الجزائر: مقصلة «المال الفاسد» تلتهم مزيداً من المترشحين للبرلمان

طرق الطعن لدى القضاء الإداري تتيح هوامش محدودة لعودة المترشح إلى السباق

من جلسة سابقة لمصادقة النواب على قانون الانتخابات (البرلمان)
من جلسة سابقة لمصادقة النواب على قانون الانتخابات (البرلمان)
TT

الجزائر: مقصلة «المال الفاسد» تلتهم مزيداً من المترشحين للبرلمان

من جلسة سابقة لمصادقة النواب على قانون الانتخابات (البرلمان)
من جلسة سابقة لمصادقة النواب على قانون الانتخابات (البرلمان)

تواجه الأحزاب الجزائرية المشاركة في انتخابات البرلمان، المقررة في الثاني من يوليو (تموز) المقبل، صعوبات كبيرة في استخلاف العشرات من مرشحيها، بسبب إسقاط عدد كبير منهم وفق نص قانوني بات يشكل كابوساً مرعباً لهم، حيث وظفته السلطات الإدارية والأمنية كسلاح لـ«منع تغلغل المال الفاسد في السياسة». وشمل المنع كل الأحزاب وحتى المستقلين، ووصل في بعض الولايات إلى إسقاط قائمة مترشحين بكاملها.

رئيس السلطة الوطنية للانتخابات (السلطة)

أكد حزب «جيل جديد» المعارض، في بيان الأربعاء، أن «السلطة الوطنية المستقلة للانتخابات» رفضت عدداً من الترشيحات، التي قدّمها محلياً وضمن دوائر الجالية الجزائرية المقيمة بالخارج، من دون تحديد عدد مرشحيه المحظورين. مؤكداً أن «قرارات الرفض، التي صدرت في أغلبها عشية عيد الأضحى، شملت تقريباً قوائم مترشحين كاملة، بما من شأنه تعقيد، بل وحتى جعل الإبقاء على قوائمنا، أو تقديم الطعون خلال فترة العيد أمراً بالغ الصعوبة، بالنظر إلى الآجال القانونية المحدودة».

الإدارة بدل الصندوق

ندّد الحزب بـ«أشد العبارات» هذه القرارات «غير المقبولة»، داعياً الرأي العام إلى «إدراك خطورتها». موضحاً أن «قرارات الرفض هذه تكشف عن إرادة واضحة لعرقلة مشاركة حزب (جيل جديد) في الانتخابات التشريعية»، ومؤكداً أن «النساء والرجال المعنيين بقرارات الرفض أعضاء فاعلون ومعروفون داخل الحزب. وقد تم تعيينهم قياديين بشكل قانوني من طرف هيئاته الرسمية، وفقاً لقانوننا الأساسي، وهم من الكوادر الشرعيين لحزب (جيل جديد)، وهم مكلّفون بتمثيله أمام الناخبين الجزائريين».

كوادر من «حركة مجتمع السلم» في اجتماع لاستخلاف المرشحين المحظورين (إعلام حزبي)

وكان الحزب الإسلامي المعارض «حركة مجتمع السلم»، قد عبّر الأحد الماضي، عن قلقه من «خطورة التوسع الكبير في التطبيق التعسفي للمادة 200 (من قانون الانتخابات) في معالجة ملفات المترشحين، وما ترتب على ذلك من إقصاء عدد من المترشحين، دون الاستناد إلى أدلة قانونية واضحة أو أحكام قضائية نهائية، بما يشكل مساساً خطيراً بالحقوق السياسية والدستورية للمواطنين». وأكد أن إقصاء مرشحيه على أساس هذه المادة القانونية «يفتح المجال أمام استعمال إداري انتقائي للقانون، ويضرب مبدأ العدالة وتكافؤ الفرص، ويقوِّض مصداقية الانتخابات»، محذراً من «خطورة استمرار هذه الممارسات، التي من شأنها تكريس الانغلاق السياسي، وتعميق فجوة الثقة بين المواطن والمؤسسات».

