استنفار مصري لمواجهة «نظام الطيبات» مع رواجه

حظر نشر مواد مصورة أو مكتوبة للراحل ضياء العوضي

اجتماع سابق للمجلس الأعلى لتنظيم الإعلام في مصر (الصفحة الرسمية للمجلس)
اجتماع سابق للمجلس الأعلى لتنظيم الإعلام في مصر (الصفحة الرسمية للمجلس)
TT

استنفار مصري لمواجهة «نظام الطيبات» مع رواجه

اجتماع سابق للمجلس الأعلى لتنظيم الإعلام في مصر (الصفحة الرسمية للمجلس)
اجتماع سابق للمجلس الأعلى لتنظيم الإعلام في مصر (الصفحة الرسمية للمجلس)

استنفار رسمي وإعلامي في مصر لمواجهة رواج بدا لافتاً لما يُعرف بـ«نظام الطيبات» الغذائي المثير للجدل، الذي يقوم على رفض العلاج من الأمراض بالأدوية التقليدية، واستبدالها بواسطة نظام غذائي غير علمي، وذلك رغم وفاة صاحبه الطبيب المصري ضياء العوضي في الإمارات قبل نحو أسبوعين.

وفي خطوة لاحتواء «الظاهرة»، التي حذّرت منها وزارة الصحة المصرية، قرر المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام (حكومي)، الأحد، إصدار قرار بحظر نشر أو بث أو تداول أي مواد مصورة أو مسموعة أو مكتوبة للطبيب الراحل، مؤكداً أن محتواها قد يضر بالصحة العامة، ويمثل تهديداً مباشراً لحياة المواطنين. كما ألزم القرار جميع الوسائل الإعلامية والمنصات الرقمية بعدم إعادة نشر أو تداول تلك المواد.

وقرّر المجلس رصد المخالفات تمهيداً لاتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة، مع إحالة الروابط المخالفة إلى الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات لإزالتها، إلى جانب التنسيق مع وزارة الصحة ونقابة الأطباء لإصدار لائحة تنظم الظهور الإعلامي للأطباء خلال الشهر الحالي.

سبق القرار الرسمي حملة انتقادات واسعة قادها إعلاميون مصريون ضد نظام العوضي. وطالب الإعلامي عمرو أديب النائب العام باتخاذ إجراءات ضد من يروجون لهذا النظام عبر مواقع التواصل الاجتماعي، قائلاً خلال برنامجه على قناة «إم بي سي مصر» إن «أي شخص يروج لنظام الطيبات مجرم».

كما دعا الإعلامي أحمد موسى الجهات المعنية إلى حذف جميع الفيديوهات المرتبطة بالنظام الغذائي من القنوات التلفزيونية ومنصات التواصل الاجتماعي، عادّاً أنها تُشكّل خطراً على المواطنين، ومتهماً العوضي بالترويج لنظام غذائي يؤدي إلى تفاقم الأمراض والتسبب في وفاة بعض المرضى، خصوصاً المصابين بالسكري، وذلك خلال برنامجه التلفزيوني.

الطبيب المصري الراحل ضياء العوضي (صفحته على فيسبوك)

وكان العوضي، وهو استشاري تخدير وعناية مركزة، ممنوعاً من ممارسة المهنة قبل وفاته، وفق ما أعلنته نقابة الأطباء المصرية، التي شطبت عضويته من جداولها بعد اتهامه بنشر معلومات طبية مضللة وغير مدعومة علمياً عبر وسائل التواصل الاجتماعي.

ويقوم «نظام الطيبات» الذي روّج له العوضي على تصنيف الأطعمة إلى «طيبات» مناسبة للجسم، وأخرى «غير ملائمة» يجب الامتناع عنها. ومن بين الممارسات التي دعا إليها شرب الماء فقط عند الشعور بالعطش، دون الإكثار منه.

كما أثار الجدل بعد تحذيره من تناول الدواجن، وزعمه أن منتجات الألبان تحتوي على مواد خطيرة، إلى جانب تفضيله الإفطار بـ«النوتيلا» بدلاً من الأطعمة التقليدية مثل الفول، والدعوة إلى استهلاك كميات كبيرة من السكر يومياً، والتحذير من تناول الخضراوات رغم قيمتها الغذائية المعروفة.

ورغم وفاة العوضي، فإن الانقسام المجتمعي حول نظامه الغذائي لا يزال متصاعداً، إذ يواصل بعض مؤيديه الترويج له بشكل جماعي، بينما يعده آخرون «خرافة» و«دجلاً».

