ليبيا تواجه «العطش الصامت» وسط الانقسام واستنزاف الموارد المائية

أزمة المياه المزمنة تتفاقم في واحدة من أكثر دول العالم معاناة من ندرة الموارد المائية

مياه تتدفق من إحدى آبار المياه في النهر الاصطناعي (الصفحة الرسمية لجهاز إدارة النهر في بنغازي)
مياه تتدفق من إحدى آبار المياه في النهر الاصطناعي (الصفحة الرسمية لجهاز إدارة النهر في بنغازي)
TT

ليبيا تواجه «العطش الصامت» وسط الانقسام واستنزاف الموارد المائية

مياه تتدفق من إحدى آبار المياه في النهر الاصطناعي (الصفحة الرسمية لجهاز إدارة النهر في بنغازي)
مياه تتدفق من إحدى آبار المياه في النهر الاصطناعي (الصفحة الرسمية لجهاز إدارة النهر في بنغازي)

تحولت جالونات التخزين وزجاجات المياه إلى واقع معتاد داخل كثير من المنازل الليبية، باعتبارها حلاً اضطرارياً للتكيف مع أزمة مياه مزمنة، تتفاقم في واحدة من أكثر دول العالم معاناة من ندرة الموارد المائية.

ورغم ثروتها النفطية تواجه ليبيا ما وصفه متخصصون بـ«عطش صامت» مع اعتماد شبه كامل على المياه الجوفية، واستنزاف متواصل لمخزون النهر الاصطناعي، وسط تداعيات الانقسام السياسي والتغيرات المناخية، وتهالك البنية التحتية المائية، ما يفاقم أزمة المياه ويهدد الأمن المائي للبلاد مستقبلاً.

وتشير تقديرات رسمية إلى أن حصة الفرد الليبي من المياه المتجددة لا تتجاوز 120 متراً مكعباً سنوياً، مقابل 500 متر مكعب كحد عالمي للفقر المائي، في وضع يصفه رئيس فريق «الاستراتيجية الوطنية للأمن المائي» بالمجلس الوطني للتطوير الاقتصادي والاجتماعي الدكتور بشير نوير، بأنه «خطير».

الدبيبة خلال إطلاق الاستراتيجية الوطنية للأمن المائي بطرابلس في 21 أبريل الماضي (مكتب الدبيبة)

وعزا نوير، في حديث لـ«الشرق الأوسط»، عدم شعور أغلب الليبيين بخطورة الأزمة إلى «اعتماد البلاد بنسبة تزيد على 90 في المائة على المياه الجوفية»، محذراً من أن استمرار الحفر العشوائي للآبار واستنزاف الموارد المحدودة، بالتزامن مع النمو السكاني والتوسع العمراني، يهدد بتفاقم أزمة المياه خلال السنوات المقبلة، خاصة مع تداعيات التغيرات المناخية وتراجع معدلات الأمطار وارتفاع نسب التبخر والجفاف. وأشار إلى أن «القطاع الزراعي يستهلك نحو 85 في المائة من الموارد المائية، في حين يُهدر أكثر من نصفها بفعل تهالك شبكات الري وضعف كفاءتها، إلى جانب فقدان أكثر من 30 في المائة من المياه داخل شبكات المدن، واستمرار الاعتداءات والوصلات غير القانونية على منظومة النهر الاصطناعي».

وفي محاولة لمعالجة الأزمة، اعتمدت حكومة «الوحدة الوطنية» في طرابلس الشهر الماضي «الاستراتيجية الوطنية للأمن المائي 2026 - 2050»، باعتبارها إطاراً شاملاً يهدف إلى ضمان توفير مياه نظيفة وآمنة، وتحقيق الاستدامة المائية على المدى الطويل. لكن هذه الخطوة لم تمر بعيداً عن الجدل السياسي؛ إذ رأى معارضون أنها قد تصطدم بواقع الانقسام السياسي والمؤسسي الذي تعيشه البلاد منذ سنوات، في وقت تتنافس فيه حكومتان على إدارة السلطة والموارد.

ووصف عضو المجلس الأعلى للدولة، محمد معزب، الاستراتيجية بأنها «مشروع دعائي»، متسائلاً عن مدى إمكانية نجاحها في ظل غياب سلطة موحدة، ومؤسسات قادرة على تنفيذ مشروعات البنية التحتية المرتبطة بقطاع المياه، مثل محطات التحلية وشبكات الصرف والكهرباء.

وقال معزب، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، إن «الخطط بعيدة المدى وحدها لا تكفي لمعالجة ملف سيادي بهذا الحجم، في حين تستمر حالة الانقسام السياسي، وتبادل الاتهامات بين الحكومتين بشأن تدهور الأوضاع». واعتبر أن «العامل المشترك الوحيد بين السلطتين هو التنافس على عوائد النفط، مع توظيف بعض المشروعات الكبرى إعلامياً لتعزيز النفوذ السياسي، في حين يظل التنفيذ الفعلي أقل كثيراً من مستوى التحديات».