وفي تعليقه على إقصاء المترشحين، كتب عثمان معزوز، رئيس «التجمع من أجل الثقافة والديمقراطية» المعارض، بحسابه بالإعلام الاجتماعي موضحاً أن «أجهزة الظل داخل السلطة لا تنتج أبداً نوراً ديمقراطياً. وعندما تختار الإدارة مكان الشعب، يفقد التصويت كل معناه»، من دون توضيح إن كان مرشحون من الحزب تم إقصاؤهم.

وامتدت قرارات الاستبعاد لتشمل كبرى أحزاب الموالاة مثل «جبهة التحرير الوطني»، و«التجمع الوطني الديمقراطي»، و«جبهة المستقبل»، و«حركة البناء الوطني»، عبر مختلف الدوائر الانتخابية. وقد قوبلت هذه القرارات بامتثال صامت من قِبل هذه التشكيلات دون أي رد فعل رسمي، وهو ما عكس تسليماً بقرار «سلطة الانتخابات»، التي بنت مواقفها على تقارير أمنية، رصدت تحركات المترشحين، لا سيما صلاتهم المفترضة مع «أصحاب المال المشبوه».

أمين عام «جبهة التحرير الوطني» في تجمع دعائي يسبق حملة الانتخابات (إعلام حزبي)

واستندت «سلطة الانتخابات» في قرارات حظر المترشحين على مادتين من القانون العضوي للانتخابات (2021)، كانت إحداهما الأكثر استخداماً وهي «المادة 200»، مع الاعتماد بشكل مكثف على بندها السابع، الذي يشدد على «ضرورة ألا يكون المترشح معروفاً لدى العامة بصلته مع أوساط المال والأعمال المشبوهة، وتأثيره على توجيه أصوات الناخبين».

وبسبب صياغتها الفضفاضة ومصطلحاتها المطاطية، تعرضت هذه المادة لانتقادات حادة؛ إذ سمحت لسلطة الانتخابات باستبعاد أسماء وقوائم وازنة، بناءً على تحقيقات وتقارير أمنية وإدارية تخص سلوك المترشح وعلاقاته، بمعزل عن صدور أي حكم قضائي نهائي يدينه.

أما المادة الأخرى، وهي الأولى في ترتيب مواد القانون، فجاءت بعنوان «أخلقة العمل السياسي» في هدف أسمى ومرجعية قانونية، تنبثق منها بقية مواد النص التشريعي. ويظهر تجسيد هذا المبدأ في الآليات التي نص عليها القانون لاحقاً، وقد حملت طابعاً عاماً تم إسقاطه على كثير من المترشحين لإبعادهم.

وسائل الطعن

أمام حالات الرفض، يمنح القانون المعنيّ بالأمر، أو ممثل قائمة المترشحين حق اللجوء إلى القضاء الإداري عبر مسار طعن محكم ومقيد بآجال صارمة. وتبدأ هذه الإجراءات برفع دعوى أمام المحكمة الإدارية المختصة إقليمياً خلال 48 ساعة من تاريخ التبليغ بالقرار المعلّل، على أن تفصل المحكمة في هذا الطعن في غضون 48 ساعة من تاريخ إيداع العريضة لديها. وإذا جاء الحكم الابتدائي مؤيداً لقرار الإقصاء، فيُتاح للمترشح فرصة ثانية وأخيرة للتقاضي من خلال استئناف الحكم أمام المحكمة الإدارية للاستئناف (مجلس الدولة) المختصة خلال 48 ساعة من تاريخ تبليغه، لتلتزم بالفصل في موضوع الطعن بصفة مستعجلة في أجل أقصاه 48 ساعة، ليكون حكمها الصادر نهائياً وباتاً، وغير قابل لأي وجه من أوجه الطعن الأخرى، وموجب التنفيذ الفوري لإدراج المترشح أو تثبيت إقصائه.

رئيس حزب «جيل جديد» (إعلام حزبي)

وفي حال ثبوت الإقصاء نهائياً بعد استنفاد درجات التقاضي، أو في حال فضلت القائمة عدم الطعن ابتداء، يمنح الحزب أو القائمة المستقلة مهلة قانونية، تنتهي قبل 25 يوماً من تاريخ الاقتراع لاستخلاف المترشح المقصى ببديل آخر يستوفي كامل الشروط القانونية. أما إذا قوبل المترشح المستخلف بالرفض مجدداً من طرف «سلطة الانتخابات»، فإن حق القائمة يسقط في التعويض مرة أخرى، ويتم الاكتفاء بتعديل ترتيب القائمة آلياً عبر تقديم المترشحين الموالين في الترتيب مباشرة لسد ذلك الشغور.