وازدادت مؤشرات القلق الرسمي مع ارتفاع معدلات تداول المقاطع المصورة التي تروج للنظام الغذائي عبر مواقع التواصل الاجتماعي، والدفاع المستميت من مؤيديه عن هذا النظام.

وكشف صاحب أحد المخابز المتخصصة في إنتاج خبز الشعير والحبة الكاملة عن زيادة ملحوظة في الإقبال على هذا النوع من الخبز (الذي روج له العوضي لفوائده) في تصريحات تداولتها وسائل إعلام محلية، حيث أكد أن الطلب امتد إلى محافظات عدة بينها سوهاج والإسكندرية وأسيوط والمنيا، وأن بعض الزبائن يشترون كميات تصل إلى 35 و40 كيلوغراماً لتوزيعها على أسرهم.

تحذير الصحة

وسارع المتحدث باسم وزارة الصحة حسام عبد الغفار إلى التحذير من إعادة تقديم الأفكار أو الممارسات التي سُحبت مشروعيتها رسمياً، بوصفها محل جدل أو اختلاف، لما تمثله من خطورة على المجتمع، حسب منشور عبر صفحته الرسمية على «فيسبوك»، السبت.

ومن دون الإشارة المباشرة إلى العوضي، أكد عبد الغفار أن سحب ترخيص مزاولة المهنة من أي طبيب «يمثل إعلاناً واضحاً بأن استمرار مثل هذه الممارسات يُشكّل خطراً حقيقياً لا يمكن التغاضي عنه، ويستوجب تدخلاً حاسماً لحماية الصحة العامة».

البرلمان

ولم يغب البرلمان المصري عن موجة التحرك ضد انتشار هذه الظاهرة، إذ كشفت لجنة الصحة بمجلس النواب عن إعداد تعديلات تشريعية تستهدف تغليظ العقوبات بحق مروجي المعلومات الطبية غير المثبتة علمياً، أو من يدفعون المرضى إلى التخلي عن العلاجات المعتمدة.

في المقابل، رأى الدكتور مجدي مرشد، وكيل اللجنة، أن التشريعات المنظمة لمواجهة التصريحات والوصفات الطبية العشوائية موجودة بالفعل، مشدداً على أن الأزمة الأساسية تكمن في ضعف تطبيق القوانين على أرض الواقع.

بدورها، أكدت عضوة لجنة الصحة بمجلس النواب، النائبة إليزابيث شاكر لـ«الشرق الأوسط» أن صحة المواطنين «لا تقبل المساومة»، محذرة من مخاطر الترويج لأنظمة غذائية غير معتمدة علمياً. وقالت البرلمانية المصرية إن أي نظام غذائي لا يستند إلى أبحاث ودراسات موثقة ومعترف بها عالمياً من مراكز بحثية ذات مصداقية قد يشكّل تهديداً مباشراً للصحة العامة، خصوصاً مع الانتشار الواسع للمحتوى الغذائي والطبي عبر مواقع التواصل الاجتماعي من دون رقابة كافية.

وأيدت بدء تحرك تشريعي عاجل لتنظيم كل من المحتوى الطبي والغذائي، ومحاسبة مروجي المعلومات المضللة، إلى جانب إطلاق حملات توعية موسعة لتعريف المواطنين بمخاطر اتباع الأنظمة الغذائية غير الموثوقة، مع التأكيد على أهمية الرجوع إلى الأطباء والمتخصصين قبل تبني أي نظام علاجي أو غذائي متداول عبر الإنترنت.

نقيب الأطباء

وسط هذه التحركات يذهب نقيب الأطباء المصريين أسامة عبد الحي إلى الاعتقاد بأن التحركات الحكومية لمواجهة ما وصفه بـ«ظواهر الدجل الطبي» كان ينبغي أن تبدأ مبكراً، محذراً من خطورة الترويج لأنظمة علاجية أو غذائية غير معتمدة علمياً، خصوصاً في القرى والأرياف التي تنتشر فيها بعض أساليب العلاج الشعبي والاعتماد على مواد غذائية بوصفها بديلاً للعلاج الطبي.

وأكد عبد الحي لـ«الشرق الأوسط» أن هذه الممارسات قد تتسبب في أضرار صحية «مدمرة» للمواطنين، مشيراً إلى أن نقابة الأطباء تحركت مبكراً ضد الطبيب الراحل في مارس (آذار) الماضي.

وسط هذا الاستنفار، تبقى التحركات الأمنية مهمة وتأتي من منظور الخبير الأمني اللواء إيهاب يوسف، لملاحقة هذه الظواهر، إلى جانب تضافر جهود وزارة الصحة ونقابة الأطباء والتوعية المجتمعية لتجفيف المنابع، حسبما قال لـ«الشرق الأوسط».


