طائرات تحاكي الطيور… هل تعيد تعريف مستقبل الطائرات دون طيار؟

يعمل الفريق على تطوير نماذج أولية لروبوت طائر يحاكي الطيور بمواد ذكية تعتمد على الجهد الكهربائي تمهيداً لاختباره في نفق الرياح (مختبر بيلغن)
يعمل الفريق على تطوير نماذج أولية لروبوت طائر يحاكي الطيور بمواد ذكية تعتمد على الجهد الكهربائي تمهيداً لاختباره في نفق الرياح (مختبر بيلغن)
TT

طائرات تحاكي الطيور… هل تعيد تعريف مستقبل الطائرات دون طيار؟

يعمل الفريق على تطوير نماذج أولية لروبوت طائر يحاكي الطيور بمواد ذكية تعتمد على الجهد الكهربائي تمهيداً لاختباره في نفق الرياح (مختبر بيلغن)
يعمل الفريق على تطوير نماذج أولية لروبوت طائر يحاكي الطيور بمواد ذكية تعتمد على الجهد الكهربائي تمهيداً لاختباره في نفق الرياح (مختبر بيلغن)

ظل التصميم التقليدي في عالم الطائرات دون طيار يعتمد على المراوح والمحركات، وهي مقاربة أثبتت فاعليتها لكنها تفرض حدوداً واضحة على الحركة والمرونة. اليوم، يحاول باحثون إعادة التفكير في هذا النموذج من خلال العودة إلى الطيور كمصدر إلهام قديم.

تسلط دراسة حديثة الضوء على جيل جديد من الروبوتات الطائرة، تُعرف باسم «الأورنيثوبتر» (Ornithopters)، وهي طائرات تحاكي طريقة الطيران الطبيعية للطيور عبر أجنحة مرنة تتحرك وتتكيف مع الهواء، بدلاً من الاعتماد على مراوح ثابتة.

تعتمد الطائرات دون طيار التقليدية على أنظمة ميكانيكية معقدة تشمل محركات وتروس وأجزاء متحركة. لكن هذا النموذج الجديد يتجه نحو ما يمكن وصفه بـ«التصميم الصلب» أو (solid-state) حيث يتم الاستغناء عن هذه المكونات بالكامل. بدلاً من ذلك، يستخدم الباحثون مواد ذكية تعتمد على ما يُعرف بالتأثير الكهروضغطي، وهي مواد تتغير أشكالها عند تطبيق جهد كهربائي عليها. وبهذه الطريقة، يمكن تحريك الأجنحة مباشرة من خلال الكهرباء، من دون الحاجة إلى وصلات ميكانيكية. هذا التحول لا يقلل فقط من تعقيد التصميم، بل يفتح الباب أمام حركة أكثر سلاسة وتكيفاً مع البيئة، حيث يمكن للأجنحة أن تنثني وتلتف بشكل مستمر، تماماً كما تفعل الطيور أثناء الطيران.

أدوات محاكاة متقدمة طوّرها باحثون تساعد على تصميم طائرات تحاكي الطيور رقمياً ما يسرّع التطوير ويقلل النماذج التجريبية (مختبر بيلغن)

مرونة أكبر في بيئات معقدة

تكمن أهمية هذا النهج في قدرته على التعامل مع البيئات المعقدة. فالطائرات التقليدية غالباً ما تواجه صعوبة في الأماكن الضيقة أو غير المتوقعة، مثل المناطق الحضرية المزدحمة أو البيئات الطبيعية المليئة بالعوائق. في المقابل، توفر الأجنحة المرنة قدرة أعلى على المناورة والاستجابة السريعة لتغيرات الهواء. وهذا يجعل هذه الروبوتات مناسبة لمجموعة واسعة من التطبيقات مثل عمليات البحث والإنقاذ ومراقبة البيئة وفحص البنية التحتية والتوصيل في المدن. في مثل هذه السيناريوهات، لا يكون التحدي في الطيران فقط، بل في القدرة على التكيف مع بيئة متغيرة بشكل مستمر.

محاكاة الطبيعة... دون نسخها

رغم أن الفكرة مستوحاة من الطيور، فإن الهدف لا يقتصر على تقليد الطبيعة. يشير الباحثون إلى أنهم لا يسعون إلى بناء نسخة ميكانيكية من جناح الطائر، بل إلى فهم المبادئ الأساسية التي تجعل الطيران الطبيعي فعالاً، ثم إعادة تصميمها بطرق أبسط وأكثر كفاءة. في هذا النموذج، تلعب المواد دوراً محورياً ومنها الألياف الكربونية التي تعمل كهيكل يشبه العظام والريش، والمواد الكهروضغطية تقوم بدور العضلات.