مقالات ذات صلة

الجزائر تواصل حربها على حرائق الغابات

شمال افريقيا حرائق مستعرة اندلعت في منطقة قالمة شرق الجزائر (الحماية المدنية)

الجزائر تواصل حربها على حرائق الغابات

أعلنت مصالح الحماية المدنية الجزائرية في بيان لها، اليوم الجمعة، عن الحالة العامة لحرائق الغطاء النباتي والمحاصيل الزراعية، المسجلة منذ أمس

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
شمال افريقيا تراجع معدل الإنجاب في البلدان المغاربية الثلاثة إلى أقل من النصف منذ السبعينات بسبب العزوف عن الإنجاب (أ.ف.ب)

التحولات الاجتماعية تهدد تونس والمغرب والجزائر بالشيخوخة

تشهد بلدان المغرب والجزائر وتونس انخفاضاً غير مسبوق في معدلات الإنجاب، تحت تأثير عوامل اقتصادية وتحولات اجتماعية، حيث يفضل كثيرون الحفاظ على «راحة البال». …

«الشرق الأوسط» (تونس)
شمال افريقيا الرئيس الجزائري مستقبلاً الاشتراكية الفرنسية سيغولين رويال في يناير الماضي (الرئاسة الجزائرية)

مرشحة لـ«رئاسيات» فرنسا تطالب بلادها بالتقارب مع الجزائر

انتقدت سيغولين رويال، مرشحةُ الانتخابات التمهيدية بالحزب الاشتراكي لانتخابات الرئاسة الفرنسية 2027، تأثر قادة البلاد بمواقف اليمين ووسائل الإعلام الموالية له...

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
شمال افريقيا صورة مركبة لرئيسي حكومتي الجزائر ومالي بمناسبة اتصال هاتفي بينهما

ترتيبات بين الجزائر وباماكو لحسم ملفات الحدود والإرهاب والمعارضة

يرتقب أن يعقد مسؤولون من الحكومتين الجزائرية والمالية اجتماعات مكثفة لترتيب زيارة رئيس الوزراء المالي عبد الله مايغا إلى الجزائر.

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
شمال افريقيا وفدا وزارتي العدل الجزائرية والفرنسية بحثا بالجزائر تسليم أعضاء «مافيا دي زاد» في مايو الماضي (وزارة العدل الجزائرية)

الجزائر تلاحق بارونين من شبكة «مافيا دي زاد» بتهم ثقيلة

وجَّه الادعاء الجزائري ثلاث تهم يشملها قانون العقوبات لعضوين قياديين من شبكة «مافيا دي زاد»، وأودعهما الحبس الاحتياطي في انتظار استكمال التحقيق.

«الشرق الأوسط» (الجزائر)

تونس تمدّد المنطقة الحدودية العازلة لدواعٍ أمنية

قرار تمديد المنطقة الحدودية العازلة جاء لدواعٍ أمنية (أ.ف.ب)
قرار تمديد المنطقة الحدودية العازلة جاء لدواعٍ أمنية (أ.ف.ب)
TT

تونس تمدّد المنطقة الحدودية العازلة لدواعٍ أمنية

قرار تمديد المنطقة الحدودية العازلة جاء لدواعٍ أمنية (أ.ف.ب)
قرار تمديد المنطقة الحدودية العازلة جاء لدواعٍ أمنية (أ.ف.ب)

أعلنت تونس التمديد في قرار الإعلان عن منطقة عازلة جنوب البلاد، وهو قرار ساري منذ عام 2013 لدواعٍ أمنية.

وبحسب تقرير لـ«وكالة الأنباء الألمانية»، فقد نشر القرار الرئاسي بالتمديد سنة إضافية، بدءاً من تاريخ 29 أغسطس (آب) الحالي، في الجريدة الرسمية أمس الجمعة.