مقالات ذات صلة

زيارة وزير خارجية سوريا إلى مصر... مؤشرات تقارب تتجاوز الجمود

شمال افريقيا وزير الخارجية المصري يستقبل نظيره السوري في القاهرة الأحد (الخارجية المصرية)

زيارة وزير خارجية سوريا إلى مصر... مؤشرات تقارب تتجاوز الجمود

عُقدت مشاورات مصرية - سورية في القاهرة على مستوى وزيرَي الخارجية، تعدُّ الأولى رسمياً، منذ سقوط نظام بشار الأسد في ديسمبر (كانون الأول) 2024.

محمد محمود (القاهرة)
شمال افريقيا برزت حوادث المدارس على مواقع التواصل (وزارة التربية والتعليم)

وقائع داخل مدارس مصرية تثير انتقادات

أثارت وقائع داخل مدارس مصرية تعرضت لها طالبات انتقادات في البلاد بعد تداولها على نطاق واسع بمواقع التواصل الاجتماعي.

أحمد عدلي (القاهرة )
شمال افريقيا وزارة الداخلية المصرية نظَّمت مساء السبت فرقةً تدريبيةً لأعضاء البعثة المرافقين للحجاج (الداخلية)

حملة مصرية لمواجهة «كيانات الحج الوهمية»

تكثِّف السلطات المصرية حملاتها مع انطلاق موسم الحج؛ لمواجهة «كيانات غير شرعية» تروِّج لـ«برامج حج وهمية».

وليد عبد الرحمن (القاهرة )
شمال افريقيا اجتماع الرئيس عبد الفتاح السيسي الأحد مع رئيس الوزراء مصطفى مدبولي  (الرئاسة المصرية)

مصر لتأمين احتياجاتها من السلع الاستراتيجية في ظل اضطرابات المنطقة

تقول الحكومة إن لديها سيناريوهات تعمل على تطبيقها لضمان استقرار الأسواق كما توجّه بشكل متكرر رسائل طمأنة للمواطنين فيما يتعلق بالأسعار

وليد عبد الرحمن (القاهرة)
يوميات الشرق الفنان المصري هاني شاكر (حسابه على فيسبوك)

رحيل «أمير الغناء العربي» هاني شاكر عن 74 عاماً

غيب الموت اليوم (الأحد) المطرب المصري هاني شاكر الملقب بـ«أمير الغناء العربي» بعد تدهور حالته الصحية مؤخراً وسفره إلى فرنسا للعلاج .

«الشرق الأوسط» (القاهرة)

تحركات رئاسية صومالية لنزع فتيل أزمة «العام الانتقالي»

الرئيس الصومالي خلال لقاء سابق مع أعضاء ومسؤولي «مجلس المستقبل» للمشاركة في جلسات التشاور التي نظّمتها الحكومة الفيدرالية (وكالة الأنباء الصومالية)
الرئيس الصومالي خلال لقاء سابق مع أعضاء ومسؤولي «مجلس المستقبل» للمشاركة في جلسات التشاور التي نظّمتها الحكومة الفيدرالية (وكالة الأنباء الصومالية)
TT

تحركات رئاسية صومالية لنزع فتيل أزمة «العام الانتقالي»

الرئيس الصومالي خلال لقاء سابق مع أعضاء ومسؤولي «مجلس المستقبل» للمشاركة في جلسات التشاور التي نظّمتها الحكومة الفيدرالية (وكالة الأنباء الصومالية)
الرئيس الصومالي خلال لقاء سابق مع أعضاء ومسؤولي «مجلس المستقبل» للمشاركة في جلسات التشاور التي نظّمتها الحكومة الفيدرالية (وكالة الأنباء الصومالية)

تحرك رئاسي صومالي جديد لعقد حوار مع المعارضة، وذلك قبل أيام من مهلتها التي تنتهي قبل منتصف مايو (أيار) الحالي، رفضاً لـ«العام الانتقالي» الذي سمح به الدستور الجديد، لتمديد فترتي الرئيس والبرلمان عاماً إضافياً.

الدعوة للحوار المرتقب في 10 مايو الحالي لاقت ترحيباً أممياً، خصوصاً أنها تحمل فرصة أخيرة لتفاهمات حاسمة بين الرئيس حسن شيخ محمود، والمعارضة التي ترفض تمديد فترة الرئاسة، بحسب خبير في الشأن الصومالي، تحدث لـ«الشرق الأوسط»، متوقعاً 3 سيناريوهات، أرجحها مشاركة المعارضة في الاجتماع والتوصل لتفاهمات، وأصعبها المقاطعة وانتظار تصعيد شعبي وأزمة سياسية غير مسبوقة.