وتعيش ليبيا انقساماً سياسياً بين حكومة «الوحدة الوطنية» برئاسة عبد الحميد الدبيبة في طرابلس، وحكومة أخرى مكلفة من البرلمان برئاسة أسامة حماد، تدير شرق البلاد وبعض مناطق الجنوب بدعم من القائد العام لـ«الجيش الوطني» المشير خليفة حفتر.

عناصر في كتيبة عسكرية مكلفة بحماية النهر الاصطناعي (الصفحة الرسمية للكتيبة)

من جانبه، رأى نائب رئيس «المؤتمر الوطني» السابق، صالح المخزوم، أن توقيت إطلاق الاستراتيجية الحكومية لا ينفصل عن الحراك الأممي والدولي، الداعي إلى تشكيل سلطة تنفيذية موحدة للبلاد.

وأشار المخزوم لـ«الشرق الأوسط» إلى أن ملف المياه ظل مهمشاً منذ عام 2011، بسبب انشغال القوى السياسية بالصراع على السلطة، ما أدى إلى تأجيل معالجة كثير من الملفات الاستراتيجية التي يدفع المواطن الليبي ثمنها يومياً.

وأضاف أن التعاطي الرسمي مع أزمة المياه اقتصر في أغلب الأحيان على التنديد، أو التفاوض مع مجموعات مسلحة أوقفت ضخ المياه عن بعض المدن، في إطار ضغوط سياسية أو مطالب محلية.

ومنذ سقوط نظام العقيد معمر القذافي قبل أكثر من 15 عاماً، يواجه «النهر الاصطناعي» الليبي، المصمم لنقل مياه الجنوب إلى مدن الشمال، تحديات متصاعدة بسبب الاعتداءات والتسربات، وتراجع كفاءة التوزيع. ورغم امتداد شبكته لآلاف الكيلومترات منذ وصوله إلى طرابلس عام 1996، فإنه لا يغطي مناطق واسعة، ما عزز انتشار تجارة المياه.

وفي مقابل الانتقادات للاستراتيجية الحكومية الجديدة، يدافع القائمون عليها عن ضرورتها، مؤكدين أنها تستهدف تعزيز قدرة ليبيا على الصمود في مواجهة التغير المناخي، وضمان وصول المياه الصحية بشكل عادل وآمن إلى جميع المدن.

وأكد الدكتور بشير نوير أن الاستراتيجية لا تستهدف رفع أسعار المياه كما يُشاع، بل تركز على تنويع مصادر الإمداد والتوسع في الموارد البديلة، وعلى رأسها تحلية مياه البحر، مستفيدة من الساحل الليبي الممتد لنحو 1850 كيلومتراً على البحر المتوسط.

بدورها، لم تستبعد الباحثة الجيولوجية وعضوة مشروع تطوير الاستراتيجية، ياسمين الأحمر، أن يؤدي نجاح الخطة إلى تخفيف الضغوط المعيشية على الأسر الليبية، عبر تقليص تكاليف شراء المياه والحد من مشقة نقلها وتخزينها، إضافة إلى تقليل الاعتماد على العبوات البلاستيكية.

وأوضحت لـ«الشرق الأوسط» أن ملوحة مياه الصنبور في بعض المناطق تدفع كثيراً من الأسر إلى شراء المياه المعبأة يومياً للشرب والطهي، إلى جانب الاعتماد على الفلاتر المنزلية أو محطات التحلية التابعة للمساجد للحصول على مياه صالحة للاستخدام.

وخلصت الأحمر إلى أن «تطبيق الاستراتيجية قد يسهم في زيادة عدد وكفاءة محطات التحلية، وتوفير مياه نظيفة بشكل أوسع»، لكنها شددت على أن «نجاح أي خطة طويلة المدى يبقى مرهوناً بتوافر الاستقرار السياسي واستمرار الدعم الحكومي، في بلد تتغير فيه الأولويات بتغير الحكومات».


مقالات ذات صلة

تيتيه تبدي «تفاؤلاً حذراً» بتجدد العملية السياسية في ليبيا

شمال افريقيا من جلسة مجلس الأمن حول ليبيا (المجلس)

تيتيه تبدي «تفاؤلاً حذراً» بتجدد العملية السياسية في ليبيا

عبّرت رئيسة بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا عن «تفاؤل حذر» بأن هذا البلد العربي الأفريقي يمكن أن يعبر بنجاح من مفترق طرق حاسم مع تجدد العملية السياسية

علي بردى (واشنطن)
شمال افريقيا أمين الجامعة العربية أحمد أبو الغيط يتوسط صالح والمنفي وتكالة في اجتماع سابق بمقر الجامعة بالقاهرة مارس 2024 (مجلس الدولة)

المنفي وصالح وتكالة يخلطون أوراق الأزمة الليبية بـ«خريطة طريق» جديدة

في خطوة وصفت بأنها تستهدف قطع الطريق على «المبادرة الأميركية» والإبقاء على الكرة في ملعب القوى المحلية اتفق رؤساء «المجالس الثلاثة في ليبيا» على «خريطة طريق».

