لبنان: الحرب والنزوح يفقدان عيد الفطر فرحته

عائلات مشتتة… والأسواق مفتوحة للغذاء وليس لـ«الكماليات»

طفلة أمام خيمة للنازحين في ساحة الشهداء في العاصمة اللبنانية صبيحة عيد الفطر بالتزامن مع مشاركة لبنانيين في صلاة العيد في وسط بيروت (رويترز)
طفلة أمام خيمة للنازحين في ساحة الشهداء في العاصمة اللبنانية صبيحة عيد الفطر بالتزامن مع مشاركة لبنانيين في صلاة العيد في وسط بيروت (رويترز)
TT

لبنان: الحرب والنزوح يفقدان عيد الفطر فرحته

طفلة أمام خيمة للنازحين في ساحة الشهداء في العاصمة اللبنانية صبيحة عيد الفطر بالتزامن مع مشاركة لبنانيين في صلاة العيد في وسط بيروت (رويترز)
طفلة أمام خيمة للنازحين في ساحة الشهداء في العاصمة اللبنانية صبيحة عيد الفطر بالتزامن مع مشاركة لبنانيين في صلاة العيد في وسط بيروت (رويترز)

«كنا ننتظر العيد لنفرح بالأولاد، اليوم ننتظر فقط أن يمرّ يومنا بسلام». بهذه العبارة، تختصر أم علي، النازحة من إحدى قرى الجنوب، حال عشرات آلاف الجنوبيين الذين وجدوا أنفسهم عالقين في الحرب والنزوح، مما أفقد العيد زهوته، وانعكس ذلك على أحوال اللبنانيين كافة في بيروت وصيدا بشكل أساسي، وهما مدينتان تستضيفان أكبر نسبة من النازحين.

في مراكز الإيواء والشقق المؤقتة، كما في بلدات استقبلت آلاف النازحين، يُستقبل عيد الفطر خارج سياقه الطبيعي. تتبدّل معانيه، وتتقلّص مظاهره، وتُعاد صياغة العلاقة معه بوصفه يوماً ينبغي عبوره أكثر مما ينبغي الاحتفال به، إذ تتراجع الاحتفالات أمام ضرورات البقاء، ويتقدّم القلق على الفرح.

انفصال العيد عن مكانه

في المناطق التي أُفرغت من سكانها، تراجعت ملامح العيد إلى حدّها الأدنى. الأسواق خفتت، التحضيرات المنزلية توقّفت، والمساجد في بعض المناطق خرجت من الخدمة أو باتت ضمن نطاق الخطر.

يقول أحد أبناء الجنوب: «العيد كان يبدأ من الليلة السابقة، أما اليوم فلا نعرف إن كانت بيوتنا ما زالت كما تركناها».

بهذا المعنى، لم يتراجع العيد فحسب، بل انفصل عن مكانه. ومع هذا الانفصال، فقد جزءاً أساسياً من دلالته الاجتماعية والوجدانية.

امرأة تعد الطعام في مركز لإيواء النازحين في بيروت صبيحة عيد الفطر في لبنان (رويترز)

اقتصاد يتآكل

في المدن، تعكس الأسواق واقعاً موازياً. فالأزمة الاقتصادية التي سبقت الحرب، تفاقمت معها، لتعيد ترتيب أولويات الإنفاق بشكل حاد. يقول أحد أصحاب المحال: «الأولوية اليوم للدواء والغذاء، العيد لم يعد ضمن الحسابات»، مشيراً إلى أن هذا التحوّل لا يعبّر فقط عن تراجع القدرة الشرائية، بل عن انتقال العيد من خانة الضرورة الاجتماعية إلى خانة الكماليات المؤجّلة.

فجوة الحرب

في هذا السياق، تبرز تجربة حسين، صاحب محل ألبسة في محلة بئر العبد في ضاحية بيروت الجنوبية، كصورة مكثّفة لهذا التحوّل. كان يعوّل على الأسبوع الأخير قبل العيد، باعتباره ذروة الموسم، قبل أن يدفعه الإنذار الشامل للضاحية إلى نقل بضاعته إلى منزله المستأجر في عاريا في جبل لبنان. ويقول: «أخرجت البضاعة بسرعة. كنت أتوقع التصعيد، لكن لم أتوقع أن يضيع الموسم بالكامل»، ويضيف: «تحوّل المنزل إلى مخزن مؤقت، أكياس وصناديق وملابس تنتظر طلباً لم يعد موجوداً».

