السمنة تهدد نصف سكان العالم بحلول 2035

«8 مليارات سبب للتصدي للسمنة» شعار اليوم العالمي لهذا العام

السمنة تهدد نصف سكان العالم بحلول 2035
TT

السمنة تهدد نصف سكان العالم بحلول 2035

السمنة تهدد نصف سكان العالم بحلول 2035

لم تعد السمنة قضية تتعلق بالمظهر أو أرقام الميزان، بل تحولت إلى ظاهرة صحية عالمية تعكس خللاً عميقاً في أنماط الحياة والبيئة الغذائية المعاصرة، وأصبحت أحد أخطر التحديات الصحية في القرن الحادي والعشرين. والسمنة اليوم ليست مسألة فردية تخص اختيارات شخص بعينه، بل تحدٍّ بنيوي يرتبط بطريقة تصميم مدننا، ونوعية غذائنا، ومستوى حركتنا، وثقافة الاستهلاك السائدة.

ومع تصاعد معدلاتها عبر مختلف الأعمار والمجتمعات، أصبحت السمنة أحد أبرز محركات الأمراض المزمنة في العالم، ما يفرض إعادة النظر في مقاربتنا الصحية من العلاج إلى الوقاية، ومن اللوم الفردي إلى المسؤولية المجتمعية.

ظاهرة السمنة

تعريف السمنة. تُعرَّف السمنة بأنها تراكم مفرط أو غير طبيعي للدهون في الجسم قد يُلحق ضرراً بالصحة. وتنشأ في جوهرها عن اختلال التوازن بين الطاقة المتناولة والطاقة المصروفة، غير أن هذا التفسير البيولوجي لا يكفي وحده. فالبيئة والمجتمع عنصران حاسمان في تحديد اختيارات الأفراد. ويخلق انتشار الأغذية الفائقة المعالجة، وقلة المساحات المهيأة للنشاط البدني، وأنماط العمل المكتبية، والتسويق المكثف للوجبات عالية السعرات، بيئة تُسهم في زيادة المخاطر. ولهذا لم تعد السمنة تُعدّ ضعفاً في الإرادة، بل تُعدّ مرضاً مزمناً متعدد العوامل يتطلب إدارة طويلة الأمد

اليوم العالمي للسمنة

يحل في الرابع من مارس (آذار) من كل عام اليوم العالمي للسمنة، الذي يمثل منصة دولية لتسليط الضوء على واحدة من أكثر القضايا الصحية إلحاحاً في عصرنا. وشعار هذا العام 2026 هو «8 مليارات سبب للعمل على السمنة (8 Billion Reasons To Act on Obesity)»، بعدد سكان الأرض، في إشارة إلى أن السمنة قضية عالمية تمس كل فرد من جميع الأعمار والمجتمعات على هذا الكوكب، وأن مواجهتها مسؤولية جماعية لا تقتصر على الأنظمة الصحية وحدها، وفقاً للاتحاد العالمي للسمنة (World Obesity Federation).

إن شعار هذا العام لا يهدف إلى إثارة القلق بقدر ما يسعى إلى تحويل الوعي إلى فعل، وهو دعوة عالمية للتحرك؛ فالسمنة لا تنشأ في عزلة، بل تتشكل داخل بيئات اجتماعية واقتصادية وثقافية معقدة، فبفهم السمنة بدلاً من وصمها، وإعطاء الأولوية للوقاية المبكرة، وضمان الوصول العادل إلى الرعاية، يمكن تغيير الاتجاه المتوقع.

من هنا، فإن تغيير المسار يتطلب سياسات غذائية أكثر عدالة، وبيئات داعمة للنشاط البدني، واستراتيجيات وقائية تبدأ من الطفولة المبكرة، إضافة إلى ضمان الوصول العادل إلى العلاج.

إن اليوم العالمي للسمنة ليس مناسبة رمزية فحسب، بل فرصة سنوية لإعادة تقييم الاتجاهات، وقياس التقدم، وتجديد الالتزام العالمي بالحد من هذا العبء المتصاع.

أرقام وحقائق

وإليكم عدداً من الحقائق:

- أكثر من مليار شخص يعيشون اليوم مع السمنة.

- ما يقارب 3 مليارات إنسان يعيشون مع حالات زيادة الوزن أو السمنة مجتمعة.