جمال جوهر (القاهرة)
شمال افريقيا الغرياني يتوسط الدبيبة (إلى اليمين) وتكالة خلال افتتاح مدرسة الإمام مالك في سبتمبر 2024 (مكتب الدبيبة)

«الإفتاء» في غرب ليبيا تتهم البعثة الأممية بـ«التلاعب بالشعب»

قالت دار الإفتاء في غرب ليبيا، إن مخرجات «الحوار المهيكل» تمثل «تسليماً لزمام الأمور في البلاد إلى جهات دولية» وصفها بأنها «متورطة في صناعة الأزمات وإطالتها».

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا اجتماع الهيئة العامة للخيالة والمسرح والفنون الليبية في بنغازي في مارس الماضي (صفحة الهيئة)

قيود وملاحقة صانعي المحتوى تشعل سجالاً حقوقياً في ليبيا

أثارت إجراءات أمنية وتنظيمية اتخذتها السلطات في غرب ليبيا وشرقها بحق صانعي المحتوى والأنشطة الفنية جدلاً واسعاً بين مؤيدين ومعارضين.

علاء حموده (القاهرة)
شمال افريقيا جهاز مكافحة الهجرة غير المشروعة بشرق طرابلس رحّل 14 مهاجراً مصرياً (الجهاز)

ليبيا: ازدياد تكدس المهاجرين بمراكز الاحتجاز بعد حملات توقيف مكثفة

تصعّد الأجهزة الأمنية المعنية بمكافحة الهجرة غير المشروعة في ليبيا من ملاحقة المهاجرين وسط كثير من الشكاوى الحقوقية من تكدّس مراكز لاحتجازهم بالعاصمة طرابلس

«الشرق الأوسط» (القاهرة)

تيتيه تبدي «تفاؤلاً حذراً» بتجدد العملية السياسية في ليبيا

من جلسة مجلس الأمن حول ليبيا (المجلس)
من جلسة مجلس الأمن حول ليبيا (المجلس)
TT

تيتيه تبدي «تفاؤلاً حذراً» بتجدد العملية السياسية في ليبيا

من جلسة مجلس الأمن حول ليبيا (المجلس)
من جلسة مجلس الأمن حول ليبيا (المجلس)

عبّرت رئيسة بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا (أنسميل)، الممثلة الخاصة للأمين العام، هانا تيتيه، عن «تفاؤل حذر» بأن «هذا البلد العربي الأفريقي يمكن أن يعبر بنجاح من مفترق طرق حاسم مع تجدد العملية السياسية والجهود لإجراء انتخابات». غير أنها حذرت من أن المكاسب الهشة باتت مهددة بشكل كبير بسبب الشلل المؤسسي والفساد الاقتصادي وتجدد العنف.

رئيسة بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا هانا تيتيه (غيتي)

وكانت المبعوثة الأممية تقدم إحاطة لأعضاء المجلس، أكدت فيها أن الزخم عاد إلى العملية السياسية في ليبيا بعد أشهر من المشاورات، التي قادتها الأمم المتحدة، لكنها حذّرت من أن هذه الفرصة قد تنهار ما لم يتخذ القادة الليبيون إجراءات عاجلة. وقالت: «يجب ألا نفوّت هذه الفرصة المتاحة أمامنا».

وجاءت تصريحات تيتيه في وقت لا تزال فيه ليبيا تعاني انقسامات سياسية عميقة بعد مضي نحو خمس سنوات على فشل المحاولة الأخيرة لإجراء انتخابات وطنية. وأكدت أن هناك خريطة طريق سياسية تكتسب زخماً، علماً بأن أحدث جهود للأمم المتحدة حول «حوار منظم» أُطلق منذ ديسمبر (كانون الأول) 2025 برعاية بعثة (أنسميل)، بهدف كسر الجمود المؤسسي الذي استمر لسنوات. وأوضحت تيتيه أن العملية التي استمرت ستة أشهر اختُتمت مطلع هذا الشهر، بعدما جمعت نحو 120 ليبياً من مختلف أطياف المشهد السياسي والاجتماعي والإقليمي في البلاد. وأفرزت المحادثات نحو 600 توصية، شملت الحوكمة والأمن والإصلاح الاقتصادي والمصالحة وحقوق الإنسان، ما يجعلها واحدة من أوسع عمليات التشاور في ليبيا خلال السنوات الأخيرة.

عبد الحميد الدبيبة رئيس حكومة الوحدة الوطنية (الوحدة)

وأضافت تيتيه موضحة أن «التوصيات واضحة، فهي تدعو إلى مؤسسات دولة موحدة وفعّالة وشرعية وخاضعة للمساءلة»، مبرزة أن النتائج توفر «أساساً ليبياً موثوقاً» للمضي نحو انتخابات وطنية. لكنها حذّرت من أن التقدم لا يزال غير مكتمل.

