة تعرضت للتشكيك، خصوصاً من خلال شهادات، وإن كان يصعب إثباتها، لأعضاء سابقين في الجيش الجزائري تفيد بتورط الاستخبارات العسكرية.

* احتمال فبركة الذبح

في عام 2018، تعززت الشكوك إثر صدور تقرير لخبراء فحصوا عينات أُخذت عام 2014 من جماجم الرهبان المدفونة في تيبحيرين، ونُقلت إلى باريس عام 2016 بعد خلاف مع الجزائر. ورأى الخبراء أن فرضية حدوث الوفيات قبل تاريخها الرسمي «معقولة». وأشاروا إلى أن آثار قطع الحلق تظهر في جمجمتي راهبين فقط، وأن جميعها تظهر عليها علامات على «قطع الرأس بعد الوفاة»؛ ما أثار الشكوك حول احتمال أن يكون الذبح مفبركاً.

ومنذ تقييم الخبراء «لم تظهر أي معلومات جديدة» وفق فرنسواز بويجا، التي تؤكد أن «الأهم هو أن يظل التحقيق مفتوحاً؛ حتى تتسنى مواصلته في حال ظهور أدلة جديدة» مثل «شهادة أو دليل تم الاحتفاظ به».

من جانبها، ترى إليزابيت بونبان، شقيقة الراهب كريستوف لوبروتون، أن «كثيرين يعرفون، لكنهم لا يجرؤون على الكلام، وأنا أتفهمهم».

الرهبان السبعة اختُطفوا من الرهبنة السيسترسية ليلة 26 - 27 مارس 1996 من دير سيدة الأطلس في تيبحيرين (أ.ف.ب)

أما بالنسبة لباتريك بودوان، محامي الكثير من العائلات، فإن «ما يمنح بعض الأمل هو تحسن العلاقات بين فرنسا والجزائر. ففي كل مرة تتحسن فيها العلاقات، تظهر بعض الانفتاحات الصغيرة».

ويأمل المحامي الذي تحدث قبل بضعة أشهر مع قاضي التحقيق الجديد المسؤول عن القضية، أن يتم تنفيذ «الإنابة القضائية الدولية الصادرة في عام 2022، لعقد جلسات استماع، وإجراء المزيد من التحقيقات في الموقع».

* «رسالة إنسانية»

خلال زيارته للجزائر في 18 مايو الماضي، طلب وزير العدل الفرنسي جيرالد دارمانان شخصياً من نظيره الموافقة على زيارة القضاة، حسبما صرحت وزارة العدل لـ«وكالة الصحافة الفرنسية». وقد رحب المحامي بودوان بهذا «الخبر السار».

ورغم مرور كل هذه السنوات الطويلة، لا تزال رسالة الرهبان الذين ألهم مصيرهم المأسوي فيلماً حمل توقيع المخرج كزافييه بوفوا سنة 2010، وفاز بالجائزة الكبرى في مهرجان كان السينمائي، حاضرة في الأذهان. فقد كان الرهبان الذين رفضوا المغادرة رغم انعدام الأمن، يتشاركون الخضر التي كانوا يزرعونها في حديقتهم مع السكان المحليين، في حين كان الأخ لوك يقدّم لهؤلاء العلاج الطبي.

دير سيدة الأطلس في تيبحيرين حيث تم اختطاف الرهبان السبعة (أ.ف.ب)

وتراوحت أعمارهم بين 45 و82 عاماً عند مقتلهم، وتم تطويبهم في أواخر عام 2018 في وهران، إلى جانب اثني عشر راهباً آخر قُتلوا في الجزائر خلال «العشرية السوداء» للحرب الأهلية، التي أودت بنحو 200 ألف شخص بين عامي 1992 و2002.

الغموض ما زال يلف قضية رهبان تيبحيرين بالجزائر رغم مرور 30 عاماً على مقتلهم (أ.ف.ب)

تقول فرنسواز بويجا: «كانت رسالتهم رسالة أخوّة وسلام وإنسانية ومصالحة مع الجزائر؛ لأنهم أحبوا العيش جنباً إلى جميع الجزائريين، وكانوا ملتزمين البقاء حتى النهاية تضامناً مع جيرانهم. هؤلاء الرهبان العاديون يعلموننا أنه حتى في الأمور العادية يمكننا تحقيق أشياء استثنائية؛ ولهذا السبب أعتقد أن اغتيالهم أثّر في الكثيرين».

