نبيل نحاس بتجهيز «تعدُّد بلا حدود» يُمثّل لبنان في «بينالي البندقية»

إفريز ضخم من 26 جدارية يُطوّق زوّاره ويدعوهم إلى الإبحار

نبيل نحاس ومنسّقة الجناح اللبناني ندى غندور (بإذن من الفنان والجمعية اللبنانية للفنون البصرية)
نبيل نحاس ومنسّقة الجناح اللبناني ندى غندور (بإذن من الفنان والجمعية اللبنانية للفنون البصرية)
TT

نبيل نحاس بتجهيز «تعدُّد بلا حدود» يُمثّل لبنان في «بينالي البندقية»

نبيل نحاس ومنسّقة الجناح اللبناني ندى غندور (بإذن من الفنان والجمعية اللبنانية للفنون البصرية)
نبيل نحاس ومنسّقة الجناح اللبناني ندى غندور (بإذن من الفنان والجمعية اللبنانية للفنون البصرية)

يُخيّل إليك، للوهلة الأولى، وأنت تتأمّل تجهيز الفنان اللبناني المُكرَّس نبيل نحاس، الذي يُمثّل لبنان هذه الأيام في المعرض الدولي للفنون - «بينالي البندقية»، في دورته الـ61، أنك أمام عمل مُحيّر لا تعرف من أين تبدأ قراءته. لكنك تحتاج إلى قليل من التأمّل في هذه الجداريات التي تلف الجناح اللبناني في المعرض من جميع أنحائه، مرتفعةً عن الأرض بعلو يزيد على 200 متر، لترى في هذه اللوحات المتلاصقة ما يجمع أكثر مما يُفرّق. قد تظنها مواضيع وأرواحاً لا جامع بينها، لا سيما أنّ الفنان تقصّد أن ينقلك من لوحة بالأبيض والأسود ذات أشكال هندسية تجريدية متداخلة مثلاً، إلى لوحة أخرى تكملها وملاصقة لها رُصّعت بنجوم يختلط فيها الأزرق بالأخضر والأبيض والرمادي، ثم أخرى بأرضية بنفسجية تداخلت فيها خطوط لولبية من أعلاها إلى أسفلها.

يريد نبيل نحاس لزوّار الجناح أن يعيشوا تجربة تأمّلية أمام هذه الجدارية المركّبة، قبل أن ينشغلوا بفهم فحواها، الذي يستلهم من عنوانها الدال والملهم «تعدُّد بلا حدود».

الحضور الرسمي والفنّي في افتتاح الجناح اللبناني (بإذن من الفنان والجمعية اللبنانية للفنون البصرية)

وهو موضوع لم يُختَر جزافاً ليمثّل لبنان في مناسبة دولية كبرى، في مثل هذه الأيام العصيبة بالذات، بل أريد لهذه الثيمة أن تُقدَّم بجماليتها وتجلّيها التشكيلي فحوى المشاركة وجوهرها، وهي تعكس روح لبنان ونعمته الكبرى في عيشه التسامحي المشترك.

يتألّف التجهيز الفنّي الممتدّ على طول 45 متراً والموجود في موقع «آرسنال»، من 26 لوحة أكريليك على قماش بارتفاع 3 أمتار، بحيث تشكّل هذه الأعمال المتلاصقة جنباً إلى جنب إفريزاً ضخماً يطوّق زواره ويدعوهم إلى الإبحار في رموزه وأجوائه.

ونبيل نحاس هو أحد أكثر التشكيليين اللبنانيين حرصاً على إبراز التعدّدية في بلاده. عاش متنقلاً بين مدينة جبيل طفلاً، والقاهرة يافعاً، ومن ثم في نيويورك حيث عمل وحَضَر في كبرى المعارض والمتاحف.