وتشمل المنطقة العازلة المناطق الصحراوية في الجنوب على الحدود الغربية والشرقية وأقصى الجنوب، وهي مناطق تحدها الحدود الجزائرية غرباً والليبية شرقاً.

ولا يسمح بالدخول إلى المنطقة إلا بتراخيص مسبقة من السلطات.

وأعلن لأول مرة قرار المنطقة العازلة في 2013، بعد سلسلة من الهجمات الإرهابية، والاغتيالات التي استهدفت دوريات للأمن والجيش. كما استهدفت السياسيين شكري بلعيد ومحمد البراهمي.

ويجري التمديد في القرار بشكل دوري.

وتهدف السلطات التونسية من وراء التمديد الدوري السنوي لهذه المنطقة، إلى إحكام قبضة الأجهزة الرسمية في مواجهة التحديات الأمنية الإقليمية، ومن أبرزها

مكافحة تهريب السلاح والسلع والمواد المحظورة، التصدي لشبكات الهجرة غير النظامية والتسلل خلسة عبر الحدود. إضافة إلى منع تحركات العناصر الإرهابية والمتطرفة في الممرات الصحراوية.

وبموجب هذا القرار، يحق للسلطات داخل المنطقة العازلة استعمال جميع الوسائل المشروعة، بما فيها استعمال السلاح لإجبار الأشخاص على التوقف، أو الخضوع للتفتيش في صورة عدم الامتثال.

وينص الفصل 10 من القرار الجمهوري على أن تتعامل العناصر العسكرية والأمنية والجمارك مع حالات الوجود غير المرخص فيه، والتجمهر التي قد تحصل بالمعابر الحدودية، أو المنشآت الواقعة داخل هذه المنطقة طبقاً لموجبات حفظ النظام العام.

كما يجيز الفصل 11 من الأمر الرئاسي للسلطة العسكرية، كلما اقتضت الحاجة ذلك وبعد إعلام رئيس الجمهورية، أن تمنع الدخول والتنقل دون إذن منها داخل المنطقة الحدودية العازلة أو جزء منها.


تقرير حكومي يكشف تغول الفساد في موريتانيا

الرئيس ولد الغزواني أكد أن مواجهة الفساد مسؤولية مشتركة تتطلب مشاركة الجميع (الرئاسة)
الرئيس ولد الغزواني أكد أن مواجهة الفساد مسؤولية مشتركة تتطلب مشاركة الجميع (الرئاسة)
TT

تقرير حكومي يكشف تغول الفساد في موريتانيا

الرئيس ولد الغزواني أكد أن مواجهة الفساد مسؤولية مشتركة تتطلب مشاركة الجميع (الرئاسة)
الرئيس ولد الغزواني أكد أن مواجهة الفساد مسؤولية مشتركة تتطلب مشاركة الجميع (الرئاسة)

أعلنت المفتشية العامة للدولة في موريتانيا، اليوم السبت، رصد اختلالات مالية بقيمة 2.3 مليار أوقية، أي ما يعادل 6 ملايين دولار أميركي، خلال عمليات تفتيش لقطاعات حكومية في العامين الماضيين (2024-2025).

وقالت المفتشية في تقريرها السنوي إنها أجرت خلال العامين الماضيين 28 مهمة تفتيش في قطاعات الإسكان والعمران، والمعادن، والطاقة، والصحة، ودققت ما يزيد على 32 مليار أوقية (82 مليون دولار أميركي)، ورصدت اختلالات في نسبة 7 في المائة منها.

وأعلنت المفتشية العامة للدولة، التي تتبع لرئاسة الجمهورية مباشرة، وتعد أهم جهاز حكومي لمحاربة الفساد، أنه بناء على عمليات التفتيش تمت إحالة 4 ملفات إلى الجهات القضائية المختصة؛ ملفان أُحيلا إلى النيابة العامة، وملفان إلى محكمة الحسابات.

كما أكدت المفتشية أنها اتخذت إجراءات تأديبية في حق موظفين عموميين من مختلف المستويات، حيث تمت إقالة 20 مسؤولاً، والتحويل التلقائي لثلاثة موظفين، وتوجيه إنذارات لـ11 آخرين، بناءً على مسؤوليتهم الثابتة عن الاختلالات المرصودة، وفق نص التقرير.