بدورها، تقول إليزابيت بونبان: «كان كل هذا واضحاً في رسائلهم: لم يكن بإمكانهم المغادرة، وقد أصبحوا يقبلون الموت بدافع الحب لأولئك الذين التقوا بهم».


مقالات ذات صلة

الجزائر: مقصلة «المال الفاسد» تلتهم مزيداً من المترشحين للبرلمان

شمال افريقيا من جلسة سابقة لمصادقة النواب على قانون الانتخابات (البرلمان)

الجزائر: مقصلة «المال الفاسد» تلتهم مزيداً من المترشحين للبرلمان

تواجه الأحزاب الجزائرية المشاركة بانتخابات البرلمان المقررة في الثاني من يوليو المقبل صعوبات كبيرة باستخلاف العشرات من مرشحيها

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
شمال افريقيا حريق في أوزلاقن بمنطقة القبائل سنة 2021 (الحماية المدنية)

الجزائر تغلق غاباتها هذا الصيف

أثبتت الخطة الوقائية نجاحها العام الماضي؛ بعدما تراجعت المساحات المحروقة بنسبة قياسية بلغت 91 في المائة، وهو إنجاز تسعى السلطات الجزائرية للحفاظ عليه وتطويره...

«الشرق الأوسط» (الجزئر)
رياضة عربية منتخب الجزائر يستعد لكأس العالم (رويترز)

منتخب الجزائر يفتح تدريباته أمام الجماهير قبل سفره للمونديال

أكد الاتحاد الجزائري لكرة القدم أن مران المنتخب الأول الذي يستعد للمشاركة في نهائيات كأس العالم 2026، المقرر الأحد المقبل، سيكون مفتوحاً أمام الجماهير.

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
شمال افريقيا جلسة برلمانية أثناء مناقشة قانون المالية لسنة 2026 (مجلس الأمة)

الجزائر تلجأ لـ«تقشف ذكي» في 2027 للحفاظ على السلم الاجتماعي

بدأت الجزائر التحضير لميزانيتها العامة لعام 2027 وحددت أولوياتها الأساسية ورسمت الخطوط العريضة والمحاور الاستراتيجية والأولويات، التي يتعين على كل قطاع مراعاتها

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
شمال افريقيا الرئيس الجزائري مستقبلاً وزير العدل الفرنسي (الرئاسة الجزائرية)

مسؤول فرنسي يكشف أسرار خريطة الطريق الجديدة للتعاون القضائي مع الجزائر

تحدث وزير العدل الفرنسي، جيرالد دارمانان، عن كواليس اللقاءات والملفات الساخنة التي بحثها خلال زيارة الجزائر قبل أسبوع.

«الشرق الأوسط» (الجزائر)

الزاوية الليبية تلوّح بـ«حراك شعبي» لوقف فوضى الميليشيات

قوات تابعة لـ«اللواء 25 مشاة» خلال انتشار أمني في الزاوية الشهر الحالي (الصفحة الرسمية للواء)
قوات تابعة لـ«اللواء 25 مشاة» خلال انتشار أمني في الزاوية الشهر الحالي (الصفحة الرسمية للواء)
TT

الزاوية الليبية تلوّح بـ«حراك شعبي» لوقف فوضى الميليشيات

قوات تابعة لـ«اللواء 25 مشاة» خلال انتشار أمني في الزاوية الشهر الحالي (الصفحة الرسمية للواء)
قوات تابعة لـ«اللواء 25 مشاة» خلال انتشار أمني في الزاوية الشهر الحالي (الصفحة الرسمية للواء)

لوّحت أطراف قبلية في مدينة الزاوية، الواقعة غرب ليبيا، بإمكانية تحوّل الغضب الشعبي المتصاعد إلى «حراك» منظم ضد نفوذ الميليشيات المسلحة، وذلك عقب يوم دامٍ من الاشتباكات بين فصائل متناحرة، أسفر عن مقتل 3 أشخاص وإصابة آخرين، وأعاد مشاهد الفوضى الأمنية إلى المدينة الساحلية.