وبذلك، يصبح الجناح نفسه نظاماً متكاملاً للحركة، بدلاً من كونه مجرد سطح يتحرك بواسطة أجزاء خارجية.

نموذج رقمي لفهم الطيران

إلى جانب التطوير المادي، ركزت الدراسة على بناء نموذج حاسوبي متكامل يحاكي عملية الطيران. هذا النموذج يدمج عدة عناصر في وقت واحد كحركة الأجنحة والجسم والديناميكيات الهوائية والأنظمة الكهربائية وآليات التحكم. يسمح ذلك للباحثين باختبار التصاميم افتراضياً قبل تصنيعها، ما يسرّع عملية التطوير ويقلل الحاجة إلى تجارب مكلفة ومتكررة.

ورغم التقدم الذي تحققه هذه النماذج، لا تزال هناك تحديات رئيسية، أبرزها أداء المواد المستخدمة. فالمواد الكهروضغطية الحالية لا توفر بعد القوة أو الكفاءة الكافية للوصول إلى الأداء المطلوب في التطبيقات العملية واسعة النطاق. لكن الباحثين يرون أن هذه المشكلة قد تكون مؤقتة؛ إذ يسمح النموذج الحاسوبي بتوقع كيف يمكن أن تتحسن هذه الأنظمة مع تطور المواد في المستقبل.

في هذا التسلسل الحاسوبي تتحرك أجنحة الطائرة دون محركات باستخدام مشغلات كهروضغطية مرنة (مختبر بيلغن)

أكثر من مجرد طائرات

لا تقتصر أهمية هذه الأبحاث على الطائرات دون طيار فقط. فالمبادئ نفسها يمكن تطبيقها في مجالات أخرى، مثل الطاقة المتجددة. على سبيل المثال، يمكن استخدام مواد مرنة لتعديل شكل شفرات توربينات الرياح بشكل مستمر، ما قد يحسن كفاءتها في التقاط الطاقة. وهذا يعكس اتجاهاً أوسع في الهندسة، حيث لم يعد الهدف فقط بناء أنظمة أقوى، بل أنظمة أكثر ذكاءً وتكيفاً.

تشير هذه الدراسة إلى أن مستقبل الطائرات دون طيار قد لا يكون مجرد تحسين للأنظمة الحالية، بل إعادة تعريف كاملة لطريقة الطيران. فبدلاً من الاعتماد على أنظمة ميكانيكية معقدة، قد تتجه الصناعة نحو تصاميم أبسط من حيث المكونات، لكنها أكثر تعقيداً من حيث السلوك والتفاعل مع البيئة. في هذا السياق، تصبح الطائرة أقل شبهاً بآلة صلبة، وأكثر قرباً من كائن حي قادر على التكيف.

ما الذي يتغير فعلاً؟

لا يكمن التغيير في شكل الطائرة فقط، بل في فلسفة التصميم نفسها. الانتقال من المراوح إلى الأجنحة المرنة يعكس تحولاً أعمق من أنظمة تعتمد على القوة والثبات، إلى أنظمة تعتمد على المرونة والاستجابة. وبينما لا تزال هذه التقنيات في مراحل البحث، فإن اتجاه مستقبل الطيران قد يكون أقرب إلى الطبيعة مما كان يُعتقد.


مقالات ذات صلة

«eSIM» بعد 10 سنوات على الظهور... تكلفة أقل وجاهزية غير مكتملة

تكنولوجيا انتشار «eSIM» لا يزال محدوداً بعد عقد على ظهورها رغم توقعات نمو كبيرة (شاترستوك)

«eSIM» بعد 10 سنوات على الظهور... تكلفة أقل وجاهزية غير مكتملة

تقرير يرصد انتشاراً لا يتجاوز 5 في المائة بنهاية 2025 وتوقعات بوصول اتصالات الهواتف الذكية المعتمدة عليها إلى 4.9 مليار بحلول 2030.