ومع ذلك، لا تزال الخلافات الرئيسية حول قوانين الانتخابات عالقة. وقالت تيتيه بهذا الخصوص: «لا ينبغي أن يبقى حق الشعب الليبي في اختيار ممثليه محجوباً إلى أجل غير مسمى بسبب الشلل المؤسسي».

من جهة ثانية، خصّت تيتيه اهتماماً كبيراً لما وصفته بموجة خطيرة من التضليل تستهدف اللاجئين والمهاجرين، والمنظمات الإنسانية والأمم المتحدة نفسها. وأشارت إلى تحوّل التضليل بالفعل إلى أعمال عنف.

كما أكدت أن المسار الاقتصادي في ليبيا لا يزال يُشكّل تهديداً خطيراً للاستقرار الوطني. مبرزة أن ارتفاع الأسعار والتضخم، وتراجع القدرة الشرائية، يضغطان على الأسر بشكل كبير، بينما يستمر الفساد وضعف الحوكمة في استنزاف الموارد العامة، وكشفت عن تقارير تتحدث عن فساد خطير في قطاع الأدوية، بما في ذلك استفادة مسؤولين ذوي نفوذ سياسي من أنظمة الشراء.

وبخصوص الوضع الأمني لفتت تيتيه إلى أن الوضع الأمني لا يزال ​​متقلباً على الرغم من بعض التقدم المحرز في الحوار السياسي. وأشارت إلى تجدد القتال في مدينة الزاوية (غرب) في مايو (أيار) الماضي، حيث أسفرت الاشتباكات بين الجماعات المسلحة المتنافسة عن مقتل 13 شخصاً على الأقل، بينهم مدنيون.

أسامة حماد رئيس الحكومة المعينة من البرلمان (الاستقرار)

وفي معرض حديثها عن القضاء، نبهت تيتيه إلى أن القضاء الليبي لا يزال منقسماً بشدة، حيث تصدر المؤسسات القضائية المتنافسة في الشرق والغرب أحكاماً متضاربة. ورأت أن ليبيا، في غياب التوحيد، تُخاطر بنشوء أنظمة قانونية موازية، من شأنها أن تُقوّض ثقة الشعب في الانتخابات وسيادة القانون. وحضت القادة الليبيين على تسريع الجهود الرامية إلى توحيد المؤسسات القضائية.

واختتمت تيتيه بتحذير شديد اللهجة: «أمام ليبيا الآن مسار سياسي أوضح للمُضي قدماً، لكن الوقت ينفد». مشيرة إلى أنه «إذا لم تتحرك المؤسسات الليبية، فقد تُضطر الأمم المتحدة إلى تقديم مقترحات بديلة لدفع العملية السياسية قُدماً. الاتجاه معروف، والأدوات متوفرة». لكن «المطلوب الآن هو الإرادة السياسية لتحقيق ذلك».


المنفي وصالح وتكالة يخلطون أوراق الأزمة الليبية بـ«خريطة طريق» جديدة

أمين الجامعة العربية أحمد أبو الغيط يتوسط صالح والمنفي وتكالة في اجتماع سابق بمقر الجامعة بالقاهرة مارس 2024 (مجلس الدولة)
أمين الجامعة العربية أحمد أبو الغيط يتوسط صالح والمنفي وتكالة في اجتماع سابق بمقر الجامعة بالقاهرة مارس 2024 (مجلس الدولة)
TT

المنفي وصالح وتكالة يخلطون أوراق الأزمة الليبية بـ«خريطة طريق» جديدة

أمين الجامعة العربية أحمد أبو الغيط يتوسط صالح والمنفي وتكالة في اجتماع سابق بمقر الجامعة بالقاهرة مارس 2024 (مجلس الدولة)
أمين الجامعة العربية أحمد أبو الغيط يتوسط صالح والمنفي وتكالة في اجتماع سابق بمقر الجامعة بالقاهرة مارس 2024 (مجلس الدولة)

فاجأ رؤساء المجالس الثلاثة في ليبيا، «الرئاسي» الذي يرأسه محمد المنفي، و«النواب» بقيادة عقيلة صالح، و«الأعلى للدولة» الذي يرأسه محمد تكالة، الرأي العام الليبي بـ«خريطة طريق» جديدة، قالوا إنها تهدف إلى «إنهاء المرحلة التمهيدية».

وجاء الإعلان عن الخريطة الجديدة ليقطع الطريق على «المبادرة الأميركية»، وقبيل ساعات من إعلان المبعوثة الأممية هانا تيتيه عن إحاطتها إلى مجلس الأمن، مساء الثلاثاء، في خطوة وصفت بأنها «تخلط أوراق الأزمة» المعقدة أصلاً، وإبقاء الكرة في ملعب القوى المحلية المتصارعة على السلطة.