وشهدت الزاوية هدوءاً هشاً، الجمعة، بعد تدخل «اللواء 25 مشاة» بقيادة محمود بن رجب، وفق ناشط محلي تحدث لـ«الشرق الأوسط»، فضل عدم ذكر اسمه، غداة اشتباكات مسلحة اندلعت داخل أحياء سكنية في ثاني أيام عيد الأضحى، وسط صمت حكومي أثار انتقادات محلية، فيما اضطر السكان إلى التزام منازلهم خشية تجدّد المواجهات.

ورغم تحذيرات سابقة من بعثة الأمم المتحدة، فقد اندلعت الشرارة الأولى لتلك المواجهات، الخميس، عقب مقتل محمد عريبي، أحد عناصر ميليشيا ما يعرف بـ«جهاز مكافحة التهديدات الأمنية» بقيادة محمد بحرون (الفار)، برصاص مجموعة مسلحة مناوئة لها، قبل أن تتوسع دائرة الاشتباكات وتؤدي أيضاً إلى مقتل محفوظ المغيربي وسمير حويل، بحسب وسائل إعلام محلية وشهود عيان قالوا إن التحشيدات المسلحة لا تزال مستمرة حتى، الجمعة.

سيارة محترقة في جنزور بالعاصمة طرابلس (جهاز الدعم والإسناد الأمني)

وتأتي هذه التطورات بعد أيام من تشييع 4 قتلى، سقطوا جراء «رصاص عشوائي» في المدينة، بينما أُعلن الثلاثاء عن مقتل شخص خامس، ما زاد من حالة الاحتقان، ورفع منسوب التحشيد بين الفصائل المسلحة.

لكن اللافت هذه المرة هو تصاعد الدعوات المحلية لمواجهة حالة الانفلات الأمني عبر تحرك شعبي؛ إذ قال عضو مجلس أعيان الزاوية، الهاشمي دخيل، إن المدينة قد تشهد بدءاً من السبت «حراكاً من الأهالي للانتفاض على الأوضاع الجارية ورفض استمرار الفوضى»، وفقاً لما نقلت عنه وسائل إعلام محلية، مبرزاً أن «الحرب لن تتوقف طالما استمر المسؤولون في التأقلم مع فوضى المدينة»، ومعتبراً أن ما جرى الخميس جاء «رداً على اغتيال عريبي»، في إشارة إلى استمرار منطق الثأر والانتقام بين المجموعات المسلحة.

ويرى متابعون أن الحديث عن «حراك شعبي» يعكس تنامي حالة السخط داخل الزاوية، التي تحولت خلال السنوات الماضية إلى واحدة من أبرز بؤر الصراع المسلح غرب ليبيا، في ظل تنافس فصائل نافذة على النفوذ ومصادر التمويل.

بدوره، اعتبر القيادي العسكري السابق في عملية «بركان الغضب»، ناصر عمار، أن ما يحدث في الزاوية يستدعي «وقوف أهل الزاوية يداً واحدة لرفض هذا العبث، والمطالبة برفع الغطاء القانوني والشرعي عن المتورطين في الفوضى».

ورغم الحديث عن «الحراك الشعبي» بوصفه حاضنة اجتماعية محتملة لمواجهة حالة الفوضى، يرى الباحث الليبي المتخصص في الشؤون الأمنية، فيصل أبو الرايقة، أن «فوضى الميليشيات في مدينة الزاوية تبدو ملفاً شديد التعقيد والتشابك»، وقال لـ«الشرق الأوسط» إن «تداخل عوامل داخلية وخارجية أسهم في ترسيخ نفوذ تلك الفصائل، في ظل هشاشة سيطرة السلطات بغرب ليبيا، إلى جانب وجود شبكات واسعة لتهريب النفط والبشر تستفيد من حالة الانفلات القائم».

وتضم الزاوية إحدى كبرى مصافي النفط في ليبيا، كما تُعرف بأنها نقطة رئيسية لتهريب الوقود، وانطلاق قوارب الهجرة غير النظامية نحو أوروبا، وهو ما يجعلها ذات أهمية أمنية واقتصادية بالغة.

وتكشف التطورات الميدانية الأخيرة أن دعوة الأمم المتحدة، التي أطلقت مطلع الأسبوع، إلى جميع الأطراف بضرورة تغليب لغة الحوار في مدينة الزاوية، وخفض حدة التصعيد خلال فترة العيد، «لم تلقَ استجابة تُذكر من جانب التشكيلات المسلحة على الأرض».

