صعود اليمين المتطرف يهدد بنسف «مصالحة الذاكرة» بين الجزائر وباريس

مسؤول فرنسي بـ«لجنة الذاكرة» يحث على تحصين المنجزات قبل «رئاسية» 2027

أعضاء «لجنة الذاكرة» خلال اجتماع لهم بالرئيس تبون نهاية 2022 (الرئاسة الجزائرية)
أعضاء «لجنة الذاكرة» خلال اجتماع لهم بالرئيس تبون نهاية 2022 (الرئاسة الجزائرية)
TT

صعود اليمين المتطرف يهدد بنسف «مصالحة الذاكرة» بين الجزائر وباريس

أعضاء «لجنة الذاكرة» خلال اجتماع لهم بالرئيس تبون نهاية 2022 (الرئاسة الجزائرية)
أعضاء «لجنة الذاكرة» خلال اجتماع لهم بالرئيس تبون نهاية 2022 (الرئاسة الجزائرية)

مع اقتراب الانتخابات الرئاسية الفرنسية العام المقبل يبرز تساؤل مُلحّ: ما مصير سنوات من العمل المشترك بين الجزائر وباريس حول ملف «مصالحة الذاكرتين» في حال فوز مرشح اليمين المتطرف بالرئاسة؟

هذا الاحتمال، الذي يثير قلقاً في البلدين، تفاعل معه المؤرخ الفرنسي الشهير بنيامين ستورا بوصفه رئيس وفد المؤرخين الفرنسيين في «لجنة الذاكرة»، التي أطلقتها الحكومتان في 2022 بهدف تسوية المشكلات العالقة بينهما والمرتبطة بالاستعمار (1830 - 1962).

المؤرخ الفرنسي بنيامين ستورا (حسابه الخاص)

وينصح ستورا في تصريحات حديثة، نشرها الموقع الإخباري شديد الاهتمام بالعلاقات الثنائية «كل شيء عن الجزائر»، بـ«تحصين كل ما تم إنجازه حتى الآن وبشكل فوري»، وذلك في آفاق احتمال حكم فرنسا من قبل اليمين المتطرف، مشيراً إلى الاعترافات التي قدمها الرئيس إيمانويل ماكرون بشأن اغتيال مناضلي وقادة ثورة التحرير (1954 - 1962)، و«أحداث 17 أكتوبر (تشرين الأول) 1961» المعروفة بـ«مجزرة باريس»، وهي إحدى أبشع المحطات المأساوية في تاريخ الثورة التحريرية الجزائرية؛ إذ واجهت السلطات الاستعمارية مظاهرات سلمية في قلب العاصمة الفرنسية بقمع دموي غير مسبوق.

مخاوف من انتكاسة

يؤكد بنيامين ستورا، المولود في الشرق الجزائري لعائلة يهودية، أن «المعركة الثقافية» قد بدأت بالفعل، وأنها «ستكون صعبة مع التيار المتطرف الفرنسي، الذي لا يريد الاعتراف بأي شيء، ولا استعادة أي شيء».

أمام هذا المشهد، يبرز تحدٍّ مزدوج خلال الأشهر القليلة المقبلة، حسب ستورا، وهو المضي نحو الأمام مع العمل على استعادة الثقة، وهي مهمة ثقيلة تتطلب تحصين المكتسبات بالتوازي مع بناء جسور الثقة المشتركة. وأضاف: «المقصود بالتحصين هنا، في نطاق اهتمامي، هو حماية الخطوات والمبادرات التاريخية التي تحققت بالفعل وضمان عدم الارتداد عنها. إن هاجسي الأكبر اليوم يتمحور حول مصير وآلية حماية تلك الخطوات، وفي مقدمتها الاعترافات الرسمية الفرنسية باختطاف، وتعذيب، واغتيال الرموز والمقاومين أمثال موريس أودان، والعربي بن مهيدي، وعلي بومنجل، إلى جانب الإقرار بمجازر 17 أكتوبر 1961؛ لذا يشكل تأمين هذه المنجزات التاريخية ضد أي مراجعة أو تراجع، الأولوية القصوى بالنسبة لي».

رمزا اليمين المتطرف في فرنسا جوردان بارديلا ومارين لوبان (حساب بارديلا)

ورفع بنيامين ستورا تقريراً إلى الرئيس ماكرون في 2020 يشمل مقترحات لـ«مصالحة بين الذاكرتين»، اتفق عليها الجانبان لطي صفحة الاستعمار والانطلاق نحو بناء شراكة قائمة على المنفعة. وكشف «الإليزيه» مطلع 2021 عن بعض محتويات التقرير، الذي ركّز على «سياسة الخطوات الصغيرة» أو «إجراءات الذاكرة» لتقريب وجهات النظر. لكنه لم يشر إلى تقديم «اعتذار» رسمي فرنسي عن جرائم الاستعمار.

والمعروف أنه تم إطلاق «لجنة الذاكرة» في أعقاب زيارة ماكرون إلى الجزائر في أغسطس (آب) 2022، وتضم 5 باحثين للتاريخ من البلدين. ويرأس وفد الجزائر محمد زغيدي.