نسيم رمضان (لندن)
خاص أداء الذكاء الاصطناعي داخل المؤسسات يعتمد على موثوقية البيانات ودقتها وحداثتها أكثر من اعتماده على حجمها (شاترستوك)

خاص خبير تقني: أداء الذكاء الاصطناعي يعتمد على موثوقية البيانات لا حجمه

موثوقية البيانات وسرعة الوصول إليها أصبحتا شرطين لتوسيع الذكاء الاصطناعي داخل المؤسسات واتخاذ قرارات آلية أكثر دقة وثقة.

نسيم رمضان (لندن)
تكنولوجيا الدراسة تختبر آلية مستوحاة من الدماغ لتحسين تعامل الذكاء الاصطناعي مع الصور الضبابية (شاترستوك)

تقنية مستوحاة من الدماغ لتحسين رؤية الذكاء الاصطناعي في الضباب

دراسة تختبر آلية مستوحاة من الدماغ لتحسين رؤية الذكاء الاصطناعي في الضباب بما قد يدعم القيادة الذاتية والسلامة.

نسيم رمضان (لندن)
علوم نُظم الليزر تزداد تطوراً

أسلحة الليزر... سباق عالمي محموم لتطويرها

معدل إنتاجها عالمياً بلغ وتيرة لم يشهدها العالم من قبل

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
تكنولوجيا تختبر «مايكروسوفت» ميزة «Low Latency Profile» لتحسين سرعة استجابة «ويندوز 11» في المهام اليومية القصيرة (مايكروسوفت)

«مايكروسوفت» تختبر ميزة جديدة لتسريع استجابة «ويندوز 11»

تختبر «مايكروسوفت» ميزة لتحسين استجابة «ويندوز 11» عبر تسريع مؤقت للمعالج وسط تساؤلات حول البطارية والحرارة.

نسيم رمضان (لندن)

«من فضلك» و«شكراً»... هل تؤثر اللباقة على أداء الذكاء الاصطناعي؟

بعض المستخدمين يعتقدون أن استخدام عبارات مهذبة قد يُسهم في تحسين استجابة الذكاء الاصطناعي (أ.ف.ب)
بعض المستخدمين يعتقدون أن استخدام عبارات مهذبة قد يُسهم في تحسين استجابة الذكاء الاصطناعي (أ.ف.ب)
TT

«من فضلك» و«شكراً»... هل تؤثر اللباقة على أداء الذكاء الاصطناعي؟

بعض المستخدمين يعتقدون أن استخدام عبارات مهذبة قد يُسهم في تحسين استجابة الذكاء الاصطناعي (أ.ف.ب)
بعض المستخدمين يعتقدون أن استخدام عبارات مهذبة قد يُسهم في تحسين استجابة الذكاء الاصطناعي (أ.ف.ب)

تنتشر أدوات الذكاء الاصطناعي بشكل متسارع في بيئات العمل والحياة اليومية، ولم يعد النقاش مقتصراً على كفاءتها التقنية فحسب، بل امتد ليشمل طبيعة تفاعل البشر معها. فهل ينبغي التعامل مع هذه الأنظمة بوصفها أدوات جامدة، أم أن أسلوب الخطاب، بما في ذلك عبارات اللباقة، قد يُحدث فرقاً في جودة النتائج؟

تشير نتائج استطلاع حديث إلى أن الطريقة التي نخاطب بها أنظمة الذكاء الاصطناعي قد تكون أكثر تأثيراً مما يُعتقد. فحسب ما أوردته صحيفة «نيويورك بوست»، يستخدم 86 في المائة من موظفي المكاتب عبارات مثل «من فضلك» و«شكراً» أثناء تفاعلهم مع هذه الأنظمة، وهو ما يفتح الباب أمام تساؤلات حول العلاقة بين الأسلوب والنتائج.

وأظهر الاستطلاع، الذي شمل ألفي موظف أميركي يستخدمون أدوات الذكاء الاصطناعي، أن 64 في المائة من المشاركين يرون أن التحلي باللباقة في هذا السياق أمر مهم، فيما أفاد 27 في المائة منهم بأنهم يستخدمون هذه العبارات في كل مرة دون استثناء.

وخلصت الدراسة، التي أجرتها شركة «توكر ريسيرش» بتكليف من شركة «تريبل تن»، إلى أن بعض المستخدمين يعتقدون أن استخدام عبارات مهذبة قد يُسهم في تحسين استجابة الذكاء الاصطناعي. فقد أشار أحد المشاركين إلى أن «الذكاء الاصطناعي يكون أكثر ميلاً لتقديم إجابة صحيحة عند استخدام كلمات مثل (من فضلك)، حتى لو لم يكن الطلب مثالياً».