عناصر تابعة لميليشيا ما تعرف بـ«مكافحة التهديدات الأمنية» في الزاوية (الصفحة الرسمية للمجموعة المسلحة)

وكانت مبعوثة الأمم المتحدة، هانا تيتيه، قد أعربت عن «بالغ القلق» إزاء استمرار حشد الجماعات المسلحة، وتزايد حوادث الاغتيال في المدينة، محذّرة من أن الوضع «ينذر بموجة جديدة من العنف، ويُعرّض المدنيين لمخاطر متصاعدة». وأكدت أن استمرار التنافس بين الفصائل المسلحة على النفوذ والسيطرة على الموارد «لا يزال يقوّض الأمن ويضعف مؤسسات الدولة»، في إشارة إلى عمق الأزمة وتعقيدات المشهد الأمني بالمنطقة.

ورغم تعهد رئيس حكومة «الوحدة الوطنية»، عبد الحميد الدبيبة، مراراً بالعمل على تفكيك المجموعات المسلحة وبسط سلطة الدولة، يرى مراقبون أن «المشهد لا يزال يخضع لتوازنات معقدة تقوم على إعادة ترتيب الولاءات أكثر من إنهاء نفوذ الفصائل».

وفي مؤشر على الجدل المتواصل بشأن علاقة السلطة بالمجموعات المسلحة، كان الدبيبة قد استضاف خلال رمضان الماضي، عدداً من قادة التشكيلات البارزة في الزاوية على مأدبة إفطار رسمية، في خطوة أثارت انتقادات واسعة آنذاك.

وفي حادث منفصل يعكس استمرار الفوضى الأمنية غرب طرابلس، أفادت وسائل إعلام محلية، الخميس، بمقتل شابين في منطقة المشاشطة، جنوب جنزور، إثر انفجار قنبلة يدوية داخل سيارة كانا يستقلانها.


ليبيا تواجه «العطش الصامت» وسط الانقسام واستنزاف الموارد المائية

مياه تتدفق من إحدى آبار المياه في النهر الاصطناعي (الصفحة الرسمية لجهاز إدارة النهر في بنغازي)
مياه تتدفق من إحدى آبار المياه في النهر الاصطناعي (الصفحة الرسمية لجهاز إدارة النهر في بنغازي)
TT

ليبيا تواجه «العطش الصامت» وسط الانقسام واستنزاف الموارد المائية

مياه تتدفق من إحدى آبار المياه في النهر الاصطناعي (الصفحة الرسمية لجهاز إدارة النهر في بنغازي)
مياه تتدفق من إحدى آبار المياه في النهر الاصطناعي (الصفحة الرسمية لجهاز إدارة النهر في بنغازي)

تحولت جالونات التخزين وزجاجات المياه إلى واقع معتاد داخل كثير من المنازل الليبية، باعتبارها حلاً اضطرارياً للتكيف مع أزمة مياه مزمنة، تتفاقم في واحدة من أكثر دول العالم معاناة من ندرة الموارد المائية.

ورغم ثروتها النفطية تواجه ليبيا ما وصفه متخصصون بـ«عطش صامت» مع اعتماد شبه كامل على المياه الجوفية، واستنزاف متواصل لمخزون النهر الاصطناعي، وسط تداعيات الانقسام السياسي والتغيرات المناخية، وتهالك البنية التحتية المائية، ما يفاقم أزمة المياه ويهدد الأمن المائي للبلاد مستقبلاً.

وتشير تقديرات رسمية إلى أن حصة الفرد الليبي من المياه المتجددة لا تتجاوز 120 متراً مكعباً سنوياً، مقابل 500 متر مكعب كحد عالمي للفقر المائي، في وضع يصفه رئيس فريق «الاستراتيجية الوطنية للأمن المائي» بالمجلس الوطني للتطوير الاقتصادي والاجتماعي الدكتور بشير نوير، بأنه «خطير».