- بحلول عام 2035، يُتوقع أن يكون واحد من كل اثنين عالمياً – أي نحو 4 مليارات شخص – ضمن دائرة زيادة الوزن أو السمنة.

- ارتفعت معدلات السمنة بين الأطفال في سن المدرسة بنحو خمسة أضعاف منذ عام 1975.

- أكثر من 400 مليون طفل ومراهق يُتوقع أن يعيشوا مع زيادة الوزن أو السمنة خلال السنوات القليلة المقبلة.

- تسهم زيادة الوزن والسمنة في نحو1.7 مليون وفاة مبكرة سنوياً نتيجة الأمراض غير المعدية.

- يُقدَّر الأثر الاقتصادي العالمي لزيادة الوزن والسمنة بنحو 3.23 تريليون دولار بحلول عام 2030.

هذه الأرقام لا تعكس مجرد زيادة في الوزن، بل هي تحوّل عميق في أنماط الحياة والبيئة الصحية على مستوى العالم. فهي تشير إلى مسار يتجه نحو تصاعد عبء الأمراض المزمنة، ما لم يُكسر هذا المنحنى عبر تدخلات وقائية فعالة.

السمنة: بوابة الأمراض المزمنة

لا تقتصر خطورة السمنة على زيادة الوزن في حد ذاتها، بل تكمن في كونها عاملاً بيولوجياً يعيد تشكيل وظائف الجسم على مستويات متعددة. فالنسيج الدهني ليس مجرد مخزن للطاقة، بل يُعد عضواً نشطاً يفرز مواد التهابية وهرمونية تؤثر في استقلاب السكر والدهون، وتنظيم ضغط الدم، ووظيفة الأوعية الدموية.

• السكري من النوع الثاني: هذا النشاط الالتهابي المزمن المنخفض الدرجة (0 في حالات السمنة) يُعد أحد المفاتيح لفهم العلاقة الوثيقة بين السمنة والسكري. فزيادة الدهون، خاصة في منطقة البطن، تؤدي إلى مقاومة الإنسولين، ما يرفع مستويات السكر في الدم تدريجياً حتى يصل إلى مرحلة المرض الصريح.

• أمراض القلب والشرايين: ترتبط السمنة باضطراب دهون الدم، وارتفاع ضغط الدم، وتسريع عملية تصلب الشرايين. ومع تراكم هذه العوامل، يتضاعف خطر الجلطات القلبية والدماغية، ما يجعل السمنة عنصراً محورياً في عبء أمراض القلب عالمياً.

• السرطان: ولا يتوقف التأثير عند هذا الحد؛ فالسمنة ترتبط بزيادة خطر الإصابة بعدد من أنواع السرطان، من بينها سرطان القولون، والثدي (خاصة بعد سن اليأس)، وبطانة الرحم، والكبد، والبنكرياس. ويعود ذلك إلى تداخلات هرمونية والتهابية معقدة، تشمل ارتفاع مستويات الإنسولين وعوامل النمو المرتبطة به، وزيادة إنتاج الإستروجين في الأنسجة الدهنية، إضافة إلى الالتهاب المزمن الذي يخلق بيئة بيولوجية مواتية لنمو الخلايا السرطانية. ولهذا تُصنّف السمنة اليوم أحد عوامل الخطورة القابلة للتعديل في الوقاية من السرطان.

• الكبد الدهني غير الكحولي: تُعد السمنة كذلك السبب الرئيسي لمرض الكبد الدهني غير الكحولي، الذي أصبح أحد أكثر أمراض الكبد شيوعاً عالمياً، وقد يتطور في بعض الحالات إلى التهاب كبدي دهني، ثم تليّف أو فشل كبدي، بل وحتى سرطان الكبد.

وهكذا، لا تمثل السمنة حالة منفصلة يمكن عزلها، بل نقطة ارتكاز في شبكة مترابطة من الأمراض غير المعدية. فهي تفتح الباب لسلسلة من الاضطرابات المزمنة التي تتراكم تدريجياً، وتحوّل المشكلة من زيادة وزن قابلة للتعديل إلى عبء صحي واجتماعي واقتصادي طويل الأمد.

من هذا المنظور، فإن مكافحة السمنة لا تعني فقط خفض رقم على الميزان، بل تعني تقليل خطر السكري، وحماية القلب، والحفاظ على وظائف الكبد، والحد من عبء السرطان. إنها تدخل مبكر في مسار مرضي طويل قبل أن تتعقد حلقاته.