في المقابل، يرى آخرون أن الدافع لا يتعلق فقط بتحسين الأداء، بل بالحفاظ على السلوك الشخصي. إذ قال أحد المشاركين: «لا أريد أن أُدرّب نفسي على الفظاظة، حتى لو كان الحديث مع آلة، لأن هذا السلوك قد ينعكس على تعاملي مع الآخرين». ويؤيد هذا الرأي عدد من المشاركين الذين يرون أن الالتزام باللباقة، حتى مع الأنظمة الذكية، يسهم في تحسين جودة المخرجات، ويعكس نمطاً إيجابياً في التفاعل.

نتائج الاستطلاع كشفت عن تباين في طريقة تعامل المستخدمين مع أنظمة الذكاء الاصطناعي (رويترز)

كما عبّر بعض المشاركين عن هذا السلوك بروح فكاهية، إذ قال أحدهم: «أفضل أن أكون مهذباً الآن، حتى أتذكر بشكل إيجابي عندما يسيطر الروبوت على العالم»، في إشارة ساخرة إلى مستقبل الذكاء الاصطناعي.

وكشفت نتائج الاستطلاع أيضاً عن تباين في طريقة تعامل المستخدمين مع هذه الأنظمة؛ إذ يرى 41 في المائة أنه من الأسهل التعامل مع الذكاء الاصطناعي بوصفه أداة تقنية بحتة، بينما يفضّل 23 في المائة التعامل معه كما لو كان إنساناً.

ويعتقد 91 في المائة من الذين يتعاملون معه بوصفه أداة أن الأفضل هو الحفاظ على أسلوب مباشر وموضوعي، في حين يرى 87 في المائة من الذين يميلون إلى معاملته كإنسان أنه قادر على أداء دور مساعد شخصي فعلي.

وفي تعليقها على النتائج، أوضحت آنا ريابوفا، خبيرة نمو الذكاء الاصطناعي في شركة «تريبل تن»، أن «الذكاء الاصطناعي ليس مجرد أداة تقليدية، بل هو نظام يتفاعل مع النبرة والسياق وطريقة صياغة الطلب. فهذه العناصر تؤثر فعلياً في طبيعة الاستجابة». وأضافت أن استخدام عبارات مثل «من فضلك» و«شكراً» لا يُعد مجرد مجاملة شكلية، بل يعكس أسلوب تواصل قد يُسهم في توجيه النموذج نحو نتائج أفضل، من خلال تحسين وضوح الطلب وسياقه.


«eSIM» بعد 10 سنوات على الظهور... تكلفة أقل وجاهزية غير مكتملة

انتشار «eSIM» لا يزال محدوداً بعد عقد على ظهورها رغم توقعات نمو كبيرة (شاترستوك)
انتشار «eSIM» لا يزال محدوداً بعد عقد على ظهورها رغم توقعات نمو كبيرة (شاترستوك)
TT

«eSIM» بعد 10 سنوات على الظهور... تكلفة أقل وجاهزية غير مكتملة

انتشار «eSIM» لا يزال محدوداً بعد عقد على ظهورها رغم توقعات نمو كبيرة (شاترستوك)
انتشار «eSIM» لا يزال محدوداً بعد عقد على ظهورها رغم توقعات نمو كبيرة (شاترستوك)

بعد عشر سنوات على ظهور تقنية «الشرائح الإلكترونية» (eSIM)، لم تعد تلك الشريحة مجرد بديل أصغر للشريحة البلاستيكية، بل تحولت إلى اختبار أوسع لكيفية إدارة الاتصال في الهواتف والسفر وإنترنت الأشياء، والأجهزة الصناعية. ويُظهر تقرير «Mobile World Live eSIM Survey Report 2026» أن الصناعة دخلت مرحلة انتقالية واضحة ذات اهتمام متزايد، لكن التوسع ما زال بطيئاً ومجزأً، خصوصاً خارج أسواق مثل الولايات المتحدة.