غاب عن لبنان 18 سنة متواصلة قبل أن يعود، ومنذ ذلك الوقت لم ينقطع عن مسقطه أبداً. وهو حين يتحدّث عن عمله التركيبي في البندقية، يرى أنه جاء من وحي بيئته التي كانت مختلطة باستمرار. عاش طفولته في مدينة بيبلوس ولعب بين أطلالها الأثرية التي تنام على طبقات من الثقافات القديمة وحضارات تمتدّ من العصر الحجري الحديث وحضارة الأموريين والهكسوس والفينيقيين والمصريين واليونانيين والرومان والبيزنطيين والمماليك حتى العثمانيين. يقول نحاس إنه كان يعثر هناك «مع تآكل الطبقات المختلفة في فصل الشتاء، على ما لا عدَّ له من تمائم وأشياء صغيرة متفرقة... كلّ شيء في هذا المكان ممتزج في تدفُّق خصب من أرض خام عمرها آلاف السنوات. كان هذا الرابط بالأزمنة الغابرة يُثير إعجابي منذ ذلك الحين».

وُلد نبيل نحاس في بيروت عام 1949، ونشأ في القاهرة قبل أن يهاجر إلى الولايات المتحدة عام 1968. تخرّج في «جامعة ولاية لويزيانا» ثم «جامعة ييل». وينتمي إلى الجيل الثاني من التعبيرية التجريدية الأميركية، وهي مدرسة نيويوركية تزامن صعودها في أوائل الخمسينات مع إعادة اكتشاف الزخارف الكبرى.

نبيل نحاس في محترفه في لبنان (خاص الشرق الأوسط)

عمله المعروض اليوم في «الآرسنال»، مُمثّلاً لبنان، تختلط فيه معالم كلّ هذه المراحل التاريخية التي شكلت هويته اللبنانية وصولاً إلى اليوم. ورغم أنه مقيم غالباً في نيويورك، فإنّ محترفه في لبنان، في بلدة عين عار الجبلية في المتن الشمالي، شكّل البوتقة التي اختمر فيها ونُفّذ هذا التجهيز. وكان لنا حظ زيارته هناك خلال الإعداد، وقبل انتقال اللوحات إلى البندقية، لمعايشة الأجواء التي أحاطت بالفنان. فالمحترف يقع في منزل جميل وقديم كان معملاً للحرير، وهو أشبه بمتحف لأعماله وما جمعه من لوحات لكبار الفنانين الذين أحبَّهم.

ويعدُّ نبيل نحاس نفسه أشبه بجسر بين ثقافات كثيرة، لكنه يقول لـ«الشرق الأوسط»: «رغم 55 سنة عشتها في أميركا، بقيت لبنانياً خالصاً، أنتمي إلى هذه البقعة من بلاد الشام. وأعمالي تتحدّث عن الانتماء القوي الذي يسكن نفسي». وهو مدرك تماماً أن الوحي يأتيه من هذه الأشجار المحيطة بمنزله اللبناني، ومن تلك الحقول التي قطعها صغيراً، والشواطئ التي لعب بصدفياتها، والسماء التي تأمّل نجماتها، وها هو يرسمها في جداريته. «تُظهر أعمالي تعلقاً واضحاً بالأرض، من رسم الجذور إلى الجذوع والأغصان التي تتعالى صوب السماء». فالشجر من مكوّنات العمل، وخصوصاً الأرزة التي أعطاها بُعداً آخر، وهو يترك الحرّية لأغصانها تتمدّد أفقياً وتختلط خضرتها بزرقة السماء، كأنهما في عناق.

منسقة الجناح ندى غندور، التي واكبت تطوّر العمل منذ كان فكرة وطوال سنة من الإعداد، ترى أنّ التجهيز له أبعاد عدّة. «فهو عمل فلسفي ورمزي في وقت واحد، والزائر يعيش معه على أنه تجربة قبل أن يدخل في التفسيرات. ففي اللوحات خلفيات ثقافة وفنّ وروحانية في وقت واحد».