الطفولة: نقطة التحول الأخطر

من أكثر المؤشرات إثارة للقلق في أزمة السمنة التسارع الواضح في معدلاتها بين الأطفال. فارتفاعها بنحو خمسة أضعاف منذ سبعينات القرن الماضي لا يعكس مجرد تغير في أنماط الغذاء، بل يعكس تحولاً عميقاً في البيئة المعيشية ككل؛ من زيادة الاعتماد على الأغذية عالية السعرات قليلة القيمة الغذائية، إلى انخفاض النشاط البدني نتيجة التحول نحو أنماط حياة أكثر خمولاً واعتماداً على الشاشات.

وينمو الطفل اليوم في بيئة تختلف جذرياً عما كانت عليه قبل عقود. فالمساحات المفتوحة للحركة تقلصت، والأنشطة الرقمية ازدادت، والوجبات السريعة والمشروبات المحلاة أصبحت متاحة بسهولة وبأسعار منخفضة نسبياً. وهذه العوامل مجتمعة تُنشئ ما يُعرف بـ«البيئة المولِّدة للسمنة»، حيث يصبح الخيار غير الصحي هو الخيار الأسهل.

ولا تمثل السمنة في الطفولة مجرد مرحلة عابرة في معظم الحالات، بل تميل إلى الاستمرار حتى مرحلة البلوغ. وتشير الدراسات إلى أن الطفل الذي يعاني من السمنة يكون أكثر عرضة للإصابة المبكرة بالسكري من النوع الثاني، وارتفاع ضغط الدم، واضطرابات الدهون، وأمراض القلب في سن أصغر من المعتاد، كما أن بعض أنواع السرطان يرتبط بزيادة الوزن المزمنة التي تبدأ منذ الطفولة. ولا يقتصر التأثير على الجانب الجسدي؛ فالأطفال الذين يعانون من السمنة قد يواجهون تحديات نفسية واجتماعية، مثل التنمر وضعف تقدير الذات، ما ينعكس على تحصيلهم الدراسي وصحتهم النفسية.

ولا تتشكل اختيارات الطفل الغذائية ومستوى نشاطه البدني بمعزل عن محيطه. فالأسرة تؤثر في نمط الوجبات، والمدرسة في فرص الحركة والتثقيف الصحي، والمجتمع في تصميم المدن وتوافر الغذاء الصحي، والإعلانات في تشكيل التفضيلات المبكرة. ومن هنا فإن تحميل الطفل أو الأسرة المسؤولية الكاملة يتجاهل الدور البنيوي للبيئة المحيطة.

لهذا؛ فإن الوقاية الفعالة تبدأ مبكراً، من دعم الرضاعة الطبيعية، وتأسيس عادات غذائية متوازنة، وتشجيع الحركة اليومية، إلى سياسات مدرسية وغذائية تضع صحة الطفل في مقدمة الأولويات. فكل تدخل مبكر في الطفولة هو استثمار مباشر في تقليل عبء الأمراض المزمنة مستقبلاً.

درء حدوثها يتطلب استراتيجيات وقائية تبدأ من الطفولة

العبء الاقتصادي والاجتماعي

لا تقتصر آثار السمنة على الجانب الصحي، بل تمتد إلى الاقتصاد والمجتمع. فالتكلفة العالمية المقدّرة بمليارات الدولارات سنوياً تعكس حجم الضغط على أنظمة الرعاية الصحية، إضافة إلى فقدان الإنتاجية والوفيات المبكرة.

وترتبط السمنة كذلك بالفقر، والوصمة الاجتماعية، وعدم تكافؤ فرص الوصول إلى الغذاء الصحي والرعاية الطبية. فهي لا تحدث في فراغ، بل ضمن سياقات اجتماعية واقتصادية تؤثر في مسارها ونتائجها.

في المملكة العربية السعودية، تمثل السمنة تحدياً صحياً مهماً في ظل التحولات السريعة في نمط الحياة، لكن المرحلة الراهنة، ضمن رؤية 2030 وبرامج التحول الصحي، تتيح فرصة لإعادة توجيه الجهود نحو الوقاية وتعزيز جودة الحياة.