الدبيبة خلال إطلاق الاستراتيجية الوطنية للأمن المائي بطرابلس في 21 أبريل الماضي (مكتب الدبيبة)

وعزا نوير، في حديث لـ«الشرق الأوسط»، عدم شعور أغلب الليبيين بخطورة الأزمة إلى «اعتماد البلاد بنسبة تزيد على 90 في المائة على المياه الجوفية»، محذراً من أن استمرار الحفر العشوائي للآبار واستنزاف الموارد المحدودة، بالتزامن مع النمو السكاني والتوسع العمراني، يهدد بتفاقم أزمة المياه خلال السنوات المقبلة، خاصة مع تداعيات التغيرات المناخية وتراجع معدلات الأمطار وارتفاع نسب التبخر والجفاف. وأشار إلى أن «القطاع الزراعي يستهلك نحو 85 في المائة من الموارد المائية، في حين يُهدر أكثر من نصفها بفعل تهالك شبكات الري وضعف كفاءتها، إلى جانب فقدان أكثر من 30 في المائة من المياه داخل شبكات المدن، واستمرار الاعتداءات والوصلات غير القانونية على منظومة النهر الاصطناعي».

وفي محاولة لمعالجة الأزمة، اعتمدت حكومة «الوحدة الوطنية» في طرابلس الشهر الماضي «الاستراتيجية الوطنية للأمن المائي 2026 - 2050»، باعتبارها إطاراً شاملاً يهدف إلى ضمان توفير مياه نظيفة وآمنة، وتحقيق الاستدامة المائية على المدى الطويل. لكن هذه الخطوة لم تمر بعيداً عن الجدل السياسي؛ إذ رأى معارضون أنها قد تصطدم بواقع الانقسام السياسي والمؤسسي الذي تعيشه البلاد منذ سنوات، في وقت تتنافس فيه حكومتان على إدارة السلطة والموارد.

ووصف عضو المجلس الأعلى للدولة، محمد معزب، الاستراتيجية بأنها «مشروع دعائي»، متسائلاً عن مدى إمكانية نجاحها في ظل غياب سلطة موحدة، ومؤسسات قادرة على تنفيذ مشروعات البنية التحتية المرتبطة بقطاع المياه، مثل محطات التحلية وشبكات الصرف والكهرباء.

وقال معزب، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، إن «الخطط بعيدة المدى وحدها لا تكفي لمعالجة ملف سيادي بهذا الحجم، في حين تستمر حالة الانقسام السياسي، وتبادل الاتهامات بين الحكومتين بشأن تدهور الأوضاع». واعتبر أن «العامل المشترك الوحيد بين السلطتين هو التنافس على عوائد النفط، مع توظيف بعض المشروعات الكبرى إعلامياً لتعزيز النفوذ السياسي، في حين يظل التنفيذ الفعلي أقل كثيراً من مستوى التحديات».

وتعيش ليبيا انقساماً سياسياً بين حكومة «الوحدة الوطنية» برئاسة عبد الحميد الدبيبة في طرابلس، وحكومة أخرى مكلفة من البرلمان برئاسة أسامة حماد، تدير شرق البلاد وبعض مناطق الجنوب بدعم من القائد العام لـ«الجيش الوطني» المشير خليفة حفتر.

عناصر في كتيبة عسكرية مكلفة بحماية النهر الاصطناعي (الصفحة الرسمية للكتيبة)

من جانبه، رأى نائب رئيس «المؤتمر الوطني» السابق، صالح المخزوم، أن توقيت إطلاق الاستراتيجية الحكومية لا ينفصل عن الحراك الأممي والدولي، الداعي إلى تشكيل سلطة تنفيذية موحدة للبلاد.

وأشار المخزوم لـ«الشرق الأوسط» إلى أن ملف المياه ظل مهمشاً منذ عام 2011، بسبب انشغال القوى السياسية بالصراع على السلطة، ما أدى إلى تأجيل معالجة كثير من الملفات الاستراتيجية التي يدفع المواطن الليبي ثمنها يومياً.

وأضاف أن التعاطي الرسمي مع أزمة المياه اقتصر في أغلب الأحيان على التنديد، أو التفاوض مع مجموعات مسلحة أوقفت ضخ المياه عن بعض المدن، في إطار ضغوط سياسية أو مطالب محلية.

ومنذ سقوط نظام العقيد معمر القذافي قبل أكثر من 15 عاماً، يواجه «النهر الاصطناعي» الليبي، المصمم لنقل مياه الجنوب إلى مدن الشمال، تحديات متصاعدة بسبب الاعتداءات والتسربات، وتراجع كفاءة التوزيع. ورغم امتداد شبكته لآلاف الكيلومترات منذ وصوله إلى طرابلس عام 1996، فإنه لا يغطي مناطق واسعة، ما عزز انتشار تجارة المياه.