إحدى اللوحات الـ26 المكوِّنة للتجهيز (بإذن من الفنان والجمعية اللبنانية للفنون البصرية)

فما يعني نحاس ليس الجانب الديني بمعناه التقليدي، بل المدى الروحاني. ولهذا فإنّ رموزه التي تتكرّر بأشكال مختلفة في التجهيز تُذكّر بكونية وأفق مفتوحَيْن، من نجماته اللمّاعة إلى لولبيات الخطوط التي تُعيدنا إلى الرقصة المولوية، والدوائر اللامتناهية، وصولاً إلى الأشكال الهندسية التجريدية. «هي رقصة كونية، فكما تدور الكواكب حول الشمس، نرى في بعض اللوحات تأثير يد الدرويش وهو يوجّه واحدة للأسفل وأخرى للأعلى. لأن الإنسان هو صلة الوصل بين الأرض والسماء»، تقول لنا ندى غندور.

يمكنك أن تقرأ اللوحات بالاتجاه الذي تريد، كأن تبدأ من لوحة وسط التجهيز. ففي الأصل وُضعت الرسوم متفرّقة، ورُتّبت وفق ما أراد لها الفنان. وكان يمكن تركيبها إلى جانب بعضها بعضاً بنظام مختلف، من دون أن يبدّل ذلك من روح التجهيز شيئاً. فكيفما اختلف الترتيب سيُعيدك إلى انسجامية الاختلافات التي بُني عليها العمل. فليس هدف الجدارية أن تحكي قصة، وإنما أراد الفنان أن يحرّرها من الخطّ الزمني المتتابع والمتسلسل. واستند إلى المنمنمات الفارسية التي تقرأها من حيث تريد. «نبيل ليس منشغلاً بأن يحكي قصة، بل بأن يقدّم رؤى يترك للمتفرج أن يجمعها على هواه»، وفق غندور.

جانب من تجهيز «تعدُّد بلا حدود» (بإذن من الفنان والجمعية اللبنانية للفنون البصرية)

ومن العناصر التي تلفت في اللوحات الشكل الهندسي الواحد الذي يتكرّر بأحجام متناهية في الصغر والكبر، ليذكرنا بكونية تعيدنا إلى صوفية ابن الرومي وقوله: «أنت لست قطرة في محيط، أنت المحيط كلّه في قطرة». وهي ليست تجريدية هندسية غربية خالصة، وإنما تأتي منكّهة بروح الزخرف الإسلامي، بأسلوب تركيبي وتفكيكي في آن.

«يستخدم نبيل نحاس الرموز ليساعدنا على فهم رؤيته، فهو منهمك بتفسير رؤيته للعالم من خلال الرسم. ففي رأيه أن أصداف البحر على شكل نجوم هي انعكاس لتلك التي نراها في السماء، حتى إن الفرق يتلاشى»، تشرح غندور التي واكبت العمل.

الجناح اللبناني في «بينالي البندقية» يستمر حتى 22 نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل، برعاية وزارة الثقافة وتنظيم «الجمعية اللبنانية للفنون البصرية» وإنتاجها. أما سينوغرافيا الجناح، فصمّمها شارل كتّانة ونيكولا فيّاض.


مقالات ذات صلة

8 فنانات عربيات يُعدن اكتشاف أساطير المرأة والأرض

يوميات الشرق من أعمال الفنانة السعودية فاطمة النمر (الشرق الأوسط)

8 فنانات عربيات يُعدن اكتشاف أساطير المرأة والأرض

في معرض يستعيد أساطير المرأة والأرض، ويدمج الأماكن والشخوص في حالة فنية يتناغم فيها اللون مع التكوين، أعادت 8 فنانات اكتشاف أساطير المرأة والأرض.

«الشرق الأوسط» (القاهرة )
يوميات الشرق إبرة حفظت من أعمار العاملين ما لا تحفظه سجلات المصانع (الشرق الأوسط)

في آخر مصانع النسيج اللبنانية... خيوط الذاكرة لم تنقطع

القميص قطعة تجمع الأجيال والمهن والطبقات الاجتماعية بالليونة والبناء الهندسي...