ومرّت العلاقات بين البلدين بأزمة خطيرة في العامين الماضيين، نشأت إثر اعتراف باريس بسيادة المغرب على الصحراء. وفي الأسابيع الأخيرة ظهرت بوادر قوية لعودة المياه إلى مجاريها، تمثلت في زيارات مسؤولين فرنسيين بارزين للجزائر. وتم في سياق الديناميكية الجديدة بعث عمل «لجنة الذاكرة» بعد أن جمدت بسبب التوترات. كما نقلت برلمانية فرنسية من أصل جزائري عن الرئيس الفرنسي، أنه يريد تسوية المشاكل مع الجزائر قبل مغادرته السلطة بنهاية ولايته الثانية. وضمن هذا المنظور قفز التساؤل حول مصير العلاقات الثنائية إذا صعد إلى سدة الحكم رئيس من اليمين المتشدد، الذي عارض بشدة، خلال الأزمة الدبلوماسية، أي «تنازل» من ماكرون لصالح الجزائر في مسائل «الذاكرة»، بما فيها إدانة احتلالها ولو رمزياً.

اليمين و«تزييف التاريخ»

تناول ستورا في تصريحاته الصحافية قانوناً تم التصويت عليه الشهر الماضي، بشأن استرداد الممتلكات الثقافية التي نهبتها فرنسا من مستعمراتها السابقة، حاثاً على وضعه حيز التنفيذ «بأسرع وقت ممكن في الأشهر المقبلة». وقال: «هناك قانون تم التصويت عليه، والسؤال المطروح هو: ما الذي يمكننا إعادته الآن؟ فهناك قطع موجودة وليست مرتبطة بشكل مباشر بالوجود الاستعماري الفرنسي. على سبيل المثال، المقتنيات الخاصة بالأمير عبد القادر كانت موجودة قبل عام 1830، مثل برنوسه، وكتبه، وسيف القيادة الخاص به، وراياته... وكل هذا موجود بشكل مستقل عما يمكن أن نسميه (أرشيف السيادة)، فهو ليس أرشيفاً فرنسياً، بل هو أرشيف جزائري».

متظاهرون جزائريون اعتُقلوا في باريس خلال مظاهرة 17 أكتوبر 1961 تحت مراقبة الشرطة خلال حرب الجزائر (أ.ف.ب)

وأضاف: «الأمر نفسه ينطبق على مدفع بابا مرزوق، وعلى المدافع الموضوعة أمام قصر ليزانفاليد، فهي ليست مدافع صُنعت بعد وصول الفرنسيين، بل كانت موجودة قبل ذلك؛ لذا هناك بالفعل خطوات عملية يجب القيام بها فوراً في الأشهر القليلة المقبلة بشأن مسألة استرداد الممتلكات».

الرئيس الجزائري هاجم اليمين الفرنسي في 2024 بسبب ضغوط لإلغاء اتفاق الهجرة بين البلدين (الرئاسة الجزائرية)

وفي نظر المؤرخ، يريد رموز اليمين المتطرف «مراجعة التاريخ، وهذا هو المشكل الحقيقي. فالحرب الثقافية هي المعركة الحقيقية، وليست المعركة الاقتصادية أو معركة الهجرة وغيرها. إن المعركة الثقافية ستكون رهيبة، وهي جارية بالفعل وتدور فصولها أمام أعيننا؛ فعندما تسيطر جبهة اليمين المتطرف على بلديات أو أقاليم، فإنهم يقومون بإلغاء الإعانات، ويعيدون كتابة التاريخ، ويسحبون الكتب من المكتبات... هذا يعني أن هدفهم - وهم لا يخفونه - هو مراجعة التاريخ الاستعماري، والقول إن فرنسا جلبت الحضارة والرفاهية، بل إنها هي من اخترعت الجزائر! هذا ما نسمعه، وهو موجود بالفعل».


مقالات ذات صلة

الرئيس الجزائري يحسم جدلاً محتدماً حول التأشيرات مع فرنسا

شمال افريقيا الرئيسان الجزائري والفرنسي على هامش قمة الدول السبع الكبرى في إيطاليا يوم 14 يونيو 2024 (الرئاسة الجزائرية)

الرئيس الجزائري يحسم جدلاً محتدماً حول التأشيرات مع فرنسا

أكَّد الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون أنه «لم يطلب قط حصصاً للتأشيرات» من فرنسا، في رد مباشر وصريح على جدل فرنسي حول مشروع لمنح ربع مليون تأشيرة للجزائيين.

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
شمال افريقيا مبنى المجلس الشعبي الوطني (المجلس)

الجزائر: الأنظار تتجه إلى اختيار رئيس البرلمان الجديد

يحتدم تنافس كبير بين التشكيلات الحزبية الجزائرية على اختيار رئيس جديد للبرلمان قبيل افتتاح عهدته الجديدة، الثلاثاء.

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
رياضة عالمية الجزائري إسماعيل بن ناصر فسخ عقده مع ميلان (رويترز)

تمهيداً لانتقاله للغرافة... الجزائري بن ناصر يفسخ عقده مع ميلان

ذكرت تقارير أنَّ اللاعب الجزائري إسماعيل بن ناصر فسخ عقده مع ميلان الإيطالي، مما يمهِّد الطريق لانتقاله إلى الغرافة القطري.

«الشرق الأوسط» (ميلانو)
شمال افريقيا وزير التربية الوطنية مع أطر التعليم (الوزارة)

الجزائر تتخذ خطوة جديدة لتقليص النفوذ اللغوي الفرنسي

أعلنت الجزائر رسمياً وقف تدريس اللغة الفرنسية في السنة الثالثة الابتدائية، في خطوة تعكس توجهاً سياسياً بدأ بوصول الرئيس عبد المجيد تبون إلى الحكم.

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
رياضة عربية الجزائري يوسف البلايلي (كاف)

الترجي يتخلى عن يوسف البلايلي

أعلن نادي الترجي التونسي لكرة القدم، الجمعة، صرف نظره عن تجديد عقد اللاعب الجزائري يوسف البلايلي.

«الشرق الأوسط» (تونس)