رئيس محكمة الحسابات حميد ولد أحمد طالب (رئاسة الجمهورية)

وقالت المفتشية إن أكثر من نصف مليار أوقية (نحو 1.2 مليون دولار) قيد الاسترجاع، منها 45 مليون أوقية (115 ألف دولار) استرجعت بالفعل نقداً للخزينة، فيما استعادت الدولة 141 مليون أوقية (351 ألف دولار) عن طريق إلزام المقاولين بتنفيذ الأشغال الناقصة، و139 مليون أوقية (326 ألف دولار) عبر الاقتطاع من المستحقات.

وأوضحت المفتشية العامة للدولة أن الصفقات العمومية هي «المجال الأكثر خطورة»، حيث استحوذت على 60 في المائة من الأثر المالي للاختلالات، مشيرة إلى أن أنماط هذه الاختلالات تمثلت في «تجزئة النفقات، واللجوء غير المبرر للتفاهم المباشر، وغياب المنافسة، وضعف متابعة تنفيذ الأشغال».

بالإضافة إلى الفساد المالي، تحدثت المفتشية عن فساد في مسابقات الاكتتاب في الدولة، حيث قالت إن التحقيق كشف عن اختلالات في مسطرة اكتتاب بإحدى المؤسسات العمومية، تمثلت في «منح نقاط للمترشحين دون فتح أغلفة الإجابات، أو تصحيحها. كما تبين أن نظام تنقيط الاختبارات الشفوية لم يطابق المعايير المعتمدة، ما أدى إلى إلغاء المسابقة بالكامل، وإعادة تنظيمها».

ورصدت المفتشية العامة للدولة مشكلات في وزارة الصحة، تمثلت في «اقتناء أدوية قاربت تواريخ صلاحيتها على الانتهاء، وتراكم مخزونات كبيرة من الأدوية منتهية الصلاحية لسنوات». كما كشف تقرير المفتشية عن «فوترة خدمات صيانة وهمية غير منفذة، واقتناء معدات طبية مستعملة، أو غير مطابقة للمعايير الفنية التعاقدية».

وخلص التقرير إلى أنه رصد مشاريع حكومية «على الورق» فقط، مشيراً إلى أن المعاينات الميدانية كشفت عن صرف مبالغ مقابل أشغال غير منفذة نهائياً، أو أشغال تم تنفيذها جزئياً فقط. كما تم رصد منشآت وبنى تحتية مرتفعة التكلفة، لكنها غير مستغلة، وتدهور مبكر لبعض المباني، نتيجة عدم احترام المواصفات الفنية، وفق نص التقرير.

وسبق أن قال الرئيس الموريتاني محمد ولد الشيخ الغزواني، خلال مؤتمر صحافي نهاية يوليو (تموز) الماضي، إن «الفساد يمثل إحدى أخطر الآفات التي تواجه الدول»، مشدداً على أن مكافحته «تشكل أولوية، لأن أي سياسة عمومية تتسامح معه، أو توفر له الحماية، فإنه لا يمكن أن تحقق التنمية، أو العدالة»، وفق تعبيره.

ورفض ولد الغزواني أي حديث عن ارتفاع مستوى الفساد خلال حكمه، مؤكداً أن «المؤشرات المتوفرة لدى الدولة تدل على تراجعه وانحساره»، وشدد على أنه «لا يتدخل في أي ملف يتعلق بأي شخص، سواء كان وزيراً، أو مسؤولاً إدارياً»، وقال إن «تحديد المسؤوليات وإصدار الأحكام من صلاحيات القضاء وحده».

وشدد الرئيس الموريتاني على ضرورة تعزيز دور المؤسسات، وتمكينها من أداء مهامها، موضحاً أن لكل مؤسسة صلاحياتها التي حددها الدستور، والقانون؛ فالحكومة تضطلع بمهامها التنفيذية، والقضاء يمارس سلطته المستقلة، والبرلمان يختص بالتشريع.

وأكد ولد الغزواني أن «مواجهة الفساد لا يمكن أن تكون مسؤولية فردية، بل هي مسؤولية جماعية تتطلب مشاركة الجميع، كلٌّ من موقعه»، داعياً الصحافيين وهيئات المجتمع المدني إلى المشاركة في الحرب على الفساد، من خلال الإبلاغ عن أي شبهة.