صدام حفتر مستقبلاً بولس في يناير الماضي 2026 (القيادة العامة)

وفي الخريطة التي أعلن عنها مكتب المنفي صباح الثلاثاء، وصدّر بيانه بما سمّاه «وثيقة مبادئ»، تمسّك رؤساء المجالس الثلاثة بـ«مرجعية الإعلان الدستوري وتعديلاته»، و«الاتفاق السياسي»، وأيضاً بما صدر عن الاجتماع الثلاثي الأول في القاهرة برعاية جامعة الدول العربية، مؤكدين «المضي قُدماً في وضع مخرجات الاجتماع موضع التنفيذ مع التعديلات اللازمة، بموجب التطورات، واستجابة للمبادرات الوطنية؛ لضمان إجراء الانتخابات الرئاسية والبرلمانية المتزامنة، تحت إشراف لجنة سيادية عليا».

انتخابات عامة في فبراير

ولإضفاء مزيد من المفاجأة، اتفق المنفي وصالح وتكالة على إجراء الانتخابات الرئاسية والبرلمانية بشكل متزامن في موعد أقصاه 17 فبراير (شباط) المقبل، وبموجب القوانين الانتخابية التي تنجزها لجنة «6 + 6» المفعلة حالياً، والمُشكّلة بموجب التعديل الدستوري الثالث عشر، ويأتي ذلك استرشاداً بتوصيات «اللجنة الاستشارية»، ومسارات «الحوار المجتمعي»، على أن تحال لمجلس النواب لإصدار القوانين. كما عدّوا «اتفاق بوزنيقة»، الذي وُقّع في ديسمبر (كانون الأول) 2024 المرجع لتسمية «المناصب السيادية» وإعادة توحيدها.

عقيلة صالح رئيس مجلس النواب الليبي (المجلس)

وأرجع رؤساء المجالس الثلاثة هذا الاتفاق، الذي انتهى إليه اجتماع عقد عبر تقنية «الزوم»، إلى استشعارهم بـ«المخاطر المحدقة بالأمن القومي الليبي، واستقراره المالي، وسيادته على موارده ووحدة أراضيه، في ظل مهددات التدخل الخارجي والمتغيرات الدولية والإقليمية».

وكأنه حجر أُلقي في مياه راكدة، أثار إعلان المنفي وصالح وتكالة عن خريطة جديدة ردود فعل واسعة لجهة تحركهم «حفاظاً على مناصبهم»، قبيل تفعيل مبادرة مسعد بولس، مستشار الرئيس الأميركي للشؤون العربية والأفريقية، التي تعمل على تقاسم السلطة في ليبيا في حل للأزمة المستعصية.

ووصف الإعلامي الليبي، خليل الحاسي، الاتفاق بأنه «آخر محاولة للمقاومة»، وقال: «إنهم أمام خطر داهم وحقيقي قد يؤدي إلى إبعادهم عن مناصبهم». وأضاف متعجباً: «تخيّلوا أن من عجزوا عن الاتفاق طوال 13 عاماً، تمكنوا من التوافق خلال 24 ساعة فقط؛ وليس هذا فحسب، بل أعلنوا أيضاً أنهم سيجرون الانتخابات في فبراير المقبل».

محمد تكالة رئيس المجلس الأعلى للدولة (إ.ب.أ)

واللجنة «السيادية العليا» التي سينوط بها تنفيذ ما صدر عن اجتماع القاهرة الثلاثي هي محافظ مصرف ليبيا المركزي، ورئيس المفوضية العليا للانتخابات، وعضوان عن لجنة «5 + 5» العسكرية المشتركة، وممثلان عن القطاع الأمني المكلف تأمين المسار الانتخابي عن المنطقتين الشرقية والغربية.

وسبق أن التقى المنفي وصالح وتكالة في الجامعة العربية في مارس (آذار) ومايو (أيار) عام 2024، واتفقوا في بيان ختامي على عدد من البنود؛ من بينها وجوب تشكيل «حكومة موحّدة» جديدة تشرف على الانتخابات التي طال انتظارها. كما اتفقوا على 7 بنود بقصد كسر حالة الجمود السياسي، من بينها تشكيل لجنة فنية خلال فترة زمنية محددة للنظر في التعديلات المناسبة للقوانين الانتخابية، التي انتهت إليها لجنة «6 + 6»، وحسم الأمور العالقة حيال النقاط الخلافية حسب التشريعات النافذة. كما اتفقوا على «وجوب» تشكيل حكومة موحّدة، مهمتها الإشراف على العملية الانتخابية، لكن منذ ذلك التاريخ لا يزال الجمود السياسي يراوح مكانه.