حاول التعويض عبر الإعلان على «واتساب» وتأمين خدمة التوصيل، إلا أن الاستجابة بقيت شبه معدومة. ويقول: «لا أحد يشتري. الأولوية للدواء والغذاء. الألبسة أصبحت كماليات»، يضيف، قبل أن يختصر المشهد الاقتصادي بالقول: «أنقذت البضاعة، لكن السوق مات».

رجل يزور مقبرة مخصصة لمقاتلي «حزب الله» في ضاحية بيروت الجنوبية في صبيحة عيد الفطر (أ.ب)

فقدان المكان والمعنى

على مستوى آخر، تتجاوز الخسارة البعد الاقتصادي لتطال معنى العيد نفسه. يربط محمد، ابن بلدة حولا، هذا التحوّل مباشرة بتدمير بلدته وإفراغها. منذ حرب أكتوبر (تشرين الأول) 2023، بدأ العيد يتراجع، قبل أن يفقد معناه كلياً مع النزوح، ويقول: «أطفالي لم يعودوا يسألون عن ملابس العيد، بل عن موعد العودة إلى البيت»، ويضيف: «انتقلت العائلة إلى منزل مستأجر في «قبيع» في جبل لبنان، حيث يتوافر الأمان، لكن من دون إحساس بالانتماء». ويتابع: «حتى البدائل انهارت، كنا نقصد صور وبحرها كمتنفس للأطفال، اليوم حتى هذا الخيار لم يعد متاحاً بعد تهديدها». بالنسبة له، العيد لا يُنقل جغرافياً، «العيد هو المكان... والآن فُقد المكان».

الخوف بديلاً عن الفرح

في تجربة زينب (13 عاماً)، المهجّرة من الضاحية الجنوبية والمنحدرة من عائلة من بعلبك، يظهر البعد النفسي لهذه التحوّلات. تقول: «العيد يعني بيت جدّتي في القرية، حيث نجتمع ونلعب مع العائلة، أمّا اليوم، فالعائلة تفرّقت وتوزّعت على مناطق مختلفة».

لا تفكّر زينب في ثياب العيد، ولا في مظاهره. مكتفية بالإشارة: «أريد فقط أن تتوقف الحرب ونعود إلى حياتنا الطبيعية».

ويبدو أن الأطفال، في هذا المشهد، هم الأكثر تأثراً. إذ تنشأ فئة متزايدة منهم خارج الإطار التقليدي للمناسبات، في بيئة يغلب عليها القلق وعدم الاستقرار. تقول لانا (9 سنوات)، النازحة من الضاحية أيضاً: «أريد أن أعود إلى بيتي، هذا هو العيد»، تعكس هذه العبارة انتقال معنى العيد من كونه مناسبة احتفالية إلى كونه مرادفاً لفكرة العودة.


مقالات ذات صلة

عون مستمر بمساعي إنهاء الحرب و«سلام غير مرحلي»

المشرق العربي الرئيس عون مستقبلاً وفد بلديات «مرجعيون والقليعة وبرج الملوك وإبل السقي ودير ميماس وكوكبا في الجنوب» وضم رؤساء البلديات والمخاتير وعدداً من الكهنة والمشايخ (الرئاسة اللبنانية)

عون مستمر بمساعي إنهاء الحرب و«سلام غير مرحلي»

أكد الرئيس اللبناني جوزيف عون أنه «آن الأوان لعودة الجيش ليتسلم مهامه كاملة، وأن يكون الوحيد المسؤول عن الأمن في الجنوب».

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي الرئيس اللبناني جوزيف عون ورئيس مجلس النواب نبيه بري (أرشيفية - رويترز)

لبنان... بري مرتاح لمواقف عون وعلاقتهما إلى انفراج وتواصل

تدخل العلاقة بين رئيسي الجمهورية جوزيف عون والمجلس النيابي نبيه بري في مرحلة سياسية يغلب عليها الانفراج وتبريد الأجواء باتجاه معاودة تواصلهما المباشر.