دعوة حوار جديد

ووفقاً لما ذكرت وكالة الأنباء الصومالية (صونا)، دعا حسن شيخ محمود، الأحد، مجلس المستقبل (المعارض) إلى مشاركة في اجتماع يُعقد رسمياً في 10 مايو الحالي، وذلك «استناداً إلى اللقاءات والمشاورات الخاصة التي أجراها خلال الفترة الأخيرة مع سياسيين وقادة سابقين وشيوخ عشائر ومختلف فئات المجتمع الصومالي».

الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود (وكالة الأنباء الصومالية)

ويأتي هذا الاجتماع، بحسب ما ذكرته «صونا»، «انطلاقاً من الحاجة إلى مناقشة القضايا المصيرية للبلاد بروح إيجابية وشفافية ومسؤولية، وعلى رأسها مسار بناء الدولة، بما في ذلك الانتخابات، وتعزيز الوحدة الوطنية، وتحديد التوجه السياسي لمستقبل الصومال»

وأكّد الرئيس الصومالي أن «المرحلة الراهنة تتطلب التوافق وتقديم التنازلات المتبادلة، لضمان أن تكون الحوارات مثمرة وتُسفر عن نتائج عملية وفعّالة».

ويستلزم الدستور الصومالي المعدل حديثاً «عاماً انتقالياً»، يترتب عليه تمديد فترتي مؤسستي الرئاسة والبرلمان سنة أخرى، لكن المعارضة لا تكفّ عن التهديد والإنذار بأنها لن تسمح بتجاوز المواعيد السابقة المقررة لانتهاء ولاية الرئيس حسن شيخ محمود في منتصف مايو 2026.

وكان رئيس مجلس النواب، آدم محمد نور مدوبي، أكّد أن جميع المؤسسات الدستورية ستعمل وفق الدستور المعدل الذي وقّعه الرئيس، وينص على أن «تكون مدة ولاية الرئيس والبرلمان 5 سنوات بدلاً من 4 سنوات (التي يفترض أن تنتهي قبل منتصف مايو)».

رفض التمديد

وعقب إقرار التعديل الدستوري في مارس (آذار)، قال ائتلاف المعارضة الصومالية، المعروف باسم «مجلس مستقبل الصومال»، في بيان، إن مدة ولاية البرلمان الفيدرالي، وفق الدستور المؤقت لعام 2012، تنتهي في 14 أبريل (نيسان) 2026، فيما تنتهي ولاية الرئيس في 15 مايو من العام نفسه، مضيفاً أنه يرفض «بشكل واضح وصريح أي محاولة لتمديد فترة الولاية بعد المواعيد المحددة في الدستور المؤقت لعام 2012».

وجاء أحدث تلك الإنذارات على لسان رئيس بونتلاند سعيد عبد الله دني، المختلِف مع الحكومة الفيدرالية، محذراً الأربعاء الماضي، من أن الخلافات السياسية قد تهدد وجود الدولة إذا لم يتم التوصل إلى حل شامل قبل نهاية ولاية الرئيس في 15 مايو. وقال: «إذا لم يتم التوصل إلى اتفاق سياسي يقبله جميع الصوماليين، فلن تكون هناك حكومة فيدرالية لإدارة البلاد».

وتعارض ولايتا غوبالاند وبونتلاند وقيادات معارضة بارزة التعديلات الدستورية، قائلة إنها لم تتم بطريقة قانونية، وأعلنت مقاطعتها الدستور المعدل الذي صادق عليه البرلمان الفيدرالي قبل شهرين، وسط خلافات جذرية مع الحكومة تشمل أيضاً رفض الانتخابات المباشرة.

توقيت حساس

من جانبه، قال المحلل السياسي الصومالي عبد الولي جامع بري، إن تصريح حسن شيخ محمود حول «التنازلات المتبادلة» والدعوة إلى حوار في 10 من الشهر الحالي يأتي في توقيت حساس جداً، لأنه يسبق مباشرة موعد 15 مايو الذي لوّحت به أطراف معارضة للتصعيد، لافتاً إلى أن هذا يضع البلاد أمام لحظة سياسية حاسمة، فيها فرصة حقيقية لخفض التوتر، لكن خطر الفشل وارد أيضاً.