وفيما يتعلق بالمسار الاقتصادي والاستقرار المالي، قال المنفي وصالح وتكالة إنه «تم التوافق على حزمة من الإصلاحات»، من بينها «الرفض القاطع لفك التجميد عن الأموال والأصول المجمدة، تحت أي حجة أو اعتبار إلى حين انتخاب رئيس من الشعب»، والاتفاق على إطار قانوني جديد يضمن رقابة شاملة ومشتركة، وإشرافاً ومتابعة لقطاع النفط والغاز والمياه والمعادن، وضمان الحوكمة والشفافية والإفصاح، وصون حقوق الأجيال المقبلة.

محمد المنفي رئيس المجلس الرئاسي (رويترز)

كما أكدوا «حصرية المؤسسة الوطنية للنفط في التسويق عبر العطاءات القانونية الشفافة، وحصرية تحصيل العوائد للمصرف المركزي والخارجي، وفق الآليات القانونية المعتمدة قبل سنة 2023»، وأعلنوا الاتفاق أيضاً على «تشكيل لجنة فنية مشتركة لإعداد مشروع ميزانية دستورية موحدة لسنة 2027 على أن تحال إلى مجلس النواب لإقرارها».

التشكيلات المسلحة

بخصوص تحديد موعد للانتخابات الليبية، استغربت الكاتبة الليبية عفاف الفرجاني هذه الخطوة، في ظل وجود تعقيدات كثيرة، وقالت إن ما سمتهم بـ«ثلاثي الأزمة يتحدث اليوم عن الانتخابات وكأنها العصا السحرية، التي ستنقذ البلاد من براثن الفساد والفوضى والانقسام». ورأت «أنه لا أحد منهم تجرأ على تقديم إجابة تتعلق بالتشكيلات المسلحة، التي تفرض نفوذها على الأرض»، متسائلة: «أي انتخابات ستُجرى في ظل هذا الواقع؟ وفي ظل تدوير الأزمة، وإغراق الناس بوعود انتخابية لا تنتهي».

وانتهت الفرجاني في تعليقها على بيان المجالس الثلاثة إلى أنه «كان عليهم الاشتغال بجدية على توحيد المؤسسة العسكرية، وإنهاء حالة تعدد مراكز القوة والسلاح؛ فالانتخابات في ظل الانقسام العسكري، ووجود التشكيلات المسلحة لن تنتج دولة مستقرة، بل قد تعيد إنتاج الأزمة بأسماء ووجوه جديدة».

المنفي وصالح وتكالة في الجامعة العربية بحضور أبو الغيط (أ.ب)

وذهب الرؤساء الثلاثة الموقّعون على الاتفاق إلى «إجراء تعديل دستوري توافقي رابع عشر وفق الاتفاق السياسي، يلزم الرئيس المنتخب بدعوة الهيئة التأسيسية للدستور بالعمل على حوار وطني موسع على مشروعها المنجز، وصولاً إلى دستور دائم للبلاد».

وانتهوا إلى ضرورة إضافة المؤسسة الوطنية للنفط والاستثمارات الليبية الخارجية إلى قائمة المؤسسات السيادية، التي تضم 7 مؤسسات؛ «ضماناً لوحدتها واستقلاليتها وحيادها وصوناً للأصول والموارد»؛ وذلك «تحقيقاً لمقاصد وأهداف المادة 15 من الاتفاق السياسي لسنة 2015، الذي وُقِّع في الصخيرات المغربية».

وتعتمد المبادرة التي أعلن عنها بولس على تولي نائب القائد العام لـ«الجيش الوطني» صدام حفتر رئاسة مجلس رئاسي جديد بدلاً من المنفي، مع إبقاء عبد الحميد الدبيبة رئيساً لـ«الحكومة الموحدة» المرتقبة، وهو الأمر الذي تباينت بشأنه الآراء والتوجهات.


الانشقاقات تهز «الدعم السريع» وتهدد تماسك تحالفه «تأسيس»

البرهان مجتمعاً مع اللواء النور القبة المنشق من «قوات الدعم السريع» (مجلس السيادة)
البرهان مجتمعاً مع اللواء النور القبة المنشق من «قوات الدعم السريع» (مجلس السيادة)
TT

الانشقاقات تهز «الدعم السريع» وتهدد تماسك تحالفه «تأسيس»

البرهان مجتمعاً مع اللواء النور القبة المنشق من «قوات الدعم السريع» (مجلس السيادة)
البرهان مجتمعاً مع اللواء النور القبة المنشق من «قوات الدعم السريع» (مجلس السيادة)

أعاد إعلان القيادي البارز في تحالف «تأسيس»، فارس النور، استقالته من جميع مناصبه في «قوات الدعم السريع» والتحالف السياسي الداعم لها، الجدل بشأن ظاهرة الانشقاقات التي شهدتها القوات خلال الأشهر الأخيرة، ومدى تأثيرها المحتمل على تماسكها العسكري والسياسي، في وقت تدخل فيه الحرب السودانية عامها الرابع دون مؤشرات حاسمة على اقتراب أي من طرفي النزاع من تحقيق انتصار عسكري نهائي.