فاطمة عبد الله (بيروت)
يوميات الشرق لوحة بالمعرض تدمج الواقع بالأسطورة (قطاع الفنون التشكيلية)

«سرديات الأرض السوداء»... لوحات تقتفي أثر المصريين القدماء

تنطوي التجربة التي يقدمها الفنان التشكيلي المصري محمد عيد في معرضه الأحدث «سرديات الأرض السوداء» على ملامح شيقة من الحضارة المصرية القديمة.

محمد الكفراوي (القاهرة )
يوميات الشرق يجمع المعرض نخبةً من 34 فناناً و69 عملاً فنياً (مسك للفنون)

«على امتداد الطريق»... 34 فناناً يُعيدون رسم معنى السفر في الرياض

يفتح معرض فني فريد في العاصمة السعودية أبوابه لتأمل موضوع السفر في تجلياته المتعددة، حيث أطلق معهد «مسك» للفنون معرضه الفني «على امتداد الطريق» في الرياض.

عمر البدوي (الرياض)
يوميات الشرق للذاكرة أصابع تعيد رسم ما محته المسافات (الشرق الأوسط)

زينة عاصي تُحمّل الأشياء العادية أثقال الذاكرة والحرب

تُعيد الفنانة النظر في الطريقة التي يستمرّ بها المكان داخل الإنسان بعد مغادرته...

فاطمة عبد الله (بيروت)

8 فنانات عربيات يُعدن اكتشاف أساطير المرأة والأرض

من أعمال الفنانة السعودية فاطمة النمر (الشرق الأوسط)
من أعمال الفنانة السعودية فاطمة النمر (الشرق الأوسط)
TT

8 فنانات عربيات يُعدن اكتشاف أساطير المرأة والأرض

من أعمال الفنانة السعودية فاطمة النمر (الشرق الأوسط)
من أعمال الفنانة السعودية فاطمة النمر (الشرق الأوسط)

في معرض يستعيد أساطير المرأة والأرض، يدمج الأماكن والشخوص في حالة فنية يتناغم فيها اللون مع التكوين، أعادت 8 فنانات من مصر والسعودية وفلسطين ولبنان وسوريا اكتشاف أساطير ارتبطت بالمرأة وبفكرة الأرض، على أكثر من مستوى، سواء أكان أسطورياً أو حياتياً أو شعبياً أو الانتماء والتشبث بالوطن.

المعرض الذي يقام في غاليري «آزاد» بالزمالك، تحت عنوان «على أرضها» يضم أعمالاً للفنانة الفلسطينية دينا مطر، والسعودية فاطمة النمر، واللبنانية منى نحلة، والسورية هلا الجعفري، والفنانات المصريات هيام عبد الباقي، وأمل نصر، ونورهان خورشيد، وعائشة الحريري.

لوحة للفنانة هلا الجعفري (الشرق الأوسط)

وفي مجموعتها «أن اللؤلؤ في الصدف مصون»، تستعيد الفنانة السعودية فاطمة النمر المثل الشعبي انطلاقاً من علاقتها بالبيئة البحرية للخليج، لتبني من اللآلئ والصدف والمنسوجات والحُلي مفردات تتقاطع من خلالها ذاكرة البحر مع ذاكرة المرأة. فاللؤلؤة التي تتكون ببطء في عمق الصدفة، لا تظهر بوصفها زينة فحسب، وإنما كجوهر تصنعه طبقات الزمن والصبر والرعاية.

وتظهر المرأة في هذا العالم بوصفها حاملة للذاكرة وفاعلة في استمرارها؛ تحفظ المعرفة والعادات والقيم، لكنها لا تنقلها كما تسلمتها بالضرورة، بل تعيد منحها معنى في زمنها الخاص، ومن هنا يكتسب احتضان الصدفة للؤلؤة دلالة تتجاوز الحماية، ليصبح فعلاً من أفعال الصون الذي يسمح لما يحمله من إرث بأن ينمو ويتغير ويستمر. وفق الكلمة التعريفية بمجموعتها الفنية.