محمد شقير (بيروت)
تحليل إخباري طفل يرتدي البزة العسكرية خلال تشييع مقاتل من «حزب الله» بالضاحية الجنوبية لبيروت في أثناء فترة الهدنة مع إسرائيل (رويترز)

تحليل إخباري لبنان يختبر «حصرية السلاح» في الضاحية الجنوبية عبر ملاحقة مطلقي النار

تُكثّف الأجهزة الأمنية اللبنانية إجراءاتها لملاحقة ظاهرة إطلاق النار خلال التشييعات، في خطوة تعكس توجهاً رسمياً لضبط التفلت الأمني ووضع حد لمشاهد باتت تتكرر.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي مدرّعات عسكرية إسرائيلية تُناور داخل الأراضي اللبنانية (رويترز)

إسرائيل تستأنف محاولات توسيع سيطرتها في جنوب لبنان

استأنف الجيش الإسرائيلي هجماته لتوسعة سيطرته الميدانية في جنوب لبنان، للمرة الأولى منذ دخول اتفاق وقف إطلاق النار حيز التنفيذ

نذير رضا (بيروت)
المشرق العربي 
رئيس الحكومة نواف سلام مجتمعاً مع وزير الداخلية أحمد الحجار قبيل مشاركته في اجتماع مجلس الأمن الداخلي المركزي (الوكالة الوطنية للإعلام)

عون: لا خيار إلا التفاوض... ولا لقاء مع نتنياهو قبل اتفاق أمني

شدد الرئيس اللبناني جوزيف عون، على «ضرورة التوصل إلى اتفاق أمني ووقف الهجمات الإسرائيلية» قبل عقد أي لقاء مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، مكرراً.

«الشرق الأوسط» (بيروت)

عون مستمر بمساعي إنهاء الحرب و«سلام غير مرحلي»

الرئيس عون مستقبلاً وفد بلديات «مرجعيون والقليعة وبرج الملوك وإبل السقي ودير ميماس وكوكبا في الجنوب» وضم رؤساء البلديات والمخاتير وعدداً من الكهنة والمشايخ (الرئاسة اللبنانية)
الرئيس عون مستقبلاً وفد بلديات «مرجعيون والقليعة وبرج الملوك وإبل السقي ودير ميماس وكوكبا في الجنوب» وضم رؤساء البلديات والمخاتير وعدداً من الكهنة والمشايخ (الرئاسة اللبنانية)
TT

عون مستمر بمساعي إنهاء الحرب و«سلام غير مرحلي»

الرئيس عون مستقبلاً وفد بلديات «مرجعيون والقليعة وبرج الملوك وإبل السقي ودير ميماس وكوكبا في الجنوب» وضم رؤساء البلديات والمخاتير وعدداً من الكهنة والمشايخ (الرئاسة اللبنانية)
الرئيس عون مستقبلاً وفد بلديات «مرجعيون والقليعة وبرج الملوك وإبل السقي ودير ميماس وكوكبا في الجنوب» وضم رؤساء البلديات والمخاتير وعدداً من الكهنة والمشايخ (الرئاسة اللبنانية)

أكد الرئيس اللبناني جوزيف عون أنه «آن الأوان لعودة الجيش ليتسلم مهامه كاملة، وأن يكون الوحيد المسؤول عن الأمن في الجنوب»، مشدداً على «استمراره في المساعي الهادفة إلى إنهاء حالة الحرب التي عانى منها الجميع، على أن يعم السلام بشكل دائم، وليس بشكل مرحلي».

وأكد الرئيس عون «وقوفه الدائم إلى جانب أهل الجنوب، مقدراً صمودهم رغم الظروف الصعبة الحالية، وتعلقهم بأرضهم وأملاكهم». وأشار إلى أن «ما يقوم به هو لمصلحة جميع اللبنانيين، وليس لفئة منهم، وأن مسار المفاوضات هو الوحيد الذي بقي بعد نفاد الحلول الأخرى ومنها الحرب».