ويعتقد أن نجاح الحوار يتوقف على أجندة الاجتماع، التي ستشمل القضايا الحرجة، وأبرزها الانتخابات، والدستور، وتقاسم السلطة، بخلاف الضمانات، وهل هناك التزام واضح بعدم اتخاذ خطوات أحادية أثناء الحوار، بخلاف أهمية وجود أطراف دولية ومحلية محايدة كوسطاء، لافتاً إلى أن وجود هذه العناصر يمكن أن يسفر عن تجميد أو تأجيل تصعيد 15 مايو، مستدركاً: «لكن أما إذا اعتبرته المعارضة مجرد تكتيك لكسب الوقت، فالتصعيد قد يستمر».

ويرجح إمكانية قبول المعارضة هذا الحوار، إذا ضمنت أنه ليس شكلياً، بل يؤدي إلى نتائج ملموسة، وقد تشترط وقف أو تجميد أي قرارات أحادية، خاصة المتعلقة بالانتخابات أو التعديلات الدستورية بخلاف تحديد جدول زمني واضح للحوار ونتائجه وإشراك جميع الأطراف السياسية دون إقصاء.

ترحيب أممي

ووسط ذلك المسار الجديد المقترح للحوار، رحّبت بعثة الأمم المتحدة الانتقالية في الصومال والمملكة المتحدة بدعوة الحكومة الفيدرالية لعقد اجتماع مجلس مستقبل الصومال، واصفة المبادرة بأنها خطوة استراتيجية وفي توقيت مثالي لمعالجة الأولويات الوطنية الحاسمة، بحسب ما ذكرته وكالة الأنباء الصومالية الأحد.

وأكّدت البعثة الأممية، في بيان، أن الاجتماع يمثل فرصة هامة لرسم خريطة طريق مشتركة للمضي قدماً في القضايا الوطنية الكبرى، داعية الأطراف كافة إلى المشاركة بنوايا حسنة وإعلاء مصلحة الشعب الصومالي.

ومن جانبه، أشاد السفير البريطاني لدى مقديشو، تشارلز كينغ، بالمبادرة، مؤكداً أن الحوار الوطني هو المسار الأمثل لتعزيز الاستقرار وحماية مكتسبات الصوماليين.

ومع هذه الترحيبات الدولية، يتوقع بري عدة سيناريوهات محتملة للحوار، أولها مشاركة المعارضة والاتفاق على خريطة طريق مشتركة وتأجيل أو إلغاء تصعيد 15 مايو، بخلاف سيناريو المشاركة المشروطة بالدخول في حوار، لكنها تبقي خيار التصعيد قائماً، فيما تحاول الحكومة كسب الوقت وعقد جولات دون نتائج.

وأسوأ السيناريوهات بحسب بري، التعثر والفشل، حيث قد ترفض المعارضة المشاركة أو تنسحب سريعاً، وهذا يجعل تصعيد 15 مايو واقعاً، وقد يتوسع سياسياً أو شعبياً.


العمال في اليمن... بطالة قاسية ومعاناة لا تنتهي

شخص يشتري وجبات خفيفة من عربة متنقلة في صنعاء الخاضعة للحوثيين (إ.ب.أ)
شخص يشتري وجبات خفيفة من عربة متنقلة في صنعاء الخاضعة للحوثيين (إ.ب.أ)
TT

العمال في اليمن... بطالة قاسية ومعاناة لا تنتهي

شخص يشتري وجبات خفيفة من عربة متنقلة في صنعاء الخاضعة للحوثيين (إ.ب.أ)
شخص يشتري وجبات خفيفة من عربة متنقلة في صنعاء الخاضعة للحوثيين (إ.ب.أ)

في الوقت الذي يحتفل فيه العالم بـ«عيد العمال» في 1 مايو (أيار) من كل عام، يعيش عمال اليمن مُنذ سنوات أعقبت الانقلاب والحرب التي أشعلها الحوثيون، واقعاً مختلفاً، تتجسد فيه معاناة يومية وصراع مرير من أجل البقاء، في ظل ظروف اقتصادية وإنسانية تُعدّ من بين الأسوأ عالمياً.

يقول عدد من العمال في صنعاء ومدن أخرى لـ«الشرق الأوسط»، إنه لم يعد هذا اليوم بالنسبة لكثير منهم مناسبة للاحتفال بأي إنجاز عملي، أو المطالبة بتحسين الحقوق؛ بل تحول إلى محطة للتذكير بحجم التحديات التي يواجهونها، بدءاً من البطالة المُتفشية، مروراً بتدهور الأجور، وانتهاءً بانعدام الحماية الاجتماعية.