هل تُسرِّع الاضطرابات الأمنية في ليبيا «المبادرة الأميركية» أم تُجهضها؟

من جلسة مجلس الأمن الأخيرة لبحث تطورات الأزمة الليبية (المجلس)
من جلسة مجلس الأمن الأخيرة لبحث تطورات الأزمة الليبية (المجلس)
TT

هل تُسرِّع الاضطرابات الأمنية في ليبيا «المبادرة الأميركية» أم تُجهضها؟

من جلسة مجلس الأمن الأخيرة لبحث تطورات الأزمة الليبية (المجلس)
من جلسة مجلس الأمن الأخيرة لبحث تطورات الأزمة الليبية (المجلس)

عاد الحديث مجدداً في ليبيا عن مصير «المبادرة الأميركية» لتوحيد البلاد المنقسمة، في ظل الاضطرابات الأمنية التي وقعت في مدينة الزاوية غرباً، إلى جانب اغتيال قيادة أمنية رفيعة في بنغازي شرقاً.

وكانت الزاوية قد شهدت اضطرابات وأحداثاً دامية، نجمت عن اشتباكات مسلحة، استخدمت فيها طائرات مسيرة استهدفت مصفاة النفط بالمدينة، بالإضافة إلى اغتيال اللواء فوزي المنصوري، مدير الاستخبارات العسكرية بـ«الجيش الوطني»، بتفجير سيارته في بنغازي.

كبير مستشاري الرئيس الأميركي لشؤون أفريقيا والشرق الأوسط مسعد بولس (أ.ف.ب)

وبات التساؤل: هل ستربك هذه الاضطرابات الميدانية «المبادرة الأميركية»، التي يقودها مسعد بولس، كبير مستشاري الرئيس الأميركي لشؤون أفريقيا والشرق الأوسط، وتجهضها؟ أم ستدفع نحو تسريعها والمضي قدماً بها، باعتبارها «الحل الوحيد» لكبح الفوضى الأمنية المتصاعدة؟

ووفقاً لقراءة المحلل السياسي الليبي، حسام الدين العبدلي، فإن تصاعد العنف المتزامن في شرق البلاد وغربها «يعكس محاولات أطراف داخلية وخارجية لعرقلة المبادرة، إما لغياب ثقتها بالراعي الأميركي، وإما لعدم وجود ضمانات تحمي مصالحها بالبلاد حال إقرارها».

وقال العبدلي لـ«الشرق الأوسط» إن «الخروقات الأمنية في مناطق نفوذ القوتين، اللتين ترتكز عليهما المبادرة - القيادة العامة للجيش بقيادة المشير خليفة حفتر، وحكومة (الوحدة) برئاسة عبد الحميد الدبيبة - ستؤدي إلى انشغالهم بالمعالجة، وبالتالي تأجيل إقرارها بشكل مؤقت».

ويستند العبدلي في رؤيته لبيان وزارة الدفاع بحكومة «الوحدة»، الذي وصف استهداف منشآت الزاوية بأنه «عمل عدائي ممنهج» مدعوم من جهات خارجية.

ويقول بولس إنه يسعى إلى إنهاء الانقسام في ليبيا. وتقوم المبادرة «على تشكيل سلطة تنفيذية موحدة تقود إلى الانتخابات. وتتداول أوساط سياسية أن المقترح يُبقي الدبيبة رئيساً للحكومة، مقابل تولي نائب القائد العام لـ«الجيش الوطني»، صدام حفتر، رئاسة المجلس الرئاسي.

عبد الحميد الدبيبة رئيس حكومة الوحدة الوطنية (الوحدة)

ويرجح العبدلي أن هدف التشكيلات المسلحة في الزاوية هو «استمرار إضعاف الدبيبة وحكومته تدريجياً، وإفقاد أي شرعية لها، وهو ما يعني تغييب طرف رئيسي في المبادرة»، لافتاً إلى تصاعد غضب الشارع تجاه «الوحدة» في ظل تواصل أزمة الوقود والكهرباء، وارتفاع الدولار، خاصة بعد استقالة محافظ المصرف المركزي المتزامنة مع هذه الحوادث.