تستند الصورة العامة في التقرير إلى مفارقة لافتة. فالتقنية موجودة منذ عقد، والجاذبية التجارية واضحة، لكن النضج التشغيلي لم يكتمل بعد. وبحسب التقرير، تشير أبحاث «GSMA Intelligence» إلى أن انتشار «eSIM» بلغ نحو 5 في المائة فقط بنهاية عام 2025، في حين يتوقع أن تصل اتصالات الهواتف الذكية المعتمدة على «eSIM» إلى 4.9 مليار اتصال بحلول 2030. كما أن 54 في المائة من المستهلكين الذين لا يستخدمون «eSIM» حالياً أبدوا اهتماماً باستخدامها مستقبلاً في هواتفهم.

الأثر الأكثر وضوحاً حتى الآن يظهر في السفر والتجوال، حيث ذكر التقرير أن 60 في المائة من مستخدمي «eSIM» استخدموا هذه الخدمة أثناء السفر إلى الخارج خلال الأشهر الاثني عشر السابقة. هذا يفسر لماذا أصبحت الشريحة الرقمية جذابة لشركات ومنصات خارج نموذج الاتصالات التقليدي، إذ تسمح للمستخدم بالحصول على اتصال بيانات في بلد جديد من دون شراء شريحة فعلية أو زيارة متجر.

تبنٍ غير مكتمل

تظهر نتائج الاستطلاع أن القطاع لم يصل بعد إلى نقطة حسم قائلاً إن 22 في المائة من المشاركين نشرت مؤسساتهم «eSIM» بالكامل وتروجها للعملاء، وقالت النسبة نفسها إن النشر محدود. في المقابل، يخطط 30 في المائة للنشر خلال 12 شهراً، بينما لا تملك 26 في المائة خططاً حالية لاعتماد eSIM.

أما على مستوى قاعدة العملاء، فيقول 45 في المائة من المشاركين إن أقل من 5 في المائة من عملائهم يستخدمون أجهزة داعمة لـ«eSIM». وتصل النسبة إلى ما بين 5 و25 في المائة لدى ربع المشاركين، بينما قال 17 في المائة إن الانتشار يتراوح بين 25 و50 في المائة. أما الانتشار العالي فما زال نادراً، إذ قال 11 في المائة فقط إن النسبة بين 50 و75 في المائة، مقابل 2 في المائة فقط أبلغوا عن انتشار يتجاوز 75 في المائة.

هذه الأرقام تعكس أن السوق ما زالت في مرحلة ما قبل التوسُّع الكامل. فوجود الأجهزة الداعمة لا يكفي وحده. يحتاج المستخدم إلى معرفة الميزة، وفهم طريقة تفعيلها، والثقة بأنها لن تعقد تجربة الاتصال أو نقل الرقم أو تبديل الجهاز.

خفض التكلفة التشغيلية يعد من أبرز فوائد «eSIM» مقارنة بالشرائح البلاستيكية (شاترستوك)

الهاتف أم إنترنت الأشياء؟

عند سؤال المشاركين عن المجال الأكثر احتمالاً لدفع تبني «eSIM» في أعمالهم خلال 2026، تصدَّرت الأجهزة الشخصية، مثل الهواتف الذكية والساعات والأجهزة اللوحية والحواسيب المحمولة، بنسبة 43 في المائة. لكن الصورة تصبح أكثر توازناً عند جمع قطاعات إنترنت الأشياء. فقد استحوذت تتبع الأصول واللوجستيات والصناعة على 18 في المائة، والمرافق والعدادات الذكية والطاقة على 16 في المائة، والسيارات والتنقل على 13 في المائة، وقطاعات أخرى مثل المدن الذكية والرعاية الصحية وإنترنت الأشياء الاستهلاكي على 10 في المائة.

يعني ذلك أن الاستخدام الاستهلاكي، خصوصاً الهواتف والسفر، قد يكون الأسرع في توليد الإيرادات حالياً، لكن النمو الصناعي موزع بين عدة قطاعات. ولا يظهر قطاع واحد في إنترنت الأشياء باعتباره المحرك الحاسم حتى الآن، رغم أن التوقعات كبيرة في السيارات، والطاقة، والخدمات اللوجستية، والعدادات الذكية.

في سؤال آخر، رأى 35 في المائة أن أجهزة إنترنت الأشياء هي القطاع الذي سيستفيد أكثر من «eSIM» مقابل 26 في المائة للهواتف الذكية الاستهلاكية، و11 في المائة للأجهزة القابلة للارتداء، و10 في المائة لشركاء «MVNO» والموزعين، و11 في المائة لعملاء المؤسسات. هذه النتيجة تضع إنترنت الأشياء في مركز النقاش المقبل، لا بوصفه استخداماً جانبياً، بل كأحد أهم دوافع المرحلة الثانية من الشريحة الإلكترونية.