ونوّه عون بـ«مواقف البلدات والقرى الجنوبية الداعمة والمؤيدة للجيش والقوى الأمنية التي تقوم بمهامها، خصوصاً في ظل الحملات المغرضة وغير المحقة التي تتعرض لها المؤسسة العسكرية والأجهزة الأمنية، وقد عانى اللبنانيون كثيراً حين غاب الجيش عن الجنوب، وآن الأوان لعودته ليتسلم مهامه كاملة، وأن يكون الوحيد المسؤول عن الأمن في الجنوب، ويجب على الجميع الالتفاف حوله وحول القوى الأمنية، وإلا فإن الخسارة ستكون شاملة».

«السلم الأهلي خط أحمر»

وجدد الرئيس عون القول إن «من يحاول الغمز من باب الفتنة الطائفية والمذهبية لن ينجح، وكل من يعمل ذلك يقدم هدية مجانية لإسرائيل، وإن السلم الأهلي خط أحمر، وهناك وعي كافٍ على مستوى الشعب وغالبية المسؤولين»، وقال: «الحقد لا يبني دولاً وأوطاناً، ولا خيار لدينا سوى العيش مع بعضنا البعض».

«الكتائب»: لم يعد التعايش ممكناً مع سلاح «حزب الله»

في موازاة ذلك، استمرت المواقف الداعمة لرئيس الجمهورية، وهو ما عبّر عنه حزب «الكتائب» في الاجتماع الدوري لمكتبه السياسي برئاسة النائب سامي الجميّل، مجدداً التأكيد «على دعمه للرئيس عون في مسار التفاوض، وثقته به في إدارته تفاصيل هذا المسار وفق مقتضيات الدستور، ومصلحة لبنان لجهة وقف الاعتداءات، واستعادة الأسرى وتأمين الانسحاب الإسرائيلي وإعادة الإعمار، وعودة النازحين».

وشدد «الكتائب» على «ضرورة تنفيذ القرارات الحكومية، والبدء فعلياً بحصر السلاح بيد الدولة، وتفكيك المنظومة الأمنية والعسكرية لميليشيا (حزب الله) المحظورة، باعتبار ذلك شرطاً أساسياً ولا غنى عنه لإنجاح المفاوضات وإطلاق العجلة الاقتصادية».

ورفض «حملات التخوين، وخطاب الحقد والكراهية برعاية ميليشيا (حزب الله) المحظورة، وآخر تجلياته الحملة التي استهدفت رئيس الجمهورية، ورئيس الحكومة، ومؤخراً البطريرك بشارة الراعي؛ في محاولة فاشلة لافتعال اشتباك طائفي».

جعجع: من لا يعترف بالرئيس الشرعي لا يعترف بلبنان

وفي الإطار نفسه، انتقد رئيس حزب «القوات اللبنانية» سمير جعجع موقف «حزب الله» الرافض لقرار رئيس الجمهورية حول التفاوض مع إسرائيل، وقال في بيان له: «سمعنا البعض مراراً وتكراراً يقول إنه غير معني بأي مفاوضات يجريها لبنان أو بأي اتفاقات يُقدم عليها. لهذا البعض نقول: لسنا معنيين بكلامك وبكل ما تقوم به، سوى أنه أنزل الكوارث على لبنان واللبنانيين. إن للبنان مجلساً نيابياً منتخباً بشكل ديمقراطي وفعلي، ويمثِّل الشعب اللبناني خير تمثيل».

وأضاف جعجع: «لمن يقول إنه غير معني بمفاوضات شرعية ودستورية يجريها رئيس الجمهورية بالتكافل والتضامن مع رئيس الحكومة والحكومة، فهو يعني بقوله إنه يتنكر للبنان الدولة، ولأكثرية اللبنانيين، واستطراداً للبنان الوطن».