وفي مقابل الانتقادات للاستراتيجية الحكومية الجديدة، يدافع القائمون عليها عن ضرورتها، مؤكدين أنها تستهدف تعزيز قدرة ليبيا على الصمود في مواجهة التغير المناخي، وضمان وصول المياه الصحية بشكل عادل وآمن إلى جميع المدن.

وأكد الدكتور بشير نوير أن الاستراتيجية لا تستهدف رفع أسعار المياه كما يُشاع، بل تركز على تنويع مصادر الإمداد والتوسع في الموارد البديلة، وعلى رأسها تحلية مياه البحر، مستفيدة من الساحل الليبي الممتد لنحو 1850 كيلومتراً على البحر المتوسط.

بدورها، لم تستبعد الباحثة الجيولوجية وعضوة مشروع تطوير الاستراتيجية، ياسمين الأحمر، أن يؤدي نجاح الخطة إلى تخفيف الضغوط المعيشية على الأسر الليبية، عبر تقليص تكاليف شراء المياه والحد من مشقة نقلها وتخزينها، إضافة إلى تقليل الاعتماد على العبوات البلاستيكية.

وأوضحت لـ«الشرق الأوسط» أن ملوحة مياه الصنبور في بعض المناطق تدفع كثيراً من الأسر إلى شراء المياه المعبأة يومياً للشرب والطهي، إلى جانب الاعتماد على الفلاتر المنزلية أو محطات التحلية التابعة للمساجد للحصول على مياه صالحة للاستخدام.

وخلصت الأحمر إلى أن «تطبيق الاستراتيجية قد يسهم في زيادة عدد وكفاءة محطات التحلية، وتوفير مياه نظيفة بشكل أوسع»، لكنها شددت على أن «نجاح أي خطة طويلة المدى يبقى مرهوناً بتوافر الاستقرار السياسي واستمرار الدعم الحكومي، في بلد تتغير فيه الأولويات بتغير الحكومات».


الاضطرابات الإقليمية تنعش الموانئ المصرية... وتهبط بإيرادات قناة السويس

طفرة لافتة بحركة الموانئ المصرية في الأشهر الأخيرة (وزارة النقل المصرية)
طفرة لافتة بحركة الموانئ المصرية في الأشهر الأخيرة (وزارة النقل المصرية)
TT

الاضطرابات الإقليمية تنعش الموانئ المصرية... وتهبط بإيرادات قناة السويس

طفرة لافتة بحركة الموانئ المصرية في الأشهر الأخيرة (وزارة النقل المصرية)
طفرة لافتة بحركة الموانئ المصرية في الأشهر الأخيرة (وزارة النقل المصرية)

رغم خسائر قناة السويس؛ جراء التوترات والاضطرابات الإقليمية خلال السنوات الأخيرة، بداية من حرب غزة وحتى الحرب الإيرانية، فإنَّ تلك الاضطرابات أسهمت في المقابل بـ«طفرة» لافتة في حركة الموانئ، وتجارة الترانزيت.

لكن معدلات النمو المرتفعة في حركة تداول الحاويات بالموانئ المصرية، لا تعوِّض خسائر قناة السويس، وفق اقتصاديون مصريون، أشاروا إلى أنَّ «الإجراءات التي تتخذها الحكومة المصرية، ومن بينها توطين تجارة الترانزيت، قد تسهم فقط في تقليل فجوة الخسائر».

ونهاية أبريل (نيسان) الماضي، قال الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، إن بلاده خسرت نحو 10 مليارات دولار من إيرادات قناة السويس؛ بسبب الهجمات على السفن في مضيق باب المندب.

وشهدت الموانئ المصرية حراكاً خلال الفترة الأخيرة، على وقع أزمة سلاسل الإمداد التي سبَّبتها الحرب على إيران، بعد زيادة خطوط الربط الملاحي مع دول المنطقة، ومن بينها تدشين ممر لوجستي «نيوم - سفاجا»، متعدد الوسائط يربط بين دول التعاون الخليجي وأوروبا.

كما عزَّزت الحكومة المصرية من الربط بين دول التعاون الخليجي وأوروبا، عبر الخط الملاحي «الرورو» الذي يربط بين ميناء دمياط ومينا تريستا الإيطالي؛ لزيادة حجم التجارة.

وعلى صعيد إمدادات الطاقة، ارتفعت تدفقات النفط عبر خط أنابيب «سوميد» في مصر، بعد أزمة سلاسل إمداد الطاقة، الناتجة عن غلق مضيق «هرمز».