ويمكن تعزيز الاستجابة عبر التثقيف الغذائي المبكر، ودعم النشاط البدني المجتمعي، وتبني سياسات غذائية صحية، وتكامل خدمات علاج السمنة ضمن منظومة شاملة ومستدامة.

إن وراء كل رقم في الإحصاءات المذكورة، إنساناً يحاول أن يعيش حياة طبيعية، طفلاً يتعرض للتنمر بسبب وزنه، شاباً يقلق من تكرار تجربة والده مع السكري، أمّاً تحاول موازنة ضغوط الحياة مع توفير غذاء صحي لأسرتها.

إذن، فالسمنة ليست رقماً في تقرير عالمي، بل تجربة يومية تتداخل فيها الصحة مع الكرامة والثقة بالنفس وجودة الحياة. وعندما ننظر إليها من هذا المنظور، ندرك أن مكافحتها ليست مجرد هدف صحي، بل قضية إنسانية ترتبط بحق الإنسان في بيئة تدعم صحته لا تعوقها.ومع حلول اليوم العالمي للسمنة، يتكرر السؤال: هل نكتفي برصد الأرقام، أم نعيد تصميم بيئاتنا وسياساتنا بما يحمي صحة الأجيال القادمة؟ وفي عالم يقترب فيه نصف السكان من دائرة زيادة الوزن والسمنة، لم يعد التعامل مع هذه القضية خياراً مؤجلاً، بل ضرورة صحية وأخلاقية. فالمسألة لا تتعلق بعدد الكيلوغرامات، بل بمستقبل صحة الإنسان.

* استشاري طب المجتمع.


مقالات ذات صلة

سرّ بسيط في طريقة أكلك قد يخفف آلام القولون العصبي

صحتك  تناول وجبات خفيفة بشكل متكرر يرتبط بانخفاض ملحوظ في شدة أعراض متلازمة القولون العصبي (بيكسلز)

سرّ بسيط في طريقة أكلك قد يخفف آلام القولون العصبي

تُعدّ متلازمة القولون العصبي من الاضطرابات الهضمية الشائعة التي تُلقي بظلالها على الحياة اليومية للمصابين بها.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
صحتك الخضراوات الورقية تُعدّ مصدراً غنياً بالمغنسيوم (بيكسلز)

زيادة الخضراوات الورقية في غذائك… هل تخفض ضغط الدم؟

الخضراوات لا تقتصر أهميتها على قيمتها الغذائية العالية، بل تمتد لتشمل تأثيرات فسيولوجية مباشرة قد تسهم في تحسين صحة القلب والأوعية الدموية.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
صحتك اليود يوجد في مجموعة من الأطعمة الشائعة مثل البيض والمأكولات البحرية مثل القريدس والتونة وسمك القد (بيكسلز)

هل تحصل على ما يكفي من اليود؟ عنصر أساسي قد تهمله

قد يغفل كثيرون عن أهمية بعض العناصر الدقيقة مثل اليود رغم دوره المحوري في الحفاظ على توازن الجسم ووظائفه الحيوية

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
صحتك يواصل الباحثون والأطباء في مستشفى هيوستن ميثوديست جهودهم لتوحيد مسارات البحث والتكنولوجيا ورعاية المرضى (الشرق الأوسط)

خطوات متقدمة نحو فكّ أسرار الخرف… وأمل جديد لعلاجات مستقبلية

في إطار مساعٍ علمية متسارعة لفهم الأسباب العميقة لمرض الخرف والتنكس العصبي والعمل على الوقاية منه وإمكانية عكس مساره مستقبلاً

«الشرق الأوسط» (هيوستن)
صحتك ما تشربه يومياً قد يكون عاملاً حاسماً في نجاح أو فشل خطتك لإنقاص الوزن (بيكسلز)

6 مشروبات صحية لإنقاص الوزن غير الماء

عند التفكير في فقدان الوزن، يركز معظم الناس على الطعام فقط، لكن الحقيقة أن ما تشربه يومياً قد يكون عاملاً حاسماً في نجاح أو فشل خطتك.