وأكد النور، في تصريح لصحيفة «الشرق الأوسط»، الأربعاء، مغادرته جميع مواقع المسؤولية داخل «قوات الدعم السريع» وتحالف السودان التأسيسي «تأسيس»، مبرراً قراره بما وصفه بتفاقم حالة الانسداد السياسي واستمرار الحرب وما خلفته من معاناة إنسانية واسعة. وقال إن استقالته تهدف إلى إفساح المجال للعمل على بناء حوار سوداني شامل يضم مختلف الأطراف، بعيداً عن الاستقطابات السياسية والعسكرية، بما يسهم في التوصل إلى تسوية تنهي الأزمة الراهنة.

فارس النور المستشار السياسي السابق لحميدتي (أرشيفية - متداولة)

ولا تنبع أهمية هذه الخطوة من الموقع الذي كان يشغله النور داخل التحالف فحسب، بل أيضاً من طبيعتها؛ إذ لا يُعد قائداً ميدانياً يقود قوات على الأرض، وإنما يُنظر إليه كأحد أبرز الوجوه السياسية المرتبطة بالمشروع السياسي الذي سعت «قوات الدعم السريع» إلى بنائه بالتوازي مع نشاطها العسكري، ما يمنح استقالته أبعاداً سياسية تتجاوز التأثيرات العسكرية المباشرة.

وشغل النور عضوية المجلس الرئاسي لتحالف «تأسيس»، وتم تعيينه «حاكماً لإقليم الخرطوم»، ضمن الحكومة الموازية التي أعلنها التحالف، وذلك بعد أن كان قد عمل لسنوات مستشاراً لقائد «قوات الدعم السريع» محمد حمدان دقلو «حميدتي»، وكان أحد أبرز أعضاء وفد التفاوض التابع للقوات خلال محادثات جدة عام 2023.

ما الجديد؟

يختلف هذا النوع من الانشقاقات عن حالات سابقة شهدتها «قوات الدعم السريع» خلال العامين الماضيين، ارتبط معظمها بقادة ميدانيين يمتلكون نفوذاً عسكرياً أو قوات على الأرض. ففي مايو (أيار) الماضي أعلن بشارة الهويرة، الذي كان يتولى مسؤولية العمليات العسكرية بمحور بارا في ولاية شمال كردفان، انشقاقه عن القوات، كما سبقه إعلان القائد الميداني النور آدم، المعروف بـ«النور القبة»، انسحابه من «الدعم السريع» وانضمامه إلى الجيش السوداني بعد مغادرة قواته مواقعها في شمال دارفور، وقبلهم جميعاً كان «أبو عاقلة كيكل»، أحد أبرز قادة «الدعم السريع» وحاكم ولاية الجزيرة إبان سيطرته عليها، قد أعلن تعاونه مع الجيش السوداني، في خطوة اعتبرت من أكثر الانشقاقات تأثيراً بسبب النفوذ الذي كان يتمتع به في وسط السودان، وأخيراً أعلن القيادي الميداني علي رزق الله «السافنا» انشقاقه والتحاقه بالقوات المسلحة.

أرشيفية متداولة للقائد المنشق أبو عاقلة كيكل (الثالث من اليسار) مع عناصر من «الدعم السريع» قبل انضمامه للجيش

ورغم تفاوت الوزن السياسي والعسكري لهذه الشخصيات، فإن تتابع الانشقاقات خلال فترة زمنية قصيرة، دفع كثيرين إلى التساؤل حول ما إذا كانت تعكس ضغوطاً متزايدة داخل معسكر «الدعم السريع»، أم أنها لا تزال في حدود التحركات الفردية التي لا تؤثر على البنية الأساسية للقوات. في المقابل، تسعى «قوات الدعم السريع» إلى تقديم صورة مغايرة، فقد بثت خلال الأيام الماضية مقاطع مصورة، قالت بحسب منصتها على «تلغرام» إنها توثق انضمام مجموعات من القوة المشتركة التابعة للحركات المسلحة المتحالفة مع الجيش إلى صفوفها، في محاولة لإظهار أن حركة الانضمام والانشقاق لا تسير في اتجاه واحد.

وتندرج هذه الرسائل ضمن حرب دعائية وإعلامية موازية للمعارك العسكرية، يسعى خلالها كل طرف إلى إثبات تماسكه وقدرته على استقطاب القيادات والمقاتلين.

القائد السافنا المنشق عن «الدعم السريع» متحدثاً في المؤتمر الصحافي بالخرطوم (وكالة السودان للأنباء/ سونا)

في هذا السياق، قلل الشرتاي سمير، أحد المؤيدين البارزين لـ«الدعم السريع» على وسائل التواصل الاجتماعي، من أهمية خروج فارس النور، معتبراً أن المشروع السياسي والعسكري الذي تمثله «تأسيس» تجاوز الأفراد، وأن مغادرة قيادات أو مجموعات لن تؤثر على استمراريته. كما رأى أن ما يحدث يدخل في إطار محاولات لاستقطاب شخصيات سياسية وعسكرية من معسكر «الدعم السريع» بعد فشل خصومه، بحسب وصفه، في تحقيق أهدافهم عسكرياً.