واشتكى بعضهم من استمرار انهيار أوضاعهم وأسرهم للعام الثاني عشر على التوالي، حيث يكافحون يومياً لتأمين الحد الأدنى من الاحتياجات، وسط ارتفاع الأسعار وندرة الشغل، وغياب أقل الخدمات، لافتين إلى أن الأجور فيما بقي من القطاعات كالبناء والنقل، وغيره من الأعمال الحرة، لم تعد تتناسب مع حجم الجُهد المبذول، ولا مع متطلبات الحياة الأساسية.

يمنيون في صنعاء يصطفون على رصيف شارع في انتظار الحصول على عمل (الشرق الأوسط)

وفي وقت طالب فيه العمال الجهات المعنية والمنظمات الدولية بالتدخل لتخفيف معاناتهم، أكدت مصادر عاملة في اتحاد نقابات العمال الخاضع للجماعة الحوثية بصنعاء، أن هذه المناسبة تَحلُّ هذا العام مع استمرار معاناة ما يزيد على مليون موظف حكومي يمني يُعيلون مئات الآلاف من الأسر، من ظروف قاسية، إلى جانب 8 ملايين عامل يمني بالأجر اليومي باتوا يعيشون تحت خط الفقر، نتيجة الانقلاب والصراع المستمر.

واتهمت المصادر في حديثها لـ«الشرق الأوسط»، الجماعة الحوثية، بمواصلة مضاعفة معاناة الملايين من عمال الأجر اليومي بمناطق سيطرتها، عبر انتهاجها سياسات الفساد المنظم ضد ما تبقى من مقومات القطاع الاقتصادي.

كفاح من أجل العيش

يقول «محمود» - وهو عامل بناء في صنعاء: «نحن لا نحتفل بعيد العمال مثل سائر مواطني جميع بلدان العالم؛ بل نعيشه بوصفه يوماً آخر من الكفاح من أجل لقمة العيش». ويعمل «محمود»، وهو أب لـ3 أولاد، لساعات طويلة مقابل أجر زهيد لا يكفي حتى لسد رمق أطفاله، ويضيف: «نخرج يومياً بحثاً عن عمل، وقد نعود دون أن نحصل على شيء. الحياة أصبحت قاسية جداً».

بدوره، يصف «عصام. ن»، وهو اسم مستعار لسائق أجرة، معاناته، قائلاً: «أسعار الوقود ترتفع باستمرار، بينما دخلنا يتراجع. أعمل لفترات طويلة، ومع ذلك لا أستطيع تغطية المصاريف. أحياناً أفكر في ترك العمل، لكن لا يوجد بديل». ويؤكد أنه يعمل منذ أكثر من 10 سنوات في هذه المهنة، لكنه لم يشهد ظروفاً أقسى من هذه الأيام.

ملايين اليمنيين يفتقدون للخدمات ويعيشون تحت طائلة الفقر (الشرق الأوسط)

أما عبد الله (39 عاماً) وهو بائع متجول في منطقة باب اليمن بصنعاء، فيروي لـ«الشرق الأوسط»، قصته: «كنا نبيع ونكسب بشكل مقبول قبل سنوات، أما الآن فالناس بالكاد يشترون. الجميع يعاني، وليس نحن فقط».

وتختصر هذه الشهادات واقعاً مريراً يعيشه آلاف العمال في اليمن، حيث تتقاطع المعاناة اليومية مع غياب الأفق، وسط أزمة مُتفاقمة أنهكت الجميع، ومطالبات مُستمرة بتحسين أوضاع العمال وضمان حقوقهم الأساسية.

أزمة عميقة

يرى مختصون اقتصاديون أن أزمة العمال في اليمن لم تعد مجرد انعكاس مؤقت للحرب؛ بل تحولت إلى أزمة هيكلية عميقة. ويؤكد هؤلاء أن استمرار تراجع النشاط الاقتصادي، وضعف الاستثمار، وانقسام المؤسسات المالية، كلها عوامل تُفاقم من معدلات البطالة وتحد من قدرة السوق على التعافي.

ووفق بيانات «إسكوا»، يُصنف اليمن ضمن الدول منخفضة الدخل ذات الاقتصاد الهش، وهو ما ينعكس مُباشرة على ضعف خلق فرص العمل واتساع رقعة الفقر.

ويشير الاقتصاديون إلى أن استمرار الحرب وتراجع النشاط الاقتصادي، أسهما في تفاقم معاناة العمال، حيث توقف كثير من المشاريع، وتقلصت فرص العمل، وازدادت معدلات البطالة، خصوصاً بين الشباب. كما يحذرون من أن استمرار هذا الوضع قد يؤدي إلى اتساع دائرة الفقر وتعميق الاعتماد على الاقتصاد غير الرسمي.