ولا تتعامل الفنانة مع الأصالة باعتبارها عودة إلى الماضي، بل باعتبارها علاقة متجددة بالجذور. وبين أثر اليد وذاكرة البحر وحضور المرأة، يصبح الموروث في أعمالها مادة حية، يحمل ما كان، ويتشكل في الحاضر، ثم يعبر إلى ما سيأتي.

من أعمال الفنانة هيام عبد الباقي (الشرق الأوسط)

وتقدم الفنانة المصرية هيام عبد الباقي لغة بصرية خاصة، تستند إلى التعبيرية وتتقاطع مع الفكر الصوفي عبر لوحات تشهد زخماً في الألوان والتفاصيل الدقيقة عن قرية متخيلة.

وفي قلب تجربتها، تبني هيام قرية متخَيَّلة تنطلِق من مقولة تتكرّر في عالمها: «الناس بيوت والبيوت ناس»، وفق ما تشير الكلمة التعريفية بأعمالها، وتتداخل الشخصيات والعمارة في تكوينات متشابكة؛ تتراصّ البيوت رأسياً وتمتدّ أفقياً، فيما تتجاوز الضفائر والخطوط أحياناً حدود اللوحة، وكأن هذا العالم يستمر خارج إطارها. ورغم غياب الملامح الفردية الواضحة عن شخوصها، فإنها تحمل إحساساً عميقاً بالألفة والانتماء.

أما الفنانة الفلسطينية دينا مطر، فتقدم أعمالها انطلاقاً من الذاكرة الشخصية وتفاصيل الحياة اليومية، لتَبني عالماً بصرياً تتجاور فيه قسوة الواقع مع كثافة اللون.

وتستعيد الفنانة في لوحاتها التي تتميز بألوانها النابضة لحظات يهددها الفقد والغياب، ليتحوّل اللون إلى فعل مقاومة، والجمال إلى مساحة للأمل.

وتحتلّ المرأة قلب هذا العالم؛ فهي الأم والجدة ونساء الذاكرة، وتتجاوز حضورها الفردي لتصبح رمزاً للوطن والأرض. وتبرز في أعمالها الرموز والموتيفات المعبرة عن فلسطين وعن المرأة الفلسطينية ورمزية الأرض والبحث عن مساحة للسلام.

من أعمال الفنانة أمل نصر (الشرق الأوسط)

كما تقدم الفنانة المصرية أمل نصر تجربة فريدة في مجموعة لوحات تعبر عن عوالم أسطورية تتوسطها المرأة في الغالب، لتقدم لنا مزيجاً سحرياً بين الفن المرتبط بالواقعية السحرية والسريالية المستمدة من أساطير شتى، كلها تضع الإنسان في مركز الحدث وتجعل من الأرض مسرحاً ممتداً للأساطير.

جانب من أعمال الفنانة منى نحلة (غاليري آزاد)

وتنطلق الفنانة اللبنانية منى نحلة في أعمالها من العلاقة بين الشكل والذاكرة، ومن المسافة الملتبسة بين ما فُقد وما تبقى، وبين الغياب والحضور، والواقع وما يستمر في الذاكرة. تظهر في أعمالها شخصيات وبيوت ممتلئة، لا بوصفها عناصر سردية مستقلة، بل بوصفها حوامل لتجارب داخلية. وتتحول البيوت في لوحاتها إلى أوعية شبه مقدسة للذكرى، وأماكن قد لا تكون قائمة في العالم المادي، لكنها تواصل وجودها داخل الإنسان. لا تظهر المنازل بوصفها فضاءات معمارية فحسب، بل كأجساد عاطفية تختزن أثر الحياة التي مرت بها. وتتجاور في أعمال الفنانة ملامح الشخصيات مع البنى المعمارية والعناصر المختلفة، فتبدو الأجساد والبيوت وكأنها تنتمي إلى ذاكرة واحدة لا يمكن الفصل بينهما.