«الشرق الأوسط» (لندن)

سرّ بسيط في طريقة أكلك قد يخفف آلام القولون العصبي

 تناول وجبات خفيفة بشكل متكرر يرتبط بانخفاض ملحوظ في شدة أعراض متلازمة القولون العصبي (بيكسلز)
تناول وجبات خفيفة بشكل متكرر يرتبط بانخفاض ملحوظ في شدة أعراض متلازمة القولون العصبي (بيكسلز)
TT

سرّ بسيط في طريقة أكلك قد يخفف آلام القولون العصبي

 تناول وجبات خفيفة بشكل متكرر يرتبط بانخفاض ملحوظ في شدة أعراض متلازمة القولون العصبي (بيكسلز)
تناول وجبات خفيفة بشكل متكرر يرتبط بانخفاض ملحوظ في شدة أعراض متلازمة القولون العصبي (بيكسلز)

تُعدّ متلازمة القولون العصبي من الاضطرابات الهضمية الشائعة التي تُلقي بظلالها على الحياة اليومية للمصابين بها، نظراً لما تسببه من أعراض مزعجة تتراوح بين التقلصات والغازات والانتفاخ، وصولاً إلى الإسهال وعدم الارتياح المستمر. وبينما يركّز كثيرون على نوعية الطعام في إدارة هذه الحالة، تشير أبحاث حديثة إلى أن نمط تناول الطعام وعدد الوجبات اليومية قد يكون لهما تأثير لا يقل أهمية في تخفيف الأعراض.

ووفقاً لما أورده موقع «هيلث»، فقد كشفت دراسة جديدة عن وجود علاقة محتملة بين تكرار تناول الطعام خلال اليوم وشدة أعراض متلازمة القولون العصبي.

نتائج الدراسة

في دراسة نُشرت في مجلة «فرونتيرز إن بابليك هيلث»، شارك 204 أشخاص من المصابين بمتلازمة القولون العصبي في استبيان شمل معلومات عن تشخيصهم، وعاداتهم الغذائية، وخلفياتهم الاجتماعية والاقتصادية، بالإضافة إلى تقييم شدة الأعراض لديهم. وأفاد نحو نصف المشاركين بأنهم شخّصوا أنفسهم بالإصابة بالمتلازمة، في حين شكّلت النساء نحو 86 في المائة من العينة، وهو ما يتماشى مع حقيقة أن النساء أكثر عرضة للإصابة بهذه الحالة بنحو الضعف مقارنةً بالرجال.

وبعد تحليل البيانات، توصّل الباحثون إلى أن تناول وجبات خفيفة بشكل متكرر على مدار اليوم يرتبط بانخفاض ملحوظ في شدة الأعراض. كما كشفت النتائج عن اضطراب واضح في أنماط تناول الطعام لدى المشاركين؛ إذ أشار نحو 20 في المائة منهم إلى أنهم لا يتناولون وجباتهم بانتظام، بينما أفاد 30 في المائة بأنهم يتخطّون وجبة الإفطار بشكل متكرر.

وفي تعليقها على النتائج، أوضحت الدكتورة أدريانا جيريك، إخصائية أمراض الجهاز الهضمي في «كليفلاند كلينك»، أن هذه الدراسة تُعدّ الأولى التي تشير إلى أن الانتظام في تناول الطعام، إلى جانب اعتماد وجبات خفيفة ومتكررة، «قد يساهم في التخفيف من حدة أعراض متلازمة القولون العصبي».

لماذا قد تساعد الوجبات الخفيفة؟

تفسّر الدكتورة سوبريا راو، إخصائية أمراض الجهاز الهضمي، هذا التأثير بأن تناول كميات صغيرة من الطعام يخفف العبء عن الجهاز الهضمي مقارنةً بالوجبات الكبيرة. وتوضح قائلة: «قد تؤدي الوجبات الكبيرة إلى تحفيز تقلصات معوية أقوى وزيادة الحساسية لدى المصابين بالقولون العصبي، في حين أن تناول وجبات صغيرة ومتكررة يمكن أن يهدئ هذه الاستجابات، ويقلل من الانتفاخ، ويساعد على استقرار حركة الأمعاء».

من جانبها، تشير إخصائية التغذية يي مين تيو، المتخصصة في صحة الجهاز الهضمي، إلى أن حجم الوجبات وتكرارها يؤثران أيضاً على ما يُعرف بمحور الأمعاء - الدماغ، وهو نظام الاتصال المستمر بين الجهاز الهضمي والدماغ. فهذا المحور هو المسؤول عن الإحساس بالجوع، وكذلك عن الأعراض الهضمية المرتبطة بالتوتر.