غير أن السؤال الأهم لا يتعلق بعدد المنشقين بقدر ما يتعلق بطبيعة تأثيرهم، وهنا يلفت الباحث السياسي محمد لطيف إلى ضرورة التمييز بين الانشقاقات السياسية والانشقاقات العسكرية. ويقول لطيف لـ«الشرق الأوسط»، إن الحياة السياسية السودانية عرفت على مدى عقود طويلة انشقاقات متكررة داخل الأحزاب والتحالفات، لكنها نادراً ما أحدثت تحولاً جذرياً في موازين القوى. ويرى أن معظم الانشقاقات السياسية ترتبط بخلافات أو طموحات شخصية، أكثر من ارتباطها بخلافات فكرية أو برامجية، ولذلك فإن تأثيرها يظل محدوداً في كثير من الأحيان.

ويقول لطيف إن تأثير «الانشقاقات العسكرية» يقاس بمدى انعكاسها على القوة القتالية أو الانتشار الجغرافي للطرف المعني، ووفقاً لتقديره، فإن معظم الانشقاقات التي شهدتها «قوات الدعم السريع» خلال الفترة الماضية لم تؤثر بصورة ملموسة على بنيتها العسكرية الأساسية أو مناطق نفوذها الرئيسية، وهو ما يجعله يستبعد أن يترك خروج فارس النور، بوصفه شخصية سياسية ومدنية، أثراً كبيراً على تماسك تحالف «تأسيس».

قائد الجيش السوداني عبد الفتاح البرهان مستقبلاً اللواء النور القبة المنشق من «قوات الدعم السريع» (مجلس السيادة)

لكن هذا التقييم لا يحظى بإجماع كامل، فالخبير الاستراتيجي والمتخصص في الشؤون الأمنية والعسكرية العميد دكتور جمال الشهيد، يرى أن الحكم على تأثير الانشقاقات لا ينبغي أن يتم بمجرد الإعلان عنها، بل من خلال متابعة نتائجها العملية على الأرض. ويشير الشهيد في إفادة لـ«الشرق الأوسط» إلى أن الانشقاقات تصبح ذات أثر حقيقي عندما تطول القيادات الوسطى والميدانية، أو الشخصيات السياسية التي تمتلك نفوذاً تنظيمياً واجتماعياً، لأنها تمثل حلقة الوصل بين القيادة العليا والقواعد، ويضيف: «المؤشرات التي يجب مراقبتها، لا تقتصر على عدد المنشقين، بل تشمل استمرار الظاهرة واتساع نطاقها، وتأثيرها على الانضباط الداخلي، والقدرة على التجنيد والتعبئة، والمحافظة على الانتشار الميداني». وبحسب الشهيد، فإن المعيار الحاسم يظل في نهاية المطاف هو الأداء العسكري نفسه، فإذا صاحبت الانشقاقات تراجعات ميدانية أو فقدان لمناطق نفوذ أو ضعف في القدرة على تنفيذ عمليات منسقة، فإنها تكون قد انتقلت من مجرد حدث سياسي أو إعلامي، «إلى عامل مؤثر في ميزان الصراع».

ويستدعي الخبير العسكري المتقاعد في هذا السياق تجارب سابقة شهدتها الحركات المسلحة السودانية، خلال الحرب الأهلية في جنوب السودان والصراعات في دارفور، حيث أثبتت التجربة أن بعض الانشقاقات انتهت دون نتائج استراتيجية تذكر، بينما أسهمت انشقاقات أخرى في إضعاف فصائل كاملة نتيجة فقدان قيادات مؤثرة وتراجع التماسك التنظيمي.

وتقود هذه المعطيات إلى سؤال أوسع يتعلق بمستقبل الحرب نفسها، فبينما يرى أنصار «الدعم السريع» أن الانشقاقات الأخيرة لا تتجاوز كونها تحركات فردية لن تؤثر على مشروعهم السياسي والعسكري، يعتقد آخرون أن تكرارها يستحق المتابعة باعتباره مؤشراً على ضغوط وتحديات داخلية قد تتجاوز الأشخاص إلى البنية التنظيمية ذاتها. وحتى الآن لا توجد مؤشرات قاطعة على أن الانشقاقات المتبادلة بين أطراف الحرب قادرة وحدها على تغيير مسار الصراع أو فرض تسوية سياسية، غير أن استمرارها، وتنوعها بين شخصيات عسكرية وسياسية، يجعلانها واحدة من الظواهر الجديرة بالمراقبة في حرب طويلة ومفتوحة، ما تزال مآلاتها النهائية مرتبطة بما ستكشفه التطورات الميدانية خلال الأشهر المقبلة، وبمدى قدرة الأطراف المتحاربة على الحفاظ على تماسكها العسكري والسياسي في آن واحد.

Your Premium trial has ended