«SGP.32» ومعضلة الجاهزية

من أبرز محاور التقرير معيار «SGP.32» الجديد، الذي يستهدف تبسيط إدارة «eSIM» في أجهزة إنترنت الأشياء، خصوصاً الأجهزة محدودة الطاقة أو الذاكرة أو المنتشرة في مواقع بعيدة. يصف التقرير هذا المعيار بأنه خطوة قد تنقل «eSIM» في إنترنت الأشياء من مرحلة التجارب إلى النشر التجاري الأوسع، لأنه يسمح بإدارة الملفات عن بعد، واختيار مزود الاتصال بشكل أكثر مرونة، وتقليل الاعتماد على النماذج القديمة.

وعند سؤال المشاركين عن المعيار الأنسب لخريطة الطريق التقنية، قال 37 في المائة إنهم لا يزالون غير متأكدين من الخيار المناسب. واختار 27 في المائة معيار «SGP.32» مقابل 22 في المائة لمعيار «SGP.22» الاستهلاكي، و14 في المائة فقط للمعيار القديم «SGP.02».

وفي سؤال مباشر حول الاستعداد لـ«SGP.32»، قال 36 في المائة إنهم لا يعرفون المعيار جيداً أو متطلباته، بينما قال 21 في المائة إنهم يبحثون في المواصفات، و17 في المائة يقيّمون متطلبات التنفيذ. فقط 16 في المائة في مرحلة التنفيذ، و10 في المائة قالوا إنهم ممتثلون بالكامل عبر شبكاتهم. هذه الفجوة مهمة لأنها تحدد سرعة انتقال «eSIM» من الهواتف والسفر إلى الأجهزة الصناعية. فالمعيار قد يكون جاهزاً تقنياً، لكن السوق تحتاج إلى معرفة، وشركاء، وتكامل، ونماذج تشغيل واضحة.

ضعف وعي المستخدمين وتعقيد التفعيل يبطئان التوسُّع الاستهلاكي للتقنية (شاترستوك)

التكلفة لا تزال حافزاً

بعد عقد من التجربة، تبدو التكلفة أحد أوضح مكاسب «eSIM» حيث ذكر 60 في المائة من المشاركين أن تشغيله أرخص من الشرائح البلاستيكية، مقابل 21 في المائة يرون أن التكلفتين متقاربتان، و10 في المائة فقط يعتقدون أن الشرائح الفعلية أرخص حالياً. كما قال 9 في المائة إن الشرائح الفعلية قد تصبح أكثر تكلفة مع نمو أحجام الشرائح الإلكترونية.

وعند سؤال المشاركين عن الأثر الإيجابي الأبرز في نموذج أعمال شركات الاتصالات، تصدر خفض تكاليف اكتساب العملاء والتوزيع بنسبة 26 في المائة، يليها تحسين الكفاءة التشغيلية واللوجستية بنسبة 18 في المائة. وبذلك أشار 44 في المائة إجمالاً إلى نوع من الوفورات التشغيلية. كما قال 23 في المائة إن «eSIM» تتيح مصادر إيراد رقمية ونماذج إعادة بيع جديدة، بينما رأى 13 في المائة أن الأثر ما زال محدوداً.

في السوق الاستهلاكية، كانت الفوائد أوضح أيضاً. قال 65 في المائة إن خفض التكلفة هو الفائدة الأساسية من نقل المستهلكين إلى «eSIM»، بينما رأى 53 في المائة أنها تفتح أسواقاً جديدة.

وعي المستخدم هو العقبة

رغم كل هذه الفوائد، لا يزال كثير من المستخدمين لا يعرفون أن «eSIM» موجودة. فقد أفاد 55 في المائة من المشاركين بأن نقص الوعي هو حاجز رئيسي أمام تبني المستهلكين للتقنية. كما أشار 47 في المائة إلى ضعف دعم الأجهزة، و39 في المائة إلى الخوف من تبني تقنية جديدة، و35 في المائة إلى تعقيد عملية التفعيل. كذلك رأى 20 في المائة أن تصور ارتفاع التكلفة يمثل عائقاً، و16 في المائة أشاروا إلى الأخطاء التقنية.