وتوضح أن المصابين بمتلازمة القولون العصبي غالباً ما يمتلكون محور أمعاء - دماغ أكثر حساسية، ما يجعلهم يشعرون بعمليات الهضم الطبيعية بشكل أكثر حدة. وتضيف: «قد تساعد الوجبات الصغيرة والمتكررة على تقليل الضغط والشد اللذين يسببان الألم والإلحاح».

توصيات عملية

يتفق الخبراء على أن اعتماد نمط غذائي يقوم على وجبات صغيرة ومتكررة قد يكون خياراً مفيداً للأشخاص الذين يعانون من متلازمة القولون العصبي، خاصةً أولئك الذين تزداد لديهم الأعراض عند الاكتفاء بثلاث وجبات رئيسية يومياً. وقد يشكّل هذا التعديل البسيط في نمط الأكل خطوة فعّالة نحو تحسين جودة الحياة والسيطرة على الأعراض.


زيادة الخضراوات الورقية في غذائك… هل تخفض ضغط الدم؟

الخضراوات الورقية تُعدّ مصدراً غنياً بالمغنسيوم (بيكسلز)
الخضراوات الورقية تُعدّ مصدراً غنياً بالمغنسيوم (بيكسلز)
TT

زيادة الخضراوات الورقية في غذائك… هل تخفض ضغط الدم؟

الخضراوات الورقية تُعدّ مصدراً غنياً بالمغنسيوم (بيكسلز)
الخضراوات الورقية تُعدّ مصدراً غنياً بالمغنسيوم (بيكسلز)

في ظلّ تزايد الاهتمام بالأنماط الغذائية الصحية ودورها في الوقاية من الأمراض المزمنة، تبرز الخضراوات الورقية بوصفها عنصراً أساسياً في الأنظمة الغذائية الموصى بها، وعلى رأسها نظام «داش» الغذائي المصمّم للحد من ارتفاع ضغط الدم. فهذه الخضراوات لا تقتصر أهميتها على قيمتها الغذائية العالية، بل تمتد لتشمل تأثيرات فسيولوجية مباشرة قد تسهم في تحسين صحة القلب والأوعية الدموية. لكن ماذا يحدث فعلاً لضغط دمك عندما تبدأ في تناول كميات أكبر منها؟

1. انخفاض ضغط الدم

تتميّز الخضراوات الورقية باحتوائها الطبيعي على النترات الغذائية، وهي مركّبات تتحوّل داخل الجسم إلى أكسيد النيتريك في الدم والأنسجة. ويؤدي هذا المركّب دوراً مهماً في توسيع الأوعية الدموية، ما يساعد على تحسين تدفّق الدم وبالتالي خفض ضغطه.

ورغم أن الخضراوات الورقية تُعدّ مصدراً مهماً للنترات، فإن الأدلة العلمية حول تأثير زيادتها في النظام الغذائي على ضغط الدم لا تزال متباينة. فقد أظهرت بعض التجارب العشوائية المضبوطة نتائج إيجابية تشير إلى انخفاض ضغط الدم، في حين لم تسجّل دراسات أخرى تأثيرات ذات دلالة سريرية واضحة. ومع ذلك، تشير مجموعة من الأبحاث إلى وجود ارتباط عام بين زيادة استهلاك هذه الخضراوات وانخفاض مستويات ضغط الدم.

2. زيادة الحصول على البوتاسيوم

يسهم البوتاسيوم في الحفاظ على توازن السوائل داخل الجسم، كما يلعب دوراً مهماً في تنظيم ضغط الدم. فعند زيادة تناول هذا العنصر، يزداد طرح الصوديوم عبر البول، مما يساعد على خفض الضغط. كذلك يُعتقد أن البوتاسيوم يُحسّن مرونة الأوعية الدموية، مما يعزّز قدرتها على الاسترخاء.

وتُظهر الأبحاث وجود علاقة قوية بين ارتفاع استهلاك البوتاسيوم وانخفاض ضغط الدم. وتوصي بعض الإرشادات الصحية بتناول نحو 4700 ملليغرام يومياً لتحقيق هذا الهدف. وعلى سبيل المثال، يحتوي كوب واحد من البروكلي المطبوخ والمقطع على 229 ملليغراماً من البوتاسيوم، بينما يوفّر كوب من الكرنب المطبوخ نحو 170 ملليغراماً.