اعتقالات متبادلة بين «قسد» والحكومة السورية تؤخّر الدمج

مظاهرة لعوائل معتقلي «قسد» لدى الحكومة السورية أمام مبنى حزب الاتحاد الديمقراطي في القامشلي (روناهي)
مظاهرة لعوائل معتقلي «قسد» لدى الحكومة السورية أمام مبنى حزب الاتحاد الديمقراطي في القامشلي (روناهي)
TT

اعتقالات متبادلة بين «قسد» والحكومة السورية تؤخّر الدمج

مظاهرة لعوائل معتقلي «قسد» لدى الحكومة السورية أمام مبنى حزب الاتحاد الديمقراطي في القامشلي (روناهي)
مظاهرة لعوائل معتقلي «قسد» لدى الحكومة السورية أمام مبنى حزب الاتحاد الديمقراطي في القامشلي (روناهي)

يشهد ملف تبادل المعتقلين والأسرى بين الحكومة السورية وقوات سوريا الديمقراطية (قسد) في محافظة الحسكة جموداً منذ منتصف أبريل (نيسان) الماضي بعد ربطه بملفات سياسية، ما أدى إلى تعثر في مسار دمج «قسد» وتطبيق اتفاق يناير (كانون الثاني) الماضي. وتحدث القيادي في الإدارة الذاتية عبد الكريم عمر لـ«الشرق الأوسط» عن وجود عدة ملفات تحتاج إلى «مزيد من النقاش والتوافق»، إلا أن الأولوية القصوى هي لملفات المعتقلين وعودة المهجّرين، مؤكداً التزام الإدارة الذاتية و«قسد» الكامل ببنود الاتفاق. وذلك فيما خرج أهالي معتقلي «قسد» لدى الحكومة السورية بمظاهرة للمطالبة بإطلاق سراح أبنائهم بحسب وسائل إعلام كردية، وسط أنباء عن حملات اعتقال مقابلة في محافظتي الحسكة والرقة.

ولا يزال ملف المعتقلين والأسرى يحظى «باهتمام ومتابعة دقيقة» من طرف «قسد» والإدارة الذاتية، بحسب ما قال عمر لـ«الشرق الأوسط»، لافتاً إلى أن ذلك «يعكس حرصنا على الالتزام الكامل ببنود اتفاقية 29 يناير، التي تمثل إطاراً مهماً للتعاون والتفاهم بين الإدارة الذاتية والحكومة الانتقالية».

ومن هذا المنطلق أكد عمر التزام الإدارة الذاتية و«قسد» بتنفيذ كل بنود الاتفاقية، بما فيها دمج المؤسسات العسكرية والأمنية والإدارية، مع مراعاة خصوصية المناطق الكردية، وذلك مع «الإدراك التام أن عملية الدمج تتطلب بناء الثقة وإرادة حقيقية من جميع الأطراف، بالإضافة إلى تجاوز أي خطاب قد يعوق هذا المسار».

عناصر من «قسد» التي يقودها الأكراد يصطفون لتسوية أوضاعهم مع الحكومة السورية في الرقة خلال يناير الماضي (رويترز)

وبحسب وكالة الأنباء الكردية «هاوار»، اشتكى أهالي المحتجزين من «قسد» لدى الحكومة السورية بأنهم منعوا من لقاء أبنائهم في مراكز احتجازهم في حلب، فيما خرج أهالي معتقلين في مدينة الحسكة باحتجاجات للمطالبة بالإفراج عن أبنائهم. وأظهرت مقاطع فيديو بثتها وسائل إعلام كردية تظاهر مجموعة من الأهالي أمام مبنى محافظة الحسكة، الثلاثاء.

وقال القيادي الكردي: «نسعى لإيجاد حلول عاجلة تضمن الإفراج عن جميع المحتجزين، وذلك لتخفيف معاناة عوائلهم، كما يظل ملف عودة المهجرين إلى مناطقهم الأصلية على رأس الأولويات، حيث تم حتى الآن إعادة نحو 1400 عائلة إلى عفرين، ولا يزال هناك نحو سبعة آلاف عائلة في كل من الجزيرة وكوباني بانتظار عودتهم إلى موطنهم الأصلي، بالإضافة إلى أن العمل مستمر لتمكين باقي العائلات المهجرين من رأس العين وتل أبيض والمناطق الأخرى من العودة بكرامة وأمان».

ملفّات عالقة

لفت عبد الكريم عمر إلى وجود ملفات تحتاج إلى مزيد من النقاش والتوافق، مثل دمج وحدات حماية المرأة ضمن وزارة الدفاع السورية، وتطوير التعليم باللغة الأم في المناطق الكردية، وتصديق الشهادات الصادرة عن مؤسسات الإدارة الذاتية أسوة بالمناطق الأخرى، فضلاً عن بعض القضايا المتعلقة بالقصور العدلية وغيرها من المسائل الفنية والإدارية.