بائعة متجولة تحمل ألعاباً قابلة للنفخ في أحد شوارع صنعاء حيث العاصمة اليمنية المختطفة (إ.ب.أ)

في موازاة ذلك، تكشف تقديرات غير رسمية عن ارتفاع معدلات البطالة بشكل غير مسبوق، خصوصاً بين فئة الشباب، حيث يجد الآلاف أنفسهم خارج سوق العمل دون أي فرص حقيقية. ومع توقف كثير من القطاعات الإنتاجية والخدمية نتيجة سنوات الانقلاب والصراع، تقلصت فرص التوظيف إلى حد كبير، ما دفع كثيرين إلى اللجوء إلى أعمال مؤقتة، أو غير مستقرة.

ويؤكد البنك الدولي في تقاريره حول اليمن، أن نحو واحد من كل 6 أشخاص في سن العمل، لا يجد فرصة عمل، في حين تزداد الصورة قتامة مع بطالة الشباب، التي تشير تقديرات «منظمة العمل الدولية» إلى أنها تتجاوز 25 في المائة على مستوى المنطقة العربية، مع توقعات بأن تكون أعلى في اليمن نتيجة استمرار الصراع وتقلص النشاط الاقتصادي.


اختناق مالي يربك سلطة الانقلاب الحوثي

حشد من الحوثيين في صنعاء للتضامن مع إيران (رويترز)
حشد من الحوثيين في صنعاء للتضامن مع إيران (رويترز)
TT

اختناق مالي يربك سلطة الانقلاب الحوثي

حشد من الحوثيين في صنعاء للتضامن مع إيران (رويترز)
حشد من الحوثيين في صنعاء للتضامن مع إيران (رويترز)

دخلت الجماعة الحوثية في اليمن مرحلة مالية توصف بأنها الأكثر صعوبة منذ سنوات، بعد أن انعكس تراجع مواردها بصورة مباشرة على قدرتها على الوفاء بالتزاماتها تجاه مقاتليها وموظفي الخدمة المدنية، بالتوازي مع تدهور ملحوظ في الخدمات العامة، وفي مقدمها القطاع الصحي، وظهور مؤشرات تذمر كثيرة داخل قواعدها الاجتماعية والتنظيمية.

وتقول مصادر مطلعة في صنعاء لـ«الشرق الأوسط» إن الجماعة باتت تواجه اختناقاً مالياً واضحاً، جعلها عاجزة عن صرف مستحقات مقاتلين في عدد من الجبهات منذ نحو أربعة أشهر، كما أوقفت للشهر الثالث على التوالي صرف نصف راتب لنحو 30 في المائة من الموظفين المدنيين الذين كانت تمنحهم مبالغ محدودة على فترات متباعدة، في وقت يتواصل فيه انقطاع الرواتب الأساسية لغالبية موظفي الدولة منذ سنوات.

وترجع المصادر هذا التدهور إلى تداخل عدة عوامل ضاغطة، في مقدمها تراجع عائدات موانئ الحديدة، التي شكلت خلال السنوات الماضية أحد أهم الشرايين المالية للجماعة، بعدما تأثرت بنيتها التشغيلية جراء الضربات الإسرائيلية التي تعرضت لها، وما تبع ذلك من انخفاض في حركة الاستيراد والتفريغ الجمركي والرسوم المفروضة على السلع الداخلة عبر تلك الموانئ.

انقطاع مستحقات مقاتلي الحوثيين في عدد من الجبهات منذ أشهر (رويترز)

وحسب المصادر، فإن الأزمة لا ترتبط فقط بتراجع إيرادات الموانئ، بل تمتد إلى انكماش تدفقات مالية أخرى كانت تمثل رافداً مهماً لاقتصاد الجماعة. فقد أدى تقلص نشاط المنظمات الإنسانية في مناطق سيطرتها إلى فقدان دورة نقدية كانت تغذي الأسواق المحلية وتوفر جزءاً من العملات الأجنبية اللازمة للاستيراد، فضلاً عن تراجع ما كانت الجماعة تستفيد منه بصورة غير مباشرة من حركة المساعدات والإمدادات المرتبطة بها.

وتضيف المصادر أن توقف إمدادات الوقود التي كانت تحصل عليها الجماعة بشروط ميسرة أو دون مقابل زاد من الضغوط، إلى جانب تأثير العقوبات الأميركية المرتبطة بتصنيف الحوثيين منظمة إرهابية أجنبية، وما ترتب على ذلك من تضييق على شبكات التمويل والتحويلات والأنشطة التجارية المرتبطة بالجماعة، وهو ما حرمها من موارد تقدر بمئات الملايين من الدولارات سنوياً.