ورغم أن هذه الكميات قد تبدو محدودة، فإن إدراج الخضراوات الورقية ضمن نظام غذائي متكامل مثل «داش» يمكن أن يُحدث فرقاً ملحوظاً في التحكم بمستويات ضغط الدم.

3. تقليل خطر الإصابة بارتفاع ضغط الدم

تُعدّ الخضراوات الورقية أيضاً مصدراً غنياً بالمغنسيوم، وهو معدن أساسي يساهم في تنظيم ضغط الدم عبر عدة آليات، من بينها إرخاء الأوعية الدموية، والحفاظ على انتظام ضربات القلب، وتقليل امتصاص الصوديوم.

وقد أظهرت إحدى الدراسات وجود علاقة عكسية واضحة بين تناول المغنسيوم وخطر الإصابة بارتفاع ضغط الدم؛ إذ تبيّن أن الأفراد الذين يستهلكون أعلى مستويات من المغنسيوم تقل لديهم احتمالية الإصابة بفرط ضغط الدم بنسبة تصل إلى 34 في المائة مقارنةً بأولئك الذين يتناولون كميات أقل.

4. تعزيز دور الأمعاء في دعم صحة الضغط

توفّر الخضراوات الورقية كميات مهمة من الألياف الغذائية، التي تلعب دوراً غير مباشر ولكنه فعّال في دعم صحة القلب والأوعية الدموية. فعندما تصل هذه الألياف إلى القولون، تقوم بكتيريا الأمعاء بتخميرها، ما يؤدي إلى إنتاج الأحماض الدهنية قصيرة السلسلة (SCFAs).

وترتبط هذه الأحماض بآليات تنظيمية داخل الجسم تُسهم في تقليل الالتهاب وتحسين وظيفة الأوعية الدموية، وهو ما ينعكس إيجاباً على ضغط الدم. وتشير الدراسات إلى أن كل زيادة مقدارها 5 غرامات في تناول الألياف ترتبط بانخفاض ضغط الدم الانقباضي بنحو 2.8 مليمتر زئبقي، والانبساطي بنحو 2.1 مليمتر زئبقي، وهي كمية تعادل تقريباً ما يحتويه كوب واحد من البروكلي أو الكرنب المطبوخ.


هل تحصل على ما يكفي من اليود؟ عنصر أساسي قد تهمله

اليود يوجد في مجموعة من الأطعمة الشائعة مثل البيض والمأكولات البحرية مثل القريدس والتونة وسمك القد (بيكسلز)
اليود يوجد في مجموعة من الأطعمة الشائعة مثل البيض والمأكولات البحرية مثل القريدس والتونة وسمك القد (بيكسلز)
TT

هل تحصل على ما يكفي من اليود؟ عنصر أساسي قد تهمله

اليود يوجد في مجموعة من الأطعمة الشائعة مثل البيض والمأكولات البحرية مثل القريدس والتونة وسمك القد (بيكسلز)
اليود يوجد في مجموعة من الأطعمة الشائعة مثل البيض والمأكولات البحرية مثل القريدس والتونة وسمك القد (بيكسلز)

في خضم الاهتمام بالعناصر الغذائية الكبرى، مثل الفيتامينات والبروتينات، قد يغفل كثيرون عن أهمية بعض العناصر الدقيقة، مثل اليود، رغم دوره المحوري في الحفاظ على توازن الجسم ووظائفه الحيوية. ويُعدّ هذا العنصر ضرورياً بشكل خاص لصحة الغدة الدرقية، التي تتحكم في كثير من العمليات الأساسية، ما يجعل نقصه مشكلة صحية قد تمرّ دون ملاحظة، لكنها تحمل آثاراً بعيدة المدى.

تستخدم الغدة الدرقية - وهي غدة صغيرة على شكل فراشة تقع في مقدمة الرقبة - اليود لإنتاج هرمونات أساسية تساعد الجسم على أداء وظائفه الحيوية، مثل إنتاج الطاقة، وتنظيم درجة حرارة الجسم. كما تلعب هذه الهرمونات دوراً بالغ الأهمية في نمو عظام ودماغ الطفل، سواء قبل الولادة أو بعدها. ونظراً لأن الجسم لا يستطيع إنتاج اليود بنفسه، فلا بد من الحصول عليه من خلال الغذاء أو المكملات، وفقاً لما ذكره موقع «ويب ميد».