وقال: «نحن على يقين أنه من خلال الإرادة المشتركة والحوار المستمر والشفاف وبناء الثقة، يمكن تحقيق تقدم ملموس في هذه الملفات بما يخدم مصالح جميع السوريين ويعزز الاستقرار الوطني». ورأى أن التقدم في هذه الملفات «يمثل فرصة حقيقية لتعزيز الثقة بين جميع الأطراف، ويؤكد أن الالتزام بالاتفاقيات هو الطريق الأمثل لتحقيق وحدة وطنية متينة، واستقرار دائم، ومستقبل مشترك يسوده الأمن والكرامة لكل أبناء سوريا».

فريق «قسد» في اجتماع مع المبعوث الرئاسي لتطبيق اتفاق 29 يناير (سانا)

ويشار إلى أن ملف تبادل الأسرى والمعتقلين حقق تقدماً لافتاً في إطار تفاهمات لـ«تبييض السجون» وبناء الثقة ضمن مسار تنفيذ الاتفاق، خلال شهري مارس (آذار) وأبريل (نيسان) الماضيين. وفي آخر دفعة تم إطلاق سراح نحو 400 من معتقلي «قسد» مقابل 91 معتقلاً للحكومة السورية، سبقتها دفعات أطلق فيها سراح 300 مقابل 300 في مارس، وسبقتها دفعة 159 معتقلاً مقابل 100 معتقل.

وعدّ معاون وزير الدفاع في الحكومة المؤقتة في سوريا لشؤون المنطقة الشرقية، سيبان حمو (سمير أوسو)، ربط ملف المعتقلين بالضغوط السياسية الممارسة «أمراً غير أخلاقي»، وعدّ في حوار مع وكالة «هاوار» آلية عمليات التبادل الأخيرة «خاطئة»، وأنه كان يجب يوم إعلان الاندماج أن «يخرج الجميع من السجون دون دفعات».

وأفاد أحمد الهلالي المتحدث باسم الفريق الرئاسي المكلف بالإشراف على تنفيذ اتفاق 29 يناير في تصريحات صحافية، بأن تعثر تسلم القصور العدلية، ولا سيما في القامشلي، انعكس سلباً على ملفات أخرى، أبرزها ملف المعتقلين، الذي شهد تحولاً من مقاربة التبادل إلى إخلاء السبيل، بعد تسلم الحكومة السورية السجون في الحسكة، إلا أن العملية لا تزال تواجه تأخيرات. وأوضح الهلالي أن مسار الدمج يرتبط بعدة ملفات متداخلة، من بينها ملف المعتقلين الذي وصفه بأنه «إنساني وغير تفاوضي»، لكنه يتأثر بتقدم تنفيذ الاتفاق، مع وجود تفاؤل بإمكانية تحقيق انفراجه خلال الأيام المقبلة.

تجمُّع أهالي المعتقلين لدى «قسد» بعد إطلاق سراحهم بموجب اتفاق مع الحكومة السورية... في الحسكة يوم 11 أبريل 2026 (رويترز)

اعتقالات مقابلة

في سياق موازٍ قالت وسائل إعلام محلية إن قوات «قسد» نفذت الاثنين حملة اعتقالات في مدينة الحسكة ومحيطها، وقال «مركز إعلام الحسكة»: «الحملة جرت في حي الصالحية في المدينة وفي قرية الفهد قرب دوار البانوراما، أسفرت عن اعتقال شاب في الحسكة وعدد من أبناء القرية».

وكانت قوات الأمن السوري اعتقلت في وقت سابق عدداً من المحسوبين على «قسد» في محافظة الرقة، وحاولت «الشرق الأوسط» الحصول على تفاصيل توضح طبيعة تلك الاعتقالات من مصادر حكومية وأخرى كردية، لكنها لم تتلق رداً.