ويرى مراقبون أن إلحاح الحوثيين مؤخراً على إعادة تحريك المسار الإنساني ضمن أي تسوية سياسية شاملة، لا ينفصل عن هذه الأزمة الخانقة، خصوصاً مع استمرار الضغوط الأميركية على شبكات التمويل الإقليمية، وتشديد الرقابة على مسارات الدعم والتهريب، بما يقلص هامش المناورة المالية أمام الجماعة.

انهيار خدمات وتفاقم المعاناة

تزامن هذا الاختناق المالي مع تدهور واضح في مستوى الخدمات العامة في مناطق سيطرة الحوثيين. وأكدت مصادر طبية في صنعاء توقف المستشفى الجمهوري، ثاني أكبر مستشفى حكومي في العاصمة المختطفة، عن استقبال المرضى بصورة شبه كلية، نتيجة انقطاع المخصصات التشغيلية، وتوقف مصادر الدعم التي كانت تسهم في استمرار تقديم الخدمات المجانية للفئات الأشد فقراً.

ووفق المصادر، فإن عشرات الأطباء والعاملين الصحيين يواصلون العمل منذ أشهر دون انتظام في صرف مستحقاتهم، بينما فقد آلاف المرضى منفذاً علاجياً كان يمثل الملاذ الأخير لهم، في ظل ارتفاع تكاليف العلاج في المستشفيات الخاصة، وتراجع القدرة الاستيعابية للمرافق الحكومية الأخرى، التي خُصص بعضها لخدمة قيادات الجماعة ومقاتليها.

أولويات الحوثيين المالية تتمثل في الإنفاق على التعبئة الفكرية والعسكرية (رويترز)

ولا يقف أثر الأزمة عند القطاع الصحي، إذ تتحدث مصادر محلية عن اتساع مظاهر التقشف داخل المؤسسات التابعة للحوثيين، وتأخر صرف الموازنات التشغيلية لقطاعات خدمية متعددة، الأمر الذي ينعكس بصورة مباشرة على حياة السكان، في وقت تعاني فيه البلاد أصلاً من واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية في العالم.

تذمر داخلي

في موازاة الضغوط الاقتصادية، بدأت تظهر مؤشرات على اتساع التذمر داخل البيئة الموالية للجماعة. ويقول الصحافي المتخصص في شؤون الحوثيين عدنان الجبرني إن الجماعة تمر بإحدى أكثر مراحلها الداخلية حساسية، نتيجة تراكم الأزمات المالية والتنظيمية، وتراجع الثقة داخل قواعدها، واتساع الفجوة بين القيادة والقاعدة التنظيمية.

وحسب الجبرني، فإن قيادة الجماعة لا تزال تتمسك بما تسميه «أولويات الإنفاق»، وهي سياسة تمنح الأفضلية للقدرات العسكرية والتصنيع الحربي وبعض مشاريع البنية التحتية ذات الطابع الاستراتيجي، مقابل تقليص الإنفاق على الالتزامات الاجتماعية والخدمية، وهو ما ولّد شعوراً كبيراً بالاستياء في أوساط المقاتلين والموظفين والموالين على حد سواء.

الحوثيون ألزموا مزارعين وعمالاً بالمشاركة في دورات تدريبية على القتال (إعلام محلي)

ويضيف أن الجماعة كثفت في الآونة الأخيرة من أنشطتها التعبوية والتجنيدية لتعويض حالات التسرب من الجبهات والمعسكرات، بالتزامن مع تشديد الإجراءات الأمنية الداخلية وتقليص حركة القيادات الوسطى والميدانية، وهو ما أدى إلى مزيد من الارتباك في بنية التواصل التنظيمي.

اللافت، وفق مراقبين، أن مظاهر التذمر لم تعد حبيسة المجالس المغلقة، بل بدأت تتسرب إلى الفضاء العام عبر منصات التواصل الاجتماعي، من خلال منشورات صادرة عن شخصيات محسوبة على الجماعة أو متعاطفة معها، تنتقد اتساع الفقر، وتفاوت الامتيازات، وازدواجية المعايير في التعامل مع القضايا الداخلية.

وبرز ذلك بصورة أوضح عقب نشر وزارة الداخلية في حكومة الانقلاب الحوثية مواد مصورة قالت إنها تتعلق باعترافات خلية تجسس، إذ أبدى بعض أنصار الجماعة تشكيكاً علنياً في الرواية الرسمية، مشيرين إلى تناقضات في الأسماء والوقائع، وإلى استمرار حرية حركة بعض الأسماء التي وردت في الرواية نفسها، ما فتح باباً واسعاً للتساؤلات حول طبيعة تلك المواد وأهدافها.