ما الكمية التي يحتاج إليها الجسم؟

تختلف احتياجات الجسم من اليود باختلاف العمر والمرحلة الحياتية؛ إذ يحتاج البالغون إلى نحو 150 ميكروغراماً يومياً. أما الرضع، فيحتاجون إلى حوالي 110 ميكروغرامات يومياً حتى عمر 6 أشهر، و130 ميكروغراماً من عمر 7 إلى 12 شهراً. وتتغير هذه الاحتياجات تدريجياً خلال الطفولة، ليحتاج الأطفال من 9 إلى 13 عاماً إلى نحو 120 ميكروغراماً يومياً، بما يتناسب مع نموهم وتطورهم.

ماذا عن فترة الحمل؟

يكتسب اليود أهمية مضاعفة خلال الحمل، إذ يؤثر بشكل مباشر في نمو الجنين، خصوصاً الدماغ. وقد يؤدي نقصه إلى مشكلات في التطور العقلي للطفل؛ لذلك تحتاج المرأة الحامل إلى كمية أكبر من اليود، تصل إلى نحو 50 في المائة أكثر من احتياجات البالغين. كما قد تكون النساء اللواتي يتجنبن منتجات الألبان أكثر عُرضة لنقص اليود خلال هذه الفترة، ما يستدعي الانتباه إلى مصادر بديلة أو استشارة الطبيب.

أثناء الرضاعة الطبيعية

تظل الحاجة إلى اليود مرتفعة خلال فترة الرضاعة، لأن الرضيع يعتمد على حليب الأم بوصفه مصدراً أساسياً لهذا العنصر. ولهذا يُنصح النساء المرضعات بالاستمرار في تناول مكملات اليود عند الحاجة، مع استهلاك نحو 290 ميكروغراماً يومياً، لضمان حصول الطفل على الكمية الكافية.كما يمكن للرضع الحصول على اليود من الحليب الصناعي أو الأطعمة الصلبة عند بدء إدخالها.

ما أولى علامات نقص اليود؟

من أبرز العلامات المبكرة التي قد تشير إلى نقص اليود ظهور تورم في الرقبة، يُعرف بتضخم الغدة الدرقية. ويحدث هذا التورم نتيجة التهاب الغدة، وقد يصاحبه في بعض الحالات ظهور نتوءات تُسمى «العقيدات»، ما قد يؤدي إلى صعوبة في التنفس أو البلع، خصوصاً عند الاستلقاء. ومع ذلك، لا يعني تضخم الغدة الدرقية دائماً وجود نقص في اليود، إذ قد تكون له أسباب أخرى، لذلك يُنصح بمراجعة الطبيب لتشخيص الحالة بدقة.

قصور الغدة الدرقية وعلاقته باليود

يُعدّ قصور الغدة الدرقية من أكثر النتائج شيوعاً لنقص اليود، حيث تعجز الغدة عن إنتاج الكمية الكافية من هرموناتها. وقد يؤدي ذلك إلى أعراض متعددة، مثل تساقط الشعر، وجفاف الجلد، والشعور المستمر بالبرد، والإرهاق، والإمساك، والاكتئاب، فضلاً عن زيادة الوزن بسهولة. وغالباً ما تتطور هذه الأعراض تدريجياً وقد تستغرق سنوات لتظهر، ما يجعل الانتباه لها واستشارة الطبيب أمراً ضرورياً عند ملاحظتها.

ما أبرز مصادر اليود؟

تُعدّ الطحالب البحرية من أغنى المصادر الطبيعية باليود، مع ملاحظة أن الكمية تختلف باختلاف نوع الطحالب. كما يوجد اليود في مجموعة من الأطعمة الشائعة، مثل البيض، ومنتجات الألبان (الحليب، والزبادي، والجبن)، والمأكولات البحرية مثل القريدس والتونة وسمك القد.

وعند رؤية عبارة «مُيَوَّد» على بعض المنتجات - مثل الملح - فهذا يعني أنه مدعوم باليود، وهو أحد أهم مصادره في النظام الغذائي اليومي. ومع ذلك، يجدر الانتباه إلى أن الملح المستخدم في الأطعمة المُصنّعة، مثل رقائق البطاطس أو الحساء المعلّب، غالباً لا يكون مدعوماً باليود.