أما الاستخدامات الأكثر شيوعاً للمستهلكين، فتبدأ من إعداد هاتف جديد أو مطور، وهي حالة اختارها 60 في المائة من المشاركين. ويأتي التجوال قريباً بنسبة 55 في المائة، ثم الساعات والأجهزة القابلة للارتداء بنسبة 38 في المائة، وعروض التجربة قبل الشراء بنسبة 23 في المائة.

لكن تشغيل «eSIM» ليس مجرد زر رقمي، بل يتطلب إدارة دورة حياة كاملة تشمل نقل الملف بين الأجهزة، واستعادة الملفات المحذوفة، والانتقال من شريحة فعلية إلى رقمية، والتعامل مع الأجهزة المفقودة أو المسروقة. لذلك قال 45 في المائة إن التنسيق مع مصنعي الأجهزة ومزودي eSIM ومزودي الاستحقاقات هو أحد أبرز تحديات الإطلاق، بينما أشار 41 في المائة إلى التكامل التقني، و33 في المائة إلى مقاومة العملاء، و26 في المائة إلى تحديث العمليات الخلفية.

السفر والتجوال يمثلان أوضح مجالات نجاح الشرائح الإلكترونية حتى الآن (شاترستوك)

إنترنت الأشياء يدخل مرحلة جديدة

في إنترنت الأشياء، تبدو قيمة الـ«eSIM» أكثر وضوحاً من الناحية النظرية. فالأجهزة قد تعمل لسنوات في مواقع بعيدة، أو تنتقل بين دول وشبكات، أو تحتاج إلى تغيير مزود الاتصال من دون تدخل يدوي. لكن التقرير يوضح أن المعايير القديمة جعلت الأثر محدوداً. وقدَّر محللون أن 280 مليون جهاز إنترنت أشياء كانت تستخدم الـ«eSIM» فعلياً بنهاية 2024.

كما تظهر نتائج التقرير أن 30 في المائة يرون القدرة على تبديل مزود الاتصال عن بعد أمراً أساسياً لتجنب الاعتماد على مزود واحد والتحوط ضد تغيرات الأعمال. ويرى 20 في المائة أنها مهمة لتحسين تكاليف التجوال، و15 في المائة يعتبرونها خياراً احتياطياً عند تذبذب الاتصال. لكن 27 في المائة قالوا إن التشغيل البيني هو أكبر عقبة تقنية، خصوصاً عندما لا تعمل ملفات مزود اتصال معين. وأشار 23 في المائة إلى صعوبة دمج منصات الإدارة المختلفة، و19 في المائة إلى التكلفة، و16 في المائة إلى إدارة تفعيل الملفات والتنسيق بينها.

الأمن والامتثال

مع نمو الـ«eSIM» في إنترنت الأشياء، ينتقل النقاش من سهولة التفعيل إلى الأمن طويل الأمد. فالأجهزة الصناعية والمتصلة بالبنية التحتية قد تبقى في الخدمة لسنوات، وقد تحتاج إلى تحديثات أمنية مستمرة. في الاستطلاع، اختار 33 في المائة سطح الهجوم المرتبط بالتفعيل والإدارة عن بعد كأكبر مخاوفهم الأمنية. واختارت النسبة نفسها تحديات الحوكمة والتحكم في الوصول بين الشركاء، بينما أشار 30 في المائة إلى مخاطر سلسلة الإمداد.

أما الامتثال السيبراني، فلم يعد ينظر إليه فقط كعبء، حيث قال 29 في المائة إنهم يرونه محركاً للنمو ويمكن استخدام شهادات الأمن مثل «Cyber Trust Mark» كعامل تمييز، بينما رآه 33 في المائة فائدة ثانوية تعزز جودة المنتج، و28 في المائة اعتبروه تكلفة ضرورية للبقاء في السوق. في المقابل، قال 10 في المائة إنه يبطئ تطوير المنتجات ويزيد وقت الوصول إلى السوق.

وأشار 22 في المائة فقط إلى أنهم مستعدون بدرجة عالية لدعم تحديثات أمنية عبر الهواء وخمس سنوات أو أكثر، بينما قال 26 في المائة إنهم مستعدون جزئياً. في المقابل، يواجه 27 في المائة تحديات لأن أجهزة ميدانية كثيرة لا تملك الذاكرة أو القدرة المطلوبة للتحديثات الطويلة، وقال 25 في المائة إنهم غير مستعدين ولا يملكون آلية للتحديثات الميدانية.