إنفوغراف يوضِّح تطور دور الموانئ المصرية في حركة التجارة العالمية (وزارة النقل)

يقول الدكتور عمرو السمدوني، سكرتير عام شعبة النقل الدولي واللوجستيات بغرفة القاهرة التجارية، إن الاضطرابات الأخيرة التي شهدها مضيق هرمز «عزَّزت من مكانة مصر مركزاً إقليمياً للخدمات اللوجستية وإدارة سلاسل الإمداد».

وأوضح السمدوني، في بيان، أن هذا التطور «يمنح مصر فرصةً مهمةً لتعويض جزء من تراجع إيرادات قناة السويس، عبر جذب حصة من الشحنات العاجلة التي لا تتحمَّل فترات تأخير طويلة، خصوصاً في القطاعات المرتبطة بالتجارة السريعة، وسلاسل الإمداد الحساسة للوقت».

وبحسب إفادة لوزارة النقل المصرية، أصدرتها الخميس، فإنَّ قطاع الموانئ حقَّق طفرةً كبيرةً في نسب تداول البضائع والحاويات، وبلغ حجم تداول الحاويات المكافئة بالموانئ 11.1 مليون حاوية في عام 2025، مقارنة بنحو 8.9 مليون حاوية في عام 2024، بنسبة نمو 24.3 في المائة.

وحقَّقت الموانئ المصرية نمواً في نسب تداول حاويات الترانزيت، لتبلغ 6.7 مليون حاوية عام 2025، بنسبة نمو 36 في المائة، كما ارتفع عدد السفن المترددة ليصل إلى 17288 رحلة عام 2025، بنسبة نمو 6.6 في المائة، كما أشار بيان الوزارة.

وتمتلك مصر خريطةً من الموانئ البحرية، في البحرَين الأحمر والمتوسط، وتستهدف تطويرها لتحسين دورها في التجارة البينية والدولية. وقالت وزارة النقل: «إن عملية تطوير الموانئ المصرية كافة تستهدف تحويل مصر إلى مركز إقليمي للنقل واللوجستيات وتجارة الترانزيت، وزيادة قدرة تلك الموانئ على جذب الاستثمارات، واستيعاب النمو المتزايد في حركة التجارة».

الموانئ المصرية تحقِّق نمواً في نسب تداول حاويات الترانزيت (وزارة النقل المصرية)

ورغم التحسُّن في حركة الموانئ، فإنَّه «لا يمكن أن يعوِّض خسائر قناة السويس»، وفق عضو الجمعية المصرية للاقتصاد والتشريع، وليد جاب الله، الذي قال: «إن عوائد حركة التجارة وتداول الحاويات، يمكن أن تقلل من الخسائر لكن لا تعوِّضها كاملةً»، مشيراً إلى أنَّ «تعافي حركة الملاحة بالقناة لم يصل إلى المستويات الطبيعية، السابقة للحرب على غزة».

ويرى جاب الله، في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، أن «استمرار حالة عدم الاستقرار الإقليمي يصعِّب تعافي الملاحة بقناة السويس».

من جهته، يرى الخبير الاقتصادي المصري مصطفى بدره، أنه لا يمكن الربط في العوائد بين قناة السويس، وتجارة الموانئ، مشيراً إلى أنه «لا بديل عن القناة بوصفها مورداً مالياً للعملة الصعبة، لأنَّ مردود حركة التجارة عبر الموانئ أقل بكثر من إيرادات القناة في ظروفها الطبيعية».

وأضاف بدره، في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»: «التطوير الذي تقوم به الحكومة المصرية في الموانئ، يستهدف رفع قدراتها اللوجستية، بما يعزِّز من دور قناة السويس محوراً تجارياً عالمياً، ويعود بالنفع بشكل أساسي على حركة التجارة الداخلية بمصر، بعكس قناة السويس التي تُشكِّل شرياناً مهماً مؤثراً في سلاسل الإمداد العالمية».

وتقدَّمت مصر 3 مراكز في مؤشر الربط بالخطوط الملاحية المنتظمة، في تصنيف منظمة الأمم المتحدة للتجارة والتنمية (الأونكتاد)، لتصل إلى المركز الـ19 عالمياً، والأول أفريقياً، والثاني عربياً، وفق وزارة النقل المصرية.