وتظهر المرأة كموضوع أساسي تعتمد عليه الفنانة في تقديم رؤى جمالية تحمل أبعاداً حداثية من خلال عناصر عدة سواء التكوينات أو الألوان أو المنظور.


مصير مجهول لـ«أبشع مبنى» في باريس بعد رفض مشروع تجديده

برج مونبارناس كما يبدو من كاتدرائية نوتردام في باريس في 19 سبتمبر 2025 (أ.ف.ب)
برج مونبارناس كما يبدو من كاتدرائية نوتردام في باريس في 19 سبتمبر 2025 (أ.ف.ب)
TT

مصير مجهول لـ«أبشع مبنى» في باريس بعد رفض مشروع تجديده

برج مونبارناس كما يبدو من كاتدرائية نوتردام في باريس في 19 سبتمبر 2025 (أ.ف.ب)
برج مونبارناس كما يبدو من كاتدرائية نوتردام في باريس في 19 سبتمبر 2025 (أ.ف.ب)

بات «برج مونبارناس»، أعلى ناطحة سحاب في باريس ويوصف بأنه «أبشع مبنى» فيها، أمام مصير مجهول بعدما صوّتت غالبية مالكيه ضد مشروع طال انتظاره لتأهيله وتجديده، وفق «وكالة الصحافة الفرنسية».

ورفض المالكون في جمعية عمومية استثنائية عقدت الأربعاء، مشروعاً مطروحاً منذ عام 2015 بشأن البرج الواقع في جنوب العاصمة الفرنسية، بحسب ما أفاد أحد المستثمرين «وكالة الصحافة الفرنسية» طالباً عدم كشف اسمه.

وكانت الخطة الضخمة المقدرة كلفتها بـ800 مليون يورو، تلحظ تحويل المبنى المؤلف من 59 طبقة، إلى برج زجاجي يتضمن شرفات مزروعة وفندقاً ومتاجر، إضافة إلى دفيئة زراعية على السطح.

برج مونبارناس في باريس في 14 يوليو 2017 (أ.ف.ب)

ويبلغ ارتفاع البرج 210 أمتار، واكتمل بناؤه عام 1973. إلا أنه يبقى مادة للتهكم في العاصمة الفرنسية المعروفة بمبانيها التاريخية والأثرية، وحيث تندر المباني العالية الحديثة التصميم. كما أطلق سكان باريس بحقه دعابة تفيد بأن سطح «مونبارناس» هو المكان الوحيد في المدينة الذي لا يمكن رؤية البرج منه.

ورفض المالكون إعادة تأهيل تشمل إزالة مادة الأسبستوس العازلة والخطرة صحياً، وتجريد الداخل، وإزالة جزء من الواجهة. وكان اجتماع الأربعاء الفرصة الأخيرة لإطلاق المشروع قبل انتهاء صلاحية رخصة البناء الممنوحة لتجديده في نهاية نوفمبر (تشرين الثاني).

وأثار المشروع توترات بين المالكين، ومنهم صناديق استثمار وشركات تأمين فرنسية، ومخاوف بشأن الكلفة.

إلا أن أربعة منهم أيّدوا المضي في مشروع تأهيل أصغر حجماً. وجاء في بيان مشترك أصدروه «نود أن يجتمع جميع المشاركين في ملكية المبنى، والشركاء الماليون، والسلطات العامة قريباً لبحث كل الحلول الممكنة».

برج مونبارناس في باريس في 19 ديسمبر 2016 (أ.ف.ب)

ودعا فيليب غوجون، رئيس البلدية اليميني للدائرة الخامسة عشرة في باريس حيث يقع البرج، إلى إعادة النظر في رفض الخطة.

وقال: «على الجميع أن يعودوا إلى رشدهم... أرفض أن يُلقى مشروع استغرق تطويره عشرة أعوام في سلة المهملات».