لا أرقام مخصصة للمنطقة

لا يقدم التقرير تفصيلاً رقمياً خاصاً بمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. لكن بعض نتائجه تهم المنطقة مباشرة، خصوصاً في قطاعات إنترنت الأشياء والمدن الذكية والطاقة والمرافق واللوجستيات والسيارات المتصلة. فالأسواق التي تستثمر في التحول الرقمي والبنية التحتية الذكية تحتاج إلى اتصال قابل للإدارة عبر الحدود والشبكات والموردين، وهي بالضبط المجالات التي تعد الـ«eSIM» بتسهيلها.

وتشير أرقام التقرير إلى أن العقد الأول من الـ«eSIM» لم يكن ثورة مكتملة في سوق الاتصالات، لكنه لم يكن تجربة هامشية أيضاً. فالتقنية خفضت التكلفة، وغيّرت سوق التجوال، وبدأت تفتح مساراً جديداً لإنترنت الأشياء. أما العقد الثاني فسيُختبر في قدرة القطاع على حل مشكلات الوعي والتكامل والأمن والامتثال والتشغيل البيني، قبل أن تتحول «eSIM» من ميزة مدعومة في الأجهزة إلى طبقة اتصال رقمية واسعة النطاق.


«ميتا» تطلق «Instants» رسمياً... تطبيق جديد للمشاركة اللحظية ينافس «سناب شات»

الصور والفيديوهات تختفي بعد المشاهدة لزيادة الخصوصية (أبل)
الصور والفيديوهات تختفي بعد المشاهدة لزيادة الخصوصية (أبل)
TT

«ميتا» تطلق «Instants» رسمياً... تطبيق جديد للمشاركة اللحظية ينافس «سناب شات»

الصور والفيديوهات تختفي بعد المشاهدة لزيادة الخصوصية (أبل)
الصور والفيديوهات تختفي بعد المشاهدة لزيادة الخصوصية (أبل)

أطلقت شركة «ميتا» رسمياً تطبيق «Instants, an Instagram»، في خطوة جديدة تعكس توجُّه الشركة نحو تعزيز أساليب المشاركة السريعة والعفوية بين المستخدمين، ضمن منافسة مباشرة مع تطبيقات «سناب شات» و«بي ريل».

ويعتمد التطبيق الجديد على فكرة المحتوى اللحظي، حيث يتيح للمستخدم التقاط الصور ومقاطع الفيديو ومشاركتها فوراً مع الأصدقاء دون الحاجة إلى التعديل أو استخدام الفلاتر التقليدية، مع اختفاء المحتوى بعد المشاهدة أو خلال فترة زمنية قصيرة.

وبحسب التجربة الرسمية، يفتح التطبيق مباشرة على واجهة الكاميرا، مع منع رفع الصور من ألبوم الكاميرا، في محاولة لتشجيع المحتوى الحقيقي والعفوي بدلاً من المحتوى المصقول الذي أصبح يهيمن على منصات التواصل الاجتماعي خلال السنوات الأخيرة.

يفتح تطبيق «Instants» مباشرة على واجهة الكاميرا مع منع رفع الصور من ألبوم الكاميرا (أبل)

كما يرتبط «Instants» بحساب المستخدم في «إنستغرام» بشكل مباشر، ما يسمح بالوصول السريع إلى الأصدقاء والمتابعين الحاليين دون الحاجة لإنشاء شبكة جديدة داخل التطبيق.

وتشير التقارير إلى أن التطبيق يركز بشكل كبير على الخصوصية والمشاركة المحدودة، إذ تختفي الصور والمقاطع بعد المشاهدة، مع تقليل خيارات إعادة العرض أو الحفظ، في توجّه مشابه لما تقدمه تطبيقات الرسائل المؤقتة.

ويأتي إطلاق «Instants» في وقت تشهد فيه منصات التواصل تحولاً متزايداً نحو المحتوى الخاص والمغلق بدل النشر العام، خاصة بين فئة المستخدمين الأصغر سناً الذين باتوا يفضلون المشاركة السريعة واليومية مع دائرة محدودة من الأصدقاء.

ويتوفر التطبيق حالياً بشكل رسمي عبر متاجر التطبيقات على أجهزة «أيفون» و«أندرويد» مع استمرار التوسع التدريجي في بعض الدول والميزات المرتبطة بالحسابات.