وتعيش ليبيا منذ سنوات انقساماً بين حكومتين؛ الأولى «الوحدة»، والأخرى مكلفة من البرلمان برئاسة أسامة حماد تدير الشرق وأجزاء من الجنوب، وتحظى بدعم «الجيش الوطني».

بالمقابل، يرى مدير المركز الليبي للدراسات الأمنية، أشريف عبد الله، أنه «لا رابط فعلياً بين الحوادث المتفرقة رغم تزامنها»، متوقعاً أن «تدفع نحو تسريع المبادرة، باعتبارها الحل المثالي لوجود حكومة ومؤسسة أمنية وعسكرية موحدة، تضبط الأمن بالبلاد».

وذكر عبد الله في تصريح لـ«الشرق الأوسط» أن التوترات في الزاوية باتت أمراً معتاداً «بسبب تنافس التشكيلات على عوائد التهريب»، مشيراً إلى «رصد 23 اشتباكاً مسلحاً خلال العامين الماضيين، إلا أن التطور الخطير هذه المرة هو دخول المسيّرات إلى مسرح العمليات وتوجيهها لاستهداف منشآت الطاقة والكهرباء».

واستبعد عبد الله أن يستجيب بولس لأي رسائل تذهب إلى أن «الاضطرابات الراهنة هي رسائل من أطراف ترفض إقصاءها من مبادرته، وأن من اختارهم ليسوا أكفاء، وبالتالي يتوجب عليه تعديلها، أو يؤجل المفاوضات برمتها».

وكان بولس قد أعرب عن قلق بلاده إزاء أعمال العنف في الزاوية وبنغازي، مؤكداً أن هذه الهجمات المتكررة تؤكد ضرورة وجود مؤسسات عسكرية وأمنية موحدة ومهنية، قادرة على توفير الأمن والحماية للشعب.

صدام حفتر (أ.ف.ب)

بدوره، رجح الناشط السياسي الليبي، حسام القماطي، استئناف اللقاءات المتعلقة بالمبادرة خلال فترة وجيزة. واعتبر في تصريح لـ«الشرق الأوسط» أن «زيارة وزير الخارجية التركي هاكان فيدان الأخيرة لطرابلس وبنغازي تأتي في إطار تحريك المواقف الليبية تجاه المبادرة». ورأى أن «الاضطرابات الأمنية الأخيرة قد تتحول إلى محفز يُبنى عليه الاتفاق، عبر الترويج لفكرة أن المبادرة تستهدف إنهاء نشاط التشكيلات المنفلتة».

ورغم اتفاقه مع من يرى أن موقع الدبيبة في المفاوضات قد يتراجع، جراء الأحداث التي شهدتها الزاوية وطرابلس، يشير القماطي إلى أن اغتيال شخصية كالمنصوري يشكل ضربة أقوى؛ لأنه يقوض فرضية استقرار الشرق، التي رُوِّجَ لها طوال أكثر من عقد. ولفت إلى أن «المبادرة ترتكز على استقرار الأوضاع في طرابلس وبنغازي معاً».

وطرح المحلل السياسي الليبي، محمد محفوظ، رؤية مغايرة، وقال إن «المبادرة تمر أصلاً بحالة تعثر قوية بسبب استمرار الخلاف بين القوى الفاعلة حول تقاسم السلطة بينهما والقوانين الانتخابية».

وأضاف محفوظ لـ«الشرق الأوسط» أن «التوترات الأخيرة عززت أصواتاً ترى أنه لا يمكن الحديث عن منح سلطات فشلت في إدارة الدولة، اقتصادياً وسياسياً وأمنياً، شرعية جديدة وفرصة أخرى للحكم». ورأى أن المبادرة «أضعفت التحالفات القائمة، خاصة غرب البلاد»، مشيراً إلى أن «كل طرف بات يبحث عن مصالحه بمعزل عن توجه الحكومة، باعتبار أن الأخيرة تخوض المفاوضات بمفردها، دون ضمانات واضحة لأي تشكيل موال لها، وبالتالي بات الجميع يعمل منفرداً، وهو ما ظهر جلياً في أحداث الزاوية الأخيرة».