ووصفت صحيفة «لو باريزيان» هذا التراجع بأنه «إخفاق ذريع».

أما برنامج الأخبار الصباحي على قناة «تي إف 1» التلفزيونية، فقد اختار البرج «وجه اليوم»، قائلاً إنه «قبيح»، وسيبقى كذلك «لوقت طويل».


في آخر مصانع النسيج اللبنانية... خيوط الذاكرة لم تنقطع

إبرة حفظت من أعمار العاملين ما لا تحفظه سجلات المصانع (الشرق الأوسط)
إبرة حفظت من أعمار العاملين ما لا تحفظه سجلات المصانع (الشرق الأوسط)
TT

في آخر مصانع النسيج اللبنانية... خيوط الذاكرة لم تنقطع

إبرة حفظت من أعمار العاملين ما لا تحفظه سجلات المصانع (الشرق الأوسط)
إبرة حفظت من أعمار العاملين ما لا تحفظه سجلات المصانع (الشرق الأوسط)

لا تزال الآلات تدور في مصنع «كاتبه» للنسيج بمنطقة الحدث، والخيوط تعبُر مراحل الإنتاج، والأيدي تعرف طريقها إلى القماش. على مساحة ألفَي متر مربّع، تستمر صناعة تراجعت في لبنان حتى غدت مصانعها العاملة استثناءً. وفي هذا المكان الذي احتفظ بصوت الآلات وحركة العمّال، اختارت منصة «فراغمنتا» الثقافية أن تبدأ حكاية «قميص»، مشروعها الثاني الذي يتّخذ من قطعة نرتديها يومياً مدخلاً إلى تاريخ صناعة النسيج في لبنان، وما تختزنه من معارف وحِرف وذاكرة إنسانية.

ألوان ونقوش تحفظ شيئاً من تاريخ النسيج اللبناني (الشرق الأوسط)

تحت رعاية وزارة الثقافة، جمع لقاء «خيوط المعرفة» شخصيات من الأوساط الثقافية والصناعية والنسيجية داخل مصنع «كاتبه»، تمهيداً لمعرض «قميص... شذرات من اللباس» المُرتقب في نوفمبر (تشرين الثاني). وجاء اختيار المصنع من صميم فكرة المشروع الذي تنطلق فيه مؤسِّستا «فراغمنتا» نور نجم وغيلين إلياس من الأشياء المألوفة للبحث في المعارف الإنسانية والتقنية والتاريخية التي تقف وراءها.

القميص في نظرهما قطعة تجمع الأجيال والمهن والطبقات الاجتماعية، بالليونة والبناء الهندسي. وراءه، رحلة طويلة تبدأ بالألياف والخيوط، وتمرّ بالنسيج والآلات والخياطة، وصولاً إلى الأيدي التي تمنحه شكله النهائي. ومن هذه الرحلة يتفرَّع مشروع «قميص» إلى 5 فصول مترابطة تتناول أصول المواد والبناء والتفسيرات المعاصرة، والحوار مع الصنّاع والذاكرة والأرشيف.

ذاكرة النسيج مطويّة بين صفحات من قماش (الشرق الأوسط)

ويحمل مصنع «كاتبه» جانباً من تاريخ الصناعة اللبنانية التي أدّت حتى سبعينات القرن الماضي دوراً أساسياً في الاقتصاد المحلّي. ففي عام 1974، شكَّلت الصناعات التحويلية نحو 18 في المائة من الناتج المحلّي الإجمالي، وكانت صناعة النسيج من القطاعات الراسخة آنذاك. ثم جاءت الحرب والتحوّلات الاقتصادية وتبدُّل الأسواق، وتراكمت الأزمات التي أضعفت هذا الإنتاج.