Your Premium trial has ended


نفوذ الفصائل يطوق مفاوضات تشكيل الحكومة العراقية

صورة نشرتها الرئاسة العراقية يوم 27 أبريل 2026 تظهر الرئيس العراقي نزار آميدي وهو يصافح رئيس الوزراء المكلف علي الزيدي (أ.ف.ب)
صورة نشرتها الرئاسة العراقية يوم 27 أبريل 2026 تظهر الرئيس العراقي نزار آميدي وهو يصافح رئيس الوزراء المكلف علي الزيدي (أ.ف.ب)
TT

نفوذ الفصائل يطوق مفاوضات تشكيل الحكومة العراقية

صورة نشرتها الرئاسة العراقية يوم 27 أبريل 2026 تظهر الرئيس العراقي نزار آميدي وهو يصافح رئيس الوزراء المكلف علي الزيدي (أ.ف.ب)
صورة نشرتها الرئاسة العراقية يوم 27 أبريل 2026 تظهر الرئيس العراقي نزار آميدي وهو يصافح رئيس الوزراء المكلف علي الزيدي (أ.ف.ب)

رغم الظروف الإيجابية التي يتحرك فيها رئيس الوزراء المكلف، علي الزيدي، في مساعيه لتشكيل الحكومة الجديدة، بالنظر إلى دعم أطراف محلية وإقليمية، فإن ذلك لا يمنع مراقبين من التفكير في تحديات جدية قد يواجهها الزيدي؛ في مقدمتها التحدي الأميركي المتمثل في منع ممثلين للفصائل المسلحة من المشاركة في الحكومة المقبلة.

وأعرب الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، في معرض تأييده تكليف الزيدي، الأسبوع الماضي، عن رغبته في رؤية حكومة عراقية جديدة «خالية من الإرهاب»، وفُهم كلامه على نطاق واسع بأنه إشارة إلى عدم القبول بإشراك ممثلين عن فصائل مسلحة موالية لإيران في الحكومة الجديدة، كانت واشنطن قد وضعتهم على لائحة الإرهاب.

«العصائب» مصرّة

في مقابل الضغوط الأميركية، يواجه المكلف الزيدي ضغوطاً محلية مقابلة تعبر عنها الطموحات في الحصول على مناصب حكومية من جانب بعض الجماعات المدرجة على لائحة العقوبات الأميركية، خصوصاً «عصائب أهل الحق» التي يقودها قيس الخزعلي؛ الأمر الذي سيضعه بين حاجزين ليس من السهل تجاوزهما في طريق مساعي تشكيل الحكومة.

وكشف عضو المكتب السياسي لحركة «صادقون» التابعة لــ«عصائب الحق»، حسين الشيحاني، في تصريحات إعلامية، عن أن حركته تسعى إلى الحصول على منصب أحد نواب رئيس الوزراء، مؤكداً امتلاكها النقاط الكافية لذلك.

وذكر الشيحاني أن الحركة تستهدف «الوزارات المتردية لإثبات قدرتها على إصلاحها، وفي مقدمتها وزارة الصناعة لإعادة (صنع في العراق) وبقوة»، في إشارة إلى دعم الصناعة المحلية، و«وزارة التربية التي تمتلك لها خطة نهوض مغايرة».

وحصلت «العصائب» في الحكومتين السابقتين على مناصب ووزارات حكومية مهمة؛ منها وزارتا الثقافة والتعليم العالي، كما حصلت حتى الآن على منصب النائب الأول لرئيس البرلمان.

ويقول الشيحاني إن «منصب النائب الأول لرئيس البرلمان احتسب بـ9 أو 10 نقاط، والنقطة تعادل نائباً أو مقعداً في البرلمان، وتطمح (صادقون) إلى أن يكون أحد نواب رئيس الوزراء من حصتها، ولدينا نقاط هذا المنصب».

وليس من الواضح الطريقة التي سيتبعها المكلف الزيدي لإرضاء الأطراف المتنافرة الدولية والخارجية، لكن بعض الأوساط السياسية والإعلامية تشير إلى أن «التزاحم على حاشية رئيس الوزراء المكلف، والاحتكاك بين الفصائل، ضمنها (العصائب)، على مناصب حكومية أساسية، قد لا يسمحان بإطالة عمر حكومة الزيدي المقبلة».

رئيس الحكومة العراقية محمد السوداني يتوسط نوري المالكي وقيس الخزعلي خلال اجتماع في بغداد (أرشيفية - أ.ف.ب)

محطات للمكلف

بدوره، يرى الأكاديمي رئيس «مركز التفكير السياسي» إحسان الشمري، «استناداً إلى أول تصريح للمكلف علي الزيدي الذي ذكر فيه أن حكومته ستكون جامعة، وأنه قد يضع في حساباته أن يشترك الجميع فيها»، أن ذلك «قد يتعارض مع اشتراطات الإدارة الأميركية بأن تكون خالية من الميليشيات المصنفة على لائحة الإرهاب، لذلك تمثل هذه النقطة محطة تحدٍّ بالنسبة إلى المكلف، خصوصاً وهو يعول كثيراً على الدعم الأميركي».

ويتصور الشمري أن «هذا التحدي قد ينعكس على مستوى مفاوضاته مع الأجنحة السياسية لهذه الفصائل المسلحة التي باتت موجودة بقوة في البرلمان؛ لذلك فسيجد الزيدي صعوبة في تخطي هذا الثقل البرلماني للفصائل المسلحة».

ويعتقد أن كل هذه العوامل ستسهم في «تعقيد جهود الزيدي؛ لذلك قد يضطر إلى القبول بمناورة أو محاولة إقناع الفصائل المسلحة بأن تقدم شخصيات تبدو مستقلة لكنها في النهاية تدخل ضمن دائرة الولاء لها، وهذا قد يخفف الضغط الأميركي عليه».

ويرى الشمري أنه «مع عدم قدرة المكلف على تجاوز هذه التحديات، فستكون لها مآلات كبيرة، وتعيد الحكومة دائرة تمثيل الجماعات المسلحة، على غرار ما حدث مع حكومة السوداني، ولن يكون ذلك مقبولاً من الولايات المتحدة الأميركية».

وإذا ما تضمنت الكابينة الوزارية وجوهاً فصائلية، فذلك أيضاً «يرسخ قناعة داخلية بعودة هذه الجماعات مرة أخرى إلى المساحة التنفيذية، وقد لا يكتب النجاح لحكومة الزيدي في هذه الحالة».

ويخلص الشمري إلى أن المكلف الزيدي «قد يضطر إلى اعتماد مبدأ التوفيق بين ضغوط الفصائل المسلحة واشتراطات الرئيس الأميركي، وقد يعول على إمكانية إقناع الإدارة الأميركية بعدم تمثيل هذه الفصائل بأشخاص ينتمون إليها بشكل مباشر».

تشييع في بغداد لعناصر من «كتائب حزب الله» العراقية قُتلوا بغارة استهدفت مقراً لـ«الحشد الشعبي» (رويترز)

تجاوز عقدة الفصائل

ويرى أستاذ العلوم السياسية في جامعة الموصل المهتم بالدراسات الإيرانية، فراس إلياس، أن من الصعب التعويل على قدرة رئيس الوزراء المكلف، علي الزيدي، على تشكيل حكومة عراقية «خالية من الإرهاب» بالمعنى الذي يطرحه الرئيس الأميركي دونالد ترمب.

وقال إلياس لـ«الشرق الأوسط» إن «هذا الطرح يعكس رؤية سياسية أميركية أكثر مما يعكس واقعاً قابلاً للتحقق داخل البنية العراقية الحالية».

ويشير إلياس إلى أن «أي محاولة لإقصاء هذه الفصائل بشكل كامل من المشهد الحكومي تبدو غير واقعية، ليس فقط بسبب ثقلها الميداني، بل لأنها أيضاً جزء من التوازنات السياسية داخل (الإطار التنسيقي)، الذي يُفترض أن يشكّل الحاضنة الأساسية لحكومة الزيدي».

وعليه؛ وفقه، فإن «تجاوز عقدة الفصائل لا يمكن أن يكون عبر المواجهة المباشرة، بل من خلال إعادة ضبط دورها وتقليص هامش حركتها، بما ينسجم مع متطلبات الدولة، دون الذهاب إلى صدام مفتوح معها».

ووفق إلياس، فإن «السيناريو الأرجح لا يتمثل في تشكيل حكومة خالية من الفصائل، بل في تشكيل حكومة أكبر انضباطاً على المستوى الأمني، تعمل على احتواء هذه القوى وإعادة توجيه دورها ضمن إطار الدولة».