وسط التراجع، بقي المصنع الذي تُديره اليوم العائلة في جيلها الرابع، ممثَّلاً بطوني كاتبه، شاهداً على استمرارية المعرفة الصناعية. فهو ينتج الأقمشة البسيطة النسج والمناشف القطنية، وتَشغَل أقمشة القمصان نحو 40 في المائة من إنتاجه الحالي، فيما تتوزَّع النسبة المتبقّية على منتجات أخرى.

تبدأ العملية بخيوط تُستورَد من مورّدين مُعتَمدين، ثم تُلفّ وتُنسَج وتُغسَل وتُستَكمل مراحل تجهيزها داخل المصنع، حيث تتعاقب الآلات والعمل اليدوي حتى يتحوّل الخيط إلى قماش.

خيوط تنتظر أن تمنحها الآلات شكلاً وحياة (الشرق الأوسط)

بالنسبة إلى طوني كاتبه، يرتبط الحفاظ على المصنع بمسؤولية إنسانية واجتماعية. فالمشروع الذي بدأ مع جدّه وانتقل بين أجيال العائلة، لا يزال يؤمّن للعاملين فيه مصدر رزق واستقراراً لعائلاتهم، ويحفظ خبرات مَن أمضوا أعمارهم في هذه المهنة، لتُنقل حكاية الصناعة على ألسنة الذين عاشوها وأسهموا في بقائها.

ومن هذه الحكاية التي يرويها المصنع بأهله وآلاته، تنطلق «فراغمنتا» للبحث عمّا بقي من صناعة النسيج اللبنانية، وما يمكن أن تقدّمه خبراتها للمستقبل. فنور نجم وغيلين إلياس تريان في المهارات والمعارف التي صمدت رغم تراجع القطاع مادةً يمكن البناء عليها وإعادة إدخالها في ممارسات التصميم والإنتاج المعاصرة، بما يمنح هذه الذاكرة فرصة للتجدُّد والانتقال إلى أجيال مقبلة.

وتسعى «فراغمنتا» إلى نقل هذه المعارف بين الحرفيين والمصمّمين والباحثين، وإيجاد مساحات يلتقي فيها أصحاب الخبرة الصناعية بالممارسات الفنّية والتصميمية الحديثة. وتقوم مشاريعها على البحث في المواد والأشياء التي تحمل شيئاً من تاريخ المنطقة وثقافتها، وما تكشف عن علاقة الإنسان بالصناعة والحرفة. وقد اختارت في دورتها الثانية القميص، بما يختزنه من ذاكرة صناعة النسيج اللبنانية والعاملين فيها.

صفحات من قماش تختزن سنوات من الحرفة وتحوّلاتها (الشرق الأوسط)

وفي احتضان «كاتبه» إطلاق المشروع، تأكيدٌ على أهمية العودة إلى الأماكن التي احتفظت بمعارفها الصناعية، وإلى الأشخاص الذين توارثوا هذه الخبرات وحافظوا عليها رغم التحوّلات التي شهدها لبنان. فالمصنع الذي لا يزال ينتج حتى اليوم، يضع أمام «قميص» تاريخاً يمكن قراءته من خلال العمل، وأيضاً العاملين الذين يعرفون أسرار هذه المهنة.

يُفتتح المعرض أمام الجمهور في 28 نوفمبر المقبل، ويستمر حتى 5 يناير (كانون الثاني) 2027، في معمل تكرير السكّر المهجور بمنطقة الزلقا شمال بيروت؛ ليُعيد «قميص» إلى الأشياء التي نرتديها وجوهَ الذين صنعوها، وإلى الأيدي التي أمضت أعمارها في هذه المهنة شيئاً من حقّها في الذاكرة. فالقماش الذي يُرافقنا من دون أن نفكّر في حكايته، مرَّ يوماً بين أصابع تعرف أسرار الخيط والآلة، وحمل معه شيئاً من أعمار أصحابها. وللخيط عمرٌ آخر حين يُغادر المصنع؛ يواصل حياةً بدأها آخرون، ويصير بعض أقرب الأشياء إلينا، فيما تبقى أيديهم بعيدة عن العيون.